قرون الوعل !!

 

بقلم : سالم الكبتي

kubti

" هذه المقالة كُتبت منذ 20 سنة ولم تُنشر "

امسكوا بخناقه ذات يوم في مطار العاصمة . انتحوا به بعيداً عن الأعين في إحدى الغرف ، كانت صورة الزعيم تطل في قسوة . وامسكوا بخناقه . أصفر وجهه حتى قارب إن يشبه خيارة رامضة ، لم يقو على الكلام ، أوشك أن يبول ، وطرق سمعه :

– نحن نعرفك جيداً ، نعرف دفتر أحوالك ، نتسقط أخبارك بالتاء والباء ، عين الدولة لا تنام ، لدينا عنك الكثير من المعلومات والبيانات ، نعرف أرقام هواتفك وسياراتك وأحذية زوجتك ، وأخبار بنتك ( الحرجانة ) وكذا أولادك المصابين بالتخمة وكثرة الضراط .. وما تدخرونه مثل النمل في غرفة الخزين أسفل المنزل ، نعرف أيضا انك تهرّب أموالا .. أجل أموالا .. كيف اكتسبتها .. الله وحده يعلم ، تهرّبها من دون وجه حق ، ونعرف أن لديك حساباً في مصرف خارجي ، ونعرف انك تحاول التمتع بشبابك رغم تلاعبك في تاريخ ميلادك . نعرف عنك كل شيء ، ولكننا سكتنا ، لأننا أيضا نود ادخارك ليوم آخر .. لمهمة ستوفق في أدائها ، فتركناك يا أستاذ تمر مثلما تركناك تعمل ، ولابد من دفع الثمن ، لكن ..

واسقط في يده .

خاف ، ارتعش ، ظل (يتغوّث ) ، لم يقو على الكلام .تيبست شفتاه وهو أصلا ليس من أصحاب المواقف ، ولا يملك أية شجاعة في أية مواجهة ، كل ما يملكه من بضاعة شيء اسمه الكذب .

– لكن ماذا .. ماذا يا سيدي ؟

– لكن ياغالي .. كل شيء بثمنه .. كل شيء بمقابل ، ( ماتعطي بلاش إلا العقرب ) .

– ماذا تريدون مني بالضبط ؟

– أنت ياغالي تُجيد التمسح والتلصيق مثل قطعة الكالو ، تجيد الدهقنه والانفتاح إلى أقصى رجليك في العلاقات بسرعة .. والكذب .. الكذب يا أستاذ .. وهذا ما نريده ..ثم ..

– ماذا تريدون ، أدركوني ، لقد قاربت أن أبول من الخوف .. وجهدي قاصر ضعيف !

– صبراً ، أنت تجيد خلط الأمور ، وتجيد المبالغة ، وتجيد كتابة موضوعات الإنشاء ووصف الرحلات المدرسية ، وحين تتبعنا تاريخك الدراسي وجدناك كذلك ، عرفنا انك حاولت كتابة القصة ذات مرة ..وفشلت لآن محرر الصفحة الأدبية في صحيفة البلدة أشار لك بأنها مسروقة ونصحك بعدم اللجوء إلى ذلك مرة أخرى .. والبحث عن ( سراكة ) غيرها ، لكنك لم تيأس ، حاولت كتابة المقالة غير أن أخطاؤك اللغوية وأسلوبك الضعيف ..كانا من العيار الثقيل ، ثم حاولت تقليد المنفلوطي .. ولم تفلح .. وحاولت التقليد ثانية فأضعت مشيتك ومشية الحمامة .. آه ، الحمامة .. يا حمامة برية ، وحاولت أيضا نظم الشعر ..فكسرت الأوزان وما قلته كان ( شعيراً بوجهه )، وأشار عليك الأصدقاء بغطسه في الماء … وشربه !

– ماذا تريدون مني ، ماذا وقد بلغت حد الأربعين ؟ .

– هل قلت الأربعين ؟! .. ولأنك تجيد الكذب ، ولأن خيالك واسع مثل المحيط .. ولأنك تستبدل مواقفك طبقاً للحال مثلما تستبدل أحذيتك .. ولأنك تعرف من أين تؤكل الكتف والكراع أيضا .. وتطمح إلى أن تكون صاحب مكانة بين الآخرين .. وتود تغطية عيوبك .. لأنك جربت كل شيء ، ولم تفلح في أي شيء .. وتريد أن تكون كاتباً .. فسندعك تمر من ثقب الإبرة .. وندعك تعمل ، ولكن .

– ولكن ماذا .. أدركوني ، قاربت قدماي على السقوط ؟.

– الم نقل لك بأنك صاحب خيال واسع ، إضافة إلى مهارتك في إدارة الأعمال التي تسند إليك رغم أن مستواك فوق الثانوي بقليل .. اعني أنت شبه أمي ، أنت ( قنيصة ) لنا .. صيد ثمين مثل جلد الفراء ، أنت ، يا أنت ، واسمعنا جيداً .. ولكي تعرف أننا نعرفك تماماً .. تحلم منذ صغرك بأن تصير كاتباً ( قدّ الدنيا )– أديباً ، أليس كذلك – ولو على حساب القيم والأخلاق والتاريخ ، جرثومة أو دودة تسري في عروقك ولا تقدر على كبح جماحها ، اطمئن ، لا تخف ، نحن سنتيح لك هذه الفرصة ياغالي .. أنت تتلهف شوقاً للوصول إلى ذلك ، ستصل ياغالي .. سيشار إليك بالأصبع الوسطى .. ستمثلنا في المؤتمرات الأدبية .. ستخطب في المنتديات .. ستفعل كل شيء ياغالي .

– كيف ..كيف سيتم ذلك ، ماذا تريدون مني ؟ ، أدركوني ، لقد بلت على نفسي من الهلع ، إن أهلي ينتظرون ، أنا قادم من سفر بعيد في وقت لم يستطع غيري فيه السفر ، أنا معكم على طول الخط ، لست ضدكم وتحت تصرفكم ، أنا معكم وحق الزعيم ، أدركوني .

– لا تخش البول ، بُل كيفما تشاء ، الغريق لا يعبأ بالبلل ولا تنسى أن لدينا حفاظات جيدة و متينة، سنبّدل غيارك بلا مقابل . ُبل كيفما تشاء .

– أدركوني ، فقط أدركوني ، لا تفضحوني أمام الناس ، تربحوا .

– نحن ياغالي نعرف حماسك المنقطع النظير ، وتلهفك ، نعرف انك تجيد ( القوادة ) ، مثل إجادتك لإعداد جلسات الشراب وتجهيز المزّات ، سندع منك كاتباً وستقولها بملء الفم ياغالي ، ستصيح بذلك : لزوجتك ، وأولادك ، وأقاربك ، وجيرانك ، وجامعي قمامة الشارع .. وسواهم .

– كيف ..كيف لقد حاولت .. جربت كل شيء ؟ ، ولم استطع أن أصير كاتباً حتى هذه اللحظة ، كيف سأقنع هؤلاء وغيرهم ، إن الكتابة هي حلمي القديم ، هي حبي الأوحد ، هي همي منذ نعومة أظافري ، أدركوني ، سأفعل ما أشاء ، أريد أن أصير كاتباً .. وحق الزعيم .. اجعلوا مني كاتباً عمومياً ولو بالسيف !

– نحن نعرف ذلك ، نعرف انك حاولت .. وجربت .. وفشلت ، حدث لك تخليط أعني ياغالي الخلط بين ( النقود ) و ( الكلمات الشريفة ) شيء غير ناضج ، أعني أن تستعمل الكلمات بعقلية البزنس ، هذا ما حدث لك في بداية الطريق ، تستطيع ياغالي أن تكون أي شيء بفلوسك .. وتصبح حتى رئيس جمهورية .. لكن أن تكون كاتباً شريفاً يحترمه الناس ( بفلوسك ) فلا .. هذا صعب المنال ، الفلوس شيء و ( ضرب القلم ) شيء آخر .. ياغالي ! نحن نعرف هذه المعادلة جيداً ، فمشكلتنا تكمن في أولئك .. أعني الكتّاب الشرفاء الحقيقيون ، وأنت لست منهم بطبيعة الحال ، الكتاب الذين لا يسقطون بالمال أو بغيره ، ولا يسقطون في وحل الكذب ، أنت سهل المنال بالنسبة إلينا ، نحن نريد أن نستفيد منك في شيء آخر .. في أدب آخر يهمنا .. ويهم الزعيم والدولة .. وحتى نغطي على تهريبك للعملة .. وممارساتك الخاطئة .

– ماذا .. أدركوني ؟ .

– نحن نعرف انك ( سميّع ) جيد .. أذناك جيدتان ، تستطيع أن تلتقط بهما كل ما يقال بسهولة ويسر ، وما تسمعه تدلقه على الورق .. تخطف ما يقال وتكتبه ، ثم انك أحيانا ( قلت أحيانا ) تجيد الثرثرة .. تتباهى ببطولاتك .. ( فتتجمّل ) مثلاً على من تؤجر لهم محلاً تجارياً وتستلم منهم الثمن وتظل تشيع في الأحياء المجاورة بأنك وهبتها لهم .. أهديتها لوجه الله ،الواقع ياغالي لديك مواهب رديئة لا تتوفر لدى الشيطان نفسه ونحن نحتاجها .

– ماذا تريدون بالضبط ؟ .

– سندع أموالك في الخارج ، سنغطي عليك ، سندعك تعمل .. وندعك تمر ، سنخلق منك كاتباً ، سنطبع كتبك ، سنروج لنتاجك بالدعاية والإعلان كما يحدث لمنتجات أحمر الشفاه وحمّالات الصدر ، سنعلن بأنك كاتب لا قبله ولا بعده .. وانك يا غالي أكثر لمعانّاً .. وتغسل أكثر بياضاً مثل التايد ، وانك تصرف ما في الجيب ليأتي ما في الغيب تنشيطاً للحركة الأدبية في أرجاء الدولة والدفع بمواهبها اليافعة وتشجيعها ، وانك تجيد كل المهن .. وتفيد في خدمة الدولة .

– سندعك يا غالي تمر .. ستكون في أعيننا مثل الكحل .. في الحفظ والصون ، ستجيد المهنة .. ستجيد الإنصات .. ستجيد التقلب مثل قطعة شواء على كل الوجوه.. ستجيد اللعب على كل الحبال ..ستبدع في كتابة التقارير إلينا خدمة للأدب وحتى قلة الأدب.. عن رفاقك ..عن زوجة جارك .. عن الأحوال الجوية .. عن كل شيء .. وربما ( ستحفظ القرآن وتزيد فيه ) .. ستأتي لنا بما لا نتوقعه ، هذا ما نريده منك ، أفهمت يا غالي ؟ .. كيف ( سيمشي الطرح ) .. كيف سيجعل منك جهاز أمن الدولة العليّة كاتباً ، أنشر كتاباتك منذ اللحظة . لا تتوقف ، ونحن سنعرف أنها تقارير خاصة بدفتر الأحوال ، ستكون في أعيننا أنت .. وما تكتبه على الدوام .. سنقرأ لك نحن فقط يا أستاذ !

منذ ذلك اليوم البعيد ..

بكى القمر حزيناً بعينين غزيرتين مثل المطر ، وظل ( التيس ) يكذب .. ويكذب دون أن يسقط مغشياً عليه ، وبعد أن بال في بنطاله ، أخذ يبول بتقاريره ولم يعرف رفاقه حتى الآن بأنه من كتبة التقارير الجيّدة إلى سلطة الزعيم بدرجة شاويش حقير! .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: