نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا

ابراهيم عميش
مــدخــل
 
إذا كانت حركة التحرر الوطني قد استجابت فى مرحلة ما قبل الاستقلال في ليبيا؛ بالدرجة الأولى لمتطلبات المرحلة التحررية في مواجهة الاحتلال ومقاومته، وكانت في مُجملها ، صناعة ليبية متأثرة بالتطور الفكري والسياسي والديني والقومي؛ وكانت لها الغلبة فيما استجابت له المعطيات السياسية أو رفضته… أي فيما حققته حركة التحرر الوطني الليبي عبر تاريخها الساعي إلى تحقيق الاستقلال وقيام الدولة ؛ فأنها ستبقى تجربة تاريخية يجوز البناء عليها سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وهي جديرة في عالمنا العربي بالدراسة والاهتمام.

ولما كان نشاط و دور التيارات والأحزاب السياسية قبل الاستقلال في ليبيا قد تميز بالنضال الوطني التحرري المقاوم للاحتلال والرافض للاستعمار والمُطالب بوحدة البلاد واستقلالها في إجماع وطني عام؛ فإن مرحلة ما بعد الاستقلال قد تميزت بالنضال السياسي من أجل تحقيق كامل التحرر الوطني الديمقراطي في مواجهة الهيمنة الدولية على ليبيا في ثوبها الجديد، وإحتكار الملك إدريس السنوسي وإدارته التاريخية العتيقة للسلطة في البلاد بأسلوب وسياسات كانت قد تجاوزتها المرحلة ومعطياتها… وبحسابات تقليدية خاطئة في فهم الخارطة الجيوسياسية الدولية فيما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وتمركز القوى في مناطق نفوذ كل منها، وفيما بعد نشوب الحرب الباردة فيما بينها، وأثارتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى امتداد ساحل البحر الأبيض المتوسط … ومع نشوء وقيام دولة إسرائيل في فلسطين، فالملك إدريس السنوسي بشخصيته الأبوية الدينية لدى قبائل وعشائر البلاد المتأثرة فكرياً واجتماعياً بالحركة السنوسية؛ كان قد حقق استقلال البلاد بإتفاقات وعهود أبرمها مع القوى الدولية صاحبة السلطة والنفوذ والامتيازات في المنطقة، وأعتبر ذلك إنجازاً وطنياً حققته حكمة إدريس ودهاؤه وفهمه للعبة وموازين القوى آنذاك؛ ولم ينكر إدريس السنوسي إعجابه بالدولة البريطانية العظمى التي لا تغيب الشمس عن مناطق نفوذها وسطوتها في ذلك الوقت، وقد كان غيره الكثير من قادة العمل السياسي في البلاد العربية يعلن هذا الموقف وانحيازه للسياسية البريطانية، كما أن ذلك كان شرطاً بريطانياً لتحقيق استقلال البلاد وقّعه الأمير إدريس في لندن سنة 1949م…

وحين وصل السيد “أدريان بلت” مندوب الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بتأهيل البلاد لتطبيق قرار الأمم المتحدة بنقل السلطة وإعلان استقلال ليبيا ؛تقدمت الحكومة البريطانية بصورة من اتفاق لندن المُوقّع بالحروف الأولى بينها وبين الأمير إدريس السنوسي في شأن مستقبل البلاد ؛ ليكون المندوب الأممي على بينة، ويكون لهذا الاتفاق وزنه الدولي عند وضع أُسس الاستقلال وتسيير إجراءاته و نظمه الدستورية، غير أن مندوب الأمم المتحدة السيد “بلت” لم يعترف بهذا الاتفاق، واعتبره مُخالفاً لقرارات الأمم المتحدة، ولأن ذلك كان شرطاً بريطانياً ووعداً أميرياً؛ فقد وقّعت حكومة المملكة الليبية المتحدة في 29 يوليو – تموز سنة 1953 م على معاهدة أثارت تخوفاً إقليمياً، وكانت المدخل لنشوء مُعارضة وطنية ليبية لسياسات حكومات المملكة وارتباطاتها العائقة لتحقيق التحرر الوطني الديمقراطي الكامل، وزاد الأمر خوفاً بعد توقيع معاهدة ليبية – أمريكية تستأجر بموجبها القوات الأمريكية قاعدة “هويلس” بعد أن كانت تحتلها من الباطن الإنجليزي.

* * *

لم يستطع الملك إدريس السنوسي مواكبة ما يحدث من تطور سياسي واجتماعي، ولم يكن يعتقد أن هناك مُستجدات تستوجب التحول السياسي؛ بقدر ما كان يعتقد أن ذلك الارتباط هو المخرج الوحيد من الفقر وانعدام مقومات النهوض الاقتصادي والاجتماعي الذي تعانيه البلاد، وحاجتها إلى المساعدات المادية لتحقيق استقرار الدولة و حمايتها. وبحسب دستور البلاد، فإن الملك كان يملك ولا يحكم، فهو يملك التكليف بتشكيل الحكومة، ويملك إقالتها… وقد توالت على إدارة شئون البلاد منذ سنة 1951م إلى 1969م أحد عشرة وزارة، كان يختار في كل مرة شخصية سياسية تتولى تشكيل الحكومة دون أن تقدم برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً يعكس متطلبات المرحلة؛ بقدر ما كان يأتي التغيير في أعقاب أزمة سياسية محلية تعصف بالبلاد والحكومة. ولم يكن النظام في عمومه مواكباً للتطور الفكري والسياسي والاجتماعي، ولم يكن هناك تفاعل مع الأحداث في المنطقة العربية بما تستجيب له تطلعات الشعب الليبي في زمن الصعود القومي وسطوته، وقد خلا الخطاب السياسي لمجمل الحكومات المتعاقبة من برامج تُشبع الطموحات الوطنية للقوى السياسية الصاعدة في البلاد.

ولما كان الدستور الليبي يحظر قيام الأحزاب والتنظيمات السياسية؛ فإن الانتماءات الفكرية والسياسية المعارضة كانت واضحة بمعالمها وألوانها وفي الشارع الليبي وعلى صفحات الجرائد اليومية والإصدارات الدورية، وداخل البرلمان وفي برامج وسياسيات المرشحين لعضويته… وكان الشعب الليبي في عمومه مُتميز بانتماءاته الدينية والقومية، ومتفاعل مع قضايا العروبة والإسلام الساخنة في مصر وفلسطين وفي سوريا والعراق واليمن وفي الجزائر، وكانت في ليبيا قيادات إقليمية لفروع أحزاب سياسية قومية ودينية بكل ألوانها وإنحيازاتها؛ اليمينية واليسارية، المتشددة منها والمعتدلة، وكانت هذه التيارات والأحزاب بحسب تسلسل تاريخ نشأتها؛ تضطلع في ليبيا بدورها الوطني وبمعارضة الحكومة، وإلى جانب أهداف وإستراتيجيات الحزب التي تتبناها القيادة القومية أو المرجعية الدينية، وقد كان لهذه الأحزاب والحركات السياسية صداها في الشارع الليبي ودورها الفاعل في النقابات والاتحادات العمالية والطالبية، وفي المنتديات الثقافية والنوادي الرياضية والاجتماعية، فكان تنظيم جماعة الأخوان المسلمين، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت حركة القوميين العرب قبل و بعد النكسة بيمينها القومي ويسارها الماركسي، وكان حزب التحرير الإسلامي إلى جانب الجماعات المُستقلة بألوانها الفكرية المتعددة من أقصى اليسار التقدمي الاشتراكي إلى أقصى اليمين الليبرالي الديمقراطي.

* * *

تنظيم حركة الأخوان المسلمين

إذا كان تناول تنظيم “حركة الأخوان المسلمين” بالبحث ودراسة وتاريخ النشأة وتطور معطيات مراحلها؛ في الكثير من البلاد العربية والإسلامية لا يحتاج إلى كثير عناء؛ فإن بلد المنشأ “مصر” حيث وُلِدت، ومنها انطلقت كفكر وعقيدة ومنهج إلى مشرق ومغرب المنطقة العربية والإسلامية؛ وقد أغنت بزخمها ومنطلقاتها الساحة الفكرية والسياسية على امتداد العالمين؛ العربي والإسلامي منذ أسس مدرستها الفكرية – التنظيمية الأولى الإمام الشهيد حسن عبد الرحمن البنا سنة 1928 م لتصبح برصيدها الديني – الثقافي والسياسي من أغنى حركات الإسلام السياسي منذ غروب دولة الخلافة الإسلامية وولدت من رحمها تيارات عديدة للإسلام السياسي المعاصر بمواقعه وتصنيفاته المحافظة فيها والمتشددة؛ فقد لعب المكان دوره المحوري الذي أناطه الزمان به لتملأ فيه ومنه حركة الأخوان المسلمين الفراغ الفكري والسياسي، وتعّزي به الأمة العربية في مصاباتها التي تلاحقت عليها منذ صدر “وعد بلفور” من وزير خارجية بريطانيا العُظمى آنذاك اللورد “آرثر بلفور” إلى زعيم اليهود الإنجليز وراعي المنظمة الصهيونية اللورد “جيمس روتشيلد” بتاريخ 2 نوفمبر- تشرين الثاني سنة 1917 م والذي قرّه مجلس الوزراء بنصه التالي:

(إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بالعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وسوف تبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. ومن المفهوم أن هذا الإعلان لا يمثل تحيزاً ضد الحقوق المدنية والدينية لطوائف غير يهودية موجودة في فلسطين. كما أنه لا يؤثر على الأوضاع القانونية أو السياسية التي يتمتع بها اليهود في البلاد الأخرى. وسأكون شاكراً لكم إذا تفضلتم وأبلغتم هذا الإعلان لعلم الاتحاد الصهيوني.)

المخلص

آثر بلفور

لم تتنكر في البدايات الأولى حركة الأخوان المسلمين للبعد القومي العربي في استراتيجيات نضالها على طريق الإسلام السياسي، وكان لذلك معطياته التي شكلت على امتداد تطورها الفكري والتنظيمي؛ أحد أهم مرجعيات التشريع السياسي لقوى الصراع الإقليمي والإقليمي الدولي في زمن الانكسار العربي.. لتصبح في وقت من الأوقات من أهم عناصر (التشريع الثوري) لتغيير أنظمة الحكم… أو لدعمها، تحت غطاء الدين ومظلة العروبة، وبقدر ما أزعجت حركة “الأخوان” أنظمة وحكومات؛ بقدر ما ركنت إليها واستخدمتها ثورات العسكر وحكومات الاستبداد من بعد تحولها من حركة دعوية إلى حركة سياسية بعد عشر سنوات من تأسيسها، عندما أعلن المُرشد العام ، مؤسسها الشيخ حسن البنا سنة 1938م على صفحات العدد الأول من مجلة “النذير”: (… أن الجماعة ستنتقل من دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال …).

و في إطار التأريخ لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ يصف الأستاذ محمد صلاح الفترة بين 1939م و سنة 1949م بأنها، (من أخطر المراحل في تاريخ الأخوان؛ إذ شهدت استكمال البنى التنظيمية داخل مصر وخارجها و بداية بروز الدور السياسي للجماعة بدءاً من المؤتمر السياسي الذي عُقد في كانون الثاني – يناير 1939م و تحقيق الانتشار الواسع للجماعة و إنشاء “النظام الخاص” وصولاً إلى الجناح العسكري السري… إذ نفذ الجهاز بعض عمليات العنف و إغتال القاضي “أحمد الخزندار” في آذار – مارس 1948م لإصداره أحكاماً ضد أعضاء في الجماعة ضٌبطت و في حوزتهم متفجرات؛ وهو الحادث الذي دفع برئيس الوزراء آنذاك “محمود فهمي النقراشي” إلى إصدار قرار حل الجماعة، وقبل أن تمضي فترة طويلة إغتال الجهاز الخاص النقراشي نفسه لتزداد دائرة الصراع بين الأخوان وأعدائهم .) …(1)

وفي 12 فبراير – شباط سنة 1949 م اُغتيل مؤسس حركة الأخوان المسلمين في مصر الإمام حسن البنا من جانب عناصر من البوليس السياسي ليكون الحصاد المُر للعنف المتبادل.

* * *

هيئة الدعوة الإسلامية فى ليبيا

رغم أن ليبيا من أول البلاد العربية التي انطلقت إليها جماعة الإخوان المسلمين بعد فلسطين و السودان في منتصف القرن الماضي؛ غير أن صعوبة البحث عن المصادر التي يمكن الركون إليها في التأريخ لتنظيم حركة الإخوان المسلمين ونشأته في ليبيا كان محفوفاً بالمصاعب والمتاعب؛ ذلك أن الأخوة فى جماعة الأخوان المسلمين الليبيين كانوا على حرص دائم في التكتم عن الحديث أو الإجابة عن تساؤلات تعني بشئون الجماعة وعلاقاتها؛ وقد يعتبرون من يتناول علاقاتهم التنظيمية أو مواقفهم السياسية التكتيكية منها أو المبدئية بالبحث والدراسة إنما ينقب عن شئ لا يعنيه، خاصةً وان الوقت يثير لديهم علامات الشك والتعجب حول أهمية ذلك في ظروف محلية ودولية تتربص وتتحالف فيها قوى عديدة للنيل منهم؛ وهي الحركة الدينية – السياسية؛ الإسلامية والدولية الغنية بتراثها الفكري والعقيدي. ودورها السياسي الذي لا يجوز إهماله أو القفز عليه. وقد كانت لهذه الأسباب وغيرها؛ الصعوبة في الحصول على وثائق أو إصدارات (تخص الفرع الإقليمي) توثق لنشأة ودور تنظيم حركة الأخوان المسلمين في ليبيا، وإن كانت من أغنى حركات الإسلام السياسي وأقدمها أثراً منذ ما قبل منتصف القرن الماضي في البلاد؛ فتنظيم حركة الأخوان المسلمين في ليبيا له جذوره منذ بدايات نشأتها الأولى في مصر على يد الداعية الإمام الشهيد حسن البنا ومنذ عاصر عدد من المهاجرين والطلبة الليبيين حركات الإصلاح الديني بين جنبات الأزهر الشريف وفي أروقته وعلى صفحات الإصدارات الدينية، فلم تكن نشأة الأخوان الأولى نشأة سرية أو يجرمها قانون، وقد كانت إفرازاً لواقع المجتمع العربي المسلم الباحث عن مخرج من أزمة إنهيار دولة الخلافة في الآسيتانة.

وحتى لا تكون هناك تصورات مفترضة فقد تجنبت أن أركن إلى معلوماتي الخاصة أو مشاهداتي ومعايشتي للجماعة داخل السجون والمعتقلات أو خارجها، وذلك بحكم الطبيعة الخاصة لمجتمعنا الليبي وعلاقاته، وحتى لا أنزلق في متاهات الإنشاء والتأليف.

وبالبحث والتنقيب فيما تيسّر لى من مٌطالعات صادفتني واقعة تاريخية أعتبرها هي المدخل والتاريخ لنشأة تنظيم (الأخوان) في ليبيا؛ و قد كانت مبتورة في بعض جوانبها من حيث البيانات التفصيلية الخاصة بعناصرها… إلا أنني واصلت البحث عن وثائق كانت كفيلة بتكملة الواقعة ووقائع أخرى، ليكون المدخل لتاريخ نشأة تنظيم حركة الإخوان المسلمين في ليبيا. ففي (الفاتح) من شهر يونيو – حزيران 1949م وعندما أعلن الأمير إدريس السنوسي من قصر المنار في بنغازي استقلال برقة ؛ ألقى الحاكم العسكري البريطاني للإقليم ( السيد دي كاندول ) كلمة أكد فيها إعتراف بلاده بالأمير إدريس السنوسي رئيساً للحكومة المحلية في برقة وأعتذر عن عدم إمكان تسليم السلطة للأمير إلا فيما بعد زيارته للندن التي حدد لها يوم 9 يوليو – تموز القادم، وكانت قد سبقت ذلك التاريخ حادثة تجاوزت أبعادها نطاق السياسة المحلية كما يقول دي كاندول: (… في ذات يوم من أوائل يوليو – قبل سفر الأمير إدريس بأقل من أسبوع – و بينما كنت في إحدى زياراتي المعتادة للأمير ؛ أخبرني بأنه في مساء اليوم السابق سمع طرقاً على النافذة … فلما أستوضح الأمر.. وجد ثلاثة شبان غرباء يطلبون مقابلته بصورة مُلحه: وحين دخلوا عليه قالوا أنهم لاجئون من مصر بعد ما أُتهموا -زوراً- بالاشتراك فى جريمة اغتيال النقراشى باشا…)… وهنا يُهمش مترجم كتاب دى كاندول التعريف بالشبان الثلاثة بأنهم (كانوا من جماعة الإخوان المسلمين في مصر)(2) ، دون أن يذكر أسماء هؤلاء الثلاثة، إلا أنى وجدت في وثيقة أخرى تعريفاً لهم وتأكيداً للواقعة؛ يقول: (بدأ نشاط الأخوان المسلمين بالظهور في ليبيا منذ عام 1949م عندما لجأ إليها ثلاثة من الأخوان المصريين هم: “عز الدين إبراهيم و محمود يونس الشربيني وجلال الدين إبراهيم سعده” حيث قاموا بالتمهيد للحركة ببث الدعوة لها بين صفوف الشعب الليبي، وقد ساعدهم في ذلك عُمر باشا الكيخيا الذي كان يعمل حينئذ رئيساً لديوان الأمير إدريس السنوسي واستطاعوا أن يكوّنوا أول شعبة للإخوان في ليبيا تحت اسم: “هيئة الدعوة الإسلامية”) (3)

وإسترسالاً لما ترتب على هذه الواقعة يُكمل دي كاندول على لسان إدريس السنوسي له: (… لقد استجاروا بي متوسلين بإسم الواجب الإسلامي، ولم أجد بداً من إجابة طلبهم… لقد أجرتهم وأمرت بإسكانهم في قصر المنار…)… ويكمل دي كاندول: (… قلت للأمير إدريس بصراحة إن هذا التصرف يضعني في موقف حرج إذ أنني ما زلت مسئولاً عن الأمن العام و العلاقات الخارجية، فأصر الأمير على أنه لا يملك إلا أن يجير من يلجأ إلى حماه…)… ويضيف الحاكم العسكري البريطاني دي كاندول في كتابه: (… وحين رجعت إلى بنغازي علمت أن اثنين من كبار ضباط الشرطة المصرية قد وصلا من القاهرة جواً في مطاردة الرجال الثلاثة بعد ما تم إقتفاء أثرهم إلى حدود برقة، وكان من الغريب أننا لم نتلق أي معلومات عن الموضوع من القنصلية المصرية وبالتالي لم يكن بوسعي أن افعل شيئاً أكثر من رفع تقرير إلى الحكومة البريطانية، وبطبيعة الحال أخفقت عملية البحث عن الأشخاص الثلاثة وعاد الضابطان المصريان إلى القاهرة…)(4)

وقبل أن أُكمل الجانب الأمني والسياسي الذي تناوله دي كاندول؛ عما ترتب على هذه الواقعة التي تؤرخ لنشأة فرع حركة الإخوان المسلمين في ليبيا؛ تجب الإشارة إلى دلالة لجوء الإخوان الثلاث إلى الأمير إدريس السنوسي، ثم دلالة الموقف الذي اتخذه الأمير حيالهم رغم ما يمكن أن يترتب على ذلك من سوء علاقته بالحكومة المصرية آنذاك… فمما لا شك فيه أن إختيار الإخوان اللجوء إلى الأمير إدريس شخصياً يشير إلى معرفة مُسبقة بالحركة السنوسية بإعتبارها حركة إصلاح ديني؛ ووجوب التزام الأمير بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في إجارة المستجير وتأمين المُستأمِن، ثم أن موقف الأمير يشير بطرف بارز إلى تعاطفه معهم؛ بتأكيده للحاكم العسكري البريطاني بأنهم اتهموا (زوراً)… وقد يكون مرد ذلك موقف سياسي من حكومة النقراشي باشا، وبالـتأكيد أن الالتزام الأدبي والأخلاقي والديني تجاه جماعة الإخوان المسلمين “المصرية” كان الأكثر تأثيراً على الأمير.

ولم تنته واقعة لجوء الأخوان المسلمين الثلاثة عند هذا الحد… بل يُكمل الحاكم العسكري البريطاني روايته واصفاً رد فعل الحكومة المصرية فيقول: (… وسرعان ما جاء الرد المصري على تصرف الأمير … ففي اليوم التالي مباشرةً أًغلقت الحدود المصرية مع برقة كما أُلقي القبض على اثنين من الشخصيات السنوسية البارزة كانا يزوران مصر، وبعد ذلك طلبت الحكومة المصرية من حكومة بريطانيا تسليم الفارين رسميا، ولم أجد رداً مناسباً غير الإشارة إلى فروض الإسلام، تاركاً للسفارة البريطانية بالقاهرة أن تُجادل السُلطات المصرية كما تشاء)… ويختم دي كاندول بقوله: (… وهكذا فأن أول إجراء اتخذه الأمير بعد الاعتراف الرسمي به أقحمه في صدام مع الحكومة المصرية … وكان رأيي الشخصي أن نُسلّم الرجال المطلوبين… ولكن الأمير إدريس ظل متشبثاً بموقفه.”(5)

* * *

ولم يكن الخطاب السياسي الديني لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا يلقى صعوبة لدى سكان ليبيا لسببين:

• أولاً: إن أكثر من 98% من سكان ليبيا مسلمون ويتبعون مذهب الأمام مالك.

• ثانياً: إن جماعة الإخوان لم تكن من أهدافهم آنذاك بناء تنظيم سياسي؛ له برنامجه السرّي للإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا، وقد كانت هناك شخصيات اجتماعية ورموز وطنية معروفة ؛ يُشار إليها بالبنان؛ أن هذا من جماعة الإخوان المسلمين، وكانوا يُوصفون بالصفوة الصالحة… ولم تكن قامت ثورة عبد الناصر بعد.

و قد تمثلت علاقة الحركة الوطنية السياسية الليبية و فهمها لمنطلقات الخطاب السياسي – الديني لجماعة الإخوان المسلمين في المقال الذي نشرته جريدة “الوطن ” لسان حال جمعية ” عمر المختار ” في برقة بتاريخ 15 فبراير سنة 1949م و قبل وصول الإخوان الثلاثة إلى ليبيا و طلب اللجوء بخمسة أشهر؛ تنعى فيه مقتل الإمام حسن البنا كما تنعى النقراشي باشا في نفس المقال ، الذي جاء فيه: (بالأمس القريب فُجع العالم العربي بمصرع المغفور له دولة النقراشي باشا، وها هو اليوم يُفجع العالم الإسلامي بمصرع فضيلة المرشد الكبير حسن البنا، رجلان كلاهما مصري لا نشك في إخلاصه للعروبة والإسلام عامة، وللكنانة خاصة وإن اختلفت وجهات نظرهما و تباينت سُبل عملهما للصالح العام، ولكننا فقدناهما في أحرج الأوقات وعلى أسوأ الحالات، مهلاً يا شباب الكنانة وانتم أملنا المُرتقب لتكونوا أئمة الشعوب العربية والإسلامية في المُستقبل. مهلاً… فقد هدمتم بقتل النقراشي ركناً وطنياً عُرف بالنزاهة و الإخلاص، ولقد هدمتم بقتل حسن البنا صرحاً دينياً عماده التقوى والقوة.

ونحن لا يسمح لنا الموقف؛ و لعدة اعتبارات أن نبحث الأسباب الدافعة إلى الحادثتين الأليمتين وهي لا شك متضاربة لا متقاربة، إلا أننا نسمح لأنفسنا أن ننظر إلى الواقع على ضوء الحالة التعسة التي يعانيها العرب هذه الآونة… فنتساءل ؛ أّمن المصلحة أن يُقتل النقراشي الذي تحدى الإنجليز ورفض مفاوضتهم وإن أخذ عليه تكتمه وتريثه، أو أن يُصرع حسن البنا الذي أعد جيلاً مؤمناً بالدين على حقيقته… مستعداً للوطن بقوته وإن تطرف من اتباعه من تطرف. نناشدكم الله و الضمير يا فتيان مصر أن لا تتخذوا القتل وسيلة لإصلاح لقيادتكم…(6) “واتقوا فتنة لا تُصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة” (الأنفال. الآية: 25 )

* * *

إن ما تم التأريخ له و توثيقه الآن، لم يكن واضحاً آنذاك… وكان يُعتبر نشاطاً سرياً لإكتمال البناء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين وإن كانت بداية التنظير الفكري للإسلام السياسي قد أوضحه الإمام البنا في رسالته إلى المؤتمر الخامس عندما أضاف النشاط السياسي إلى عمل الجماعة في شكل رسمي بقوله: (إن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وهو السبيل النهائي للحياة بكل جوانبها، وإن الإسلام قابل للتطبيق في كل مكان وزمان)(7)

ذلك هو المنهج الذي يتضمن برنامجاً جامعاً شاملاً؛ يرسي قواعد الفكر والعقيدة و يُعد للعلاقة بالأخر ويسعى لتحقيق التكامل بين الدين والدولة في إطار أحكام الشريعة الإسلامية والعودة إلى القرآن الكريم والحديث الشريف. في البدء رفض الإخوان المسلمون الحزبية السياسية ودانوها منذ بدايات التأسيس للحركة في مصر عندما أطلق الإمام حسن البنا مقولته المشهورة بأن “لا حزبية في الإسلام”… غير أن أية دراسة تتناول جماعات الإخوان سواء في بلد المنشأ “مصر” أو البلاد العربية والإسلامية الأخرى؛ لا يمكنها ان تتجاهل المسارات التاريخية للحياة السياسية في بلادها أو إنطباق المفاهيم والتعريفات العلمية للحزب السياسي على تنظيم حركة الإخوان المسلمين كقوة حزبية:

• فهو هيئة سياسية تدعو إلى إصلاح النظام في الداخل وتُشّرع بأصول حق الولاية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.

• وهو مؤسسة اقتصادية تدعو إلى تدبير المال وكسبه وإنفاقه بما و فيما أوجبه الله في كتابه الكريم وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

• وكذلك هو منظمة اجتماعية تُمارس التطور والإصلاح بما يتفق ويُعزز ويؤكد الهوية و يذيب الفوارق بين الطبقات. (8)

* * *

إلتزمت جماعة الإخوان المسلمون فريضة الجهاد إذا ما توافرت شروطه المُوجبة له، وذلك ما كان صوغه في الخطاب الوطني لحركات التحرر في العالم الثالث وعُرف بــ “الكفاح المُسلح”، أو بالحق المشروع للمقاومة المسلحة، وهذا ما اضطلعت به جماعة الإخوان في مقاومة الاحتلال الإنجليزي في منطقة القناة، وفي فلسطين، وما رسّخ قواعده الوطنية في مصر وفي العالم العربي والإسلامي؛ وكان الواعز الديني والدافع الوطني الذي أكسبها ثقلاً سياسياً واجتماعياً دفع بالانقلابات العسكرية للتقرب منها والتودد للجماعة ليصبح الانقلاب العسكري “ثورة مُباركة”، فما من قائد أو ثوري انقلابي (طالب حكم وسلطة) جاء لهذه الأمة إلا وارتدى عباءة الإسلام ؛ حتى إذا ما تمكن من سلاح بقائه و انفراده بالسلطة جرّد الآخرين من كافة أسلحة الدفاع عن النفس؛ وخلع العباءة ليكتم بها الأنفاس ويخنق الرقاب، وذلك ما حدث في أول مواجهة وطلاق بائن بين الأخوان المسلمين في مصر وجمال عبد الناصر سنة 1954م، وقد تفاعلت في هذا العام (1954) الأحداث في كلا البلدين؛ وكان لتنظيم حركة الإخوان المسلمين باع في مصر وأثر في ليبيا.

ففي أعقاب حملة الإعتقالات و المطاردات التي استهدفت جماعة الإخوان في مصر وتوجيه التهمة لهم بتدبير محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في مدينة الإسكندرية؛ تمكنت جماعة أخرى من الإفلات من الاعتقال؛ والهروب إلى ليبيا، واللحاق بإخوانهم الذين سبقوهم سنة 1949م، وقد لقوا الترحيب من الملك إدريس كعادته، الأمر الذي شجعهم على متابعة نشاطهم السياسي والتنظيمي بين أصدقائهم من الليبيين، وقد نجح هذا الفريق في تكوين أول شُعبة مُنظمة للإخوان المسلمين في ليبيا و مارسوا نشاطهم بصورة علنية حتى اليوم الخامس من شهر أكتوبر – تشرين أول من نفس العام؛ ( 1954م ) حيث وقعت أول عملية اغتيال سياسي؛ قام بها الشاب “الشريف محيي الدين السنوسي” ابن ابن عم الملك إدريس السنوسي؛ بإطلاق الرصاص على ناظر الخاصة الملكية “إبراهيم الشلحى”، الأمر الذي أثار الملك بفقدانه أقرب أصدقاءه ومساعديه والقائم على خدمته منذ سنة 1913م، وقد ترتب على هذا الحادث أمرين:

الأول: شرخ عميق في الأسرة السنوسية؛ وإصدار الملك لمرسوم يُحظر بموجبه على جميع أفراد العائلة السنوسية ممارسة السياسة وتقلّد الوظائف الحكومية العامة.

الثاني: صدور أمر يمنع جماعة الإخوان في ليبيا من ممارسة نشاطهم السياسي، واتخذت بعض إجراءات “حاصرت” قيادته وبعض عناصره الليبية إثر شكوك في ثبوت علاقة للقاتل “الشريف محيي الدين السنوسي” بجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا.

وقد حاولت حكومة الرئيس عبد الناصر في فترات مُتقطعة كثيرة؛ مُطالبة الحكومة الليبية تسليمها عناصر من جماعة الإخوان، وفي كل مرة يُعرض فيها الأمر على الملك إدريس، كان يرفض الطلب ويُحيل المسئولين في الحكومتين الليبية والمصرية إلى الحظر الدستوري الليبي الذي يمنع تسليم اللاجئين السياسيين، ولم ينحصر نشاط جماعة الإخوان المسلمين “العلني” في طباعة بعض الإصدارات (السياسية – الدينية) المحدودة ولكنها كانت تواصل نشاطها التنظيمي “المصري – الليبي”، فبمثل ما كانت ليبيا ملجأ ومأمناً للإخوان طيلة العشرين سنة (1949م – 1969م)؛ كانت بيئة سياسية واجتماعية حاضنة، وكانت مركزاً للتواصل وخط دفاع أول في مواجهة ما تعرضت له الحركة وما أصابها في مصر قبل “النكبة” وإلي أن بدأ الصعود المتنامي للتيار الإسلامي على خلفية انتكاسة التيار القومي بعد حرب يونيو – حزيران سنة 1967م، وإلى أن تكررت ذات اللعبة مرة اخرى في ليبيا، وقامت هدنة لم تستمر طويلاً مع العقيد مُعمر القذافي (1969م – 1973م).

(2) حزب البعث العربى الإشتراكى

لما كان عنصر العاطفة في التكوين القومي للأمة؛ هو الشعور المُشترك بحياة واحدة ومصير واحد ورسالة واحدة؛ تقوم دعائمها على عملية تاريخية طويلة، ومتراكمة، تُشكل الوعي القومي بوحدة المصالح والمصير وتتفاعل فيها الأجيال المُتعاقبة وتتوارث خلالها المفهوم الاجتماعي السياسي الثقافي المشترك للهوية القومية ؛ فإن الأمة العربية الممتدة رقعة استيطانها الجغرافي من المحيط إلى الخليج، هي أمة عربية واحدة لها صفاتها المميزة سوسيولوجياً بما لم يتوافر لغيرها من الأمم في مختلف العصور وإن جُزأت بفعل مؤامرات الاستعمار والصهيونية، القديمة والجديدة المُستمرة، لذلك… ولأسباب أخري كثيرة؛ لا يُمكننا أن نقفز فوق مسار التاريخ لنتجاوز الدور الثقافي للفكر القومي العربي وأثاره على التحولات السياسية على امتداد جغرافية المنطقة العربية وما حولها، وقد كانت لإستراتيجيات وموازين القوى الدولية و أطرافها حساباتها المعنية بالأمن القومي العربي في عموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولأن الحال العربية متميزة بخصائصها القومية في الفكر الثقافي –السوسيولوجي– العربي، فإن شبكة التحولات السياسية عبر تاريخ الدولة العربية الحديثة على اختلاف مساراتها وألوانها وأهدافها، كانت في عمومها مُطعّمة بالنزوع القومي… سلباً وإيجاباً… تأمرا وتعاوناً… صدقاً وكذباً…

فبقدر ما كان الإنتماء القومي نزوعاً عاطفياً، ومن المكونات الفطرية في سلوك الوجدان العربي، كان غاية تبرر للحكام الانفراد بالسلطة، وإعلان الأحكام العرفية بقوانين استثنائية تُجيز نصب المشانق في الشوارع والساحات العامة، ويصبح مطلب الديمقراطية وسيادة القانون؛ خيانة عظمى وانتهاكاً للأمن القومي، فبحجة قومية المعركة وتحرير فلسطين؛ رُهنت شعوب الأقطار العربية طيلة الخمسين سنة الماضية؛ للتخلف الاجتماعي، وأُخضعت للقهر السياسي، وأُغرقت في مُثلث الجهل والبطالة والمرض، ولم يكن ذلك بفعل غير الرفاق، رفاق درب القومية الذين ولجو من المدخل العروبي إلى قصر السُلطة، وتنكروا لكل القيم و المبادئ والأهداف التي أسست لحركة القومية، وأقامت بُنيان جمعياتها وأحزابها السرّية منها و العلانية منذ أول مؤتمر عربي لممثلي الأحزاب والروابط والجمعيات القومية في شهر يونيو – حزيران سنة 1913م في باريس، وكان قد حدد منظمو المؤتمر، برئاسة عبد الحميد الزهراوي (1855–1916)؛ وقتذاك المهمة الرئيسية للمؤتمر في البيان الذي وجّهوه إلى ممثلي الجماعات القومية في؛ (… مناقشة التدابير التي ينبغي اتخاذها من أجل حماية أرضنا من أطماع الأجانب، وإنقاذها من الاستبداد والنير، وتصريف شئوننا الداخلية على أساس اللامركزية، والحيلولة دون انحطاط بلادنا واحتلالها من قِبلّ الغرباء)… ووفقاً للبيان؛ تضمن جدول أعمال المؤتمر المسائل الأربع التالية:

1- الحياة القومية والنضال ضد الاحتلال.

2- حقوق العرب من الإمبراطورية العثمانية.

3- ضرورة إدخال إصلاح على أساس اللامركزية.

4- النزوح عن سوريا والهجرة إلى سوريا [1]

* * *

وإلى جانب وحدة اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد التي تربط بين الشعوب المتجاورة وتُميزها عن غيرها من النظم الإقليمية في العالم؛ تميزت المنطقة العربية إلى جانب كل ذلك بِسمات خاصة وثابتة أخذت تتبلور في الفكر القومي العربي الجمعي مع اضمحلال الإمبراطورية العثمانية وزحف الجيوش الاستعمارية الأوروبية على الوطن العربي، وكانت القوى الصهيونية العالمية قد تمكنت من تحقيق أكبر عمليات الهجرة اليهودية الجماعية إلى الأراضي العربية بإتجاه تحقيق الهدف الصهيوني العالمي وإعلان قيام دولة إسرائيل… وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت ساحة الشرق الأوسط برقعته العربية بعد إبرازها لقوتها الدولية وقدراتها العسكرية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية.

وكان من الطبيعي أن لا تركن قوى التحرر الوطني العربي إلى الواقع الذي حيّدها إليه الاستعمار، وأن ترفض حال التردي الاقتصادي والظلم الاجتماعي والقهر السياسي المُصاحبة لمُخططات الإمبريالية للسيطرة الكاملة على الوطن العربي بعمومه، ولأن قوى الإمبريالية والصهيونية العالمية كانت تدرك حقيقة المُعطيات التاريخية العقيدية للقومية العربية فقد عملت على تجزئة المنطقة العربية وفصلها، ومحاولة تفكيك المقاومات الفكرية والسياسية والاجتماعية للقومية الواحدة لهذه الأمة؛ وقد مكّنتها بعض العناصر والقيادات الإقليمية المُوغلة في العشائرية القبلية والطبقية الإقطاعية من تنفيذ مُخططاتها وتحقيق مصالحها نظير أثمان بخسة وزهيدة حصرتها الإمبريالية في إقامة دويلات تخضع إدارتها لحكم ذاتي منقوص تحت إشراف الإدارات العسكرية الإنجليزية منها والفرنسية.

ومن هنا… من قلب هذا الواقع المُزري… وأملاُ في أن تنهض هذه الأمة بما لخصائصها التاريخية والحضارية من مقومات تؤهلها لصياغة خطاب سياسي يؤكد أهمية البعد القومي العربي في مواجهة الاستعمار والاستغلال والتخلف ويخترق التجزئة ليلاحم بين الشروط الموضوعية وبين العوامل الذاتية في مرحلة عجزت أن تُحقق فيها الحكومات والقيادات الإقليمية – القطرية منفردة الاستقلال التام والتحرر من رقعة الخضوع لمُخططات الاستعمار والصهيونية، كانت الولادة الطبيعية لنشأة الأحزاب والحركات السياسية التي اتخذت من الإيديولوجية مبادئ للتضامن العربي، وتفعيل الثورة العربية الشاملة، فكان حزب البعث العربي الاشتراكي من أول الأحزاب السياسية العربية والقومية التي انتقلت بالفكر القومي والتيار الثوري إلى واقع الفعل العملي من خلال فروع تُؤسس للحزب في سائر الأقطار العربية تعالج السياسات القطرية من وجهة نظر المصلحة العربية العُليا ؛ ففي السابع من شهر أبريل – نيسان سنة 1947م عُقد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي في دمشق بحضور ومشاركة نواة الحزب العربية من الأردن والعراق ولبنان؛ وغيرها من الطلبة العرب في الجامعة السورية والجامعة الأمريكية في بيروت.

كان النزوع القومي هو المُحرك الفاعل في حركة التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار والإمبريالية العالمية التي تجتاح العالم العربي دعماً لنفوذها و سيطرتها على المنطقة وتأسيساً لقيام دولة إسرائيل على الأرض في فلسطين… وكانت الوكالة اليهودية العالمية تعمل على إعاقة استقلال الدول العربية بالتأثير والضغط على الدول العُظمى لربط الاستقلال بإعلان قيام دولة إسرائيل؛ وقبول العالم العربي بها، وفي هذا أقنع رئيس الوكالة اليهودية “وايزمان” رئيس وزراء فرنسا آنذاك “ليون بلوم” بالضغط على الجنرال ديجول لإلغاء معاهدة سنة 1936 م وتأجيل انسحاب فرنسا من سوريا وتعطيل استقلالها الذي سوف يكون عقبة أمام إقامة دولة إسرائيل في فلسطين، وقد واجه ديجول انتفاضة الشعب السوري بقصف دمشق ومبنى البرلمان السوري بالمدافع في 29 مايو – آيار 1945 م، وكانت ثورة رشيد على الكيلاني 1941م في العراق، قد صعدت من إنتفاضة الشعب السوري ودفعت كل من أمريكا وبريطانيا لإعلان موافقتها على استقلال سوريا عن فرنسا سنة 1946م.

* * *

عندما بدأ حزب البعث نشاطه سنة 1941م كانت قد وُضعت قواعد مُختصرة… لم تكن دستوراً… ولكنها ضمّـنت المبادئ الأساسية في عقيدة الحزب ونصت صراحةً على مبادئ الوحدة و الحرية و الاشتراكية، وبقيت هذه المبادئ هي المُوجّهة للحزب ونشاطه الذي تركز في سوريا فقط… فلم تكن قد تأسست للحزب فروع أخرى حتى انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول في أبريل – نيسان 1947م… فقد كان فرع حزب البعث العربي في الأردن هو أول فرع للحزب يؤسس خارج سوريا بعد المؤتمر التأسيسي الأول بأشهر؛ ثم تبعه فرعا لبنان والعراق فيما بين عامي 1949م و1959م.

إعتمد المؤتمر التأسيسي الأول وأعلن في ختام أعماله دستوراً للحزب ضمنه ثلاثة مبادئ أساسية ؛ أكدت في مُجملها على أن: (العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة وأن تكون حرة في توجيه مُقدراتها ولهذا؛ فإن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حركة قومية شعبية انقلابية تناضل من سبيل الوحدة والحرية والاشتراكية، ويعتبر الوطن العربي وحدة سياسية – اقتصادية لا تتجزأ ولا يُمكن لأي قُطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته عن الأخر وهو القائم على هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية والتي تمتد بين جبال طوروس وجبال بشتكويه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط…) (2)

وقد نصّت المادة الأولى من المبادئ العامة للدستور على أن: (حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب قومي عربي شامل تُؤسس له فروع في سائر الأقطار العربية و يعالج السياسات القطرية من وجهة نظر المصلحة العربية العُليا)… كما وحدد المؤتمر التأسيسي في بيانه الختامي هذا، القوى التي تقف موقفاً عدائياً من الأمة العربية؛ والتي تحتل وتغتصب أجزاء من الأرض العربية وتؤازر الصهيونية وتستلب ثروة الوطن العربي؛ بأنها:

- بريطانيا، التي تحتل وادي النيل وفلسطين وشرقي الأردن والعراق وليبيا والمحميات.

- فرنسا، التي تحتل الجزائر وتونس ومراكش.

- وأمريكا التي تتدخل في شئون الشرق الأوسط وتؤيد الاستعمار البريطاني وتؤازر الصهيوني.

ومع مطلع عام 1954م كانت فروع حزب البعث العربي الاشتراكي قد بدأت بالتوسع والانتشار وتخوض معارك التحرر الوطني في عديد أقطارها العربية، سراً وعلانية، في برامج وخطط سياسية مُوحدة ومُنسجمة مع المبادئ الأساسية والأهداف القومية العامة للحزب الأمر الذي تهيأت معه أسباب وضرورة عقد (المؤتمر القومي الثاني) في شهر يونيو – حزيران سنة 1954م،وكان هذا هو الإجتماع الأول لممثلي قيادات الأقطار خارج سوريا والذي أُسس لإقامة تنظيم حزب البعث على المستوى القومي بإقرار النظام الداخلي للحزب وانتخاب أول قيادة قومية؛ قوامها سبعة أعضاء إلى جانب الأمين العام (ميشيل عفلق)؛ مارست قيادتها للحزب واستمرت عملياً حتى قيام الوحدة المصرية – السورية في الخامس من شهر فبراير – شباط سنة 1958م وإعلان حل التنظيم الحزبي في الجمهورية العربية المتحدة إمتثالاً وامتداداً للقرار الجمهوري المصري بحل الأحزاب السياسية وحظر قيامها في مصر، وهو – القرار السابق عن إعلان قيام الوحدة – لذلك، وبسبب اشتراك بعض أعضاء القيادة القومية للحزب في الحكم، أعلنت القيادة القومية للحزب قراراً يقضي بحل حزب البعث العربي الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودعىَ الأمين العام لجنة تحضيرية تمثلت فيها كل منظمات الحزب وفروعه للتحضير لعقد المؤتمر القومي الثالث للحزب خارج الجمهورية العربية المتحدة (سوريا – مصر).

* * *

في هذا الوقت، كانت كوادر التنظيم القطري لحزب البعث في ليبيا قد بدأت تتشكل على قاعدة البناء التنظيمي لحزب البعث العربي الاشتراكي التي وضع هيكليتها المؤتمر القومي الثالث للحزب على إثر انعقاده الاستثنائي في الفترة بين 27 أغسطس – آب والأول من سبتمبر– أيلول سنة 1959م في بيروت، لمعالجة الأوضاع الداخلية والخارجية للحزب وهي الأوضاع التي وصفها البيان الختامي بأنها أوضاع صعبة وفاصلة في حياة الحزب وكان المد القومي العربي يتصاعد أواره في البلاد (ليبيا)؛ وكانت أصداء الأحداث القومية الكبرى تُسمع من ليبيا؛ ظاهرة في الوجود الفعلي والتأثير الفكري للتيار القومي المؤدلج في التنظيم الحزبي للبعث العربي الاشتراكي فالمناخ الوطني الليبي العام كان مهيئأً للاستقطاب مما يكسب حركة التحرر الوطني الديمقراطي – بعد الإستقلال – آليات الصراع في مواجهة نواقص السيادة الوطنية وخروقات الاستقلال السياسي وما كبلت به بريطانيا ليبيا في نصوص و مواد “معاهدة الصداقة والتحالف” البريطانية الليبية المُوقعة في 29 يوليو – تموز سنة 1953م و كذلك المعاهدة التي أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حكومة الملك إدريس في 9 سبتمبر – أيلول سنة 1954م ، ومنحت بموجبها حق استعمال مناطق في ليبيا للأغراض العسكرية مقابل حصول ليبيا على معونة قدرها 7 مليون دولار ، بالإضافة إلى منّح قدرها 4 مليون دولار تًدفع للحكومة الليبية سنوياً على مدى إحدى عشر سنة ؛ إبتداء من يوليو – تموز سنة 1960م.

* * *

عندما إحتدٍم الصراع العربي – البريطاني على امتداد الوطن العربي، وتصاعدت حدة المواجهة في فلسطين والأردن والعراق، ثم إلى درجة إعلان حالة الحرب بالاعتداء الثلاثي… الإسرائيلي – الفرنسي – البريطاني في 31 أكتوبر – تشرين الأول سنة 1956 م على مصر (عبد الناصر) كانت قد أثارت بريطانيا شعوراً عدائياً لدى الشعوب العربية بما اتخذته من مواقف الدعم للكيان الصهيوني وقيام دولة إسرائيل على حساب حرية وأمن الشعب الفلسطيني، وعلى حساب أمن واستقرار دول الجوار العربي؛ وقد بلغ العنف الإسرائيلي مداه في الأراضي الفلسطينية من المذابح الجماعية إلى التهجير العنصري في عراء المخيمات؛ لذلك أحتل المشروع القومي الأولوية عن ما عداه من مشاريع التحرر الوطني في العالم العربي.

ولم تكن ليبيا خارج برامج التثوير القومي في تعليمات وتوجيهات القيادة القومية – التنظيمية و السياسية – لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت القاهرة مركزاً لنشاط عناصر وقيادات البناء التنظيمي لفروع الحزب في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا حيث التحقت جماعة من الطلبة الليبيين ممن مكّنتهم ظروف أسرهم المادية من الالتحاق بالجامعات المصرية بالقاهرة والإسكندرية، فلم تكن قد تأسست الجامعة الليبية بعد [3]… وكان من الرعيل الجامعي الأول وممن التحق بحزب البعث وشكّل النواة الأولى؛ ثم القيادة القطرية للحزب في ليبيا:

• المرحوم/ الأستاذ عامر الدغيس [4]

• الأسـتـاذ/ عبـد الله شـرف الدين [5]

• الأسـتـاذ/ مـنـصــور الـكـيخــيـا [6]

وإذا ما إعتمدنا مفهوم الصفوة أو النخبة؛ فإن عناصر وقيادات حزب البعث في ليبيا كانت من الصفوة الوطنية السياسية المُثقفة في المجتمع الليبي وقتذاك، ولم تقتصر “الطبيعة النخبوية ” على المجموعة المؤسسة لفرع الحزب بل امتد هذا الطابع إلى المُنظمين إليه بعد تأسيسه في القاهرة سنة 1954 م، فكان منهم: إبراهيم حافظ وإبراهيم الهنجارى ومحمد حسين الصغير[7] وخليفة الأسطى وسليمان فارس ومحمود بانون وصالح الشريف وعامر البكوش وعثمان البيزنطي وعبد العاطي حداش [8] وفريد حسين أشرف ومحمد فرج حمى [9] ومحمد أحمد السكر والنقيب محمد فرج التومي [10] ومحمد نجاح… ومحمد الصيد… وآخرون .

* * *

كانت أحداث الإعتداء الثلاثي على مصر أول مواجهة يختبر حزب البعث فيها قدرات قياداته القطرية وعناصره في ليبيا على صدام مباشر مع حكومة الملك إدريس، ولأن عبد الناصر كان قد ألهب المشاعر القومية على امتداد الوطن العربي، فقد كان لتداعيات الاعتداء الثلاثي – الإنجليزي – الفرنسي – الإسرائيلي – على مصر أثره البالغ على الأوضاع السياسية لكل من الحكومة والمعارضة على السواء، فمع إعلان صوت العرب من القاهرة 31/10/1956م؛ أن مصر: تتعرض لهجوم استعماري ثلاثي مُسلح، يستهدف السيطرة على قناة السويس واحتلال مدينة غزة وصحراء سيناء وأن المقاومة الشعبية تتصدى للغزو الصهيوني الاستعماري في السويس وبور سعيد وكل مدن القنال، واستجابة لنداءات عبد الناصر التعبوية اندلعت في مدن الولايات الليبية الثلاث مظاهرات عارمة تندد بالاعتداء على مصر، وتطالب الحكومة الليبية بإلغاء المعاهدتين مع كل من بريطانيا وأمريكا وجلاء القوات العسكرية عن ليبيا وكان لعناصر حزب البعث الباع الأكبر فى قيادة المظاهرات وتصعيد المواجهة بإحراق و تفجير (نادي الضباط الإنجليز) في طرابلس، وقد برزت في سياق أحداث الاعتداء الثلاثي و تداعياته الدولية و الإقليمية معارضة وطنية احتلت مكانتها النضالية في التجمعات الشعبية لفئات وشرائح المجتمع المدني – عمال، أرباب مهن وحرفيين، محاميين، مدرسين وطلبة إلى جانب تجمعات المثقفين و الحزبيين في المقاهي والمنتديات الثقافية والرياضية – انعكست مفاعيلها في كتلة برلمانية تطالب الحكومة بإعادة النظر في المعاهدتين البريطانية و الأمريكية وإلغاء الامتيازات الممنوحة لقواعدها العسكرية في ليبيا، الأمر الذي ألزم رئيس الحكومة (مصطفي بن حليم) بمطالبة الحكومة البريطانية بإعادة النظر في بعض النقاط الواردة في المعاهدة البريطانية الليبية و الحصول على تأكيدات بأن القواعد العسكرية لن تستخدم ضد مصر… ألتزاماً بنص المادتين الثانية والرابعة من معاهدة الصداقة والتحالف المُلزمة للحكومة البريطانية “بعدم استعمال قواتها المٌرابطة في ليبيا في أي نزاع مُسلح ضد أي بلد عربي”… وفي هذا يقول مصطفي بن حليم: ((“في مساء يوم 31 أكتوبر 1956 أستدعيت السفير البريطاني ودار بيننا اجتماع عاصف أُلخصه فيما يلي: إستهل السفير كلامه بالاعتذار عن تغيبه عن السفارة طوال اليوم قائلاً: “… لا شك عندي أنك ستعذرني عندما تعرف السبب في تغيبي طول اليوم، لقد استقليت طائرة نفاثة من طائرات سلاح الطيران البريطاني وطرت إلى لندن لأنني شعرت أننا نواجه حالة شديدة الخطورة لا تنفع البرقيات في معالجتها؛ لذلك ذهبت بنفسي إلى لندن وقابلت وزير الخارجية على عجل ووصلت منذ ساعة، وأود أن أسّر إليك يا سيادة الرئيس “على أن يبقى هذا سراً بيننا “… أنه كان هناك خلاف بين رئاسة الأركان و وزارة الخارجية،فيما ترى رئاسة الأركان ان نصوص معاهدة التحالف لا تضع استعمالاً محدوداً للقواعد البريطانية في ليبيا في حالة حرب، فإن وزارة الخارجية “بناء على نصحي و إلحاحي الشديدين” رأت أنه لا يجوز استعمال القواعد البريطانية في ليبيا بأي حال من الأحوال و بأي قدر من المقادير، وأنه يجب اعتبار أن القواعد البريطانية في ليبيا غير موجودة إطلاقاً فيما يتعلق بالحملة العسكرية على مصر…)[11] … ويضيف السفير البريطاني لرئيس الوزراء مصطفي بن حليم قائلاً: “… ولقد تمكنا من إقناع رئاسة أركان الحرب بوجهة نظرنا”)).

* * *

ولأن بريطانيا قد بدأت تفقد أهم مراكزها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بجلاء قواتها عن مصر، وتأميم عبد الناصر للشركة العالمية للملاحة في قناة السويس ومظاهر سيطرته على الحدود والممرات الاستراتيجية على الأرض وفي البحرين الأبيض و الأحمر، ومع احتدام حدة صراع الاستقطاب في الشرق الأوسط، تصاعدت وتيرة المواجهة في حرب باردة بين الاتحاد السوفيتي المتزعم لدول المعسكر الاشتراكي والولايات المتحدة الأمريكية القائدة للمعسكر الرأسمالي، وهي الحالّة محل حليفتها بريطانيا في مراكز النفوذ الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وحماية الدولة (العبرانية) في إسرائيل، لذلك، ولأسباب أخرى كثيرة من أهمها ؛ أن أدوات الصراع التي يسعى كل طرف – روسيا – أمريكا – إلى الاستحواذ عليها، لمنازلة الآخر بها ، … ليست إلا قوى السلطة المحلية (ملوك… أمراء… رؤساء، أو القوى السياسية البديلة).

* * *

كان من الصعب على الحكومة الليبية وقتها (1956م) أن تطلب من بريطانيا إلغاء المعاهدة معها أو جلاء قواتها عن قواعدها العسكرية في ليبيا لسببين:

الأول: أن الملك إدريس السنوسي ما زال يقيد نفسه بما يحمله من شعور بالدين المعنوي تجاه المملكة البريطانية التي قدمت له كافة وسائل الدعم لتشكيل الجيش السنوسي (1940م) وساعدت بلاده على التحرر من الاستعمار الإيطالي الفاشي، وهي التي اعترفت به أميراً على إقليم برقة، وهي التي ما زال يعتقد أنها القوة العُظمى المهيمنة على إدارة شئون العالم، وهي التي يمكنها الإطاحة بأي من يناوئ مصالحها، وهو الذي يخشى إلى جانب ذلك مكرها و يحذر مؤامرات و كيد ساستها.

ثانياً: الوضع الاقتصادي الصعب وما خلفته، سنين الحرب من دمار إلى جانب حاجة الدولة الماسة إلى إيرادات تغطى ميزانيتها المتواضعة إلى جانب أن أهم أجهزة الدولة الإدارية والمالية كانت وما تزال تسير من خلال عدد كبير من الخبراء والمستشارين الإنجليز، وكانت البنى الأساسية شبه معدومة (الصحة والتعليم والمواصلات وحاجة البلاد الماسة إلى المياه والكهرباء)، وليس من مورد سوى ما تدفعه بريطانيا بموجب معاهدة الصداقة والتحالف (1953م) وتأجير القواعد العسكرية و هو مبلغ 4/3 2 مليون جنيه إسترليني سنوياً لتغطية عجز الموازنة ، زائد مليون واحد سنوياً لأغراض التنمية، وما تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية بموجب اتفاقية (أكتوبر 1954م) وهو مبلغ 7 ملايين دولار مخصصة للتنمية الاقتصادية تحت إشراف (المجلس الليبي – الأمريكي) لإعادة الإعمار.

وكان لعناصر وقيادات حزب البعث في ليبيا دورها فى ربط الاستقلال والتحرر الوطني في البلاد بمستقبل المشروع القومي العربي، وقد تسللت عوامل القلق وعدم الاستقرار إلى أجهزة وقوى النظام الملكي في ليبيا؛ خوفاً من عدوة ناصرية تصيب المؤسسة العسكرية وقد شاعت عوامل الثورة القومية وأيديولوجية الوحدة العربية كمخرج ومنقذ وحيد للوطن العربي المستهدف من القوى الإمبريالية المتربصة به، وكان قد قبض عبد الناصر على ناصية الشارع السياسي العربي في مواجهة مشروعي “سوريا الكبرى” و”الهلال الخصيب” وتعبئة الرأي العام العربي لإسقاط ما كان يُسمى بــ “حلف بغداد”… وقد إستقوى عبد الناصر بالتيارات القومية والأحزاب التقدمية وعلى رأسها كان حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تواءم مع قومية عبد الناصر وزعامته (بما هو مفيد وما هو ضار) تحت ضغط الشارع العربي، وفي حال النشوة العاطفية التي كانت هي الأقوى من التأسيس السياسي والدستوري لدولة الوحدة و نواتها (المصرية – السورية) التي لم تدم أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة.

وبقدر ما أهتز النظام الملكي وحكومة الملك إدريس في ليبيا لسقوط الملكية وقيام ثورة 17 يوليو – تموز سنة 1958م بقيادة عبد الكريم قاسم في العراق وقيام الجمهورية؛ بقدر ما تُعزز دور حزب البعث وقوية شوكة عبد الناصر بمحاولة اغتيال قاسم في خريف 1959م ولجوء قطبي (المحاولة والقيادة القطرية للحزب) فؤاد الركابي وصدام حسين إلى حمى عبد الناصر؛ وقد توطدت رفاقية العلاقة الحزبية على ضفاف نيل القاهرة – بتسهيلات استخباراتية مشوبة بحذر ناصري – بين عناصر القيادتين القطريتين للحزب في العراق وليبيا، فقد شارك صدام حسين ومدحت جمعة وسعدون حمادي[12] رفاقهم من عناصر وقيادات البعث في ليبيا في ترتيب أولويات النضال القومي في منطقة المغرب العربي بما يمكـّن قيادة القطر الليبي من بناء مواقع للحزب داخل المؤسسة العسكرية للجيش الملكي الليبي؛ وإعدادها للقيام بانقلاب عسكري يُطيح بالنظام وحكومة الملك إدريس ؛ تقوده وتوجهه القيادة المدنية للحزب في ليبيا.

وكان قد انعقد المؤتمر القومي الرابع للحزب في (بيروت) في أواخر شهر أغسطس – آب سنة 1960م تنفيذاً لقرار المؤتمر القومي الاستثنائي (الثالث) بعقد مؤتمر قومي عادي بعد سنة واحدة…

وكانت هناك قضيتان تستأثران باهتمام البعثيين هما: وضع الحكم في الجمهورية العربية المتحدة (مصر – سورية) وموقفها من الحزب، وقضية محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وما تبعها من تردي الوضع في العراق، لذلك أولى المؤتمر الرابع للحزب قضية (أسلوب العمل الحزبي أهمية خاصة، وركز أبحاثه حول الطرق التي يتوجب على الحزب (البعث)، وعلى الحركات القومية التقدمية الأخرى في الوطن العربي اتباعها لتحريك الجماهير الشعبية و دفعها لمتابعة نضالها في سبيل “الوحدة والحرية والاشتراكية”.

ووفقاً لتوصياته المبدئية العامة، وتوصياته السياسية، وتوصياته حول أسلوب العمل التي رفعها للقيادة القومية الجديدة للحزب؛ أدان المؤتمر القومي الرابع قرار حل فرع الحزب في الجمهورية العربية المتحدة واستنكر الأسلوب الذي جاء اعتماداً على الوعود والنوايا وليس نتيجة لدراسة علمية للواقع الاجتماعي والسياسي.

وأشارت القيادة القومية في تقريرها للحزب في أواخر أغسطس – آب سنة 1960 م إلى: (أن التطورات التي حدثت في ال ج.ع.م خلقت انطباعاً شاملاً بان قرار الحزب (في الإقليم السوري) كان خاطئاً من أساسه، ولم يصدر عن مؤتمر قومي للحزب، ولا عن القيادة القومية بشكل نظامي، ولم يكن لقيادة الحزب خارج سوريا رأي جَدّي في الموضوع بل أن هذه القيادات جُوبهت بالأمر الواقع… وقد وضع الحزب عملياً أمام الأمر الواقع خلال مفاوضات الوحدة، وكان على قادته الذين طرحوا شعار تحقيق الوحدة وفرضوه في سوريا أحد أمرين: إما أن يقبلوا بالوحدة بالشرط الذي أشترطه عبد الناصر، أو يرفضوا شروط عبد الناصر فتفشل الوحدة ويظهر الحزب أمام الرأي العام العربي كمُعرقل للوحدة… وقد أصبح الحزب محصوراً بين احتمالين: إما وحدة على أساس ديكتاتوري… وإما انفصال، ولم يكن أمام الحزب إلا أن يختار الوحدة و لو مُجردة من المحتويات الملازمة لها. فمسئولية الحزب الكبرى هي؛ أنه هو الذي حرك الجماهير نحو الوحدة دون أن ترافقه الضمانات الكافية…).

وعن مسألة (استلام الحزب للحكم) أضافت القيادة القومية في تقريرها هذا: (أننا عندما نقول أن الحزب أداة حية لتحقيق أهدافه فأننا نعني بصورة من الصور أن الحزب أداة حية للحكم… وأننا نعني بصورة من الصور أن الحكم أداة حية لتحقيق أهداف الحزب. فمسألة استلام الحزب للحكم يجب أن لا تُثير أي تساؤل بعد الأن في كافة أوساط الحزب لأن ثورية الحزب لا تقترن إطلاقاً بموقفه من الحُكم وانما يجب أن تقترن دائماً بأسلوب الوصول إلى الحكم وشكل هذا الحكم. أن ثورية الحزب لا تكون في رفض الحكم وإنما في رفض اعتبار الحُكم نقطة البدء في تحقيق أهداف الحزب… إن العمل الثوري يتجسد في قترة من فترات التغيير في المجتمع باستلام الحُكم، وإن أي تباطؤ أو تلكؤ في استلام الحُكم يكون عملاً انهزامياً مُخرباً…) [13]

وفي توصياته السياسية التي أصدرها المؤتمر القومي الرابع للحزب في ختام أعماله، وفيما يعنيه شأن حزب البعث في ليبيا: (لاحظ المؤتمر وجود إمكانيات كبيرة لتحقيق انطلاقة حزبية واسعة في ليبيا، كما لاحظ سلامة البداية فى بناء الحزب من حيث صحة التركيب الاجتماعي للحزب واعتماده أساساً على قوى شعبية وعمالية، لذا فالمؤتمر القومي الرابع يوصي القيادة القومية بالعمل (في القُطر الليبي) على:

1- الاستفادة من سلامة التركيب الاجتماعى والبداية على أُسس متينة والاستفادة منها كتجربة هامة في العمل الحزبي… 2- تقوية الاتصال بها لإغناء القيادة المحلية بكل تجارب الحزب وإمكانياته… 3- توحيد الحركة العُمالية في ليبيا و تحقيق علاقاتها بالحزب.

* * *

ومع حلول سنة 1962م وانسجاماً مع توصيات المؤتمر القومي وتوجيهات القيادة القومية، كان الفرع القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في ليبيا قد حقق انتشاراً سياسياً واجتماعياً من خلال أدواته الإعلامية (منشورات سياسية، مقالات صحفية وندوات عامة) ومواقع عناصره في النقابات والاتحادات المهنية والطلابية، وكانت قد صدرت التعليمات إلى وزارة الداخلية وأجهزة الأمن العام بتكثيف المراقبة والمتابعة لعناصر الحزب في البلاد ورصد تحركات قياداته التي ظهرت آثار توجهاتها الفكرية والسياسية ونشاطاتها الحزبية داخل أجهزة الإدارة والحكم في ولايتي طرابلس وبرقة والمساعي التي يبذلها ويُمهد بها كل من عامر الطاهر الدغيسي وعبد الله مصطفى شرف الدين في طرابلس ومحمد فرج حمى في بنغازي؛ الأول للترشيح لعضوية مجلس النواب، والثاني لعضوية المجلس التشريعي وقد تقدم بطلب الترخيص له بإصدار جريدة “الأيام”… والثالث بما عُرف عنه تحريضه العلني ومعارضته لسياسات النظام ونشره أفكار حزب البعث وتأييده لسياسات عبد الناصر القومية، إلى جانب ما وصفته تقارير الملاحقات الأمنية بخطورة تأثيراته الحزبية في الوسط الطلابي بالجامعة الليبية بإعتباره موظفاً بكلية الآداب “مُسجل الكلية”… إلى جانب رصد تحركات عدد من عناصر الحزب العربية من غير الليبيين، كان على رأسهم “الدكتور سعدون حمادي” الموظف بمصرف ليبيا المركزي، والفلسطينيين تاج الدين غانم، ومحمد بن محمود الذي كان يعمل مستشاراً قانونياً بمكتب رئيس الوزراء.

* * *

ولما كانت نكسة الانفصال في 27 سبتمبر/ أيلول سنة 1961م إحباطاً أصاب الروح القومية والإرادة السياسية للأمة العربية؛ فإن رزمة الاتهامات التي وُجهت إلى عبد الناصر من طرف القيادة القومية لحزب البعث، قد قابلها عبد الناصر – وبدافع الرغبة في نفض يده من مسئولية فشل تجربة الوحدة “المصرية -السورية” وحدوث الانفصال – بفتح جبهة صراع استهدفت عناصر وكوادر حزب البعث وبعض القوى الوطنية السورية التي وجدت في عدم مراعاة الخصائص المحلية “السورية” نوعاً من القسرية الأحادية، إلى جانب الأخطاء القاتلة التي نُفذت منها المُخططات التآمرية، ومهدت الطريق لحدوث عملية الانفصال… (وبخاصة مسلك النظام في حل الأحزاب الوطنية والوحدوية وتصفية الديمقراطية، وتعزيز هيمنة عبد الحكيم عامر ومجموعته العسكرية في سوريا)[14] وقد امتدت جبهة الصراع الناصري ضد حزب البعث من القاهرة إلى سوريا والعراق شرقاً… وإلى المملكة الليبية غرباً، وما عادت خيمة عبد الناصر تحمي عناصر وقيادات البعث (إلاّ ّمن خالف في رؤاه البعث والتحق بالناصرية) الأمر الذي أفسح المجال لحكومة الملك إدريس للتظلل بمظلة عبد الناصر المتوجس شراً من نشاطات حزب البعث في ليبيا.

وتهيأت الأسباب مع الذكرى العاشرة لثورة عبد الناصر، في يوليو – تموز سنة 1962م وعلى أثر انتشار طائفة من المنشورات التي أصدرتها وعممتها القيادة القطرية وعناصر حزب البعث في ليبيا: قامت أجهزة الأمن في كل من ولايتي طرابلس وبرقة وبإذن من النيابة العامة بضبط واعتقال عناصر وقيادات الحزب ووجهت لهم تهمة: “تشكيل تجمع حزبي دون الحصول على ترخيص”… وإصدار منشورات تُحرض القوات المُسلحة على القيام بانقلاب عسكري يُطيح بالنظام في البلاد…”[15]

وقد تمكن عضو القيادة القطرية للحزب في ليبيا المحامي عبد الله شرف الدين من مغادرة البلاد إلى القاهرة قبل اعتقاله، وكان ما يزال بالقاهرة كل من صدام حسين، كريم الشيخلي، حاتم العزاوي، طه ياسين العلي، ومدحت إبراهيم جمعة الذي أقترح أن يبقى شرف الدين بالقاهرة بإنتظار ما تُسفر عنه نتائج التحقيقات. وفي أواخر شهر أغسطس – آب وبعد صدور الأحكام القضائية غادر شرف الدين القاهرة عائداً إلى طرابلس حيث سلّم نفسه طوعاً لتنفيذ الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، قضى بعضاً منها مع رفاقه في سجن مزدة قبل أن يصدر الديوان الملكي مرسوماً بإسم الملك محمد إدريس السنوسي يقضي بالعفو عنهم جميعاً وعودتهم إلى أعمالهم ومزاولة مهنهم.

* * *

- فى الحلقة القادمة: نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا (3) حزب التحرير الإسلامى

- راجع الحلقات السابقة

________________________________________

(1) راجع: “الأحزاب والحركات القومية” الجزء الثانى إشراف على ناصر محمد، عن مركز الدراسات الاستراتيجية – بيروت 1995م.

(2) راجع: الجزء الرابع من كتاب “نضال البعث” صادر عن دار الطليعة ، الطبعة الثانية بيروت 1972م.

(3) تأسست الجامعة الليبية بموجب قانون إنشاءها سنة 1955م، وافتتحت أول كلياتها – الأداب والتربية فى 15/12/1955م ثم تلتها كلية العلوم سنة 1956م ثم كلية الاقتصاد فى بنغازى سنة 1957م.

(4) هو: المرحوم الأستاذ عامر الطاهر الدغيس؛ تخرج فى كلية العلوم جامعة القاهرة سنة 1958م وافتتح مكتب ( محرر عقود – كاتب عدل ) بمدينة طرابلس وإثر اعتقاله من محل سكناه قتل تحت التعذيب بالمعتقل يوم الأجد 24/2/1980م وكان قد رفض الشهد عامر الدغيس المشاركة فى نظام الحكم الذى افرزه انقلاب سبتمبر 1969م وطالب بعودة العسكر الى ثكناتهم وتسليم شئون البلاد الى المدنيين.

(5) هو: الأستاذ عبدالله مصطفى شرف الدين ، تخرج فى كلية العلوم – جامعة القاهرة سنة 1956م عمل محاميا وانتخب عضوا فى المجلس التشريعى عن ” زاوية الدهمامنى ” فى ولاية طرابلس سنة 1968م، ثم صار نقيبا للمحامين وعضوا فى إتحاد المحامين العرب، وتولى فى سنة1975م رئاسة المنظمة الدولية لمناهضة جميع انواع التمييز العنصرى.. وبعد مقتل رفيقه عامر الدغيس سنة 1980م غادر البلاد الى جنيف ثم الى هيوستن فى اميريكا، ثم استقر به المقام ومازال مقيما بالقاهرة ورئيسا للمنظمة الدولية لمناهضة العنصرية، ورافضا لسياسات النظام الشمولى القائم ى بلاده ليبيا.

(6) هو: المناضل الوطنى المغيب (منصور رشيد الكيخيا) تخرج فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1954م وواصل تعليمه بجامغعة السربون بباريس قبل ان يلتحق بوزرة الخارجية الليبية سنة 1959م ومن بعد انقلاب سبتمبر 1969م ابح وكيلا ثم وزيرا للخارجية الليبية، ثم مندوبا دائما لليبيا فى المنظمة الدولية للأمم المتحدة حتى سبتمبر سنة 1980م ومن بعد مقتل الشهيد عامر الدغيس ثم مقتل الشهيد محمد فرج حمى أعلن مفاصلته للنظام فى ليبيا والتحق بالقوى الوطنية المعارضة وانتخب أمينا عاما للتحالف الوطنى الليبيى سنة 1987م وهو عضو مجلس امناء المنظمة العربية لحقوق الانسان و ممثل اتحاد الحقوقيين العرب فى الأمم المتحدة ورئيس لجنة الحريات النقابية التابعة لمنظمة الدول العربية… وقد عمل المناضل منصور الكيخيا على لم شمل المعارضة الوطنية الليبية فى موادجهة النظام الشمولى القائم فى ليبيا إلى ان قامت عناصر النظام الليبى بإختطافه فى القاهرة يوم 10/12/1993م اثناء مشاركته فى اعمال مؤتمر مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

(7) هو المرحوم الاستاذ محمد حسين الصغير، من أهالى مدينة مصراته، تخرج ى كلية الحقوق – جامعة بنغازى سنة 1967م و عمل وكيلا للنيابة العامة ثم قاضيا الى ان استقال من جهاز القضاء وعمل محاميا فى مدينة طرابلس الى ان قامت اجهزة القمع البوبيسى بتصفيته جسديا واغتياله بع اعتقاله فى ابريل سنة 1980م.

(8) هو المرحوم الاستاذ عبد العاطى ابراهيم حداش ، جتاز امتحان رجال القضاء والنيابة سنة 1960م وعمل وكيلا للنيابة العامةفى بنغازى وبعد خروجه من السجن سنة 1963م عمل محاميا، ومن بعد انقلاب سبتمبر سنة 1969م اعتقل مرات عديده إلى أن استشهد فى الحادث المبر لإسقاط الطائرة اليبية فى رحلتها رقم (1103) من بنغازى الى طرابلس بتاريخ 22/12/1992م.

(9) هو المرحوم الاستاذ محمد فرج حمى 1920-1980م كان احد الأعضاء البارزين والنشطين فى جمعية عمر المختار، وكان شرفا بمدرسة (الأبيار) ثم عين مسجلا الجامعة الليبية فى أول تأسيسها سنة 1957م. اعتقل مع رفاقه فى حزب البعث العربى سنة 1961م وبعد خروجه من السجن عمل ( محرر عقود) وفى ابريل سنة 1980م وإثر فروغه من تشييع جثمان رفيقه عامر الدغيس وتأبينه اعتقل وقتل تحت التعذيب – ابريل سنة 1980م.

(10) هو المرحوم النقيب محمد فرج التومى 1946-1976م التحق بالكلية العسكرية الليبية سنة 1964م وتخرج منها ضابطا برتبة ملازم فى اغسطس سنة 1966م ، وكان عضوا فاعلا فى صفوف حزب البعث فى ليبيا كما كان عضوا بتنظيم حركة الضباط الأحرار الذى اطاح بالنظام الملكى سنة 1969م واعتقل فى 4/12/1969م بتهمة الاشتراك فى اول محاولة انقلاب لاسقاط النظام الثورى وإقصاء القذافى عن القيادة بتدبير انقلاب عسكرى بقيادة المقدمان (أدم الحواز وزير الدفاع و موسى احمد وزير الداخلية فى حكوكة انقلاب القذافى.. وظل بالسجن الى ان اصيب بكسر فى الجمجمة وتوفى فى 20 مارس سنة 1976م.

(11) راجع: كتاب “صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسى” مصطفى بن حليم – لندن 1992م.

(12) سعدون حمادى هو: احد القيادات العراقية لحزب البعث ، يحمل شهادة للدكتوراة فى الاقتصاد من جامعة ويسكانسن الاميريكية سنة 1957م وعمل فى ليبيا موظفا بمصرف ليبيا المركزى الى ان قبض عليه سنة 1962م وتم ترحيله الى العراق حيث عين وزيرا لمرات عديدة كما تولى رئاسة مجلس الوزراء قبل ان ينتخب عضوا فى المجلس الوطنى ثم رئيسا له فى دورات عدة.

13) راجع : مصدر ستلق.

14) راجع: كتاب “متل جمال عبد الناصر” عزيز السيد جاسم، المكتبة الوطنية، الطبعة الثانية – بغداد سنة 1985م.

15) عقب استقلال ليبيا، وبعد أول انتخابات نيابية سنة 1952م، أصدر مجلس الوزراء قرارا يقض (بـحل جميع الأحزاب السياسية فى ليبيا) بأعتبار ان الأحزاب القائمة وقتها؛ امت وتأسست لمقاومة الإحتلال والنضال من اجل استقلال ليبيا ، وقد انتهت مرحلتها بإنتهاء اسباب قيامها المشار اليه فى برامجها وبيانات تأسيسها، وباعلان استقلال ليبيا.. ولم ينص الدستور الليبى الصادر فى 7 أكتوبر سنة 1951م ولا تعديلات اخحكامه فى 27/4/1963م على حظر تأسيس أو قيام الاحزاب السياسية، كما ولم يصدر قانون يبيح أو يشرع لتأسيس الأحزاب فى البلاد، غير إن المادة (26) من الدستور قد نصت على أن “حق تكوين الجمعيات السلمية مكفول، وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون ط الى جانب ما نصت به المادة (22) بأن “حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل، ولا يجوز اساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافى الأداب” وكذلك المادة (5) التى تكفل (حق الاجتماع السلمى مكفول فى حدود القانون) وتلك النصوص الدستورية الصريحة هى التى بنت عليها هيئة الدفاع دفوعها ببطلان إقامة الدعوة على المتهمين فى قضية حزب البعث العربى وطالبت بالبراءة والتعويض عما أصاب المتهمين من أضرار مادية ومعنوية بسبب الاعتقال والمحاكمة.

(3) حزب التحرير الإسلامى

في العام 1953م، ومن الأردن تأسس ونشأ حزب التحرير الإسلامي بعد خمس سنوات من نكسة العرب وإعلان قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948م؛ على يد مؤسسه الأول الشيخ تقي الدين النبهاني الفلسطيني الأصل لذي تولى القضاء بمحكمة الاستئناف الشرعية بمدينة القدس بعد تخرجه في جامع الأزهر بالقاهرة، ثم مُدرساُ في كلية الشريعة الإسلامية في عمان بالأردن (1)… لُقب مؤسس الحزب ومن يتولى القيادة من بعده بـ:(أمير الحزب)، وسريعاً ما تحول حزب التحرير الإسلامي إلى تنظيم دولي له فروعه في بلاد عربية وإسلامية أخرى، وتطلق كتابات وأدبيات الحزب على الدول التي يتواجد بها الحزب بــ: (الولاية).

لم يخف حزب التحرير الإسلامي منذ إعلان تأسيسه عن مساعيه إلى “إنقاذ الأمة الإسلامية” مما وصفه بـ: “الانحدار الشديد الذي وصلت إليه؛ وتحرير الولايات الإسلامية من أنظمتها؛ ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها، والعمل على إعادة دولة الخلافة الإسلامية من جديد…”. ومن خلال نشراته وعناصره وبياناته؛ أعلن حزب التحرير الإسلامي؛ عن أهدافه وبرامجه التي تستهدف نشر وتعميم دعوته إلى تغيير واقع المجتمع الفاسد بتغيير الأفكار المغلوطة عن الدين الإسلامي الصحيح؛ وإقامة الدولة الإسلامية في الولايات المؤهلة في مجال نشاطات الحزب وقدرات قيادات الولاية بحسب أولوياته في ولايات الحزب الإسلامية، وإذا ما نجح الحزب وتحققت عملية اسقاط نظام الحكم ونُصّب خليفة للمسلمين في الولاية؛ يكون من الواجب على حُكام وحكومات الدول الإسلامية الأخرى إعلان الطاعة للدولة الإسلامية المُعلنة ومُبايعة خليفة للمسلمين كافة على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله؛ ومن أبىَ الطاعة وحجب البيعة وجب فيه الجهاد.

* * *

أخذ حزب التحرير الإسلامي بما أخذت به مختلف الفرق والتيارات والمدارس الفكرية الإسلامية في طريقة تولي الخلافة وذلك بالانحياز إلى: (… الإختيار والبيعة والعقد..) لتنصيب الخليفة، خلافاً في ذلك لفرق الشيعة الذين جعلوا إقامة “الإمامة” شأناً سماوياً أبرمه الله وأوصى به الرسول؛ إذ يرفض مفكروا وأئمة الطوائف الشيعية؛ أن يكون للأمة شأن أو رأي أو سلطان في اختيار أو تحديد الأمام “المعصوم”… وقال الشيعة بخطأ من يستأثر بالخلافة من المسلمين دون أئمتهم، فقد قاس الشيعة الإمامة بمقياس النبوة؛ إذ تتجاوز الإمامة عندهم البشر العاديين؛ فالإمام معصوم وله مهامه الدينية الأساسية، وبما أن النبي يُبلّغ الشريعة؛ فإن الإمام حافظ لها وحُجة فيها، وقالوا؛ “كما تلزم العصمة للمُبلّغ في التبليغ وما يتعلق به؛ كذلك تلزم العصمة للحافظ وما يتعلق به”(2) ويرى الشيعة أن العلم الذي يتصف به الإمام هو” قبس من السماء يأتيه من طريق روح القدس التي تلهمه إلهاماً؛ وهي تقوم بالنسبة له مقام الوحي بالنسبة للأنبياء”؛ فالسماء كما يقولون: “تفهم الإمام وتحدثه وتنكف في أُذنه بواسطة روح القدس” فيعلم ما يريد أن يعلمه دون تعلّم أو مُعلم فهو يكون قد تلقى المعارف والأحكام الألهية وجميع المعلومات والمعارف من طريق النبي أو الإمام السابق له… وإذا ما استجد جديد فهو يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله فيه..(3).

* * *

ولما كانت قضية الخلافة هي المُعضلة التي بسببها انقسم المسلمون فرقاً وتيارات ومدارس فكرية منذ أمد بعيد؛ فإن ذلك قد أفسح المجال لتعدد الرأي في الفكر السياسي الإسلامي؛ الذي رأت فيه مذاهب أهل الشيعة أن “الخلافة” منصبُ دينيُ وسُلطة دينية تخُص بها السماء من تختص من المسلمين دون غيرهم؛ وأجمع أهل السنة على أن “الخلافة” منصبُ مدنيُ وسُلطة مدنية؛ ذلك أن ما كان للرسول محمد صلى الله عليه وسلم مع النبوة والرسالة والتبليغ لن يكون لغيره بإعتباره صلى الله عليه وسلم خاتم الرُسل وأخر الأنبياء، وما كانت خلافة أبي بكر إلا تأسياً لخلافة الرسول في إدارة شئون الأمة، ولما كانت خلافة عُمر بن الخطاب لأبي بكر في قيادة الدولة؛ رأى عُمر أن: “خليفة رسول الله لا يصح؛ لأن الذي خلف الرسول هو أبو بكر… كما ان لقب “خليفة الله” مرفوض لما فيه من معنى النبوة والسُلطان الديني الذي خُتم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم”، وقد رأى عُمر أن يُسمى: “أمير المؤمنين”(4). وبهذا أخذت أكثر الجماعات الإسلامية والأحزاب الدينية من غير الشيعة بإطلاق اسم “أمير المؤمنين” على قائد الجماعات الإسلامية وهم يدعون إلى قيام دولة الخلافة من جديد.

* * *

ولما كان حزب التحرير الإسلامي يقبل في عضويته المُسلمين من الرجال والنساء فأنه يشترط في العضو اعتناق العقيدة الإسلامية وفقاً لرؤية الحزب، وتبني أفكار الحزب وآرائه والدفاع عنها ونشرها، ويضع حزب التحرير في ولاياته الإسلامية التي يتواجد بها؛ الشروط المرحلية لممارسة نشاطه وتحقيق غاياته؛ فالمرحلة الأولى لنشأة الحزب في الولاية تختص بنشاط عناصره في الاتصال بأفراد الأمة في الولاية بشكل فردي ودعوتهم للانضمام إلى الحزب لتلقي الدراسات المُركزة في حلقات الحزب حتى تصهر أفكاره بالشريعة الإسلامية وأحكام العقيدة ثم يلحق عضواً فاعلاً في كوادر الحزب.

وتشير وثائق حزب التحرير الإسلامي إلى أن كوادره قد تعرضت للملاحقة والاعتقال و القتل من قبل من أسماهم بالحكام الظلّمة في ولايات العراق وسوريا وليبيا، كما سجن العشرات من أعضاءه في الأردن ومصر وتونس…(5)

ولحزب التحرير الإسلامي قيادته التنظيمية العليا التي يكون على رأسها الأمير… “أمير الحزب”… يليه “مكتب الأمير”… ثم “ديوان المظالم”… وتأتي “الهيئة الانتخابية” لانتخاب الأمير عندما يشغُر مكانه. أما على مستوى الفروع في ولايات الحزب؛ فيأتي على رأس القيادة التنظيمية للفرع “مجلس الولاية” الذى ينتخبون انتخاباً من أعضاء الحزب في الولاية، وتنقسم الولاية إلى “محليات”… ولكل محلية “نقيب وجهاز محلية”… يليه “الحلقات” التي تُشرف عليها المحليات، وتتألف كل حلقة من خمسة دارسين كحد أقصى… وتدرس في الحلقات كتب الحزب المُتبناه من الحزب في أحكام الشريعة والعقيدة الإسلامية.

ويُجيز حزب التحرير الإسلامي إقامة الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية على أن تؤسس وفقاً لشروط العقيدة الإسلامية و أن تكون السيادة للشرع و ليس للشعب. كما يُبيح الحزب لقياداته في ولاياته طلب النُصرة من فرد أو جماعة أو مؤسسة ترى أنها قادرة على دعم مُخططات الحزب وتحقيق غاياته لإسقاط النظام القائم في الولاية و إعلان دولة الخلافة الإسلامية وفقاً لشروطها في برنامج الحزب، وقد أشارت بعض وثائق الحزب في بلد المنشأ “المملكة الأردنية” إلى إن؛ “حزب التحرير الإسلامي” يسعى إلى الاستيلاء على الحكم وفق تقنيات مختلفة عن التقنيات ” الجهادية ” التي تعتمدها التنظيمات الجهادية الأخرى؛ إذ يسعى الحزب إلى الفوز بالسُلطة من خلال ضربة واحدة…(6)… ففي سنة 1968م قامت عناصر الحزب بالاتصال بضباط في الجيش الأردني لطلب النُصرة منهم والقيام بمحاولة عسكرية لقلب نظام الحكم الملكي وإعلان دولة الخلافة الإسلامية غير أن سُلطات الأمن كانت أسبق لإفشال المحاولة والقبض على العديد من عناصر حزب التحرير؛ الإسلامي الذي أعلنت قيادته في الأردن بمناسبات عدة؛ أن الحزب: لا يعترف بشرعية نظام الحكم” ويعتبر أن الثورة العربية الكبرى التي قادها “الشريف حسين” ضد نظام حكم الدولة الإسلامية “العثمانية” في تركيا سنة 1916م قد سببت في هدم مشروع دولة الخلافة.

وفي أعقاب الأحداث التي عُرفت بـ “أحداث أيلول الأسود” بالأردن… في بداية السبعينات فر عضو حزب التحرير الإسلامي؛ المواطن الأردني-الفلسطيني “صالح سرّية” إلى مصر حيث أسس حزب التحرير الإسلامي مع “كارم الأناضولي” و”حسن الأناضولي” و”حسن السحيمي”، وفي شهر يونيو – حزيران سنة 1974م قام “صالح سرّية” بمساعدة أعضاء في الحزب من طلبة الكلية الفنية العسكرية بهجوم مُسلح استهدف الاستيلاء على الأسلحة الموجودة بالكلية في منطقة “كوبري القبة” شرق القاهرة بقصد الزحف عسكرياً إلى مقر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي حيث كان الرئيس أنور السادات يعقد اجتماعاً مع كبار مساعديه، وكانت الخطة الموضوعة تقضي تعليماتها بقتل السادات ومن معه، ثم التوجه إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون لإعلان بيان بإسقاط النظام الحاكم في مصر وإعلان قيام الدولة الإسلامية، غير أن خطة الهجوم قد فشلت في مرحلتها الثانية، وأسفر الهجوم عن مقتل (31) شخصاً من الجانبين، وألقت قوات الأمن القبض على أعضاء حزب التحرير الإسلامي وقيادته في مصر

* * *

كذلك… نشأ وتأسس فرع حزب التحرير الإسلامي في ليبيا، عندما عاد إلى البلاد “صالح على الزروق النوال”(7) أحد الأتباع السابقين لجماعة الإخوان المسلمين من مهجره في سوريا سنة 1964م، يحمل أفكار وأهداف وبرامج الحزب الذي التحق به عضواً في دمشق بعد خروجه عن جماعة الإخوان المسلمين، في أعقاب انفصال الوحدة المصرية-السورية سنة 1961م.

وقد تمكّن صالح النوال من تكوين أول خلية تأسيسية لحزب التحرير الإسلامي في (ولاية) ليبيا، وتولت هذه الخلية مسئوليتها القيادية لإنجاز المرحلة التنظيمية الأولى للتأسيس والتي حددتها اللوائح التنظيمية للحزب.

ولأن عدد عناصر وقيادات الحزب كانت تجهر بمواقفه حيال القضايا السياسية، المحلية والإقليمية، وحيال موقف الحزب الثابت من الدعوة باستعادة الخلافة الإسلامية وتُعبر عن وجهة نظر حزب التحرير الإسلامي من حيث الموقف من النظام الملكي وحكومة الملك إدريس ثم من بعد سنة 1969 م الموقف من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالملكية وأقام الجمهورية العربية الليبية بقيادة العقيد مُعمر القذافي؛ فقد أفرزت الساحة الطلابية؛ وفى صفوف طلبة الجامعات والمدارس الثانوية بعض عناصر وقيادات الحزب، عُرف منهم إلى جانب صالح على النوال وحسن أحمد الكردي(8) وعبد الله أبو القاسم المسلاتي(9) كل من؛ محمد مهذب حفاف (10) وشقيقه أحمد مهذب حفاف وعبد الله محمد حموده(11) عبد القادر محمد اليعقوبي(12) وعلى احمد العكرمي ومحمد على يحيي مُعمر(13) وعلى محمد الكاجيجي والعجيلي محمد الأزهري… وآخرين….

تبنى حزب التحرير الإسلامي خطاباً متشدداً تجاه الأنظمة العربية ودعى عناصره ومُنتسبيه إلى عدم الانخراط في الحياة السياسية في ظل هذه الأنظمة بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني والهيئات البرلمانية المنتخبة، ويعتبر حزب التحرير أن الديمقراطية بمفهوميها (الضيق… والواسع) هي بدعة غربية ومن خارج إطار الفكر الإسلامي.

ولأن تعليمات الإمارة المركزية للحزب توصي بإتباع قواعد ترتيب المراحل في عملية الإنشاء والتأسيس للهياكل التنظيمية لفروع الحزب في ولاياته العربية؛ فإن قيادات فرع الحزب في (إمارة) ليبيا لم يكن لديها مشروع لإسقاط نظام الحكم الملكي في البلاد أو إعلان دولة الخلافة فيها، ذلك كان لسببين:

الأول: أن ليبيا لم تكن وقتها مهيأة “محلياً وإقليمياً” لقيام الدولة الإسلامية وهي بالتالي خارج نطاق الأولويات الإقليمية للحزب في الدعوة إلى التغيير السياسي والإطاحة بالنظام الملكي القائم فيها.

ثانيا: أن ترتيب مراحل التأسيس لكوادر الحزب في ليبيا لم تكن قد تجاوزت المرحلة الأولى حتى قيام إنقلاب – الثورة فى سنة 1969م.

وقد نفت بعض عناصر وقيادات حزب التحرير الإسلامي في أكثر من مناسبة و في مصر والأردن على لسان المهتمين منهم؛ أن يكون من بين أفكار (حزب التحرير الإسلامي) استخدام القوة لإسقاط الأنظمة.

ابراهيم عميش

الحلقة القادمة: نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا (4) حركة القوميين الغرب

- راجع الحلقات السابقة

________________________________________

1. توفى الشيخ تقى الدين النبهانى سنة 1977م وقد خلفه فى إدارة الحزب بعد وفاته الشيخ عبد القيوم زلوم الملقب بـ (أبى يوسف) وهو أيضا أردنـى من أصل فلسطينى.

2. راجع كتاب” نظرية الخلافة الإسلامية” الدكتور محمد عماره، عن دار الثقافة – القاهرة سنة 1980م.

3. راجع: مصدر سابق.

4. راجع: المصدر السابق.

5. راجع: الملف السياسى لجريدة الوفد القاهرية فى 26/12/2006م إعداد الكاتب محمود على.

6. راجع: حـازم الأمين “11 أيلول أعاد الأعتبار إلى الجهاد غير المادى”حزب التحرير” صحيفة الحياة الدولية 20/3/2004م.

7. الشهيد المرحوم صالح على النوال: اعتقل فيما سميت بالثورة الشعبية فى17/4/1973م وبقى رهن السجن والاعتقال لمدة عشر سنوات، قدّم خلالها إلى ثلاث محاكمات، أخرها وللمرة الثالثة أضدرت محكمة استثنائية خاصة فى حقه حكما بالإعدام فآ ابريل سنة 1983م نفذ فيه وأخرين فى الحــال.

8. الشهيد المرحوم:حسـن أحمد الكردى: أعتقل فى ابريل سنة 1973م وحاكمته عدة محاكم استثنائية وخاصة، كان أخرها الحكم الصادر فى ابريل سنة 1983م والذى قضى بإعدامه شنقا وأخرين من رفاقه.

9. الشهيد المرحوم: عبدالله أبو القاسم المسلاتى، أعتقل فى 17/4/1973م، وقدّم الى محمكمة الشعب الخاصة فى فبراير سنة1977م التى اصدرت فى حقه حكما بالسجن لمدة 15 سنة، حوّلته القيادة السياسية الى الحكم بالإعدام، وبقى فى السجن إلى ابريل سنة 1983م حيث قدم للمرة الثالثة الى محكمة استثنائيى أخرى قضت باعدامه شنقا.. ونفذ الحكم فى الحال.

10. الشهيد المرحوم: محمد مهذب حفاف: أعدم شنقا فى ساحى كلية الهندســة بمدينة طرابلس فى 7/4/1983م.

11. الشهيد المرحوم: عبدالله محمد حموده توفى تحت التعذيب فى نوفمبر سنة 1983م.

12. الشهيد المرحوم عبد القادر محمد اليعقوبى: توفى تحت التعذيب سنة 1983م.

13. الشهيد المرحوم محمد على يحى معمر: اعتقل فى ابريل سنة 1973م واصدرت محمكة الشعب حكما عليه بالسجن المؤبد.. وتمكن فى فبراير سنة 1977م من الهرب من السجن الى خارج البلاد والتحق بالمعارضة الوطنية الليبية إلى ان توفاه الله سنة 1990م بالولايات المتحدة الأميريكية.

(4) حركة القوميين العرب

منظمة العمل الشــعبى – فرع حركة القوميين العرب فـى ليبـيا

حركة القوميين العرب، من التنظيمات السياسية القومية التى حاكت الواقع العربي وترجمت إرادة الجماهير العربية المأزومة في مأزق مُخطط التفكيك (الجوبولتيكي) لأقطارها ووحداتها السياسية؛ فهي غنية عبرتاريخها السياسي الأيديولوجي بزخم تفاعلاتها على امتداد تواجُدها في امتداد الرقعة الجغرافية العربية…

ولأن (فكرة) قولبة الحال العربية الجمعية التي سادت مجتمعات الوطن العربي في أعقاب (نكبة) الاحتلال الصهيوني لفلسطين سنة 1948م؛ كانت تفرض نفسها بقوة؛ فإن تنظيم الطلائع العربية الثائرة على واقعها؛ كان وقتها رهان قومي لا بديل عنه في مواجهة مخططات السيطرة وبرامج التقسيم، وكانت نتيجة منطقية أيضاً لإعادة اكتشاف الذات العربية بمحاذاة القومية (الطورانية) التركية التي قضت على دولة بني عثمان الإسلامية وأفسحت المجال – في فراغ سياسي عربي – لسطوة وهيمنة قوى الاستعمار الغربي للتوسع الإمبريالي في المنطقة العربية وشمال أفريقيا،… وبمحاذاة بقاء وصمود القومية الفارسية المدعومة بتشيعها الديني (الإسلامي)،… فإن نشأة وتأسيس حركة القوميين العرب؛ كان الصياغة الموضوعية الواقعية لمشروعية الدفاع العربي والمقاومة من أجل البقاء،… وكان البناء الجمعي العربي (الـمُـتـاح) لمواجهة تحديات الواقع القهري المفروض بقوة السلاح الغربي وسطوة الصهيونية العالمية، …ولأن قوة الانبعاث القومي كانت حاضرة في وجدان الأمة العربية،… غير أن الأنواء والأهواء سارت بالحركة على غير هُدى في أكثر من حال عبر مراحل تطورها منذ ولادة فكرة نشأتها على ركام مكيدة النكبة سنة 1948م إلى أن وئُدت تحت تراب النكسة سنة 1967م. وبين النكبة والنكسة سبحت حركة القوميين العرب مع السابحين في الفضاء القومي بين البغتة والتوقع… صابت وأخطأت… استهدفت واُستـُهدِفت… حــرّكت وجـمّـدت… حـــوّلت وتحولت… وهــي بـذلـك فــرع مـن فــروع المشروع القومي العربي الذابل.

الـنـشـــــــأة

رداً على النكبة، … وثأراً للدماء المسفوكة والأشلاء المُبعثرة على تراب أرض فلسطين، ومحاولة لتخريب اتفاقية الهدنة التي وقعها حسني الزعيم في 20/07/1949م مع الكيان الصهيوني المُغتصب لفلسطين. وفي إطار الفكر القومي والتوجيه السياسي والاجتماعي للمفكر العروبي ساطع الحصري وللأستاذ بالجامعة الأمريكية في بيروت قسطنطين زريق؛ شكّل كل من: وديع حداد وصالح شبل وجورج حبش… (فلسطين)… وجهاد ضاحي وهاني الهندي …(سوريا) وحسين توفيق وعبد القادر عامر (مصر) وحامد الجبوري وباسل الكبيسي… (العراق) وأحمد الخطيب… (الكويت) منظمة قومية فدائية شبه عسكرية تعتمد نظام الخلايا والعمل السري؛ تحت اسم “كتائب الفداء العربي”؛ وقد تمكنت عناصر هذه المنظمة ومن لحق بهم من طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت من السيطرة على “جمعية العروة الوثـقى” والإعلان عن تشكيل “هيئة مقاومة الصُلح مع إسرائيل”.

وضمن تحركاتها الســرّية، وضعت “كتائب الفداء الـعـربي” خططها لعمليات اغتيال تستهدف من اعتبرتهم؛ مسئولين عن النكبة؛… رئيس وزراء المملكة العراقية “نوري السـعـيـد” وملك الأردن “عبد الله الأول”، وهاجمت المفوضية البريطانية ومفوضية الولايات المتحدة الأمريكية في بيروت ودمشق وعمان والقدس وبغداد، إلى جانب محاولة اغتيال الكولونيل “سترلنج” المتهم بالتجسس لصالح الاستخبارات البريطانية في إسرائيل، والذي يتحرك مُتستراً كمراسل لجريدة التايمز.

وبتأثير تقديسها لفكرة الوحدة وضرورتها الاستراتيجية في حماية الأمن القومي العربي وتحرير فلسطين لم تعارض منظمة “كتائب الفداء العربي” مشروع الهلال الخصيب ورهنت استعادة فلسطين وتحريرها بوحدة العراق وسورية والأردن. وشـكّل “الثأر” محورها الثالث ليصبح شعار المنظمة “وحدة، تحرر، ثأر” بمعنى أن النضال القومي العربي لاستعادة فلسطين يحمل في معناه “الثأر ومحوالعار”(1)

ومع التبدّل الذي طرأ في الظروف الإقليمية بقيام ثورة 23 يوليو – تموز سنة 1952م بقيادة جمال عبد الناصر في مصر وفي ضوء التطور السياسي – الأيديولوجي للمنظمة “كتائب الفداء العربي” وامتدادها التنظيمي في الأردن والعراق وسوريا والكويت،… وعلى إثر قرار إدارة الجامعة الأمريكية في بيروت بفصل وطرد نشطائها؛ قبلت السلطات المصرية عناصر وقيادات المنظمة، وأذنت لهم في أعقاب فشل العدوان الثلاثي بعقد المؤتمر الأول للمنظمة في 25 ديسمبر – كانون أول سنة 1956؛ الذي حـوّل “كتائب الفداء العربي” من منظمة “نخبوية” ســرّية إلى حركة جماهيرية في مجرى الناصرية تحت اسم “منظمة الشباب القومي العربي” وأصدرت جريدة “الرأي” ورفعت شعار وحدة مصر وسورية.

التأسيس:

تحت اسم منظمة “الشباب العربي” وبمشاركة تنظيم الحركة الطلابية في مصر انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لمنظمة “كتائب الفداء العربي” وبمشاركة ورعاية ناصريه انبثقعن المؤتمر قيادة قومية جماعية، تألفت من:

وديع حداد، جورج حبش، هاني الهندي، حامد الجـبور، صالح شبل، أحمد الخطيب، مصطفى بيضون، الحكم دروزة، محسـن إبراهيم، ثابت المهايني، عمر فاضل،… وأعلن عن قيام حركة ثورية قومية موحدة تحت اسم “حركة القوميين العرب” تؤمن بالتغيير الشامل والجذري في المؤسسات العربية كافة، وترفض الإصلاحات التدريجية. وحددت حركة القوميين العرب في وثائق وبيان تأسيسها أهدافها القومية بالقضاء على التجزئة (بالوحدة) وعلى الاستعمار (بالتحرر) وعلى إسرائيل (بالثأر)… وأكدت محاور نضالها بشعارها الثلاثي: وحدة، تحرر، ثأر.

وفي الوثيقة البحثية، الصادرة عن اللجنة التنفيذية في أواخر سنة 1957م تحت عنوان “القومية العربية” تبنّت القيادة القومية نظرية التمييز ما بين مرحلتي “النضال القومي” و”النضال الاشتراكي” والفصل بينهما في ضوء التناقض الأساسي؛ إذ أن مرحلة النضال القومي للحركة تتمحور حول تصفية الاستعمار والتجزئة وإغتصاب فلسطين، وأن مرحلة “النضال الاشتراكي”؛ هي مرحلة التحرر الاجتماعي وتتمحور حول بناء المضمون الاشتراكي الديمقراطي العام للمجتمع العربي،… ووفقاً لهذا اعتبرت القيادة القومية للحركة أن “الاشتراكية” ضارة وخطرة في المرحلة الراهنة وبذلك خالفت “حركة القوميين العرب” أولويات محاور النضال القومي عند “البعث” بإحلال “الثأر” محل الاشتراكية.

وعن إرجاء الحركة للمرحلة الاشتراكية في ذلك الوقت: يُـفسّر “محمد جما ل باروت” أن استراتيجية الحركة في هذه المرحلة تحتم بوضوح كون الاستعمار والصهيونية والرجعيين والعملاء هم العدوالأول وإن التخطيط النضالي السليم هو: عدم جعل القوى المعادية هي العدوالأول، والـتـنـاقـض الـفـرعـي هـوالتنـاقـض الرئيسي، لكيلا تتحول المعركة العربية إلى معركة داخلية… وبالتالي “يجب أن نحشد كافة إمكانيات الأمة” لإيجاد الكيان العربي الواحد المحرر وتحقيق تماسك الجبهة الداخلية (2)… ولم تُجيز الحركة في هذه المرحلة أن يتحول النضال القومي إلى نضال اقتصادي ” إشتراكي ” يُعيق مرحلتى الوحدة والتحرر ويفتح جبهة صراع طبقي داخلي هوسابق لأوانه.

بعد قيام الوحدة المصرية – السورية في 5 فبراير – شباط سنة 1958م اعتبرت حركة القوميين العرب أن: “الجمهورية العربية المتحدة” هي النواة للوحدة العربية الشاملة و”كماشة قوية” لــ “محو إسرائيل”، وقدمت الحركة نفسها بوصفها “أداة شعبية طوعية للقيادة الرسمية للثورة العربية… وفي إطار استراتيجية التلاحم القومي مع الناصرية، تمكنت حركة القوميين العرب من إعداد كوادرها: اليمنية والسودانية والبحرينية والليبية التي تخرجت من الجامعات المصرية لتأسي فروع لها في أقطارهم.

***

القاهرة بوابة الفكر والسياسة والانتماء الأيديولوجي إلى مشرق ومغرب الوطن العربي… كما هي حلبة الصراع والاستقطاب… ومنها ينطلق ويعود “صالح وطالح الأعمال”… منها المروي اليافع… ومنها العطش الذابل…. ومنها ما تذروه الرياح…. ومن القاهرة عادت عناصر النواة المؤسسة لفرع حركة القوميين العرب إلى ليبيا ، بعد أن أجرت لهم القيادة المركزية في أواخر سنة 1959م دورة إعداد تنظيمية في دمشق شملت عشرة خريجين حركيين من اليمن وليبيا والسودان والبحرين، …

تشكّلت القيادة القطرية لفرع الحركة في ليبيا من: عبد السلام الزقعار، عز الدين الغدامسي، نصر الدين البقار، عمر المنتصر، الدكتور عبد الوهاب الشللي، محمود تنتوش، مفتاح ماضي، رباب أدهم،… وشرعت القيادة القطرية لفرع حركة القوميين العرب في ليبيا تطبيق قواعد البناء الهيكلي للفرع في البلاد،… وفتحت قنوات الاتصال الجماهيري بالانخراط والعمل من خلال منظمات المجتمع المدني القائمة آنذاك في ولايات ليبيا الثلاث، طرابلس وبرقة وفزان،… وتحت اسم: “منظمة العمل الشعبي” إلتحقت بالحركة قيادات وطنية شابة، كان لها دور حركي نشط في اتحادات ونقابات العمال والاتحاد العام للطلبة وفروعه الإقليمية ومنظمة الحركة الكشفية في ليبيا،… ومن أجل إمتلاك القدرة على تحريك الجماهير من خلال منظمات الواجهة للحركة؛ كُلف وقاد منظمة العمل الشعبي للحركة؛ عز الدين الغدامس والتباني الأجدل ونصر الدين البقار ووليـد سالم وأحمد بورخيص وجمعة الفرجاني ومحمد الهلالي،… إلى جانب القيادة التنظيمية في إقليم برقة: مفتاح ماضي ومصطفى العالم ومصباح الشين وجمعة الفزاني ومصطفى القماطي… ودفعت حركة القوميين العرب في ليبيا بعناصرها للانخراط في القوات المسلحة الليبية، فكان من ضباطها في الجيش الليبي كل من: عبد المنعم الهوني ..وعمر المحيشي.. وصالح الدروقي.. وعوض حمزة.. بالقاسم القانتا.. ومحمد ناصر الميلودي.. ومنير الطاهر..، وآخرين.

***

وأثبتت حركة القوميين العرب حضوراً سياسياً بارزاً، وأصبح فرعها القطري ذوفعل وأثر في الشارع الليبي المُعبأ بالنزوع القومي الناصري،… ونسجت القيادة القطرية للحركة في ليبيا علاقات تنظيمية منضبطة بين قياداتها و كوادرها، في إطار التركيبة التنظيمية – الجغرافية للخلايا والروابط والشُعب في المناطق،… وكانت تحيط قواعدها علماً بالمواقف والقرارات السياسية العامة للقيادة المركزية للحركة وبما يحدث من تحولات فكرية وتنظيمية في فروع الحركة وأقاليمها… وكان النفوذ الناصري حاضراً وقوياً في الشارع السياسي الليبي،… وبقدر ما كان للقيادة القومية (المركزية) للحركة من التزامات وتلاحم استراتيجي قومي بالرئيس عبد الناصر والناصرية في مصر؛… بقدر ما كانت القيادة القطرية لفرع الحركة في ليبيا أكثر قرباً وإلتزاماً بما للعلاقات الليبية – المصرية – وخاصية فرضها وألزم بها الواقع “الجيوسياسي” بآثاره المنتجة لها (السياسية والاقتصادية والاجتماعية).

وقد تمكنت حركة القوميين العرب من استيعاب العديد من أبناء الفئات الوسطى والعمالية المعبأة بشكل عاطفي وتعبوي خلف عبد الناصر من بعد الانفصال ومن بعد تقديمه لـ “الميثاق” في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية بالقاهرة في 21/05/1962م الذي يؤكد فيه على: “حتمية الحل الاشتراكي وتذويب الفوارق سلمياً بين الطبقات”.(3)

وما كانت عملية “إنفصال” الوحدة المصرية – السورية ببعيدة عندما تبنى “محسن إبراهيم” عضواللجنة المركزية للقيادة القومية لحركة القوميين العرب؛ خطاً نظرياً تناول “الانفصال” بمنظور طبقي، واعتبر ما حدث هو؛ نتاج للموقف المُعادي الذي اتخذته طبقة الإقطاعيين والرأسماليين والبرجوازيين تجاه الوحدة والاشتراكية.

وكان قد عاب حزب البعث على حركة القوميين العرب؛ ارتباطها المطلق بعبد الناصر وموقفها الأيديولوجي الغامض من الاشتراكية.

(… ولأن قوى الإقطاع والرأسمالية، كانت وراء أحداث الإنفصال وضرب نواة المشروع القومي “الجمهورية العربية المتحدة” يقول محسن إبراهيم: فإن إرجاء الحركة للمرحلة الإشتراكية – من بعد تجربة الإنفصال المُرة – بالتمييز ما بين مرحلتي: النضال القومي والنضال الاشتراكي، والفصل بينهما: قد انتهت؛ بدليل انقضاض قوى الإقطاع ورأس المال على إجراءات “تموز” الاشتراكية وقيامها بجريمة الانفصال… على حد تعبير إبراهيم ).(4)

وقد شهد المؤتمر الأول لحركة القوميين العرب – من بعد الانفصال والميثاق – سنة 1962م أول انقسام يحدث بين فريقين داخل الإطار القيادي المركزي للحركة،… الفريق الداعِ إلى تصفية البنية التقليدية، الطبقية والإيديولوجية للحركة وتحويلها إلى فُصيل تقدمي يلتزم ويلازم ما بين النضال القومي والنضال الاشتراكي، ويضم هذا الفريق كل من: محسن إبراهيم ونايف حواتمه ومحمد كشلي، بينما يضم الفريق القومي الممثل للقيادة التقليدية، المشدودة إلى البرنامج السياسي الأصلي للحركة عناصر من أبرزها: جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي وأحمد الخطيب.

ووفقاً للفريق الأول (الاشتراكي التقدمي) فإن “الثورة العربية المعاصرة” لا تعود إلى ثورتين منفصلتين؛ ولكن إلى ثورة واحدة مُركّبة تتمثل بالمضمون الطبقي الاشتراكي للقومية العربية، وبذلك لا يمكن الفصل ما بين “القضية السياسية” و”القضية الاقتصادية”.

ولم يكن صعباً على القيادة التقليدية المؤسسة للحركة “الفريق الثاني” أن تقبل بإعادة النظر جذرياً ببرنامجها السياسي ذي المرحلتين، ولم يكن ممكناً أن تكون في موقع يخالف موقع عبد الناصر،… وحرصاً على عدم تجنيح الحركة وانقسامها،… والتقاء عند حدود اشتراكية عبد الناصر، وما طرحه في “الميثاق” من ضرورة حل الصراع الطبقي سلمياً بما يتيحه “الطريق الاشتراكي” من إمكانية تذويب الفوارق بين الطبقات؛ اتفق الفريقان بين كواليس المؤتمر – على مواقف نظرية وسياسية مشتركة قُدمت في تقرير داخلي غير مُفصل، ولم يعطِ الأعضاء أية صورة حقيقية عن المناقشات النظرية والمواقف السياسية لفريقي اللجنة المركزية للقيادة القومية وكان هذا التقرير نقطة التقاء حول برنامج يقوم على الصراع الطبقي ويؤكد على ضرورة التطبيق السلمي للاشتراكية وينسجم مع ما طرحه عبد الناصر في ” الميثاق “،… ووفقاً لذلك أكد التقرير العام على ضرورة نقل الحركة من وضعها الراهن كـ “حركة طلاب ومثقفين” إلى حركة شعبية اشتراكية ديمقراطية، تتميز بالجماهيرية والقاعدة الشعبية.

وبما أن البناء التنظيمي للحركة مُصمم على التلقي والتنفيذ… “نفذ ثم ناقش” وليس على الأسئلة والنقاش، فإن كُتاب الوثيقة “التقرير” يؤكدون في صياغته على أنه: “يٌعبر عن المزاج الأيديولوجي والسياسي والسوسيولوجي لقواعد الحركة التي أصبح مُعظمها ينحدر من الفئات الوسطى “الناصرية” وانتسب إلى “الحركة” بوصفها حركة ناصرية.” (5)

وكانت كوادر وعناصر حركة القوميين العرب؛ تتابع – من بعد الميثاق والتلاحم الثاني بالاشتراكية الناصرية – وتعتبر خُطب وتصريحات عبد الناصر السياسية حيال القضايا القومية، وفيما يخص مواقفه من سياسات حكومات أقطارها: توجيهات وتكليفات للقيادات القومية و الأحزاب التقدمية للعمل بمقتضاها في بلادها،… فعندما أعلن عبد الناصر عن استعداده لمحاربة إسرائيل والقضاء عليها، فيما لوضمن سلامة حدود مصر الغربية، حيث القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية الحليفة لإسرائيل رابضة على بُعد كيلومترات قليلة من الأراضي المصرية في ليبيا، قامت في اليوم التالي المظاهرات الطلابية ومسيرات الاحتجاج الشعبية تطلب من الحكومة الليبية إلغاء المعاهدات العسكرية وجلاء القوات البريطانية والأمريكية عن قواعدها في البلاد.

حقق عبد الناصر بأجهزته الرسمية والشعبية… السياسية والأمنية؛ نفوذاً أزعج الغرب “الإمبريالي الرأسمالي”، وأربك النُظم السياسية “المحافظة”، وأفسح المجال للاتحاد السوفيتي ليناكف النفوذ الأمريكي. وحاول النظام، وحكومات الملك إدريس في ليبيا مقاومة النفوذ الناصري في الشارع الليبي، وحتى في أروقة السلطة ومؤسسات الدولة؛ بالإلتفاف على أن الوحدة العربية وتحقيق مرحلة التحرر القومي العربي محكومة بأسبقية قيام وحدة ليبيا. وحددت المعارضة الوطنية مطالبها بأولوية إلغاء المعاهدتين؛ البريطانية والأمريكية وجلاء قواتها عن البلاد، وانخراط السياسية الوطنية في المشروع القومي العربي ودعم سياسات عبد الناصر.

وفي ظل توجيهات من الملك إدريس بعدم تورط الحكومة الليبية في الصراعات العربية – العربية… (في إشارات محسوسة؛ لصراعات عبد الناصر القومية في اليمن وفي سوريا والعراق ولبنان، ومع المملكة السعودية،… وكانت قد قامت ثورة في اليمن الشمالي وأطاحت بحكم الأمام البدر وإعلان الجمهورية برئاسة عبد الله السلال وبدعم ناصري)… أخذت الحكومة الليبية تصنع سياساتها المحلية والإقليمية بلهجة عربية قومية تُسكّن بها موجوع المعارضة الوطنية القومية في البلاد،… وتغازل بها عبد الناصر لـتأمن غدره.

***

بعد تعديلات دستورية واجبة، أمر بها الملك ووافقت عليها المجالس التشريعية لولايات ليبيا الثلاث؛ وأقرها مجلس الأمة: أعلنت حكومة الدكتور محي الدين فكيني في 27 أبريل – نيسان سنة 1963م، إلغاء النظام الاتحادي بحكوماته الأربعة وقيام وحدة ليبيا في عشر محافظات تخضع لإشراف الحكومة المركزية،… وأصبحت من تاريخه: “المملكة الليبية جزء من الوطن العربي وقسم من القارة الأفريقية”(6) ورحبت القوى الوطنية والقومية في البلاد بإعلان وحدة ليبيا، ووصفت جريدة الأهرام القاهرية “الرسمية” التعديلات الدستورية في ليبيا بأنها: (من أكثر الخطوات الليبية إيجابية) …وصعّدت المعارضة من مطالبها لإستكمال مرحلة التحرر الوطني وجلاء القوات العسكرية البريطانية والأمريكية عن البلاد…

***

إبراهيم عميش

نواصل فى الحلقة القادمة إن شاء الله:(4/ب) حركة القوميين العرب و أحداث يناير سنة 1964م وتوابعها فى لـيبيـا

- راجع الحلقات السابقة

________________________________________

1. راجع: “الأحزاب والحركات القومية العربية” عن المركز العربى للدراسات الإستراتيجية – الجزء الثانى- بيروت 1995م

2. راجع: “حركة القوميين العرب” محمد دجمال ارون – الطبعة الأولى بيروت 1992م

3. راجع: (الميثـــاق) جمال عبد الناصر، القاهرة سة 1962م.

4. راجع: مصدر سابق

5. راجع: الأحزاب والحركات القومية، على ناصر محمد بيروت 1995م

6. راجع: الدستور الوطنى الليبى (دستور 7 أ كتوبر 51).

(4/ب) حركة القوميين العرب.. وأحداث يناير 1964م وتوابعها

مـع انعقاد القمة العربية التى دعـى إليها الرئيس جمال عبد الناصر الملوك والرؤساء العرب لعقد قمة عاجلة بالقاهرة؛ للبحث في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، واتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة استفزازات العدوالصهيوني، وتهديداته بتحويل مياه نهر الأردن؛ فجّرت حركة القوميين العرب الأوضاع في مدينة بنغازي يوم 13 يناير – كانون ثان سنة 1964 م، وخرجت الجموع الطُلابية والعمالية من مقارها وجامعتها ومدارسها تطوف شوارع المدينة؛ مُطالبة الحكومة الليبية بالمشاركة القومية الفعّالة في أعمال المؤتمر ودعم نضال عبد الناصر بإجلاء القوات العسكرية البريطانية والأمريكية التي تهدد أمن مصر وتحمي العدوالإسرائيلي. ورفضت حركة القوميين العرب من خلال: مذكرات وبيانات ولافتات واجهاتها الوطنية: الاتحاد العام لطلبة ليبيا واتحاد نقابات العمال رفضت أن تـُمثل ليبيا في مؤتمر العرب بالقاهرة بغير الملك إدريس الذي كان قد بعث ببرقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر؛ يعتذر فيها لأسباب صحية عن عدم مُشاركته الشخصية في المؤتمر وتكليفه ولي عهده الحسن الرضا ورئيس الحكومة الدكتور محيي الدين فكيني بالحضور والالتزام بكافة قرارات القمة.

وتزامن الحدثان: انعقاد مؤتمر القمة العربية في القاهرة، وتصاعد صخب المظاهرات وامتدادها من بنغازي إلى مدينتي طرابلس والزاوية وانتشار قوات الأمن؛ تحاصر المتظاهرين وتطلق القنابل المُسيّلة للدموع وتصيب برصاصها الحي عدد من الشهداء والمُصابين(1)، وصاحبت جنائز الشهداء احتجاجات القوى الوطنية والتنديد بأعمال القمع الغير مسبوقة، وطالبت القوى الشعبية بمحاكمة المسئولين الذين أعطوا الأمر بإطلاق الرصاص على المُتظاهرين، وأُعلنت حال الطوارئ في البلاد. وقطع رئيس الحكومة الدكتور محيي الدين فكيني أعمال المؤتمر بالقاهرة وعاد إلى البلاد، وأعلن في حشد شعبي اعتصم أمام دار الحكومة في طرابلس: أنه سيطلب من النيابة العامة تقديم قائد قوات الشرطة “محمود بوقويطين” والضباط الذين أطلقوا أو أمروا بإطلاق النار على المتظاهرين إلى القضاء لمعاقبتهم .

تولت النيابة العامة التحقيق مع عدد من الضباط المتهمين بالمسئولية المباشرة عن إصدار الأمر وإطلاق الرصاص في مواقع الأحداث، غير أن الملك إدريس أعترض عن تقديم قائد قوات الشرطة “الفريق محمود بوقيطين” إلى المحاكمة، وطلب الديوان الملكي من الدكتور فكيني تقديم استقالته، وكـلّف الملك السيد محمود المنتصر بتشكيل حكومة جديدة تولى فيها المنتصر إلى جانب الرئاسة وزارة الداخلية.

ولم تهدأ الأحداث في البلاد… ففي 22 فبراير – شباط سنة 1964م، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر بمناسبة ذكرى قيام الوحدة “المصرية – السورية” المفصولة؛ خطاباً نارياً، تعبوياً قال من جملة ما قال فيه: “….. إن بريطانيا تحاول الآن تجديد الاتفاقية المعقودة في ليبيا، الاتفاقية المعقودة مع ليبيا انتهت… بريطانيا تحاول بكل الوسائل تجديد هذه الاتفاقية، تحاول أيضاً بتجديد هذه الاتفاقية أن تحتفظ بقواعد عسكرية في ليبيا، نحن نشعر أن تجديد هذه الاتفاقية هوتمكين الإستعمار البريطاني في الأرض العربية، والأمة العربية، وهوتعريض الشعوب العربية، وتعريضنا إحنا بالذات لخطر العدوان، لأن بريطانيا لا يمكن أن نطمئن إليها، أوإلى سياستها لأن بريطانيا بتأيد إسرائيل، ولأن أمريكا تؤيد إسرائيل، ولأن العرب كلهم ضد إسرائيل إيه اللي يخلينا نطمئن إن إحنا ما ننضربش من القواعد الأمريكية، والبريطانية الموجودة في ليبيا، يجب أن تصفي هذه القواعد، فنتمنى أن نحتفل جميعاً مع ملك ليبيا بإنهاء هذه القواعد، وجلاء آخر جندي أجنبي عن ليبيا”.(2)

وكانت الشرارة التي فجّرت الأحداث مرة أخرى… واستجابت القوي الوطنية والقومية في المنظمات الشعبية والنقابات والاتحادات الطلابية وكتلة المعارضة داخل البرلمان، وتصاعدت وسائل وعمليات الضغط الشعبي على الحكومة التي أعلنت عقب اجتماع عاجل لها في اليوم التالي 23/2/1964م، وفي بيان جاء فيه: “… أنه وأن كانت بلادنا في فجر استقلالها قد اضطرتها ظروف معينة إلى الارتباط باتفاقيات عسكرية، إلا أن ذلك لم ولن يحول بينها وبين مشاركتها لأخوتها العرب في كفاحهم ضد الاستعمار والصهيونية وتحالفهما، وأن هذه الحكومة لتؤكد تأكيداً قاطعاً بأنه ليس لديها أي اتجاه أوتفكير في تجديد أوتمديد الاتفاقيتين البريطانية والأمريكية، وبأن القواعد في ليبيا لن تكون، مهما كان الثمن، مصدر عدوان على أشقائنا أينما كانوا”(3)

وبناء على مشروعي قانونين تقدم بهما عدد من أعضاء مجلس النواب بإلغاء المعاهدات الأجنبية وتصفية القواعد العسكرية؛ووافقت عليهما لجنتا الدفاع والخارجية بالمجلس؛ أصدر مجلس النواب بإجماع أعضاءه في 16/03/1964 قراره بالموافقة على: مبدأ إنهاء المعاهدة – معاهدة الصداقة والتحالف بين ليبيا وبريطانيا والاتفاقيتين؛ العسكرية والمالية الملحقتين بهما والاتفاقية العسكرية المعقودة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتصفية القواعد وجلاء جميع القوات المسلحة لهاتين الدولتين عن الأراضي الليبية. وعلى ذلك أبلغ رئيس الوزراء محمود المنتصر كل من بريطانيا وأمريكا : أن حكومته غير مستعدة لتجديد اتفاقيات القواعد، وطلب الدخول مع حكومتيهما في مباحثات حول جلاء قوتهما عن القواعد التي تسيطر عليها.

***

وتحقيقاً لشرط الكفاح المُسلّح، وبالاتفاق مع اللجنة المركزية للقيادة القومية لحركة القوميين العرب في “بيروت” قامت قيادة فرع الحركة في ليبيا بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية والأمنية والكوادر القومية الناصرية في “القاهرة” بإعداد معسكرات تدريب في ربيع سنة 1964 م لمجموعة “كانت أكثر من عشرين عنصراً” من عناصر الحركة بقيادة كل من: محمد أبوزيد وعبد الجليل الزاهي، وكانت الاستجابة لدعوات عبد الناصر المتكررة للإطاحة بأنظمة الحكم – الرجعية وحكوماتها العميلة – وطرد قوات الاستعمار الجاثمة على أراضي الأمة العربية، والقيام بأعمال عسكرية تستهدف القوات الأجنبية في ليبيا وتهيئ المناخ الوطني العام لإسقاط النظام الملكي في البلاد. ومرة أخري… أصبحت ليبيا ساحة مفتوحة لصراع الأضّاد والمصالح لكل الأطراف… ففي الوقت الذي دخلت فيه الحكومة الليبية “المنتصر” المباحثات مع الحكومة البريطانية ووافقت الأخيرة على إجلاء قواتها عن طرابلس قبل يوم 31 مارس – آذار سنة 1967م رفضت الولايات المتحدة الأمريكية طلب الحكومة الليبية بحجة أن مدة الاتفاقية معها تنتهي بعد ست سنوات – وأنها ليست على استعداد للدخول في مباحثات إلغاء الاتفاقية الآن… وبعث الرئيس الأمريكي “جونسون” برسالة عاجلة إلى الرئيس جمال عبد الناصر يحذره فيها من التدخل ضد أمريكا في ليبيا… وينذره بأن ذلك سوف يضطره لإيقاف إمداد مصر بالقمح الأمريكي والمواد الغذائية الأخرى التي تحصل عليها مصر ضمن برنامج العون الأمريكي، ويضيف مصطفى بن حليم في كتابه “صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي”: “…. تصادف مع وصول رسالة الرئيس الأمريكي إلى عبد الناصر وجود وزير خارجية ليبيا -وقتذاك- السيد حسين مازق في القاهرة لحضور أحد اجتماعات الجامعة العربية؛ فاستدعاه عبد الناصر إليه وحمّله رسالة تحية أخوية لأخيه الملك إدريس مع رجائه بعدم الاستعجال في إخراج القوات الأمريكية، وينصحه بالتروي واستعمال اللّين والحكمة مع الأمريكان”. ويضيف بن حليم: “وعندما نقل مازق رسالة عبد الناصر إلى الملك إدريس؛ استجاب الملك لنُصح عبد الناصر وأشار على رئيس الوزراء بترك الأمريكيين وشأنهم .”… يؤكد بن حليم أن ذلك ما أعلنه و”صرح به السيد حسين مازق بشجاعة أمام محكمة الشعب لدى محاكمته سنة 1970م مما أضطر رئيس المحكمة إلى إسكاته”

إنها لعبة شديدة التعقيد، يقول محمد جلال كشك في كتابه “ثورة يوليوالأمريكية” (أراد عبد الناصر أن يوظف ” الولايات المتحدة ” لخدمة أهدافه، التي كانت بلا شك وطنية في جوهرها، شريفة في مقصدها، ولكنه أخطأ وخسر..) ويضيف كشك: (فحتى عام 1965م كانت أمريكا تقدم ثمانين بالمائة من الخبز الذي يأكله المصريون..) ويستطرد مذكـّراً بما كتبه محمد حسنين هيكل في عام 1964م في توضيح لسياسات عبد الناصر الخارجية: “إن سياسة مصر الخارجية هي استثمارات لأنها تعود بفوائدعملية وسياسية لمصر في شكل مساعدات اقتصادية من أمريكا،وعسكرية من روسيا”(5)

***

سادت الأوساط المحلية الليبية حال عدم استقرار سياسي، وبدت هناك حقائق واضحة من بعد أحداث شهر يناير سنة 1964م؛ كان من أهمها؛ إدراك كافة أطراف التنافس أن العد التنازلي لعملية استبدال نظام الحكم الملكي بغيره في ليبيا قد بدأ، وأن ليس هناك من طرف يريد الإبقاء عليه، ولم يكن هناك أي طرف من أطراف هذا التنافس المحموم يملك وحده كل أوراق اللعبة.

● أنفرط عقد التنسيق الأمريكي – البريطاني في ليبيا بفعل حدة تنافس شركات النفط وأخذت المخابرات الأمريكية تبحث عن البدائل المتاحة للتغيير.. وتوازن بينها.

● وإجتهدت الحكومة البريطانية في دعم النظام الملكي والإبقاء عليه (غير أن الملك نفسه أبدى رغبته في الاعتزال وإفساح المجال أمام أي تغيير “يريده الشعب..(6)) وتم الاتفاق على أن يبقى الملك إلى أن يقود بنفسه وبرضاه وفي الوقت الملائم؛ انقلاب قصر بإشراف المخابرات البريطانية وتنفيد عناصر ليبية من القصر والقوات المسلحة.

● وكان جمال عبد الناصر يعتقد أنه شريك فاعل في صنع الأحداث في ليبيا – ولم يكن اعتقاده هذا بمعزل عن يقين لديه؛ أن المخابرات الأمريكية قابله لشراكته في ليبيا – وانه، في الحد الأدنى سوف تكون ليبيا ورقة ضاغطة بين يديه لتحقيق مصالحه السياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية… وإلى حين…

ولم يكن عبد الناصر مخطئ في ظنه واعتقاده، فاستطلاعات الرأي تؤكد له؛ أن الناصرية تجتاح كافة قطاعات ومؤسسات الدولة والشعب، إلى جانب قيادات وكوادر فرع حركة القوميين العرب (الملتحم بالناصرية) ونفوذه بات محققاً في القوات المسلحة، وكانت تقارير استخبارات عبد الناصر تؤكد له أن الأمر في ليبيا بات بين يديه وحده.

● وكانت القيادة القطرية لفرع حركة القوميين العرب في ليبيا؛ ترفع من درجات اليقظة والاستعداد في صفوف كوادرها ، وتعمل على صُنع الأحداث وتهيئة المناخ الوطني العام للتغيير في وقته “الناصري” ضمن استراتيجية التنسيق مع الأجهزة الأمنية الناصرية في مصر، وليس بمعزل كامل عن اللجنة المركزية للقيادة القومية للحركة … غير أن القيادة القطرية للحركة في البلاد كانت قد استوعبت حقيقة “إستغراق” مصلحة الدولة “الناصرية” الجيوسياسية للعمق الاستراتيجي المصري وضروراته السياسية في ليبيا، وأن هذا الإستغراق حتمي، وهوركيزة من ركائز الأمن القومي العربي.

***

ولم تتأثر كثيراً قيادات وكوادر فرع حركة القوميين العرب في ليبيا بالتحولات الأيديولوجية الجارية في صفوف اللجنة المركزية والقيادة القومية للحركة، واكتفت بالانحياز في مجرى الناصرية إلى الفريق “التقدمي اليساري” الذي ينادي بالمضمون الطبقي الاشتراكي للقومية العربية، الذي اشتم منه الفريق القومي التقليدي روائح ماركسية قد تؤدي إلى انهيار البناء القومي التقليدي للحركة، ومع مطلع عام 1965م، أصبح واضحاً أن داخل حركة القوميين العرب تياران: التيار الذي يدعوإلى الالتحام بالناصرية “اليسار”، والتيار الأخر المعارض للفكرة “اليمين”… وتفادياً لحدوث انشقاق يُغضب عبد الناصر – كما حدث مع حزب البعث في سوريا والعراق – اتفقت القيادة القومية بطرفيها على الدعوة إلى عقد مؤتمر في فبراير سنة 1965م للوصول إلى نتائج ترضي الفريقين وتحفظ للحركة وحدتها القومية.

***

مؤتمر فبراير سنة 1965م:

عندما انعقد المؤتمر القومي للحركة في الأسبوع الأول من شهر فبراير سنة 1965م واعتبرت قراراته حصيلة للحوارات الدائرة في الحركة خلال العامين الماضيين؛ أعلن عضو اللجنة المركزية للقيادة القومية للحركة جورج حبش أنه وفريق القيادة التقليدية قد استوعب التحولات الفكرية والتنظيمية الجارية في صفوف الحركة، وأن “الوثيقة الموحدة” الصادرة عن المؤتمر هي مُحصلة لوجهتي النظر.

وعن قرارات مؤتمر فبراير هذا يقول محمد جمال باروت: (… كان مؤتمر 1965م مصادقة على الحقيقة الصلدة، وهي حقيقة انهيار “حركة القوميين العرب” كما صممتها القيادة المؤسسة، فمثّلت قرارات هذا المؤتمر تعبيراً نموذجياً عن “حركة القوميين العرب” الشابة الجديدة الناهضة من ركام الحركة القديمة وانهيارها)(7) فقد جاءت وثيقة المؤتمر لُتطيح بسُلطة القيادة القومية للحركة، وتحدد صلاحياتها بــ “الإسهام في إطلاق الإشارات العامة”، وأحالت الشئون الفكرية والإدارية إلى الفروع القطرية، وتنقل مركز ثقل الحركة من القيادة المركزية إلى الإقاليم التي أصبح – حسب الوثيقة وقرارات المؤتمر – بإمكانها أن تشكل مؤسسات تنظيمية قطرية خاصة بها على أساس انتخابي وفق نظرية الديمقراطية المركزية، فقد كانت وثيقة المؤتمروقراراته تتمحوحول:

1- نقل مركز الثقل إلى الأقاليم.

2- انتخاب القيادة من القاعدة إلى القمة.

3- بناء الحركة الاشتراكية العربية الواحدة.

وأعتبر قرار المؤتمر “بناء الحركة الاشتراكية العربية الواحدة” أن حركة القوميين العرب كيان تنظيمي مرحلي للوصول إلى بناء حركة الاشتراكية العربية الواحدة بالالتحام الكامل بالناصرية “اليسارية” تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وفي إطار فيدرالية تنظيمية قومية . وفي الوقت الذي أكد فيه المؤتمر على الهوية الطبقية اليسارية لــ “الحركة الاشتراكية العربية الواحدة” دعت وثيقة المؤتمر كافة القيادات السياسية العربية القابلة للانسجام والتحرك يسارياً مع تفهم عبد الناصر للتحول الاشتراكي الوحدوى، للّيحاق لبناء الحركة الاشتراكية العربية الواحدة. وبتجذيرها الطبقي الأيديولوجي هذا، ومع حلول شهر يوليو – تموز سنة 1966م كانت قد أصطدمت قيادة حركة القوميين العرب بمن أسمتهم “يمين الناصرية” مُمثلاُ بأجهزتها البيروقراطية، وميّزتها عن “يسارها” مُمثلاً بقيادة جمال عبد الناصر،وتوهمت الحركة خلال هذه الفترة، أنه يمكنها الالتحام مع قيادة عبد الناصر دون المرور عبر أجهزته التي تحكم مصر وتتولى ترجمة سياسات عبد الناصر العربية ؟!! وقبل انفراط عام 1966م كانت قد نشأت ثلاثة مواقف من استراتيجية الإلتحام بالناصرية:

الأول: موقف نايف حواتمه:

“أحد عناصر الجناح الراديكالي في القيادة القومية للحركة” الذي جمّد عضويته في الأمانة العامـة وذهب إلى اليمن يدفع بإتجاه تبني الماركسية اللينينية، على أثر أحداث ما عُرف بانـقـلاب 13 يناير 1966م المصري في (الجبهة القومية) في الجنوب اليمني المحتل، والإجراءات القسرية التي اتخذتها الأجهزة الأمنية المصرية التي كانت تدير العمل العربي، لإجبار الجبهة القومية – التي تمارس الكفاح المسلح لتحرير جنوب اليمين من الاحتلال الإنجليزي – على الاندماج التنظيمي بـ “منظمة تحرير الجنوب المحتل” إثر احتدام التوتر ما بين الكوادر العسكرية للجبهة القومية وبين “الجهاز العربي”، وبعد شكوك فيما اشتملت عليه “اتفاقية جدة” التي وقّعها عبد الناصر مع الملك فيصل من بنود سرّية خاصة بالجنوب.

الثاني: موقف محمد كشلي:

“أحد رموز اليسار في الفريق المركزي للحركة ” الذي انتقد التجربة الناصرية في سلسلة مقالات نُشرت له في أغسطس – آب وسبتمبر – أيلول سنة 1966م، وعاب سيطرة الجناح اليميني البرجوازي وتسلُط أجهزة الأمن الحكومي المصري، وأعتبرها عقبة تحقيق التلاحم مع يسار الناصرية التقدمي إلى جانب مسئوليتها عن انهيار العلاقة ما بين عبد الناصر وفصائل اليسار التقدمي الاشتراكي العربي في العراق وسوريا واليمن.

الثالث: محسن إبراهيم:

“عضواللجنة المركزية للقيادة القومية للحركة” الذي راهن على ثوابت طرحه المبكر لإستراتيجية الالتحام بالناصرية وتجسيدها في “الحركة العربية الاشتراكية الواحدة ” تحت قيادة عبد الناصر.

وبهذه التناقضات “الثانوية” لم يعد الفريق اليساري في اللجنة المركزية للقيادة القومية لحركة القوميين العرب موحداً في مواجهة الفريق الثاني في القيادة التقليدية المؤسسة للحركة، المُمثل في جورج حبش ، هاني الهندي، وديع حداد الذي عمل على استيعاب أطروحات الفريق “الراديكالي” واحتوائها، بهدف تفادي الانشقاق. وعلى ذلك، وللوصول إلى نتائج أيديولوجية وتنظيمية حاسمة: شكّل الفريقان لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر قومي يتبنى إعادة بناء الحركة و تجذيرها على أسس يسارية وحسم قضية الالتحام بالناصرية. وداهمت الجميع نكسة يونيو – حزيران سنة 1967م… وكانت الهزيمة التامة لإستراتيجية حركة القوميين العرب في الإلتحام بالناصرية.

إبراهيم عميش

الحلقة القادمة: (4/ج حركة القوميين العرب.. المآل فى ليبيا)

________________________________________

1. الكاتب: إبراهيم عميش كان أحد الطلبة الذين أصيبوا بأعيرة نارية قرب مدرسة شهداء يناير فى مدينة بنغازى فى اليوم الثانى للمظاهرات 14يناير 1964م، وكان من شهداء الحركة الطلابية فى بنغازى كل من البيجو والنقاز وبن حريز، وكل من زعميط والبنغازى فى مدينة الزاويــة.

2. راجع: دكتور السيد عوض عثمان “العلاات الليبية الأميريكية” عن مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 1994م

3. راجع : مصدر سابق.

4. راجع: مصطفى بن حليم “صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسى” لندن 1992م.

5. راجع: محمد جــلال كشك “ثورة يوليوالأميريكية” القاهرة 1988م.

6. راجع: مصدر سابق

7. راجع: محمد جمال باروت “حركة القوميين العرب” عن المركز العربى للدراسات الإستراتيجية، بيروت 1992م.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 2,230 other followers

%d bloggers like this: