اسمحوا لي أن أقول لكم

 

بقلم : محمد المفتي

مررت ليلة البارحة (الأحد) على مظاهرة شبابية عند مدخل الشارع المؤدي إلى مقر المجلس الانتقالي بالفويهات .. وكان "الجو تمام بين المتظاهرين والحرس"، فقلت من نافذة السيارة، لأحد المسلحين. تعاملوا معاهم بهداوة الله يخليكم .. فرد علي: لا يا حاج ما تخافش .. ليبيا حرة .. وكل واحد يقول رأيه .. مسئوليتنا إن ما فيش حد يدخل جوه .. والباقي حر يقول إللي يبيه". موقف جميل.

من جهة أخرى، ورغم توالي انتصارات ثوارنا الأشاوس .. مازلنا نعيش أزمة سياسية .. متفاقمة. وأنا هنا سأحاول وضع النقاط على الحروف دون إسهاب، لمجرد التنويه فالتفاصيل على كل لسان ولا يهم أنها صحيحة أم لا، الأهم هو الانطباع العام الذي تتركه في أذهان الناس، ولهذا سأركز على الحلول الممكنة:

• الثوار : من يحمل على كاهله عبء حماية الثورة ؟ إنهم الثوار .. الشباب المتمرمد (وأعني المتمرمد وليس المتمرد) في صحراء البريقة وعلى سفوح جبل نفوسة وعلى مشارف زليتن .. هؤلاء هم من يوسعون رقعة المناطق المحررة شبرا شبرا .. بدمائهم، بمن يفقدون من رفاقهم .. وما يفقدون من أعضاء أجسامهم .. وبانقطاعهم عن أسرهم ووظائفهم. وأكرر الأمر ليس مجرد مسلسل تلفزيوني. هؤلاء يجب أن تكون لهم أولوية في ما لدينا من ميزانيات محدودة وما يمكن أن نقدمه من رعاية .. ومن دعم إعلامي. وهذه أمور ملحة لأن الإهمال سيقود طبعا للغضب والإحساس بالغبن والرغبة في الانتقام.

• السلاح العشوائي: بعد الثورة ظهرت تشكيلات مسلحة كثيرة .. حوالي 43 في بنغازي وحدها .. بعضها يشارك في القتال بالجبهة، وبعضها يدعم الثوار .. لكن بعضها مجرد لافتات لميليشيات مسلحة. العدد قد يبدو كبيرا، لكن مجموع من ينضوون في هذه الكتائب ال 43، قد لا يزيد عن عشرة آلاف شخص، وهو رقم صغير في مدينة قوامها حوالي مليون نسمة، لكن النسبة الحسابية تفقد دلالتها في وجود السلاح، فللسلاح قوانينه ومضاعفاته التي قد تكون عشوائية ومفجعة كما رأينا في الأسبوع الماضي. الشلاح يوهم أصحابه بالقوة وبحق فرض قناعاته ورأيه على الأغلبية المسالمة والعزلاء. وقد بدأ المجلس الوطني برنامجا لضم الكتائب في قوة مستقلة (سرايا الثوار) وإلى قوى الأمن الوطني. وأملي أن يتحول هذا البرنامج إلى واقع فعلي.

• الحاجة لتعبئة معنوية عالية: .. الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عنا، هي أننا ما زلنا في خضم حرب ضروس ومواجهة لم تحسم بعد، وليست فيلما تلفزيونيا ملونا نتابع أحداثه بالريموت .. بل هي معاناة لأهلنا وعلى مرمى حجر من صالوناتنا المكيفة ومقاهي الماكياتا والرقيلة .. يا سادة الحرب الدائرة معاناة واقتلاع وفواجع يومية، وبالمقارنة تبدو نسائم البحر عند ساحة المحكمة في بنغازي، فردوسا أرضيا .. ولهذا يجب أن تعطى المعركة الأولوية فعليا وإعلاميا .. برفع مستوى التعبئة الشاملة.

• المناصب القيادية : آلية لتمكين أصحاب الكفاءة للمشاركة في إدارة الأزمة، وليست غاية في حد ذاتها، أو غنيمة يتنازع عليها أصحاب الطموحات فيستحوذ هذا على مبنى كذا أو عمارة كذا دون حياء أو خجل أو شعور بالذنب.

• الحكومة : إدارات الدولة جمعت تحت إسم لجنة إدارة الأزمة، ثم تحت لافتة اللجنة التنفيذية. قد لا تهم التسميات. لكنها ذات دلالة. هناك من يزعم أن تشكيل حكومة يوحي بالانفصالية؟ وماذا عن المجلس؟ المجلس في الواقع ليس حكومة بل مؤسسة سيادية (ولهذا اعترفت به الدول) وأيضا تشريعية لأنه يصدر القوانين. نحن في الحقيقة بحاجة إلى حكومة مؤقتة وليس لجنة يختارها المجلس. حكومة يقوم رئيسها بانتقاء فريقه وتوزيع المهام بينهم. كما أن توزيع الحقائب أو ما نسميه الآن بالملفات، يجب أن تحدده الكفاءة بعيدا عن هاجس الجهوية والقبلية. كيف نمنح المنصب ترضية لقبيلة ما أو نعين فلانا لمجرد أننا نريد أن نمنح منطقته كرسيا؟ كلنا ليبيون وإذا صدقت عواطفنا فلماذا نبقى أسرى معايير عتيقة ؟

• تفعيل الدولة : على المدى البعيد، تحقيق الاستقرار والأمان في المجتمع الحديث لا يتم في جلسات أو تحت شعارات قبلية أو جهوية، وإنما من خلال دستور وحكومة وسلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية وما يتبعها من آليات. ولهذا من الملح البدء، الآن، في إعادة تفعيل مؤسسات الدولة الحديثة، مثلما رأينا في المصارف ومؤسسة الكهرباء ومصلحة المياه والموانئ .. إلخ. تخيلوا لو أن موظفي المصارف والكهرباء والأطباء .. لم يعودوا إلى مواقعهم طيلة الشهور الخمسة الماضية، لكنا تحولنا إلى جموع وقطعان تهيم في البراري. ولهذا نحن بحاجة إلى استعادة مؤسسات أخرى لا تقل أهمية و على رأسها إعادة بناء جيش وطني محترف، وكذلك المؤسسات الأمنية من شرطة وحرس بلدي، فضلا عن تفعيل القضاء.

• درء الفساد : نعم، حتى في زمن الثورة، لدينا فساد ! من السلوك الشخصي الغير مسئول بل والمشين .. إلى النهب الصريح والتسيب، ولابد من رصد هذه الظواهر، وكشفها للناس ومعاقبة مرتكبيها.

• الحل السياسي : لا يبدو مفهوم الحل السياسي واضحا. بعضهم شبهه بأنه كمن يضع أفعى في جيبه ! يرفضه الناس في زحمة الذكريات المريرة عن الحقبة الماضية. وكيف لك أن تقبل مصالحة مع من قتل إبنك أوأخاك أو أباك أو صديقك أو جارك أو استاذك، ودمر بيتك أو سبب لك عاهة؟ ويبدو الحل السياسي، إذن، لا أخلاقيا في ضوء تنكيل الكتائب والقناصة بالمدنيين العزل وبعد هجمات صواريخ الجراد العشوائية. ويتحاشاه المسئولون لأنه يبدو مبطنا بالاستسلام. وتتضارب حوله التصريحات من باب الخداع والمناورة وإرباك الخصم. الحل السياسي لا يعني فشل الحملة العسكرية. لكن الحل السياسي هو خاتمة المطاف لأي نزاع حقنا للدماء وسعيا للاستقرار، ولأن الحرب لا يمكن أن تقود إلى فناء الطرف المهزوم. وكل النزاعات تنتهي بالتسامح وشئ يلخص عبارة الرسول الكريم أن " اذهبوا فأنتم الطلقاء". تلك هي طبيعة الحياة. الحل السياسي إذن ينقذ البلاد من الانهيار والفوضى. لهذا لجأ إليه البشر عبر العصور. وفي هذا الزمن أمست التهيئة له جزءا من أي مواجهة. والدلائل على نجاحه كثيرة. وفي ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية كان معظم رجالات الدولة وبناة المملكة الليبية ووزرائها وأعضاء مجالسها التشريعية، من الذين تدربوا وعملوا في إدارات الاستعمار الإيطالي، وكانت تجربة ناجحة. وتلك حقيقة تؤكد أن البشر يغيرون مواقفهم تماما بتغير الظروف. فما المطلوب إذن؟ فقط أن تناقش البدائل المحتملة لأي تسوية سياسية. ولعل التأكيد على مبدأ الحل السياسي والتسامح سيسرع من انفضاض رجال الإدارة والجيش والشرطة، في طرابلس وبقية المناطق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: