7 أبريل – حدث في مثل هذا اليوم

 

كتب كاباون – موقع ؤسان

أطلقت أمي زغرودة طويلة في وجهي وأنا أحمل لها خبر نجاحي في امتحانات الشهادة الثانوية العامة, ثم تلقيت سيلا من التهاني من الأسرة والأقارب والجيران والرفاق والأصدقاء , لقد كنت بنجاحي ذلك محل تبجيل كبير عند والدي (رحمه الله) حتى أنه أعفاني لفترة طويلة من أوامره الكثيرة في البيت .

لقد كنت مثل أي شاب ليبي يحلم بأن يلتحق بالجامعة ليكون فيما بعد كادرا في المجتمع الليبي الصغير الودود, وأعترف أنني كنت محظوظا في توجيهي إلى الجامعة, على غير حظوظ معضم زملائي في المدرسة الثانوية الدين ابتلعتهم الكليات العسكرية وقضت على أحلامهم في أن يكونوا مواطنين ضمن المجتمع المدني… أين هو الجيش الليبي ألان ؟ لقد تحول إلى كتائب أمنية خاصة مهمتها حراسة القدافي واولاده.

العام الدراسي  – 1986 م كنت أخطو أولى خطواتي إلى الجامعة, وكنت اشعر بالزهو والنشوة معا, هاهو الحلم بدأ يدنو.

صبيحة يوم السابع من ابريل  من العام الدراسي – 1986م كنت أدلف بوابة جامعة طرابلس ليوم دراسي عادي في أول فصل دراسي لي , كانت هناك حشودا أمنية ومظاهر عسكرية  وعناصر من اللجان الثورية  يقفون عند بوابة الجامعة ووسط الكليات والمدرجات والساحات, كانت هناك حالة طوارئ غير معلنة, شباب يلبسون ملابس مدنية ويعصبون روؤسهم بشرائط خضراء ومسدسات تتدلى على جانبي خصورهم , كان بعضهم يحمل رشاشات وبنادق كلاشنكوف, بعضهم كان راجلا وبعضهم كانوا يركبون سيارات تصدر اصواتا من شدة سحل إطاراتها على الإسفلت.

ذلك الصباح كان يمكن للطلاب الدخول إلى الجامعة كالعادة بسلاسة , لكن الخروج منها كان ممنوعا نهائيا وسط تحرشات أمنية لم يسبق لي أن شاهدتها, كانت الدراسة متوقفة, كان هناك هرجا ومرجا وهمسا حذرا بين الطلاب وهم يتسالون بلغة العيون عن ما الذى يحدث داخل الحرم الجامعي ؟ – خاصة طلبة سنة أولى مثل حالاتي -، كان يوم عيد شنق الطلاب وأنا لا أدري… بالنسبة لعناصر اللجان الثورية ورجال الأمن الذين غصت بهم الجامعة يعتبرون يوم السابع من ابريل يوم إحتفال رسمي, وعيدا يحييه طلاب الجامعات الليبية بالغصب وتحت مشاهد الشنق مند العام الدراسي 1975 – 1976 حيث بدأ تدنيس جامعة قاريونس ببنغازي على يد – المقبور محمد المجدوب واحمد إبراهيم عضو البرلمان الليبي وعمار الطيف وآخرين هم الآن وزراء وقيادات كبيرة في البلد، – سمعت بعض أسمائهم على لسان القدافي في خطاباته  .

في جامعة طرابلس حشر جميع الطلاب  في كلياتهم وبدأ عناصر الأمن واللجان الثورية يسوقون الطلاب إلى ملعب كلية الاقتصاد القريب من بوابة الجامعة, تحلق مايزيد عن خمسة الالاف طالب وطالبة على تلك الساحة, ثم وصلت سيارة الإعدامات, منظرها بشع جدا, لها باب حديدي من الخلف, أنزلوا منها رجلا رأسه مغطى بكيس أسود ويداه مربوطتان إلى الأمام، وساقوه وسط جلبة مقززة إلى الكرسي الدى كان ينتظره تحت قدم المشنقة التي نصبوها على عجل وسط ملعب التنس, تقدم أحدهم وقال بصوت مرتبك مامفاده إن هذا الطالب خائن ولابد أن يلقي جزاءه , ثم تلى آية من القران الكريم  ”وماظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”, ثم قال “الإعدام شنقا حتى الموت”… ليس ثمة وقت لتلاوة تهمته أو منطوق حكم المحكمة الثورية ألدى صدر ضده , في الواقع كانت محاكمة صورية شبيهة بمحاكم الاستعمار الإيطالي أيام احتلاله ليبيا… وسط تلك الجلبة والصراخ بصعوبة سمعتهم يقولون الخائن كعبار.

عندما أوقفوا الضحية على الكرسي رفع يداه المكبلتان إلى أعلى مرتين ,, هل كان يتحدى الموت ؟ أم انه كان يتحدى تلك الشلة التى تصرخ بشكل غوغائي غير منظم عند أقدامه ؟ إنها رهبة الموت, لك أن تتخيل ذلك, لحظة تخر لها كل قواك… لقد كان الرجل متماسكا إلى أخر لحظة تدلي فيها جسده من حبل المشنقة .

كان هناك صراخ وحالات إغماء بالعشرات وكان نصيب الأسد منها للطالبات, كان هناك بكاء وعويل وأحذية ومعاطف وشالات وأقلام وكتب وحقائب وأجساد تسقط على الأرض من شدة الاندفاع… حالة تدمر وفشل كامل أصابت الطلاب, كنا مثل البلهاء , تحلقنا حول ملعب كلية الاقتصاد بجامعة الفاتح  للاحتفال معهم بشنق زميل طالب, ثم ساقونا مثل ما تساق الثيران الوديعة إلى حفلة دم أخرى سيشهدها ملعب كلية الهندسة في الساحة القريبة من مسرح كلية العلوم، باسم ثورة السابع من ابريل, لم يعد بمقدورنا مشاهدة  المزيد, لكن العناصر التى أشرفت على مشانق الجامعة تلك, أفلحوا بأسلوب التهديد والرصاص في قيادة جموع الطلاب إلى كل أماكن الشنق داخل الحرم الجامعي, ولاحقا ستشهد كلية الزراعة حفلا دمويا آخر.

كان المنفذون على عجل من أمرهم وكان عليهم أن ينجزوا بالصوت والصورة عمليات الشنق في أسرع وقت ممكن, حالة عدم التجاوب من الطلاب تزيد من ارتباكهم وربما هلعهم.

في ساحة كلية الهندسة أحضروا ضحية أخرى وساقوها إلى المشنقة في مشهد متكرر هذا الصباح… رجل رأسه معصوب بكيس أسود يقاد إلى منصة الشنق وما أن يحوط حبل المشنقة برأسه حتى يركل احدهم الكرسي ويتدلى جسده أمام عيون الجميع ,, صراخ ونحيب من جديد ومزيدا من المغشيات عليهن من الطالبات ووجوه الطلبة كأنها في يوم الحشر….

تجاوز النهار منتصفه وعلينا أن نحضر معهم عملية شنق طالب أخر في كلية الزراعة, كم كانت ثقيلة بطيئة تلك الخطوات الى هناك… ما يزال حفل الشنق مستمرا والفرجة إجبارية… انحشر ما يزيد عن خمسة الآلاف طالب وطالبة داخل المربع الأخضر بين مباني كلية الزراعة , ونصبت المشنقة في الوسط وجاءت مجموعة تقود ضحية ثالثة معصوبة الرأس بكيس اسود إلى المنصة, ثم يكرر “الإعدام شنقا حتى الموت”, ويتدلى جسد الضحية من حبل المشنقة, ما أقساهم، ما أبشعهم.

في كلية الزراعة كان خروج ذلك  العدد الكبير من باب واحد لا يزيد عن أربعة أمتار، عملية شبه مستحيلة… تدافعت الأجساد بدون انتظام وزاد من التدافع المرتبك إن العناصر التي نفدت عملية الشنق كانت تطلق الرصاص بشكل عشوائي في السماء… وسرى بين الطلبة اعتقادا بان اشتباكا قد حصل بين طرفين وعلى الجميع الفرار كيفما اتفق… كان عدد الذين يسقطون على الأرض – وخاصة الطالبات – أكثر من الذين تمكنوا من الخروج… أنا لم أدري بنفسي إلا في بيتنا اسحب الغطاء على جسدي لمدة يومين متتاليين لم أتحدث ولم أقبل من أحدا أن يتحدث معي .

Advertisements

One response to “7 أبريل – حدث في مثل هذا اليوم

  1. انيسة احمد أبريل 7, 2012 عند 7:44 م

    الله واكبر التاريخ لايرحم من طغي وتجبر وربك لشديد العقاب وشوفو نهاية الطاغي في حفرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: