من مفهوم حق الخصوصية – 1

كتب د . محمد بالروين

لقد أصبح حق الخصوصية اليوم من أهم حقوق الانسان إن لم يكن أهمها على الاطلاق، وذلك لان الخصوصية هي القيمة الاساسية التي تدعم وترتكز عليها الكرامة والتي يمكن إعتبارها وبحق أعظم منحه منحها الله عز وجل للانسان والتي بدونها لا يمكن ان تستقيم حياته، وعليه فلقد أصبح في إعتقادي أنه من المهم والضروري ان يضمن كل دستور هذا الحق لكل انسان في الدولة. وعلى كل الشعوب والمجتمعات المتحضرة أن تُقدر ذلك وتُقدسه وأن تعتبره من أقدس الحقوق الانسانية. ولعله من المناسب في هذا المقال أن أحاول تسليط بعض الضوء على هذا المفهوم وأهم مكوناته وذلك بمحاولة الاجابة على الاسئلة التالية:

1. ماذا نعني بحق الخصوصية؟
2. ما طبيعة حق الخصوصية؟
3. ما أهم أنواع حق الخصوصية؟
4. متى يحق للدولة أن تتدخل فى حق الخصوصية؟
أولا: معنى حق الخصوصية
يمكن تعريف هذا المفهوم بأنه حق كل شخص أو جماعة أو شعب أن يختار بنفسه نوعية وكيفية مشاركته مع الآخرين دون تدخل من الدولة المقيم فيها أو من أي أطراف اخرى. فلكل انسان الحق في الاختلاء بنفسة والتميز عن غيره لسبب أو أسباب يعتقد إنها تخصه لوحده. وهو قدرة وحرية كل مواطن في الدولة التي ينتمي لها على حقه في الاحتفاظ بكل ممتلكاته ومعلوماته التي يعتقد أنها له. وأن خصوصيات الاشخاص والجماعات والشعوب في الدول التي ينتمون لها لابد ان تكون مضمونة ومصانة ومحمية من كل أنواع التفتيش والانتهاك والحرمان والحجر الغير معقول ويجب ان تُحمى هذه الخصوصيات سواء إن اتفقت أو اختلفت معها السلطات وطالما انها قانونية ولا تهدد الامن الوطني، فعلى كل السلطات في الدولة ان تبقى خارج خصوصيات مواطنيها سواء كانوا أشخاصا أو جماعات أو شعوب طالما لا تتعارض مع مبادئ وأهداف الدستور.
ثانيا: طبيعة حق الخصوصية
وهنا لابد من الإشارة إلى انه بالرغم من أهمية هذا الحق وضرورته في الحياة الانسانية الا انه قد تم إهماله من قبل الاغلبية من المفكرين والفلاسفة عبر التاريخ. وكنتيجة لهذا الاهمال لم يُذكر هذا الحق فى أي دستور من دساتير الدول المتحضرة ولم يتم الاهتمام به الا اخيرا. ففى دستورالولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال لم يُذكر هذا الحق بوضوح في الدستور نفسه ولا حتى في التعديلات الاحقة له. وقد تم الاعتراف به ولأول مرة عندما قررت المحكمة الاتحادية العليا في الولايات المتحدة الاعتراف به والتأكيد عليه في عام 1965. ففي القضية المعروفه في القانون الدستوري الامريكي بـــ "قرسوود ضد كونيتكت" قررت المحكمة بأن ما يقوم به المتزوجون في بيوتهم الخاصة هو أمر يهمهم وحدهم وخصوصية لا ينبغي علي الدولة التدخل فيها (للمزيد أنظر: بارديس وآخرين، 2000، ص 128). وعليه يمكن القول انه حتى عام 1965 كانت الحقوق الدستورية للامريكيين محصورة في الحقوق المذكورة فيما يعرف بوثيقة الحقوق (أي التعديلات العشر الاولى للدستور) والتى لم تتضمن هذا الحق. ولكي تصل المحكمة لقرارها بالاعتراف بهذا الحق قامت بمحاولة الجمع بين مفاهيم متعددة ومتفرقة في أربع تعديلات للدستور هي التعديل الاول والرابع والخامس والتاسع. وكنتيجة لهذا الجمع والتفسير الشامل لهذه المصطلحات المتفرقة أعلنت المحكمة الاعتراف بحق الخصوصية واعتبرته حقا من الحقوق الاساسية في المجتمع الامريكي (أنظر: بيرنز، 2000، ص 137). ومن الطريف انه بالرغم من إعتراف المحكمة العليا بهذا الحق الا ان حدوده وطبيعته لا تزال غامضة ولم يتم الاجماع عليها حتى الان. فعلى سبيل المثال لا يزال الامريكيون فى نقاش متواصل حول ما إذا كان حق الخصوصية يتضمن حق المريض الميؤوس من شفائه على القيام بالانتحار بمساعدة طبيب (للمزيد أنظر: سدلو 1998، ص 101). والابعد من كل ذلك لا يزال البعض من الفقهاء الدستوريين في الولايات المتحدة يؤمنون بأن الخصوصية ليست حق من الحقوق الاساسية التي ينص عليها الدستور. وفي هذا الصدد يقول القاضي صامويل اليتو (Samuel Leto) أحد قضاة المحكمة العليا بأن الدستور الامريكي "لم يذكر بصراحة ولا بأي شكل من الاشكال بأن الخصوصية هي حق من الحقوق الاساسية. ولا وجود لهذا الحق في كل التعديلات السبعة والعشرين (27) التى تم إضافتها الى الدستور حتى الان" (راجع: أونين ذت كوم 2009). وإستنادا على ما ذكرت أعلاه يمكن القول بأن مفهوم الخصوصية يتوقف فهمه ومعرفه طبيعته وحدوده بالدرجة الاولى على المحيط والمحتوى والبيئة ونوع الحكم الذى يعيش به الانسان. وعليه فلابد من الايمان بالخصوصية كمبدأ والعمل على التركيز على مكوناتها الضرورية وأنواعها الاساسية حتى يسهل فهمها وكيفية التعامل معها.
ثالثا: أنواع حق الخصوصية
في الحقيقة أنا أعتقد انه من المناسب لكي نفهم أنواع حق الخصوصية أن ننظر له من زوايا عديدة. ولعل من أهم الانواع التي يمكن وجودها في أي مجتمع متحضرالآتي:
1. الخصوصية الشخصية
وهو من أهم الخصوصيات في كل المجتمعات البشرية، وتعني خصوصية الشخص كفرد في مجتمعه وحقه في امتلاك والاحتفاظ بكل ما يعتقد انه من حقه وحده. ولقد اعتبر الاسلام هذا النوع من الخصوصية من أقدس وأهم الخصوصيات ورفع مرتبتها وحق الدفاع عنها الى درجة الاستشهاد في سبيل الله. فقد قال رسولنا صلي الله عليه وسلم مشجعا الانسان على الدفاع عن نفسه وحرمته ومعتقداته وممتلكاته "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون حُرمته فهو شهيد" (بن تيمية، 1983، ص 76). ولعل خير مثال على تقديس الاسلام لحُرمة وقداسة الخصوصية الشخصية هو قول الله تعالى في سور النور: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم". النور: 27 – 28.
والحقيقة انه لم يصبح لهذه الخصوصية قيمة وإعتراف عالمي الا بعد ان تبنتها الامم المتحدة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تم اعتمادها عام 1948. فقد نصت المادة الثانية عشر من هذا الإعلان على ان "لا يتعرض أحد لتدخل تعسفي فى حياته الخاصه أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته. ولكل شخص الحق فى حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات" (الإعلان العالمي، 1948).
ولعله من المناسب والمفيد فى هذه العجالة التأكيد علي أربع أبعاد مهمة وضرورية للخصوصية الشخصية وهى:
(أ) حق الشخص في أن يكون حرا من مراقبة وتدخل السلطات أو الآخرين في شؤونه الخاصة والمتعلقة به وحده.
(ب) حق الشخص في منع السلطات أو الآخرين من نشر وإظهار شؤونه الخاصة به على الملأ.
(ج) حماية الدولة لكل مواطنيها من الافتراء والتشهير الشفوي أو المكتوب.
(د) حق الشخص في التفكير والاعتقاد فيما يُريد دون تدخل السلطات أو الآخرين في ذلك.
2. الخصوصية الثقافية
أما النوع الثاني من حق الخصوصية هو ما يمكن أن نطلق عليه بالخصوصية الثقافية، فكل المجتمعات لها خصوصيات ثقافية ولا يمكن لاى انسان عاقل ان يتجاهلها ولا ان يتجاوزها عند محاولة فهم هذه المجتمعات. فكل من يدرس تركيبة الدولة الليبية المعاصرة على سبيل المثال سيجد إنها تتكون من جماعات وشعوب عديدة ومختلفة ثقافيا وعرقيا. وان كل باحت في تاريخ هذا البلد سيدرك هذه الحقيقة وسيعلم على سبيل المثال بأن أخواتنا وإخوتنا الامازيغ والتبو والطوارق والاتراك والافارقة وبقية الجماعات الاخرى في ليبيا لم يتحدوا ويتعاونوا ويتآخوا معا على أسس عرقية ولا لغوية ولا قومية، وإنما الذي جمع شملهم ووحد كلمتهم هو إيمانهم جميعا بفكرة واحدة. هذه الفكرة التي عشقوها وآمنوا بها وكانوا من السباقين فى التضحية والاستشهاد في سبيلها. هذه الفكرة هي التي أدت الى اختلاط دمائهم الطاهرة الزكية مع دماء إخوتهم العرب مما دفع بهم جميعا الى المزيد من التحالف والتآلف والتلاحم. ولكن وبالرغم من كل هذا التلاحم والتعاون والتقارب يجب أن لا ننسى بأن لهذه الجماعات المتنوعة والمختلفة خصوصيات اجتماعية وثقافية وعرقية وتاريخية تعتز بها وتميزها عن غيرها من الشعوب والجماعات الاخرى. وعليه فيجب أن تكون هذه التجربة وهذا التاريخ المُشرف لنا جميعا هو التجسيد الحقيقي لقول الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير) الحجرات: 13. ففي هذه الآية دليل حقيقي واعتراف علني بأن التنوع يجب ان يكون هو الاصل في لقاء الجماعات والشعوب والعمل من أجل وحدتها. وعليه فلابد ان يكون شعارنا من أجل الاستمرار في توحيد وتقوية وطننا الحبيب ليبيا قائما على أساس مبدأ "التنوع من خلال الوحدة" وليس الوحدة من أجل الهيمنة والسيطرة والاستغلال والتهميش. وهذا يتطلب منا جميعا قبل كل شيء احترام خصوصيات كل الجماعات والشعوب مهما إختلف الآخرون معها. ولكي نحقق ذلك فليكن الحوار والتعاون من أهم وسائلنا والاحترام والتقوى من أسمى أهدافنا إن كنا حقا صادقين.
3. الخصوصية الدينية:
أما النوع الثالث من حق الخصوصية هو ما يمكن أن نطلق عليه بالخصوصية الدينية، فلكل شخص حق الخصوصية فيما يفكر وحقه في الحماية المطلقة لكل ما يعتقد ويؤمن به ولا يجب أن يكون هناك وصاية على أفكاره أو معتقداته من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة. وقد أكد ديننا الحنيف هذه الخصوصية وجعلها ركيزة من ركائز الدعوة لله. والآيات القرانية التي تؤكد على ذلك عديدة لعل من أهمها قول الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة : 256. وقوله تعالى (قُلِ الْحق من ربكم فَمن شَاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف: 29. وقوله أيضا (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125. وعليه يجب اعتبار الخصوصية الدينية من أول المكونات وأهم الضروريات لبناء أي دولة. وفي اعتقادي ان حماية هذه الخصوصية هي أحد المؤشرات التي ستحدد إتجاه الطريق ونوعية النتائج المستقبلية لأي شعب يريد أن ينهض ويتقدم.
فى الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله سوف أحاول الإجابة على السؤال: متى يحق للدولة أن تتدخل في حق الخصوصية؟
يتبع، والله المستعان.

——————————————————————————————————

Berween@hotmail.com
المراجع:
وثيقة إعلان الحقوق – المادة (12) The Arabic Version of UDHR، the Universal Declaration of Human Rights: http://www.boes.org/un/arahr-b.html

– Barbara A. Bardes et al، (2000)، “American Government and Politics Today: the Essentials. United States: Wadsworth، Thomson Learning
– Edward Sidlow et al، (1998) “America at Odds: An Introduction to American Government. New York: West / Wadsworth
– The onion.com “Right to Privacy Not Guaranteed By Constitution، Say Supreme Court Justice Peeking in Bathroom Window.” March 17، 2009، Issue 45 – 12 http://www.theonion.com/content/news/right_to_privacy_not_guaranteed_by
– James MacGregor Burns et al (2000)، “Government by the People.” New Jersey: Prentice Hall. e/18.

– تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية (1983) "كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية." تحقيق لجنة إحياء التراث العربي. منشورات دار الافاق الجديدة – بيروت.

Advertisements

4 responses to “من مفهوم حق الخصوصية – 1

  1. على محمدالمنصورى أبريل 13, 2010 عند 6:30 م

    بارك الله فيك على هذا الموضوع ونحن بانتظار البقية فالموضوع مهم جدا والكتابات فيه قليلة

  2. على محمدالمنصورى أبريل 13, 2010 عند 6:33 م

    بارك الله فيك فالموضوع مهم والكتابات فيه قليلة بانتظار البقية

  3. حنان فبراير 24, 2011 عند 10:05 م

    مشكور جدا و جزاك الله كل الخير

    لكن ما مدى تأير اتساع اختصاصات الضبطية القضائية على حرية الخصوصية؟

  4. A3PHD فبراير 8, 2012 عند 11:09 م

    انا باحث دكتوراه قانونى ورسالتى فى مجال حماية البيانات الشخصية الرقمية ارجو التواصل
    برجاء زيارة صفحتي الشخصية للتواصل
    http://about.me/a3phd

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: