كارثة تدمّر التعليم العالي بليبيا

كتب استاذ جامعي

أصدرت ما تسمى باللجنة الشعبية العامة قرارا خطيرا يقضي بتقليص عدد الجامعات وخصخصة بعضها وتغيير أسماء بعضها الآخر. ونظرا للحساسية والأهمية الشديدة لهذا الموضوع فإننا سنلقي عليه الضوء في عجالة سريعة لنفحصه ونقيّمه. يمكن تحميل هذا القرار من الرابط التالي من موقع صحيفة قورينا:
http://www.quryna.com/P001.pdf      
وكيف بررت هذه "اللجنة الشعبية" قرارها يا ترى؟

أولا ليس من عادة هذه الجهة تبرير قراراتها بأي شكل، لأن التبرير لا يكون إلا عند خوف الحكومات من المحاسبة الشعبية… ولكن عندما تغيب المراقبة والمحاسبة الشعبية فلا حاجة بالحكومة إلى تبرير قراراتها، أي أنها تعمل بمبدأ: "ألي مش عاجبه يشرب من ماء البحر الأبيض المتوسط" كما هو حال حكومتنا "الشعبية"….
ولكن ولعلم هذه "اللجنة الشعبية" بخطورة هذا القرار بالذات الذي أقدمت عليه وأصدرته، فقد حاولت تبريره، ولكن تبريرها هذا جاء كمن يريد أن يطبب مريضا فقتله… نعرض هذا التبرير كما جاء في صحيفة قورينا نسخا ولصقا ثم نتفحصه لنعرف مدى مصداقيته…. التبرير كان كالتالي:
"ورأت اللجنة أن هناك إيجابيات تم مراعاتها في هذا القرار تمثلت في الاعتبارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأولويات ومتطلبات التنمية البشرية المتوازنة بكافة المناطق، بالإضافة لمتطلبات ومقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشودين، وأهمية تنمية مناطق الدواخل وتشجيع الهجرة من المدن الكبرى للأرياف، وتقليص الكثافات الطلابية بالجامعات الكبرى، وتوفير أكبر عدد من فرص العمل لأعضاء هيئة التدريس والفنيين".
http://www.quryna.com/detail.php?a_idx=5047
ولنا على هذا الهراء ما يلي:
أولا : فرية "الاعتبارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأولويات ومتطلبات التنمية البشرية المتوازنة بكافة المناطق بالإضافة لمتطلبات ومقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشودين" .
ما هو المقصود بالاعتبارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشودين؟ لا يصح أبدا الاستناد إلى هذه الأسباب العامة للتبرير، فبإمكان أي كان أن يفعل أي شيء ويسنده إلى الاعتبارات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المصلحة العامة أو السلامة العامة أو الأمن العام أو غيرها من المصطلحات العائمة. ولكن بالعكس هذا القرار جاء ليضرب أهم الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الليبي، فالوضع الذي كان قائما هو وجود عدد معين من الكليات المتنوعة في كل منطقة بحسب كثافتها السكانية، بحيث يحقق هذا للمواطن عدة مزايا، منها وجود عدة خيارات للدراسة (آداب أو علوم أو طب أو هندسة أو قانون أو اقتصاد… الخ) قريبة من محل سكنه، فيختار الطالب ما يريده منها، ثم يحقق له مزايا اقتصادية تتمثل بقلة المصاريف نتيجة قرب مقر الكلية إلى بيته، وعدم اضطراره للسكن الداخلي والبعد عن العائلة وما يسببه ذلك من مصاريف ومشاكل.
ومن الاعتبارات الاجتماعية أيضا مراعاة عادات المجتمع الليبي المحافظ في عمومه، وإجبار الطالبات على السكن الداخلي غير المتوفر أصلا يعد انتهاكا للخطوط الحمراء للشعب الليبي ذاته، لأن الطالبة وحتى الطالب ملزم بأحد أربعة حلول لا شريك لها وهي:
1 – إما أن يسعى إلى الحصول على سكن داخلي، والمناطق النائية التي يتحدثون عنها بها أقسام داخلية صغيرة لا تستوعب حتى ربع عدد الطلاب المزمع تسجيلهم بها، فلهذا سيظل ثلاثة أرباعهم على الأقل بدون سكن داخلي، فيضطرون إلى استئجار مساكن إذا استطاعوا وكانت موجودة بأعداد كبيرة أصلا، مع ما يكلفهم ذلك من مصاريف لا يتحملها أولياء أمورهم في العادة.
2 – وإما أن يضطروا إلى السفر بالسيارات مئات الكيلو مترات يوميا ذهابا وإيابا، وهذا بحد ذاته كاف لإنهاكهم واستنفاذ جهدهم في غير الدراسة وتعريضهم لخطر الحوادث في الطرقات العامة، هذا فضلا عن أنهم سيضطرون لتحمل نفقات النقل من حسابهم الخاص، فالنقل الجامعي -حتى وإن وُجد- لا يستطيع نقل هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب.
3 – وإما أن يضطروا إلى الدراسة في مناطقهم في تخصصات لا يريدونها في العادة ولا يرغبون بها، والقاعدة المعروفة هي أن العلم أساسه الرغبة، وإجبار شخص بأي شكل على دراسة تخصص لا يرغبه ولا يريده فيه انتهاك لحرية التعليم أولا، وله مردود سيء جدا على الخريجين أي على "مخرجات التعليم الجامعي" ثانيا، ومما يسبب فيه هذا أيضا عدم وجود تنوع في تخصصات أبناء المنطقة الواحدة، فلن يمر وقت طويل حتى نرى أن شباب المنطقة التي بها كلية للطب كلهم أطباء، وشباب المنطقة التي بها كلية اقتصاد كلهم اقتصاديون وهكذا…
4 – وإما أنهم سيتركون الدراسة الجامعية من الأساس ويجلسون ببيوتهم… وهذا وارد بالنسبة إلى الطالبات بوجه أكبر، فقد تضطر الطالبة إلى ترك الدراسة أو يجبرها أهلها على ذلك لعدم قدرتهم على تحمل مصاريف الدراسة بالمناطق البعيدة أو عدم رغبتهم بسكن بناتهم في السكن الداخلي، مع عدم وجود بديل قريب وملائم لهن، أي أن هذا القرار معناه تجهيل نصف المجتمع بتجهيل بناتنا أمهات الأجيال اللاحقة، ومن ثم تجهيل الأجيال اللاحقة كلها… رحم الله الشاعر حافظ إبراهيم إذ أنشد:
الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددتَ شعبا طيّبَ الأعراقِ
أما الاعتبارات السياسية فقد تم مراعاتها بكل تأكيد في هذا القرار… فهو قرار سياسي وأهدافه سياسية وأمنية فقط، ولا وجود لأي اعتبارات اقتصادية أو اجتماعية أو تطور أو غيره، بل فقط اعتبارات سياسية وأمنية، ومن أهم الدلائل على مراعاة هؤلاء "الخبراء" المزعومين لهذه الاعتبارات السياسية هو تخصيص ست كليات تضم أهم التخصصات في قرية صغيرة اسمها سرت (الهندسة، التربية، القانون، الطب البشري، الزراعة، الاقتصاد والمحاسبة)، مع أن هذا العدد من الكليات لم يخصص حتى لمدن حجمها وسكانها أربعة أضعاف هذه القرية، مع كامل الاحترام للشرفاء من سكانها بالطبع… وهذا يبين بوضوح كذب ادعائهم بطلب تحقيق "أولويات ومتطلبات التنمية البشرية المتوازنة بكافة المناطق" فالتوازن مختل بشدة في هذه الحالة وفي كثير من الحالات التي عوقبت فيها مناطق كاملة بشكل سافر. وعموما فإن التنمية البشرية تقتضي دعم الموجود وتقويته وليس القضاء عليه.
ثانيا – أكذوبة "أهمية تنمية مناطق الدواخل وتشجيع الهجرة من المدن الكبرى للأرياف، وتقليص الكثافات الطلابية بالجامعات الكبرى".
إن الذي يقرأ هذه الجملة يتبادر إلى ذهنه في الوهلة الأولى أن المشكلة القائمة الآن هي أن المدن الكبرى فقط توجد بها جامعات، والطلاب متمركزون بها، وأن هدف هذا القرار هو إنشاء جامعات وكليات بالمدن الصغرى والأرياف… هذا ما يريدون للقارئ –وخاصة غير الليبي- أن يفهمه، وهو على خلاف الحقيقة تماما… وليس هذا الأسلوب غريبا على من اعتاد التزوير والتضليل والاستخفاف بالإنسان، فالذي جرى هو إلغاء عشرات الكليات في المدن الكبرى والصغرى والدواخل على حدٍ سواء، وليس إنشاء كليات جديدة.
وتتجلى الأهداف السياسية والأمنية لهذا القرار بوضوح في عبارة: "تشجيع الهجرة من المدن الكبرى للأرياف"، بمعنى أن الغرض من إلغاء عشرات الكليات وفتح كليات محدودة في تخصصات مهمة بمناطق ومدن نائية هو إجبار عدد كبير من الطلاب والموظفين وأعضاء هيئة التدريس على الرحيل إليها، وما غريب إلا الشيطان… فالتفكير السياسي في الجماهيرية الأمنية مبني على الاعتبارات الأمنية دون غيرها، فمن أجل هذه الاعتبارات تم في السابق فتح كليات وأقسام متعددة بشكل كبير في كل المناطق، لغرض تفتيت تجمعات الطلاب، بالرغم من أن الكليات والأقسام الجديدة كانت تعاني في بدايتها من نقص حاد في كل شيء وخاصة طاقم التدريس، وعندما بدأت الكليات الجديدة تقف على أقدامها وتنتظم من جميع النواحي بتعيين موظفين وأعضاء هيئة تدريس بها وإيفاد مجموعات كبيرة منهم للدراسة بالخارج وفتح معامل ومكتبات وتسجيل مئات الطلاب بها وانتظام الدراسة والامتحانات فيها شيئا فشيئا، يأتي هذا القرار ليهدم كل ذلك بجرة قلم، كل ما بني بالجهد والعرق والمال والكفاح في سنوات يذهب هباء بجرة قلم، وذلك لاعتبارات سياسية وأمنية أيضا…
ثالثا – خدعة "توفير أكبر عدد من فرص العمل لأعضاء هيئة التدريس والفنيين"
يريد واضعو هذا القرار أن يوهموا الناس بأن من أغراض قرارهم هذا توفير فرص عمل لأعضاء هيئة التدريس الجامعي والفنيين، بمعنى أن الذي سيحصل بعد تنفيذ هذا القرار هو وجود فرص عمل جديدة تتيح تعيين أعضاء هيئة تدريس جدد بها، وأن الوضع الحالي أي ما قبل تنفيذ القرار لا يسمح بذلك، وهذا أحط وأسخف تبريرات القرار كلها على الإطلاق. إن الذي سيحدث فعلا من جراء إلغاء عدة كليات في تخصص واحد ودمجها في كلية واحدة هو العكس تماما، أي تقليص أعداد أعضاء هيئة التدريس وليس توفير فرص عمل جديدة. فدمج خمس كليات مثلا تضم كل واحدة منها 20 عضو هيئة تدريس في كلية واحدة يعني وبكل بساطة تقليص العدد المجتمع إلى النصف على الأقل، والسؤال هو: كيف يمكنهم فعل ذلك؟ فعضو هيئة التدريس ما هو إلا موظف في الدولة، والدولة ملزمة بتوفير البديل له؟ الجواب سهل جدا، لأن العقود التي تم إجبار أعضاء هيئة التدريس على توقيعها المدة الماضية تحل هذه المشكلة بسهولة، أي أن التخلص من العدد الفائض يكون بإنهاء العقود أو رفض تجديدها.
وعلينا أن لا ننسى أيضا أن الدمج يسبب مشاكل كبيرة للموظفين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب جميعا، فالكلية قد تقع على بعد مئات الكيلو مترات من محل السكن، فماذا سيفعلون؟ هل يرحلون إلى هناك ويسكنون بالإيجار؟ هل سيتحملون الذهاب والإياب يوميا فيعيشون نصف حياتهم في السيارات بدلا من المكتبات كما يفترض؟ وكل من يموت منهم في حادث لا سمح الله فمسئوليته في رقاب أصحاب هذا القرار.
والحل الجذري والنهائي لكل ذلك هو إلغاء هذا القرار الجائر ومنع اللجنة الشعبية العامة من التدخل في شئون الجامعات، فهذه اللجنة لا تراعي الاعتبارات الخاصة بالجامعة والتي تميزها عن غيرها من المؤسسات العامة الأخرى، وأهم هذه الاعتبارات هي تمتعها بالاستقلال من جميع الوجوه، فنحن نرى أن هذه اللجنة تعامل الجامعات كأي جهة إدارية أخرى…. إنها الفوضى… إنه الفساد…. والآتي أعظم …

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: