مشاهـد من بدايات الدولة الليبية 1941-19161

كتب محمد المفتي

فـصـول من كتاب ع الكورنيش – 5 

بـا .. بـي .. بـو
جـوانب من نهضة التعـليـم

مع نهاية الفترة الإيطالية بلغ عدد الدارسين في المدارس العربية في ليبيا حوالي ثلاثة آلاف طالب. وقفز العدد بعد الحرب الى أكثر من 25 ألف تلميذ، بمبادرات حكومية وخاصة. ونسمع مثلا عن مبادرات نبيلة، منها في بنغازي مثلا، قيام الأستاذ عبيد الله عامر بافتتاح مدرسة مجانية أثناء الحرب في بيت مهجور بمنطقة القوارشة. لكن عدد طلبة المرحلة الثانوية في النصف الثاني من الأربعينيات، حسب ما يذكر مندوب الأمم المتحدة آدريان بلت في أحد تقاريره، لم يتجاوز 400 في كل أنحاء ليبيا.

المدارس الأهـلـــية

كان الإحسان وعمل الخير سلوكا شائعا في المجتمع الليبي، وتجلى ذلك في الاهتمام بملاجئ الأيتام. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بادر رجال النادي الأدبي في طرابلس وأحدهم الفاضل محمد الكريكشي ملجأ للأيتام، وافتتحوا فصولا دراسية. وفي نفس الفترة، في سنة 1944 مثلا، أسس السيد محمد العالم احويو مع محمود امبارك الشريف في بـنـغــازي أول مدرسة بحوالي 72 طفل، من فصلين (انظر الصورة). وكان الرجل قد عمل إبان فترة الحكم الإيطالي بصندوق الادخار.

قائمة المدرسين الرواد في كل مدينة ليبية طويلة، وقصص جهودهم وتفانيهم بطولية ونبيلة. وكانوا بخلفيات مختلفة، فمنهم من نال تعليمه إبان الحقبة الإيطالية، ومنهم من درس في مصر إبان الأربعينيات، ومنهم خريجوا الكتاتيب والزوايا وخاصة زاوية سيدي عبد السلام الأسمر في زليتن. وبعضهم تلقي دورات محلية وآخرين درسوا في الأزهر بالقاهرة. ويستحق أولئك الأبطال، كلٌ من مدينته، متحفا للتعليم، يحفظ ما يتوفر من صورهم وصور مدارسهم وسيرهم وأوراقهم… فقد كانوا الجسر الذي أخرج بلادنا من نفق الجهل والظلام!

المدرسة الداخلية

المدرسة الداخلية كانت من الظواهر الملفتة في بداية تأسيس الدولة في ليبيا.. للتغلب على قلة الإمكانيات من مال ومدرسين، التي ما كانت تسمح بفتح مدرسة في كل قرية وواحة. ولدينا شهادة شيقة لتجربة الأستاذ محمود الناكوع من يوم كان تلميذا في مدرسة غريان الداخلية الإعدادية الثانوية، وما يذكره كان يتكرر في كل مدرسة آنذاك.. فقد كانت المدارس طريق أبناء ذلك الجيل إلى الإحساس بالانتماء لوطن واحد ونافذة على آفاق العصر الحديث . يقول صاحب المذكرات:

"كانت مدرسة غريان تجمع كل الطلاب القادمين من غدامس غربا إلى غريان شرقا ومزدة جنوبا. وطوال سنوات الدراسة كنا نتمتع بمجانية القسم الداخلي الذي يشمل الإقامة والطعام والكتب… نظام القسم الداخلي يتسم بالانضباط والحزم، فحوالي الساعة السادسة صباحا يرن الجرس لإيقاظ الجميع لتناول وجبة الإفطار التي تتكون عادة من الخبز والحليب، وأحيانا التن، وأحيانا أخرى الحلوى الشامية. وبعد الإفطار نستعد لطابور الصباح، ثم الدخول فى فصول الدراسة… وتستمر الحصص إلى حوالي الثانية ظهرا، بعدها نعود إلى العنابر… ثم يأتي موعد وجبة الغداء وهو عادة مكرونة أو كسكسي أو طبيخ بطاطس أو فاصوليا أو غيرها… يا له من تطور كبير من طعام الزميتة والتمر اليابس والعيش بدون لحم إلى طاولات عليها الكثير من الطعام الصحي… كل ذلك وليبيا بما زالت دون نفط وتعيش على أموال المساعدات وإيجار القواعد… بعد ذلك هناك فترة راحة تستمر نحو ساعتين، ثم نعود إلى الفصول للقراءة والمراجعة الفردية وإعداد الواجبات وتحت إشراف موظف يسمى المشرف. ونستمر في الفصول إلى حين وجبة العشاء… وعند الساعة التاسعة مساءا نعود إلى العنابر للنوم".

وأتاحت المدرسة فرصة "اللقاء مع الشباب.. والتعارف عليهم وعلى مناطقهم يفتح آفاقا جديدة لكل واحد منهم.. ولأول مرة يلتقي عدد كبير من الشباب.. في فصل دراسي واحد، وفي عنبر واحد للنوم، وفي مطعم واحد للأكل. هذا القرب كان ولابد أن يزيل أي جفاء أو اغتراب أو آثار لحكايات وقصص وأحداث تاريخية شهدتها المنطقة. لقد.. دخلنا مع عهد الاستقلال عهدا جديدا بطموحات جديدة تهدف إلى بناء وطن ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار. وكان الوئام والحب والصداقات بين الطلاب من مميزات تلك السنوات في ذلك المبنى العتيق". ومن بين المدرسين كان بعضهم، ربما الأكثرهم وعيا، يترك آثره فكرا وسلوكا على تلاميذه، ومنهم من امتد نشاطه إلى خارج المدرسة.. ليقوم بدور المصلح الاجتماعي والموجه السياسي… من خلال إنشاء فصل لتدريب بعض الطلبة على الخطابة أو إصدار الصحف الحائطية.

تعلـــيـم البنــات

وكان تـعـليم البنـات من أزهى مظاهر النهضة التعليمية بعد الاسـتقلال، بفضل جهود مدرسات رائدات في كل مدن ليبيا، مثل الخوجـة حميدة العنيزي والخوجة بديعة فليفلة في بنغازي وجميلة الإزمرلي في طرابلس وفتحية عاشور في درنة. وكانت مبادراتـهن في مناخ أظـهر انـفـتـاحا وحماسا وتوقا إلى التـقـدم في كل المجالات. ولم تحبطـهـن شـحة الإمكانيات. من ذلك مثلا أن الخـوجـة بـديـعـة مديرة مدرسة البنات فى بنغازى كان لديها وفي عام 1951 دفعتان من البنات ممن أخذن الابتدائية فطلبت من مفتش المعارف وقتها السيد على صفى الدين السنوسى فتح فصل للتعليم الثانوى أسوة بالاولاد لكنه اعتذر لعدم وجود امكانيات، فتوجهت الى الراهبات الإيطاليات بالمدينة لاعطائها فصلا فى مدرستهن يتيح تدريس البنات من 3 الى6 مساء واستجاب بعض الأساتذة المصريين للتطوع لإعطاء الدروس للبنات.

الـمدرسـة النـمـوذجـيــة

بعد الاستقلال، ساهمت المساعدات الأميركية عبر منظمة المصالح المشتركة في بناء عدد من المدارس، ومعاهد تدريب مهني وتوسيع مدرسة الفنون والصنائع في طرابلس، وتأسيس مدرسة العويلية لتخريج المرشدين الزراعيين. وكذلك في تأسيس معهد المعلمين في بنغازي، الذي منح طلبته مكافأة بخمس جنيهات لترغيبهم في الالتحاق بالمعهد. وزودت المصالح المشتركة المعاهد بالمعلمين، كما قدمت منحًا قليلة لإرسال بعثات للدراسة بالخارج . وكان إيفاد عالم الاقتصاد الكبير الدكتور علي اعْـتـيّـقه، كطالب للدراسة في الولايات المتحدة، على حساب النقطة الرابعة الأميركية، من قصص ذلك الزمن الباعثة على الفخر، والتي كانت بداية لسلسة من الأسماء الليبية التي تألقت في آفاق العلوم المختلفة عبر العالم. كما سعت الحكومة في عام 1955، وبالتعاون مع منظمة اليونسكو (الأمم المتحدة) إلى تأسيس مدارس حديثة نموذجية. وأوفدت إليها اليونسكو خبيرات في التربية والتعليم. بيـنـما قامت منظمة اليونسيف بتوفير الحليب للتلاميذ، وقامت مؤسسة كاير الأميركية بتوفير الجبن والخبز وغيرها!

معـهـــد المعـلــميـن

ولا يقل أهمية، افتتاح معاهد المعلمين لتوفير مدرسين للعدد الضخم والمتزايد من تلاميذ المرحلة الابتدائية. وحدثني الأستاذ الكاتب والصحفي أبوبكر الهوني، الذي تخرج من معهد معلمي بنغازي، في أواسط الخمسينيات:

"كانت تدير المعهد الأستاذة تاتش ستون، والمدرسون فلسطينيون.. ولذلك كان طلبة الثانوي ينعتون طلبة المعهد بأنهم أمريكان.. وكان مساعد المديرة الأستاذ محمود ابراهيم، وهو فلسطيني، وكان قمة الإخلاص.. يزور عنابر الداخلي في أواخر الليل.. ويدخل المطعم ليذوق الطعام المقدم للطلبة ويتأكد من جودته.. وكان يحل محل المدرسين الغائبين . وبعد حرب 1956 طالب الطلبة بتغيير المدرسين الفلسطينيين بآخرين مصريين.. وقابلوا الأستاذ محمود وحاوروه.. وانتهي بالرد عليهم: "ويل لمدرسة يسيطر عليها طلابها". وكان هناك اهتمام بالقراءة والكتاب.. أذكر أحد مدرسينا كان يقدم لأحد التلاميذ كتابا على أن يقرأه ويلخصه في ثلاث صفحات.. وكان يناقش ما نكتب.. كما كان المعهد يصدر مجلة "المعلم" لنشر كتابات الطلبة.. وقررت مرة أن أذهب الى قهوة العرودي لإجراء مقابلة مع الشاعر أحمد رفيق.. وفي الطريق التقيت برجب شرمدو.. وكان لديه كل ما كتب رفيق .. وكان خط رجب جميلا.. وبالفعل لم أذهب ولم أجر المقابلة.. ونشرت مقالي اعتمادا على كراسات رجب..".

وافتتح في نفس الفترة معهد المعلمات بخمس طالبات للدفعتين الأولى والثانية. وتتذكر شقيقتي الحاجة سارة المفتي: ".. ضمت الدفعة الأولى مدرسات الإبتدائي، ومن بينهن الأخوات إحسان المتجول ونوارة الشريف وفاطمة الوداني.. وكنت في الدفعة الثانية، ومعي المرحومة عائشة المكحل والأخوات نفيعة بن عامر وفاطمة المير ومنيرة البرعصي.. وكانت المديرة أمريكية.. مس ديليني من النقطة الرابعة.. تعاونها فلسطينيتان هما الآبلات اسكندرا وسلوى..".

المدرسـة اللـيـلـيــة

فكرة تعليم الكبار تـعـود إلى بداية الأربعينيات، وهكذا فتحت فصول في النادي الأدبي في طرابلس وفي جمعية عمر المختار في بنـغـازي حيث تأسست مدرسة العمال الليلية، بمبادرة من المرحومين محمد العالم احويو ومحمود امبارك الشريف، وتعاون الأساتذة محمد ابراهيم الفلاح وبن عروس مهلهل وطاهر الشريف. وتبرعت إدارة المعارف بالكتب المدرسية . بينما طاف الحاج سعد احويو (شقيق العالم) بقــُـفـــّة على تجار سوق الجريد والظلام، ليجمع من كل صاحب محل خمسة أو عشرة قروش لشراء الأقلام والكراسات والمحّايات للتلاميذ. وحـدثـني المهندس الزراعي وأحد رواد تربية النحل الحاج عبد السلام ابن المرحوم العالم: ".. الوحيد الذي دفع جنيه ونصف، وكان مبلغا كبيرا آنذاك، هو الحاج عبد الحفيظ شمسه الله يرحمه، صاحب المشاريع الخيرية والخيالية. ذلك أنه في تلك الفترة اشترى ماكينات خياطة ووزعها على بعض البيوت لتشجيع النساء القادرات على استعمال الآلة، على العمل المنتج دون الحاجة للخروج من بيتهن..". وتطوع كثير من المعلمين للتدريس مجانا. ويعلق الصديق والروائي محمد عقيلة العمامي، الذي واصل دراسته في المدرسة الليلية، قائلا: ".. كان جيلا غمرته الطمأنينة والرضا والإحساس بالواجب ومتعة تحقيقه .. لقد ساعدت المدرسة الليلية الكثيرين في إكمال دراستهم ودخول الجامعة.. ومن طلبتها كثير من المحاسبين والإداريين والقضاة..".

المكـتـبـــات

منذ بداية الخمسينيات كان في طرابلس وبنغازي مكتبات عامة تابعة لمكاتب الاستعلامات البريطانية والأميركية. ثم افتتحت مراكز ثقافية مصرية. وكان بهذه المؤسسات صالات قراءة تتوفر فيها صحف بلدانها. وفضلا عن إعارة الكتب، فقد كانت تعرض الأفلام الإخبارية أسبوعيا. وقد لعبت المراكز الثقافية المصرية دورا كبيرا في نشر الوعي العروبي بالبلاد. وفي خريف 1955، افتتح والي برقة المرحوم حسين مازق (ت 2006) أول مكتبة عامة في بنغازي، زودتها النقطة الرابعة بسبعة آلاف مجلد، ودشن بداية عمل المكتبة باستعارة أول كتاب! كما بدأت الدولة في بعض المناطق، نظام المكتبات المتنقلة.

——————————————————

[1]  بتصرف، عن كتاب ’’رحلتي مع الناس والأفكار‘‘، للأستاذ محمود الناكوع، مكتبة وهبه، 2007.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: