حين تسخر الديكتاتوريات من الديمقراطيات

 

Untitled20110813083938نقلاً عن صحيفة الوسط البحرينية

 

الديكتاتورية عدو أصيل للديمقراطية. فالأولى هي بمنزلة الدَّاء، والثانية بمنزلة الدواء. وعندما يُراد الاستشفاء من مرض ما، فإن الدواء المعطَى يكون مُضاداً للدَّاء بغرض تحديد موقعه، ثم القضاء عليه، أو الحد من انتشاره وتمكنه. ليس ذلك فقط، بل عليه أن يجتاز عدة نقاط تفتيش دقيقة داخل الجسم، وبالتحديد الكبد، التي تعتبر نقطة تفتيش كيميائية صارمة، لكي يصل ويخترق واحداً من الأغشية الخلوية فيزيد أو يُنقص وظيفة ما في جسم الإنسان.

إذاً، فمرضنا هو في الديكتاتورية، ودواؤنا في ضدها. اليوم نشاهِد العديد من أصناف الديكتاتوريات وأصناف أخرى من الديمقراطيات. أبدأ بالثانية لأنها الأسهل والأكثر وضوحاً، والأقل دجلاً. فقد توزَّعت أشكالها ما بين جمهوريات ينتخب فيها الناس الرئيس كلّ أربع سنوات، أو أنها جاءت على هيئة ممالِك دستورية تكون الصلاحيات التشريعية فيها للبرلمان والتنفيذية لرئاسة الوزراء، مع تفاصيل مُحددة تتعلق بالديمقراطيات المباشرة كما يجري في سويسرا، أو الديمقراطيات البرلمانية التي يتمّ فيها تفويض النواب كما يجري في أوروبا اليوم.

أما الحديث عن الديكتاتوريات فالأمر فيها غريب حقاً. فبعضهم، بات يتمثل بصور الديمقراطية لالتقاط الصور التذكارية فقط، لكنه بغريزة الديمقراطية. تُفتَتَح البرلمانات، فلا تجِد نواباً يُحاسبون الحكومة، ولا أعضاء يُراقبون الدولة، وإنما نواباً يُدافعون عن الحكومة أكثر من دفاع الحكومة عن نفسها. نوابٌ يجلسون كالتلاميذ ليُصفقوا بكل ما أوتوا من قوة عندما يدخل عليهم الرئيس، وبعضهم قد لا يتمالك نفسه من الفرحة فينهض من كرسيه حتى يكاد أن يطير، رافعاً قبضة يده إلى الأعلى، ومُنادياً بفداء نفسه للرئيس وعائلته وأبنائه.

ديكتاتوريات أخرى، استحسنت سيمفونية قوالب الشعوب الخاصة، أو الخصوصية التي تقبل تجارب الآخرين وكأنها إحدى فصائل الدَّم النادرة التي لا تقبل إلاَّ نفسها. فحين تطالبها شعوبها ببرلمان يُقال لهم إنكم لم تتمرّنوا بعد على لياقة العمل النيابي. وعندما تطالبها شعوبها بالسماح للأحزاب بأن تعمل في الحقل العام يُقال لهم: أنظروا إلى الدول التي نشطت فيها الأحزاب وكيف حلَّ بها الدمار. وعندما تتم المطالبة بحرية التعبير يُرَدّ عليهم بأنكم لم تتعوَّد بعد على حرية الكتابة والحديث في ظل ماخور الطائفية المقزِّز والخطير.

لكنهم نسَوا أن يقولوا إن أهل المدينة المنورة كانوا في شورى فيما بينهم قبل أربعة عشر قرناً من الآن. هذا إن حَسِبَ هؤلاء الحكام أنفسهم مسلمين. وتناسَوا أن يقولوا إن الناس في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد كانوا ينتخبون، ولديهم برلمانهم، وأن الهند القديمة في القرن السادس قبل الميلاد كانت قد تجمهرت دولتها تحت اسم ماها جاناباداس، وأن فيشالي كانت أول جمهورية تعرفها البشرية، هذا إن حَسِبَ الحكام المستبدون أنهم بشر. وتناسوا أن يقولوا إن أوروبا والبلقان المكنوزة بالطوائف والإثنيات مليئة بالأحزاب ولديهم حرية تعبير وصحافة نشطة، وحركة ثقافية واسعة لكنها لم تتذابح كما يُروّج هؤلاء.

ديكتاتوريات أخرى، فضَّلت التكثير من عرض أزيائها ذات الوشاح الديمقراطي فقط، من دون تبديل لعظامها ودمها الأزرق، فأقامت البرلمانات العاقِرَة، وأنصاف الأحزاب، وأطلقت بعض المسلسلات التلفزيونية التي تقول غمزاً من الحديث عن مسئولين صغار يعملون تحت إمرة الحيتان الكبيرة، لتأكيد وجود حرية التعبير. أما البعض الآخر فقد، أرَاح نفسه بابتكار مفهوم جديد للحكم بعيداً عن المفاهيم العالمية المطبقة، يُبقيه في الحكم حتى يزوره الموت، على رغم أنه يدعى الحكم الجمهوري، والشعبي، ومنها ما قام به معمّر القذافي في كتابه الأخضر، فأسمى بلاده بالجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية العظمى، من دون أن تشمّ فيها أيّ شيء يمتّ إلى تلك الأوصاف بأيّة صلة.

اليوم تسخر حكومة القذافي وغيرها من الحكومات الديكتاتورية في العالم العربي والإسلامي من بريطانيا وهي تواجه أزمة الشغب في مدنها الرئيسية. فقبل أيام، نقلت وكالة الأنباء الليبية الرسمية عن أمين شئون الإعلام باللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي (وزارة الخارجية) خالد كعيم يقول إن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون «أصبح فاقداً للشرعية، وعليه الرحيل هو وحكومته بعد المظاهرات العارمة في بريطانيا الرافضة له ولحكومته، وخاصة بعد القمع العنيف ضد المشاركين في المظاهرات السلمية التي تشهدها المدن البريطانية»، مُطالباً المجتمع الدولي ومجلس الأمن «بعدم الوقوف مكتوفي الأيدي تجاه الاعتداء الصارخ على حقوق الشعب البريطاني»!.

ليس غريباً أن نقرأ هذا الكلام، إذا ما عرفنا أن جزءاً من سلوك الطغاة هو الاستهزاء بالناس، وتحقيرهم واستهجان عقولهم وتفكيرهم بكل الأساليب. إذ من التَّرف فعلاً التطرق إلى فروق الحال بين ليبيا وبين بريطانيا على المستويين السياسي والحقوقي، لكن يكفي لمثل هؤلاء الحكام أن يتذكروا أن الشرطة البريطانية (انجلترا) لا يُوجد لديها خراطيم مياه لتفريق المتظاهرين، واضطرت لاستجلابها من الخارج وبالتحديد من ايرلندا، والسبب في ذلك، هو أن بريطانيا ومنذ 180 عاماً دَرَجَت على استخدام ما يُسمّى بالقوة الدُنيا في التعامل مع المتظاهرين، فضلاً عن المطاط أو الرصاص الحي الذي يستهوي القذافي استخدامه بكثافة في مصراته والجبل الغربي والزنتان وبئر الغنم، أو الأسد في حماة وحمص ودير الزور وإدلب.

هذه قضايا لا تحتاج إلى ذكاء وقَّاد لكي تظهر على حقيقتها؛ فالأفكار العليا لابدّ لها من لغة عليا كما كان يقول المؤلف المسرحي اليوناني القديم أريستوفان، لكن الأفكار البالية والدنيا لا تحتاج أكثر مما نسمعه من هؤلا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: