قراءة فى تاريخ السنوسي الكبير

 

كتب فضيل الهادي

fh130410a

صورة الإمام محمد بن على السنوسي فى سنة 1270 هجرية ـ 1854م
التقطت فى مكان غرب القاهرة يسمى المناشى

عرفت السنوسية بأنها حركة تبشيرية إسلامية سنية منهجها الإصلاح صوفية الملامح نشأت فى بدايات القرن التاسع عشر الميلادى و تحديدا فى الثلاثينيات منه . وليس من المبالغة القول بأنه لا يمكن وصف الانحدار الفكري و السياسي الذى كان يعيشه العالم الاسلامى آنذاك حين كان العلماء المسلمين يذعرون لمجرد سماعهم كلمة " التجديد " أو " فتح باب الاجتهاد " .

أسسها السيد محمد بن على السنوسى أو السنوسى الكبير كما يعرف فى كتب التاريخ والذى درج أهل برقة على تسميته بابن السنوسى وهو فرد من " النخبة " ولد فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة 1202 هجريه الموافق الثانى والعشرون من شهر ديسمبر سنة 1787 م فى محلة الواسطة بوادى الشلف فى مستغانم من أعمال وهران بالجزائر فى أسرة السنوسى التى اشتهرت بعراقة النسب من قبيلة الأطرش آل خطّاب وقد عرف منذ صباه بالذكاء والورع والعلم الغزير ، وكان ذلك يعتبر حلية بجملة لأصله النبيل .
فى حوالى عام 1220 هجريه ران ذلك العالم الشاب _ وقد بلغ الثمانية عشرة سنه وبعد أن اخذ عن كل علماء مستغانم ومازونه _ ببصره إلى دار العلم " فاس " حيث جامعة القرويين الشهيرة .هناك أخذ عن كل علماء فاس وهم لايحصون . حتى انه قال فى معرض حديثه عن ارتحاله منها : (لم نعد نجد فيها من لم نأخذ عنه) وعبرعن العلوم التى أتقنها بقوله : " تعلمنا خمسون علما ما سئلنا فى عمرنا كله سوى عن ثمانية عشر منها فقط ". ويبدو أن ذلك هو ما أهّله إلى أن يتصدى للتدريس فى جامع القرويين الكبير .وبعد أن التهم مافى بطون الكتب الموجودة فى خزائنه . وٍرسالة المنهل الروي الرائق وكذلك الشموس الشارقة مثلا _ وهما فهرستان ألفهما السنوسي فى أسانيد بعض العلوم الدينية التى تلقاها _ يدلان على حجم ما يختزنه عقله.
لقد جهر ابن السنوسي بتصوفه وهو وان كان متصوفا بطبيعته وبيئته بل زاد إلى أن اخذ عن جل علماء المتصوفة فى ذلك الوقت وتلقى معظم أسانيد طرقهم _ ( وذلك قبل لقائه بشيخه بن إدريس ) _ ولكنه اكسب كما يقول الدجانى ( صوفيته هو طابع السنة ولجمها بحدود الشرع واكسب فقهه طابع الروحية المتألقة ).
غادر ابن السنوسى فاس فى سنة 1235 هجرية بعد أن تعددت أسباب مغادرته لها _ ولعل تجنب الاصطدام بالسلطة أثناء فتنة تورط فيها علماء المدينة أدت إلى خلع سلطانها هو أهمها _ عائدا إلى الجزائر وبعد أن طاف ثلاث سنوات فى مدن وقرى الجنوب الجزائري قفل عائدا إلى بلده مستغانم ثم إلى جهة قسطنطينة وكان عمره لا يتجاوز الرابعة والثلاثين حين بنى أول زاوية له هناك فى منطقة تسمى " أولاد نايل " قام فيها بالوعظ والتعليم .
فى عام 1238هجرية قرر السنوسي الارتحال إلى مكة . ولا شك في أنه حقا كما يقول بريتشارد 😦 نموذجاً حياً من المعلمين الكبار في أيامه شمولي النظرة وشديد الحرص في المحافظة على القداسة واكتساب العلم أكثر منه رجلاً تقوده الملهيات الدنيوية والمطامح ).
فغادر الجزائر إلى تونس ثم طرابلس فبرقة إلى القاهرة التى وصلها عام 1239 هجرية أى فى سنة 1824 م وفى هذه السنة التى قضاها مسافرا كسب قلوب الكثيرين وتعرف إلى العديد من الشخصيات والقبائل والعائلات _ في ما عرف بعد ذلك بليبيا _ والتى استقبلته عند عودته فيما بعد استقبالا حافلا .
ما من شك فى أن اطلاع ابن السنوسى على حال المسلمين فى بلده والبلاد التى مر بها أثار قلقه واهتمامه ولن تستغرب هذا القول إذا علمت انه عبر عن ألمه حين كان لايزال صبيا فى بلده مستغانم إلى احد شيوخه من تأخر حال المسلمين فكيف هو إذا مر ببادية برقة التى وصفها احد العلماء المغاربة بقوله : ( مررنا بالجبل الأخضر قبل قدوم الشيخ السنوسى إليه فلم نجد فيه من يحسن قراءة الفاتحة ) وحيث لم يكن هناك مسجدا واحدا فى المسافة مابين الإسكندرية إلى درنة أو فى ما بين درنة إلى بنغازي . فضلا عن معرفة ساكني تلك المناطق بماهية صلاة الجمعة مثلا أو العدة الشرعية للطلاق والوفاة حينها كان الناس يقطعون المسافات الشاسعة يبحثون عمن يقرأ لهم خطابا مرسلا. بل إن إحدى زوايا برقة فيما بعد فصلت بالطلاق فى عشرات من الزيجات لزوجات ثبت أنّهنّ تزوجن أخوانهن من الرضاعة و" العياشى " فى رحلته التى سماها " ماء الموائد " يصف حال برقة الذى لم يختلف كثيرا عن حالها إبان وصول بن السنوسي إليها ويعزز قولنا هذا عن إحساس السنوسي الصحيح بذلك الحاضر وتطلعه إلى تغييره قيمة النتاج المادي والأثر الذى أحدثته طريقته فى تلك المناطق فيما بعد .
وبالعودة إلى رحلته تلك فانه ولما تبين له أن بغيته ليست فى قاهرة المعز وبعد قرابة عام قضاه غادر الأزهر وكان قد تصدى فيه للتدريس. فهو كما أسلفنا كان قصد مكة أصلا والتى وصلها فى سنة 1240 هجرية الموافق للعام 1825 م .ومن الجدير بالذكر فأنه وفى نطاق نشر رسالته التجديدية قد أثار حفيظة جل علماء المالكية فى الأزهر وعلى رأسهم الشيخ " عليش "حين طرح بعض الاجتهادات الفقهية التى تتعلق بالصلاة فى " المذهب المالكي " خالف فيها الإمام مالك أو صحح مانسب إليه وقد جمعها فيما بعد فى كتابه " البغية " والمطلع على هذا السفر يدرك مدى قدرة بن السنوسي على سبر غور المسائل الاجتهادية .
وفى مكة مهوى أفئدة المؤمنين و محط رحال العلماء وملتقى الاتجاهات الفكرية والمذهبية " الإسلامية " التقى بن السنوسي بالعديد من العلماء الذين اخذ عنهم أو أجازوه وكان أشهرهم ضالته المنشودة السيد " احمد بن إدريس " الملقب بأبى العباس العرائشى نسبة " لعرائش " بتطوان المغرب .
وبعيدا عن الإطالة فى سرد ووصف تلك العلاقة التى كانت بين ابن السنوسى وشيخه السيد احمد بن إدريس ومنزلته عنده فان المرء ليعجب مما وعظ به الشيخ تلاميذه بعد وصول ابن السنوسى إليه بخمسة عشر يوما فقط _قائلا : " أما ولدنا السيد محمد بن على السنوسى فنحن أمرناه أن يدل الخلق على الله و يجذب الطالبين إلى الله . إياكم ثم إياكم من كل ما يقطعكم عن صحبته فانه النائب عنا قد اختاره الله لذلك وقد طلب منا مرارا أن نجعل ذلك لمن يقوم به غيره فلم نرى من فيه المصلحة إلا هو ولو علم الناس منزلته وعلو مقامه عند الله لتزاحموا على بابه ليروا وجهه فانه قليل رجاله فى زماننا هذا والناس جاهلون قدره ويؤذونه فإياكم ثم إياكم من أذيته . فان من أذاه أخذ من حيث لا يشعر … الخ " _ وسرعان ما يزول ذلك التعجب حين يطلع على ما أنجزه السنوسى وأبرزه الى حيز الوجود فيما بعد.
وفى هذه الفترة بنى بن السنوسي أول زاوية له فى الحجاز وهى زاوية جبل أبى قبيس بمكة ولا شك أن الحادثة المشهورة التى حدثت له مع شريف مكة وانتهت باعتذار الشريف إليه وعرض كل مساعدة يطلبها ابن السنوسى فى البناء _ ولكن ابن السنوسي اكتفى بالاعتذار المتقدم والإذن له فقط بالبناء _ ساهمت أيضا فى فى تعزيز هالة القداسة التى أحاطت.وقد بقيت هذه الزاوية بل وكافة زواياه حتى بعد احتلال الوهابيين للحجاز وسيطرتهم على أرجاء جزيرة العرب ولعل ذلك يعود إلى أن هذه الزوايا لا تعدو عن كونها مساجد للصلاة ومراكز للدعوة والذكر. وجدير بالذكر أن السيد احمد بن إدريس ارتحل من مكة إلى " صبيا العسير " وان ابن السنوسي تبع أستاذه زائرا. ثم مالبث أن عاد قافلا. ومما روى عن أحمد بن إدريس وهو فى صبيا قوله " بوجود ابن السنوسى بمكة ما كأننا فارقناها ".
أضحت زاوية أبى قبيس فى مقصدا للعلماء ومركزا للطريقة السنوسية بالحجاز والتى ما لبث أن تأسس بعدها العديد من الزوايا فى الجزيرة العربية بلغ عددها بضع وعشرون زاوية. يقول بريتشارد : ومن المفيد جداً أن نشير إلى أن السنوسية نالت مقاماً رفيعاً في الجزء الغربي من جزيرة العرب شبيهاً بذلك المقام الذي نالته في برقة .
وينقل بريتشارد أيضا عن العالم الهولندي «سنوك هوركرونجي» ، المستعرب الذي قضى سنة في غرب جزيرة العرب بين 1884-1885 م ، قوله : ( أما في مقاطعات الحجاز التي تسكنها قبائل « حرب » وغيرها من الأعراب فإن السنوسية تحظي بأرفع التقدير ، نظراً لأن دعوتها العملية قد نجحت إلى حد بعيد في أن تجلب أبناء الصحراء الذين ينفرون من كل سلطة كما أنهم بعيدون جداً عن الإسلام الصحيح ، وضمتهم تحت زعامتها ».
ويضيف بريتشارد قوله : ( ونحن لا نضيف جديداً عندما نقول أن ابن السنوسى كان رجلاً عظيماً وأن عمل حياته كان انجازاً رائعاً . أما شخصه فقد ذكر عارفوه أنه كان رجلا طوالاً ، ذا مظهر متميز ، متكلماً فصيحاً ومعلماً حكيما ويمكن تقدير شخصيته الدينية من حقيقة أن الكثير من الجزائريين والتونسيين والمغاربة قد استحوذت عليهم تعاليمه وأسرتهم قدرته حتى أنهم تركوا أهلهم وأوطانهم وتبعوه في رحلاته ، وأطاعوا أمره حين وجههم كمبشرين إلى أراض جديدة ؛ وكذلك في الحقيقة أن بدو شبه جزيرة العرب وليبيا ، وهم قوم متحفظون قليلو الاكتراث بالآخرين ، قد تقبلوه كمرشد لهم في الناحيتين الروحية والزمنية . لقد كان عقل ابن السنوسى كما عرّفه بريتشارد عقلاً تبشيريا ، وكانت الطريقة التي أنشأها طريقة تبشيرية ).
وللحق فان لهذا القول ما يعززه فمثلا حدث أن أجاز ابن السنوسى " محمد شريف بن صالح " شقيق سلطان واداى _ وكان قد قدم إليه زائرا فى مكة خلال موسم الحج _ فى اعتناق الطريقة السنوسية ووجهه لنشر الإسلام فى بر السودان الأوسط وبالفعل خلف محمد شريف هذا شقيقه فى حكم وداى ولعب دورا هاما فى مابعد . لقد كان ابن السنوسى يرى أن الأقاليم الوثنية فى أفريقيا مكانا مناسبا لهداية سكانها إلى الإسلام لذا فان أعدادا هائلة من الوثنيين خلف الصحراء الكبرى والذين اعتنقوا الإسلام خلال المراحل التالية من نشاط السنوسية هو دليل دامغ على انه لا يمكن فهم السنوسية إلا على أنها طريقة دعوية تبشيرية .
وان كان الأمر كذلك فانه لابد لابن السنوسى أن ينزعج من احتلال الفرنسيين للجزائر الذى حدث خلال إقامته الأولى بمكة . وقد يكون هذا من الأسباب التى دعته الى أن يقرر مغادرة مكة قاصدا العودة إلى الجزائر فى والتى لم يستطع دخولها. لقد قدم احد المندوبين الفرنسيين من القاهرة فى ذلك الوقت تقريرا يصف فيه السنوسي بأنه " أخطر شخص " على التوسع الأوروبي المنتظر والمستعرض لكتاب الرحالة " هنرى دوفرييه " عن السنوسي والذى نشرته الجمعية الجغرافية فى باريس سنة 1884 م يدرك مدى العداء الذى يكنه الفرنسيون للسنوسية والذى ابتدأ مع نشاط بن السنوسى الاعلامى ضدهم فى مكة والفتوى التى أفتاها هناك ضد غزو الجزائر معارضا فيها بعض العلماء الذين كان لهم رأى مخالف فى ذلك الاحتلال والذى كان السبب فى محاولة الفرنسيين القبض عليه فى " قابس " التى قفل منها إلى طرابلس ليجد حشدا من علمائها قد تجمعوا عند الوالي التركي " على أشقر باشا " بعد أن حرضه أحدهم ضده ولعل اعتذار الوالي له بعد مناظرة علمية جرت وطلبه الانضمام فى سلك الطريقة السنوسية هو أيضا ما ساهم فى ذياع صيته فى تلك الأرجاء وليعود إلى برقة وكما يقول هو ٍاثر " رؤيا " ٍرآها ليؤسس أولى زواياه فى ليبيا.
إن القول بأن السنوسى كان متصوفا زاهدا وأنه لم يقع أسيرا للدنيويات له مايعززه ولا أدل على ذلك من أنه وفى ذروة تمكنه من مظاهر النفوذ المتمثلة فى الجاه والأتباع المخلصين وبعد أن دانت له برقة وما جاورها وفى نفس الوقت الذى كان فيه والى طرابلس العثماني من شيعته فانه لايقرر مثلا البقاء فى بساتين إحدى زواياه ذات الظل الوارف والثمار اليانعة فى الجبل الأخضر بل يطلب التوجه إلى واحة غير مقطونة ، ماؤها مر وطقسها حار ، إنها الجغبوب التى لم تكن مكاناً يصلح لحياة فخمة فالسنوسي يٍدرك أنه لم يقضى تلك السنوات الطويلة من حياته فى السفر على ظهور الجمال البطيئة من أجل الراحة بل من أجل الدعوة إلى الله وتحقيقا لآماله الضخمة فى الرفع من شأن مجتمعه الاسلامى وحمايته ، ولقد برزت الجغبوب التى كانت في واقعها مجتمعاً للعلم والاعتكاف ، كما بزرت أهميتها في تاريخ السنوسية بروزاً عظيماً ، هنا وتحت إشراف السنوسي شخصياً وإدارة تلاميذه البعيدين عن الاقتتال في سبيل الدنيويات ، استطاع السنوسي أن يدرب قادة المستقبل لطريقته فى عاصمة زواياه الخارجة عن نطاق النفوذ القبلي كان هو الذي يعين شيوخ الزوايا فينتقيهم من بين ٍتلاميذه ويحذرهم حين يبعثهم من قبول ما يقدم إليهم من هدايا ولو كانت من " اللحم " أو" اللبن الغير ممخوض " أثناء أدائهم لمهماتهم التى يوجههم إليها وحدث مرة أن أعاد أحد هؤلاء الشيوخ بشياه أهديت إليه ليعيد كل منها الى مضارب القبيلة التى أهدتها …. إذا فهاهم جميع بدو برقة ومنطقة سرت ومعظم بدو الصحراء الغربية في مصر قد تقبلوا السنوسية والتى لم تلجأ البتة إلى القوة لتسند أعمالها التبشيرية بل عن طريق الإقناع الهادئ إلى فهم أوفى لمعتقدات ومعاني الإسلام . فكانت مبادئها الرئيسية ببساطة ، هي : أن تفتعل الخير وتتجنب الشر ، إذا : لم يبق في هذه المناطق واحدة لم تنشأ فيها زاوية لها لقد قدمت السنوسية الرمز الوطني للقبائل وساهمت القبائل فيها عن طريق زوايا تلك القبائل . إن اجتماع تنظيم عام مع تمثيل يقبل بوجود الولاءات القبلية ويسخر تلك الولاءات من أجل ترسيخ الشعور الديني هو الذي زود الطريقة بأساسات ثابتة كما أدى إلى إعادة التوازن في الانقسامية القبلية .أى أن السنوسي ناغم العلاقة بين زوايا طريقته والتكوين القبلي للبلاد مع حصر رئاسات هذه الزوايا فى العلماء من الإخوان السنوسيين من خارج ذلك التكوين وهو ما أدى إلى دوام الاحترام من تلك القبائل تجاه هذه الرئاسات ، بل وحتى في مدن برقة نالت السنوسية نفس الأهمية وانتسب اليها كثير من أبناء الطبقات المختلفة فى تلك المدن ، ففى درنة وبنغازي مثلا لم يتخلف احد من مواطنيهما عن زيارة الشيخ السنوسي حين وفد وأقام فيهم بعض الوقت . لقد كانت الزوايا في واقعها كما يقول بريتشارد : ( مدارس ، ومحطات قوافل ، ومراكز تجارية ، ومراكز اجتماعية ، وحصوناً , ومحاكم ، ومصارف نقدية ، ومستودعات ، ومأواي للفقراء ، ومواطن حمى ، ومدافن ، كل ذلك إلى كونها قنوات يسير فيها نهر البركة الربانية . والحق كما يقول : أن هذه الزوايا كانت مراكز للثقافة والأمن في بلد متوحش ووسط قوم شرسين ، كما أنها نقاط مستقرة في بلد كان كل شيء فيه يتحرك . إن مضرب خيام البدو موطن قد تدق أوتاده في أي مكان . أما الزاوية فهي ثابتة ومع الزاوية أهلوها . لكن أي حسنات التي أكسبتها الزوايا للبدو ؟ لقد بينها السنوسي الكبير في رسالة إلى إحدى القبائل وملخصها أن البدو وأطفالهم يجدون من يلقنهم دينهم ومبادئ الإسلام على يدي رجال متفقهين أتقياء ، كما يمكنهم أن ينالوا فرصة عبادة الله في مسجد ، ثم أنهم بإحسانهم إلى زواياهم سيكسبون أنفسهم الثواب المقابل فيما بعد )…. لقد وطد السنوسى نفسه كمصلح ديني واجتماعي هدفه فى ذلك إحياء الإيمان ورفع ثقافته البدو الكافرين تقريباً والأميين تماماً وتوجيه سلوكهم نحو مقاصد الخير والفضيلة تبعه فى سيرته تلك المصلح العظيم ابنه " السيد المهدي السنوسي" ليتجاوز عدد مراكز الدعوة المائة وأربعون زاوية فى تلك المدة الوجيزة من عمر الحركة السنوسية والتى حين غزا الفرنسيون زواياها فى تشاد وانزل الايطاليون قواتهم بعد ذلك على السواحل كان للتنظيم العجيب للإخوان السنوسيين _ الذين قد تمكنوا من إبقاء منظمة طريقتهم متماسكة ، وقد تسنى لهم ذلك بفضل تنظيم تلك الزوايا والذى دأب السنوسي على إعداده مسبقا _ الدور الكبير فى مقاومة تلك الاعتداءات ولا عجب فالسنوسي نبه أتباعه صراحة ومرارا عن الغزو الصليبي القادم ، ولم تأنف قبائل برقة البيضاء مثلا من أن يرأس السوداني قجة أكبر أدوارها الجهادية ولا قبائل الحرابى رئاسة عمر المختار المرابط لها فى ذلك الجهاد بفضل انتمائهما للسنوسية وامتثال رجال تلك القبائل لتعاليمها .
إن سيرة الإمام السنوسي وأثره يدلان على إحساسه بنبل المسئولية وخطرها ، ومامن شك فى أنه كان يشعر بقدرته على الأختيار وأنه أيضا كان مستعدا لتنفيذ اختياراته وان المتمعن فى قصته لا يمكن له إلا التسليم بأنه كان " أمة فى رجل ".
وبالتحقيق والاستنتاج وبنظرة شاملة تتجاوز حصر النظر فى الجزئيات لنشوء تلك الأحداث وتطورها فانك سوف ترى ٍأن السنوسية أصبحت فى الواقع مرحلة من " تاريخ " ليبيا شئنا أم أبينا إن لم نقل أن ولادة الكيان الليبي الحديث قد خرجت بمتوالياتها وتتابع أحداثها من عباءة السنوسية سواء تمثل ذلك فى شخص السنوسي الكبير أو فى شخوص خلفائه من بعده ( المهدي وأحمد الشريف ثم إدريس ) وسواء حدث ذلك بالرضا المطلق أوبالأضطرار .
وان كان ذلك الزمن قد مضى ولن يعود فان هذا لا يعد مسوغا أو مبررا لكتمانه أو القفز عليه إذ كيف يتسنى لنا أن نطلب من الغير أن يشكر لنا مانبذل لأجله من جهد فى الوقت الذى لم نحترم نحن ما بذله الغير من أجلنا . وبعيدا عن التشيع المغرض المدفوع بعوامل التعاطف الجهوى أوالسياسي نقول وباختصار : إن هذه الأحداث لم تكتب فى مخيلاتنا فقط بل غارت أحرفها فى صفحات ذلك التاريخ .

——————————–

ملاحظة :
استعنت بكل من المراجع التالية :
الحركة السنوسية لأحمد صدقي الدجانى
سنوسيو برقة لايفانز بريتشارد
العلاقات السياسية بين تشاد وليبيا لمحمد جاكو
وغيرها بتصرف وبدون ترتيب .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: