الثوابت والمتغيرات

 

كتب محمد نورالدين

في مقالات سابقة أشرت فيها إلى الحقبة الملكية الزاهرة التي عاشتها بلادنا ليبيا في الفترة منذ إعلان الاستقلال في ديسمبر 1951 وحتى قيام الانقلاب المشؤوم في سبتمبر 1969، ورغم أن أي متتبع لأحوال البلاد خلال فترتي الملكية وحكم العسكر لا يجد أي مجال للمقارنة على كل المستويات، إلا أن الأمر الجدير بالتنبه إليه إلى أن هناك جملة من الحقائق للواقع السياسي الليبي أبان عهد الملكية الزاهر لابد من تبينها وإدراكها لكي يكون حكمنا على مانحن فيه مبنيا على العمق في الفهم والإدراك وليس مجرد حكم يصدر بطرق تشوبها العاطفة والمشاعر وتبتعد عن العقل والحكمة.

إن ليبيا حين نالت استقلالها في العام 1951 لم تكن – كليبيا- اليوم … هناك أمور لم تتغير كمساحة الأرض وموقعها ولكن هناك عشرات بل مئات المتغيرات التي طرأت على بلادنا لابد لنا أن نصفها في الحساب حينما نتطلع إلى رسم مستقبل لبلادنا يحدوه الأمال والأماني العظيمة نحو بناء مجتمع يسوده السلام والأمن والإزدهار والتقدم.

عندما حازت –ليبيا- على استقلالها كان عدد سكانها لا يتجاوز مليون وكانت مواردها محدودة وأغلب قوتها يأتي من الرعي والزراعة لم يكن هناك بترول ولاغاز ولاتجارة خارجية وكان عدد المتعلمين فيها لايتجاوز المئات وأغلبهم من خريجي المدارس الدينية، أي أن التعليم المدني كان شبه معدوما… وكانت بلدا خرجت من أنياب المستعمر القديم بفضل الله وحنكة الرجل الصالح الملك إدريس رحمه الله والرجال الشجعان الذين كانوا من حوله، لقد كانت شخصية الملك الصالح إدريس السنوسي[1] هي ركيزة العهد الملكي إذ بوجود هذا الرجل كان أكثر من 50% مما أنجز سواء قبل الاستقلال او بعده يعود إليه، لقد كان الملك الصالح يمتلك من الحنكة والدهاء السياسي والوعي العميق لما يدور حوله والقدرة على جمع الليبيين رغم اختلاف وجهات نظرهم حول قضايا محددة تهم الوطن والشعب والمناورة مع الدول الكبرى حتى استطاع أن يخلص بلاده ويحقق لها الاستقلال ثم استمراره على نفس النهج في إدارة شؤون الدولة لما أحاط به نفسه من رجال عاشوا معه سنوات عجاف سواء من الذي هاجروا إلى الدول المجاورة أو من الذين بقوا في ليبيا يواصلون مجاهدة الفاشيين الطليان… هؤلاء الرجال من أمثال[2] : محمود المنتصر وحسين مازق وعبد الحميد العبار ومحمد السيفاط ومحمود بوقيطين ومحمد سيف النصر وسليمان الباروني وعبد القادر البدرية.

شخصيات امتلأت إيمانا وحبا لوطنهم ولشعبهم فخدموه بإخلاص وبذا فإن مسيرة العهد الملكي سارت في خطى حثيثة في بناء دولة أفاض الله عليها بنعمته حينما تفجر البترول في العام 1951 فزادت خطوات الملك ورجاله في عمل دؤوب متواصل نحو بناؤء الدولة العصرية التي خرجت من الأنقاض ورغم أن الفترة من 1951 إلى 1963 كانت موارد ليبيا فيها شحيحة إلا أن عزم الرجال يقودهم الملك الصالح كان لا يكل ولايمل من بناء ما يمكن بناؤه… ومن هذا أردت أن أخرج باستنتاج هام : أن شخصية الملك الصالح كان لها دور أساسي وهام في حدوث ماحدث ولو قدر الله وكان أحد الملوك الحاليين مثل الملك عبد الله ملك السعودية أو الملك عبد الله ملك الأردن أو الملك محمد السادس ملك المغرب على رأس السلطة في ليبيا هل ستكون النتائج واحدة…؟؟؟

يذكرنا التاريخ بأن الملك سعود عندما زار ليبيـا في العام 1955 ورأى كيف تدار ليبيا عن طريق مؤسسات…مجلس نواب ومجلس شيوخ وحكومة وأن القرار لا يتم اتخاذه من رجل واحد فقط في الدولة لام على الملك إدريس ذلك ونصحه بأن يدير ليبيا كما تدار السعودية في ذلك الوقت ولكن الملك الصالح الزاهد رفض ذلك.

ولذا فإن شخصية الملك إدريس رحمه الله كانت ذات سمات وسجايا خاصة نادرة الوجود وليس من السهل تكرارها مرة أخرى وكذلك فإن هذه الشخصية الفذة دفعته إلى اختيار تلك الكوكبة من الرجال الذين عاصروه طوال حقبة الاستقلال فأبلوا بلاء حسنا، انظر إلى تلكم الرجال العظام وقارنهم بالذين حول الملازم القحصي… سمي من شئت وابحث فقط عن رجل واحد منهم في مستوى رجالات العهد الملكي الزاهر كما وأن القبائل الليبية كان لها دور مهم وأساسي في فترة مقاومة الاستعمار الإيطالي وبعد الاستقلال.

الأمر الثاني والجدير بالتأمل والتوقف عنده هو أن هذه البلدان الصغيرة من العالم الإسلامي كانت جزءا من دولة عظمى كبيرة جرى تفكيكها وإعادة صياغتها بواسطة الدول العظمى كبريطانيا وفرنسا وروسيا، وأصبحت هذه الدول الصغيرة تحت رحمة الدول العظمى وكان نصيب ليبيا أن تكون من حصة الإيطاليين…ثم بعد الاستقلال أصبحت من الدول التي تدور في الفلك الغربي الجديد وأبرز دوله بريطانيا وفرنسا…وبذا فإن الدولة الفتية تدرك أن قرارها وسيادتها كغيرها من دول العالم الصغيرة ليس في يدها بالكامل، ولذا فإن رجالات العهد الملكي دخلوا في مناورات مع هذه الدول للحصول لشعبهم على أكبر قدر من الاستقلالية والازدهار وحينما اكتشف البترول أصبحت ليبيا مطمعا لكل الدول الباحثة عن الثروة خارج بلدانها، وعندما وجد هؤلاء الكبار الملك إدريس رحمه الله خطا منيعا في وجه مخططاتهم وخاصة فيما يتعلق بالتصرف في ثروة ليبيا أزاحوه من أمامهم وأتوا بمن حقق لهم أكثر مما كانوا يطمحون… هذه اللفتة إلى الماضي تدعونا إلى الحذر واليقظة وأن نعي تماما أننا لسنا وحدنا في الملعب وأن هناك من يرى أن له الحق في النزول إلى الملعب والمتمثل في دول إقليمية ودول كبرى ولذا فإن مهارة وذكاء وقدرة السياسيين المعارضين الليبيين تتجلى في قدرتهم على منازلة هؤلاء الكبار واتباعهم والقدرة على اللعب معهم بالدرجة التي يستطيعون تحقيق أكبر قدر من المكاسب لشعبهم والخروج بأقل درجة من الخسائر…إن هاته الدول لها مطامع ومطامح[3] في بلادنا لا يستطيع ان يتجاهلها أي عاقل يعمل في المجال السياسي…ولايستطيع أي مدعي أن يدعي أن هذه البلدان الصغيرة ليست تحت أنظار العالم الكبير ومحط أطماع دوله وشركاته ومؤسساته.

الأمر الثالث وهو أن التركيبة السكانية[4] في ليبيا تغيرت تمام حجما ونوعا فالسكان في عهد الاستقلال كان لايتجاوز عددهم المليون نسمة واليوم عدد سكان ليبيا عشرة ملايين منهم أربعة ملايين وافد وكل هذا العدد الهائل بما يحمل من تنوع ثقافي وفكري وسلوكي له آثار بالغة على الحياة الاجتماعية أضف إلى ذلك التطور العلمي والتكنولوجي الذي أبرز صوره الشبكة العنكبوتية(الانترنيت) الذي جعل العالم كقرية واحدة لاحدود لها…إذا قارنا هذا الجيل بجيل الاستقلال لوجدنا أن هناك اختلافا بينا واضحا سواء في المفاهيم والأفكار أو حتى على مستوى السلوك…لقد خاض جيل الاستقلال تجربة مليئة بالمخاطر والمشاق عبر جهادهم للاستعمار الايطالي أوعبر هجرتهم إلى شتى بلدان العالم وماجابهوا فيها من مشقة وعسف ومعاناة…كل هذا أنشأ منهم جيل متميز في كل شيء…

واليوم- وبلادنا- حباها الله بثرواث هائلة حيث باطن الأرض يحمل في طياته الماء والبترول والغاز وشتى أنواع الهبات الإلهية وشاطئ طويل ممتد مئات الكيلومترات…وموقع استراتيجي هام يطل في شماله على البحر المتوسط الذي هو أهم بحور العالم وتمتد مياهه حتى شواطئ العالم الأول ( أوربا) وعلى شرقها أهم بلدان العالم العربي ( مصر) بما تحمل من هموم وفنون وعلى الجانب الغربي تونس الخضراء والجزائر بلد المليون شهيد وفي جنوبها تحدها دول افريقية مختلفة ومتباينة… فإن هذا البلد – يعتبر – من البلدان المتميزة والتي تجلب إليها أنظار الطامعين والطامحين في جني الثرواث، إذا لم يهبها الله فئة من أبنائها تستطع أن تنقذ ما يمكن إنقاذه وتحافظ على هويتها وتروثتها ومكانتها، وهذا لن يكون باستحضار الماضي ومحاولة تكراره على أرض لم تتغير ولكن شعبها ومحيطها وثرواتها تغير تماما وأصبح حالنا في بدايات القرن الواحد والعشرون ليس كما كنا في بدايات القرن العشرون، لقد أصبح الحال غير الحال ومن واجبنا أن ندرك المتغيرات في واقعنا المعاصر ونجتهد في الوصول ألى روئى واضحة المعالم نستطيع أن تقودنا إلى تحقيق النصر المنشود بإذن الله…

————————————————————

[1] هناك مثل شعبي ليبي يقول : رجل يحيى قبيلة وقبيلة لاتحيي رجل للدلالة على أهمية الصفات والسمات الشخصية وأثرها في قدرة الشخص على قيادة جماعته، قبيلته، قريتـــه، أو دولته.

[2] قارن هؤلاء الرجال بأشباه الرجال المحيطين بالملازم القحصي من أمثال : أبور زيد دوردة وعبد الله السنوسي ومصطفى الخروبي وابوبكر يونس وأحمد ابراهيم وعز الدين الهنشيري وجاد الله عزوز الطلحي وعبد العاطي العبيدي وناصر المبروك وعبد الرحمن شلقم وعبد المجيد القعود وعلى الكيلاني وعمراشكال.. قارن وتأمل.

[3] هذه ليست دعوة للعمالة لهذه الدول ولكن للاعتراف بالواقع السياسي المؤلم الذي تحياه بلداننا بعد أن فقدت القاعدة الشعبية التي تستند عليها والتوحد في دول وكيانات كبيرة توجد لها مكان في العالم. بل أصبحت بلداننا أشبه بكرتونات تتقاذفها الرياح شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لتفريط أبنائها فيها. والأمل الوحيد أمامنا هو في بناء دولنا إقليميا لتكون نواة لدولة كبرى عظمى تمثل قطب جاذب لباقي الدويلات الصغيرة ومالم يتم تجميع هذا الشتات تحت دولة كبرى فلن يكون لنا مكان على الأرض ولن نصمد في مواجهة أطماع الدول الكبرى ولوقف الزحف السرطاني اليهودي الذي بدأ في اجتياح بلداننا واحدا بعد آخر.

[4] كانت القبيلة بمثابة حزبا سياسيا فلقد كانت ليبيا في معظمها مكونة من قبائل منضبطة أشد الانضباط لها قواعد وتقاليد أشبه باللوائح والقوانين التي تحكم المنظمات والإحزاب والدول وكان في ذات الوقت شيوخ هذه القبائل قادة لأدوارهم في الجهاد وحلقة الوصل بين قبائلهم والسلطات المسؤولة. وكأمثلة لهذه القبائل العواقير وشيخهم عبد الحميد العبار وورفلة وشيخهم يونس عبد النبي بالخير والأمازيغ وقائدهم ابراهيم بن شعبان والبراعصة وشيخهم بو خير الله والمغاربة وشيخهم السنوسي لاطيوش وازوية وشيخهم علي العابدية واولاد سليمان وشيخهم حمد سيف النصر وترهونة وشيخهم أبو بكر بونعامة وغيرهم من القبائل والمشائخ الذين كانوا بمثابة منظمات سياسية واجتماعية منضبطة أشد الانضباط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: