كابوتسو والرجل الذي أراد الزواج

كتب بوشوال المنصوري

تقول الحكاية إن رجلا من منطقة أمساعد الحدودية رغب بالزواج فتقدم بطلب يد فتاة من نفس المنطقة، فتمت الموافقة من أهلها وتم تحديد موعد الزفاف. فذهب الرجل إلى طبرق لإحضار لوازم الفرح ولم تكن في تلك الفترة ـ أيام الادارة الانجليزية ـ وسائل النقل متوفرة مثل ألان. وبعد وصوله إلى طبرق قام بالبحث في المحلات القليلة عن ما يطلبة فلم يجد طلباته كلها فأخبروه بأن يذهب إلى بنغازي وفعلا ذهب…. إلى الطريق الرئيسية المؤدية إلى بنغازي ووقف على جانب الطريق. وبعد فترة ليست بالقليلة توقفت سيارة نوع (لاندروفر) بها اثنان من العسكر الإنجليز. وعندما اخبرهم بأنه يرغب في الذهاب إلى بنغازي نزل احد الجنود وفتح الباب الخلفي للسيارة الذي كان مقفلا من الخارج وادخله وقفل الباب عليه. وعند دخول صاحبنا فوجيء بوجود شخصين آخرين فجلس بجانبهما ولم يتحدث احد منهم طول الطريق إلى بنغازي.

وعند وصولهم دخلوا إلى مبنى كبير به باب حديد وأمامه حرس. وفتح باب السيارة الخلفي ونزال الاثنان ومعهما الرجل القادم من أمساعد. وكانت مع العسكري الانجليزي أوراق قام بتسليمها إلى شخص يرتدي لباسا ابيض. وعندما نظرا إلى الأوراق قال للعسكري الانجليزي أن الأوراق بها شخصان والموجود أمامي ثلاثة أشخاص. فقال العسكري الانجليزي أني أعطيك هذا وأشار إلى صاحبنا (بقشيش) أي مجانا!!

وعند دخولهم إلى المبنى عرف صاحبنا بأنه في مستشفي المجانين وحاول أن يتحدث إلى المسئول ليخبره بقصته. وبعد استماع المسئول إلى القصة ابتسم وقال أن لدينا الكثير ممن أرادوا الزواج من أمساعد في المستشفي. وعرف صاحبنا مدى الورطة التي وقع فيها.

وبعد فترة من الزمن وعند كل تشكيل لجنة للنظر في حالة المرضى كان صاحبنا يحكي نفس القصة الحقيقية التي حدثت معه، وكانت اللجنة تقرر أنه لم يتماثل للشفاء. وكان بين الحين والآخر يجلس مع غفير العنبر لشرب الشاهي. ومن خلال الحديث المتبادل بينهما عرف الغفير أن الرجل لا يشكو من شيء فقال له: لماذا دائما تحكي في هذه القصة التي تجعلهم يعتقدون انك مجنون؟ لماذا عند مثولك أمام اللجنة في المرة القادمة لا تقول لهم بأنك كنت بحالة غير طبيعية عند دخولك إلى المستشفى والحمد لله بعد فترة العلاج الطويلة أصبحت سويا.

وفعلا عند مثوله أمام اللجنة قال نفس الكلام الذي أخبره به الغفير فوافقت اللجنة على إخراجه من المصحة وعاد صاحبنا إلى أمساعد ولم يتزوج حتى وفاتـه….

….(انتهت الحكاية)

كل من يتابع هذه الحكاية وقد تعبت عيناه من التحديق وهو جالس أمام جهاز الكمبيوتر بعد أن ينهيها يقول في نفسه: ما دخلي بهذه الحكاية وما علاقتها بالواقع البائس الذي نعيشة اليوم؟

ولتوضيح الهدف منها بالنسبة لي ـ أنا بوشوال ـ ولجميع من تعاطف مع اعتقال صديقي عبدالرازق المنصوري أن ما حدث مع ذلك الرجل من أمساعد ومع المسؤلين على المصحة النفسية هو ما يحدث الآن لصديقي عبدالرازق مع القائمين على الاجهزة الامنية.

فمن البداية كانوا يريدون من عبدالرازق أن لا يحكي حكايته الصحيحة التي جعلتهم يعتقلونه. فمسئولو الأمن لا يريدون صلاح هذا الوطن بل أنهم يحسون بالارتياح عندما يجدون أناسا خائفين منهم لا يقولون الحقيقة عن الأوضاع المتردية التي يعيشها المواطن الليبي على جميع الاصعدة.

ولأن ما أوصل عبدالرازق إلى أن يعتقل هو أنه كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين فكان بمقدوره أن يكتب باسم مستعار مثلي ولا يكتشفه احد، ولكنه كان غير مقتنع بذلك وكان يتمنى دائما أن تكون بدايته من المدينة التي أحبها: طبرق.

وقد حاول ذلك عن طريق جريدة البطنان المحلية ولكن رئيس التحرير طلب تغيير بعض محتويات المقال وإضافة ما يراة رئيس التحرير مناسبا حتى يصبح صالحا للنشر، ولكن عبدالرازق رفض ذلك وكان الحديث مع رئيس تحرير جريدة البطنان بالصدفة أمام احدى مقاهي الانترنت فقال له عبدالرازق: إنني أستطيع أن أدخل إلى ذلك المقهي وأن أنشر ما أكتب على أحد مواقع الإنترنت بدون رقابة من أحد.

وفعلا قام عبدالرازق بذلك بعد أن حاول أن يبعث بمقالاته إلى المسئولين المحليين في طبرق والى جريدة الجماهرية بطرابلس بل بعث عن طريق البريد المضمون إلى السيد شكري غانم رئيس الوزراء ولكنه لم يتلق اي رد من أحد. فبدأ بنشر مقالاته على موقع أخـبار ليبـيا بدون تدخل من أحد.

لماذا يريد هذا النظام الغبي منا أن نكون غير صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين؟ ولماذا لا يريد منا أن نتحمل المسئولية على أفعالنا فابتدأ في حالة أن يسمح لنا بنشر آرائنا في الصحافة المحلية وعبر شبكة الإنترنت فعندما نكتب بأسمائنا الحقيقية وتكون هناك دولة قانون تجعل كل من يكتب مواضيع تشهر بمسئولين بدون امتلاك الادلة من حق المسئول التقدم للقضاء العادل للفصل في الموضوع.

وللإطمئنان صحة توجه عبدالرازق أنه في الأيام الماضية وبعد نشر مقالي بعنوان: صيانة السراب الذي تحدثت فيه عن حالة التردي التي وصلت فيها الأوضاع في ليبيا وبرغم كتابتي باسم مستعار لم أتطرق إلى مكان الأحداث وأسماء الأشخاص في المقال برغم من تأكدي من وقوعها ولكني لا امتلك دليلا ماديا ولكن فوجئت بأحد الذين يكتبون بأسماء مستعارة يستولي حتى على الإسم المستعار الذي كتب به مقاله وقد أعطى أسماء وأرقاما لا اعرف من أين حصل عليها.

وهذا هو الوضع الذي يريدنا النظام أن نصل إليه. وهذا قليل من كثير. فهل يريد المسئولون عن التحقيقات مع عبدالرازق أن يفعل مثلما فعل ذاك الرجل من امساعد فلا يقول الحقيقة حتى يتم الإفراج عنه.

وأسليمتكم.

——————————————–

* كابوتسو: الاسم القديم لمنطقة أمساعد الحدودية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: