معيار جدية الإصلاح في ليبيا

كتبت الليبية

منذ أيام قليلة جاء في البي بي سي مقال بعنوان " هل ليبيا جادة في الإصلاح؟" (1). إذا افترضنا حسن النية وجهل الكاتب بخفايا سياسات نظام القذافي، فإن أقل ما يمكن أن يوصف به هذا المقال هو أنه سطحي. لقد نُشِرَ هذا المقال في نفس اليوم الذي كنا نترقب فيه الحكم على السيد جمال الحاجي وقبيل صدوره بساعات قليلة. طرح الكاتب فيه بإيجاز قضية الحاجي مع بعض الأسئلة وأشار إلى دور جمعية سيف الإسلام القذافي "لحقوق الإنسان" في قرار الإفراج الأول عن الحاجي. ثم ختم مقاله بوضع "نوع من الميزان" لقياس مدى جدية الإصلاح في ليبيا معتبرا نوع الحكم الذي سيصدر بخصوص قضية السيد الحاجي كمؤشر لكفة هذا الميزان. أي وباختصار شديد: لقد إتخذت هذه المجلة من قضية باطلة، خلقها النظام من بدايتها إلى نهايتها، مقياسا للعدالة في ليبيا!

وجاء الحكم ببراءة السيد الحاجي، ولكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن النظام في ليبيا قد غير مساره وأنه في طريقه إلى الإصلاح، ومخطئ من ظن غير هذا. إن الحكم بالبراءة للسيد الحاجي من التهم المنسوبة إليه فعلا حكم عادل، ليس لأن النظام قد إستقام بل لأن التهمة من الأساس تهمة باطلة وبالتالي فإن القضية برمتها باطلة لأنها مبنية على الباطل. لقد تم الترحيب بهذا الحكم من قبل الجميع ليس لأن العدل يعم ليبيا بل فقط لأن كل الإحتمالات كانت متوقعة لمصير هذا الرجل: من البراءة إلى الإعدام, وحين تم الحكم عليه بالبراءة تنفس الجميع الصعداء حمدا لله على سلامته.
علينا أن لا ننسى أن نفس المسرحية قد تم عرضها علينا من قبل ولكن مع جمعة اعتيقة حين إستدعاه النائب العام بنفس الطريقة التي أستدعي بها السيد جمال الحاجي، بل أن النائب العام في قضية اعتيقة قام باستدعاء أبناء المتوفي أيضا للشهادة.. ونالت القضية حينها من التغطية الإعلامية ما يكفي إلى أن أدت غرضها، فهل من أحد يعرف مستجدات القضية؟ ولماذا تم إتهام السيد اعتيقة ثم لماذا أفرج عنه؟
أي عاقل يمكنه أن يصدق أن هذه هي مؤشر العدالة في ليبيا؟ إن القانون في ليبيا كالخاتم في يد القذافي وعائلته، وموهوم من يعتقد أن هذه القرارات إنتصار للعدالة في ليبيا. وعليه فإننا يجب أن نُذَكّر أنفسنا دوما أننا كلما فرحنا لمن يُكتب له عمر جديد بين براثن وأنياب نظام الغوغاء، علينا أيضا أن لا نسمح لفرحتنا أن تنسينا أن هذا النظام لا يزال نظاما دكتاتوريا ظالما ويستغل كل فرصة ليمعن في إستبداده، وأنه حين يعطينا من الفرح مثقال ذرة من جهة فإنه يستكثر البسمة على وجوهنا ويستغل فرصته في خضم غمرة الفرحة العامة ليسرق ما هو أضعاف مضاعفة مما أعطى.
وبينما كنت أعد هذا المقال فاجأني خبر الهجوم على السيد تربل اليوم 17 أبريل من قبل أحد أفراد رابطة " كي لا ننسى"(2)، وليس من مثل أو دليل أفضل من هذا لإثبات أن هذا النظام لا يفكر بتاتا بأي شكل من الأشكال في الإصلاح أو التغيير، فهذه الرابطة قد خلقها النظام خصيصا لتمويه الحقيقة في قضية مذبحة بوسليم، وما حدث ليس سوى نتاج لتحريض الطغمة الحاكمة لبعض أبناء شعبنا ضد البعض الآخر من أهالي ضحايا هذه المجزرة، بالرغم من أن الحق والباطل واضحين في هذه الجريمة كوضوح الشمس، وحتى إذا ثبت أن بعض من قضوا نحبهم في مجزرة بوسليم مسؤولون عن وفاة أبناء رابطة "كي لا ننسى" فإن إستهداف السيد المحامي تربل أو أي من أهالي مجزرة بوسليم هو سلوك إجرامي يضاف إلى قائمة المظالم التي يتعرض إليها هؤلاء، وقد كان من الأجدى محاكمة من يتهمهم النظام ومعاقبتهم حسبما تمليه القوانين بدلا من سحقهم بالرشاشات والقنابل اليدوية بينما هم في حماية الدولة.. هنا أيضا إثبات لانعدام العدالة في ظل حكم النظام القائم.
أما بخصوص قضية الحاجي والذي حُكم ببراءته لبطلان التهم الموجهة إليه من أساسها، فإن محاولة النظام للإيحاء بأن هذا هو المقياس للعدالة في ليبيا، ما هو إلا لذر الرماد في العيون ولتحويل أنظار الناس عن الآلاف الآخرين الذين ينتظرون الأحكام في قضاياهم العالقة. إن الحرية حق طبيعي لكل إنسان وليست مكرمة تأتيه من أحد، وكذلك فإن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وليس مذنب حتى تثبت براءته، كما هو الحال في دولة الطغيان. لا يستدعي الحق والعدل أي تدخل من أي جمعية حقوقية، بل لا يجوز، إلا حين يكون إنتهاك حقوق الإنسان على تلك الأرض هو القاعدة. وعليه فإن مجرد ضرورة تدخل الجمعيات الحقوقية لضمانة حقوق الأفراد في أي بلد، يعتبر دليل قاطع على إنعدام رعاية تلك الدولة لحقوق الإنسان، ولذا فإن قيام مؤسسة سيف بهذه المهمة، بغض النظر عن هدف هذه الجمعية الأساسي وانتماءاتها، لا يعني مكرمة من سيف بل هو تأكيد صريح واعتراف من النظام بنفسه للمدى الذي وصل إليه الظلم والجور الذي يتعرض إليه المواطن الليبي، بل إن الأمر أهون إذا ماكانت هذه الجمعية لا تخدم أهداف السلطة الحاكمة. أما ما يحدث هنا فليس سوى مسرحية كوميدية، خالية من الذوق، تبعث على البكاء بمرارة، حيث أنها بالإضافة إلى أنها تسخر علنا من عقلية المواطن الليبي، فهي أيضا تزيد من ترسيخ القمع والإستبداد برداء الإصلاح والخير الذي يلبسه سيف الإسلام القذافي، وبخطوطه الحمراء التي حددها كسقف لحرية هذا الشعب الصبور، وكقيد يكبله ويمنعه من نيل حقوقه.
لا يمكن أبدا لأحد أن يعتبر أن المعيار الحقيقي لرغبة ليبيا في الإصلاح هو هذا الحكم الذي صدر في قضية باطلة من أساسها. قضية وظفها النظام ليستخدمها كدليل لنزاهة القضاء في ليبيا واستقلاليته، بعد أن إستهلكتها وسائل الإعلام. وعلى كلٍّ، ماذا كنا نتوقع سوى هذا الحكم؟ بالتأكيد إن فرحتنا بسلامة السيد الحاجي لم تكن من فراغ حيث أننا بخبرتنا بهذا النظام نعرف أيضا أنه قادر على كل شئ، ولذا، فالحمد لله على سلامته، وندعو الله أن يحميه من يد الظلم وأن يدله دوما إلى ما فيه صلاحه وصلاح الوطن.
إن المعيار الحقيقي لرغبة ليبيا في الإصلاح ليس تبرئة المظلومين بل إثبات الجرم على كل من ظلم هؤلاء، وذلك عن طريق مثولهم أمام المحاكم العادلة ومساءلتهم. هذا هو المقياس الحقيقي للعدالة، من يرد الإصلاح عليه أن يُقدم كل مسؤول للمحاكمة والمساءلة القانونية، ومن يثبت الجرم عليه يستحق العقاب بينما من تثبت المحكمة براءته يخرج آمنا.. أما ما دون ذلك فهو ليس سوى لغرض إبعاد الأعين عن حجم الضيم القائم.
علينا أن لا ننسى أن من أحد مبادئ سياسة نظام القذافي خلق الحدث ثم إستغلاله لتوظيفه لمصلحته، وفي هذه القضية أيضا دليل جديد لهذا. إن النظام نفسه قد صنع قضية الحاجي باتهامه تهما مختلقة، وها هو اليوم يستعملها لكي يثني على نفسه ويوظلها كدليل على عدالة القضاء فيه بإصداره للحكم ببراءته مما نُسِب له. أما من فقدو أبناءهم على مدى ال 40 سنة فهم ليسوا ضمن هذ المعادلة المخادعة، ولا أعني هنا ضحايا مذبحة بوسليم فقط، بل الجهمي والغزال والصادق الشويهدي ومنير مناع وبن سعود والدينالي، والشيخ البشتي رحمهم الله جميعا, وغيرهم.. الكثير الكثير.. أعني هنا أيضا المغيبين أمثال عزات المقريف وجاب الله مطر ومنصور الكيخيا، وغيرهم من أبناء وطننا البررة بمن فيهم من لم يجدوا الأمان في ليبيا فلجأو إلى مرارة المهجر لكي يتجنبوا مرارة الظلم في وطنهم، وحرموا وأبناءهم من حقهم في المشاركة في بناء وطن يرونه يُهدم على أيدي من خلت قلوبهم من الوطنية.
إن تبرئة المتهمين الذين خلقت الدولة تهمهم بالباطل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معيارا للعدالة والإصلاح والتغيير في ليبيا، بل إن من يريد تحقيق هذه الأهداف عليه أولا أن يبدأ بمحاسبة من تسبب في إنهيار القطاعات الحكومية والقطاعات الخاصة، ومن سرق ثروات شعبنا وبعثرها، وأذاقه طعم مرارة الحاجة، وأذله، وحجب عنه جميع حقوقه ثم تبجح بأن ليبيا هي الفردوس الأرضي! في هذه الحالة فقط يمكننا أن نتفق جميعا على جدية هذه النوايا.. وما يحدد هذا هو حكم القانون العادل والفاصل بين مسؤولي الدولة والضحايا من عامة ابناء الشعب، وبدون خطوط حمراء أو خضراء.
والله المستعان.

————————————————————————

1. البي بي سي: هل ليبيا جادة في الإصلاح؟
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/04/100414_am_libya_reform_tc2.shtml
2. إعتداء على منسق رابطة ضحايا شهداء بوسليم:
http://www.libya-al-mostakbal.info/news/clicked/1418

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: