في لحظة السقوط .. حكايات وراء الكلمات

 

كتب : سالم الكبتي .                                kubti                                              

{إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا }

12من سورة الشمس

( 1 )

لم يكن يدور في تفكير آدم سعيد السلطني " آدم الحواز " عندما تخرج في الدفعة الأولى من الكلية العسكرية الملكية في بوعطني صيف 1959 حاملاً الترتيب الأول على أقرانه انه سيصبح بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ وزيراً للدفاع في اليوم الثامن من سبتمبر 1969 ولمدة أربعة اشهر فقط ثم ليلقى عليه الملازم القبض مع مجموعة من الضباط بتهمة التآمر عليه و تغيير الوضع في ليلة 27 رمضان 1389 هـ – 7 ديسمبر 1969 .

ولد الحواز في المرج عام 1936 ودرس المرحلة الابتدائية هناك ثم حضر إلى بنغازي لمواصلة دراسته الثانوية وكانت تسير وفق نظام الخمس سنوات ، والتحق بالقسم العلمي وكان من أصدقاء الدراسة الأثيرين زميله وابن مدينته محمد عبدالكريم الوافي الذي سيصبح لاحقاً من اشهر أساتذة التاريخ الليبي الحديث ، وقد أقاما مع بقية الطلبة الوافدين للدراسة من خارج بنغازي في بناية " توريللي " وهي كانت خلال العهد الايطالي من اكبر الثكنات الحربية في المدينة ، ورغم حبه للعزلة أحياناً التحق الحواز بالفرقة الكشفية الأولى في المدرسة بقيادة منصور محمد الكيخيا وكتب معجباً بتلك الحركة ودورها في التربية وصقل الشباب في احد أعداد مجلة " رسالة الطالب " التي كان يحررها الطلبة خلال العام الدراسي ، واختير لتمثيل ليبيا في البعثة الكشفية التي شاركت في المخيم الكشفي العربي الثاني الذي عقد في " ابي قير" بالإسكندرية صيف 1956 ، ولعل نشاطه الكشفي كان وراء رغبته في الالتحاق في صفوف الدفعة الأولى للكلية العسكرية فترك الدراسة وأضحى طالباً بها في اوآخر عام 1957 ، وعقب تخرجه وحصوله على رتبة ملازم ثان عين في سلاح الإشارة و أوفد لاحقاً في دورة تدريبية في مجال تخصصه في بريطانيا ثم إلى الولايات المتحدة ، وأصبح معلماً لطلبة الكلية العسكرية إضافة إلى صميم عمله في منظومة المخابرة بالجيش وكان مقرها بمعسكر قاريونس . 000

صورة لمقالة الطالب ادم السلطني " الحواز " نشرها في مجلة رسالة الطالب .المدرسة الثانوية بنغازي 1957.

يبدو أن افتتاح الكلية العسكرية في بنغازي اثر منح الملك إدريس قصر " الغدير" الذي كان يقيم فيه ليصبح مقراً لها ، استرعى انتباه الكثيرين ومنهم الملازم الذي كان يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً ويعيش في سبها فسارع إلى توجيه طلب " إلى مقام الملك المعظم " بخط يده مؤرخ في 18 أغسطس 1958 للموافقة على الالتحاق بالكلية ، والواقع أن أي إجابة لم تصله ولو تم له ذلك على ما يبدو لكان تخرج في صفوف الدفعة الثانية عام 1960 وربما انقلبت الموازين لدينا مبكراً في ليبيا .. فما الذي وقف حائلاً في طريق ذلك الطلب ؟!

عام 1959 الذي شهد تخرج الحواز كان الملازم في فزان ينشط أيضاً في احد الفرق الكشفية وقد حضر احد معسكرات التدريب بغابة "سواني بن يادم " في ضواحي طرابلس ولم يكمل مدة المعسكر حيث طرده من المواصلة القائد الكشفي "علي خليفة الزائدي " لمحاولته القيام بأنشطة "سياسية مراهقة " داخل المعسكر تتنافى و المبادي الكشفية فعاد إلى سبها وجعل من دراسته الإعدادية منطلقاً للشروع في رحلة أربعة الآف يوم " كما يحب أن يطلق عليها متباهياً " واقترب من صديقه "محمد علي تبو" أحد اعضاء حزب البعث في ليبيا و الذي كان في مقدمة عرّابيه والمهتمين به ! ، وسينتهزان فرصة زيارة السفير الأمريكي في ليبيا آنذاك جون ويسلي جونز إلى فزان ربيع 1960 فقاما بمقابلته خفية " وفق رواية شاهد عيان " وانتشر خبر ذلك على نطاق ضيق في أوساط إدارة ولاية فزان ولم يتم بشأنها إجراء ، والواقع أن هذا اللقاء التبس لاحقاً لدى الكثيرين وحصل لهم تخليط في ذلك فظلوا يؤكدون انه تم مع السفير ديفيد نيوسوم عام 1968 " وهو الشيء الذي لم يحدث لعدم علمهم باللقاء المذكور "، وربما بالعودة إلى تقارير المستر جونز عن تلك الزيارة التي لم يكشف النقاب عنها حتى الآن تفيد بأشياء مهمة للتاريخ فهي لابد تكون موثقة في ملفات أرشيف الخارجية الأمريكية عن تلك الفترة ، فالسفراء في العادة لا يتركون أي شيء للصدفة . فمن الذي قادهما برجليهما إلى سعادة السفير عام 1960 ؟ .. وهو شيء قد تكشف عنه الأيام ! .001

مجموعة من طلبة الدفعة الأولى بالكلية العسكرية في بهو الطلبة ، يظهر في الصورة يوسف المحجوب وآدم الحواز " الثاني إلى يمين الصورة " ، ومحمد بدر وبوعجيلة مفتاح وآخرون .

اهتم السفير الأمريكي المذكور وغيره " من السفراء الأمريكان " وربما الإدارة الأمريكية عموماً بفزان فقد رافقه في تلك الزيارة عقيلته وجورج مور رئيس القسم السياسي بالسفارة الأمريكية وعقيلته وكذا هآرس بيل مدير عام المعاهد الثقافية الأمريكية في ليبيا ، وجوس ريجو بالمصالح المشتركة " النقطة الرابعة " ، ودونالد دولسون عن قسم الزراعة بتلك النقطة .. فهل وراء هذا الاهتمام شيء ما ؟ ، وهل كانت تلك الأيام الثلاثة التي قضاها السفير وصحبه في التنقل مابين سبها وجبال السودا وغات مجرد غطاء للقاء بالاثنين المذكورين باتجاه إعدادهما للاستمرار في رحلة الأربعة الآف التي بدأت قبل الزيارة بعام ؟! .. سؤال وغيره يتعين طرحه للوصول إلى عين الحقيقة … من عدمها ، وقد عاد السفير جونز مع بعض أركان سفارته في رحلة أخرى إلى سبها ليفتتح مقر المركز الثقافي الأمريكي هناك في يوم أول سبتمبر 1961 .. فهل تم لقاء آخر مع الاثنين أو احدهما في هذه الزيارة ولماذا الافتتاح كان في هذا التاريخ ؟، ثم بعد خمسة وثلاثين يوماً يظهر الملازم فجأة في 5 اكتوبر 1961 ليقود مظاهرة ضد انفصال سوريا عن مصر التي جعل منها حادثة بطولية رغم التزوير الحاصل من قبله بعد وصوله للسلطة في الصورة التي التقطت للمظاهرة والتي كشفت عن كذب الملازم وهي عادة ملازمة له " هناك مقالة موثقة تتصل بهذه الصورة نشرها الأستاذ فاضل المسعودي لفضح تلك الكذبة في رثاء لصديقه الأستاذ جمعة نصر " ، ثم ليتم القبض على عناصر حزب البعث في ليبيا اوآخر ذلك العام ويستثنى من القبض و الملاحقة والمحاكمة محمد علي تبو .. فهل ثمة ما كان يدور في الأفق وان التلال القريبة من سبها ظلت تخفي أسراراً رهيبة تاهت عبر سراب الرمال ؟ .

002

الطالب آدم الحواز الأول على دفعته يستلم شهادة تخرجه من رئيس الوزراء عبدالمجيد كعبار ويبدو في الصورة بوبكر احمد وزير الدفاع والزعيم السنوسي لطيوش رئيس الأركان ورئيس أول رمضان صلاح احد معلمي الكلية .

003

صورة جماعية للدفعة الأولى من الكلية العسكرية تضم رئيس الأركان ومعاونه وطاقم التدريس بالكلية .

004

مرسوم ملكي بتعيين طلبة الدفعة الأولى من الكلية العسكرية ضباطاً في الجيش الليبي صادر في 30 يوليو 1959 .

( 2 )

ليلة القبض على آدم الحواز وموسى احمد مع مجموعة من رفاقهما وبرتب مختلفة رحّلوا إلى الحصان الأسود في طرابلس وأشاع الملازم بان الحواز حاول الانتحار كما أصدر على وجه السرعة في محاولة لاحتواء الموقف الإعلان الدستوري المؤقت وقانون حماية الثورة وقرار بمنح وسام الجمهورية والشجاعة لكل المشاركين في ليلة " الانكلاب " ، كما شكل محكمة خاصة ليمثل أمامها المتهمون . الواقع أن الحواز لم يكن في تنظيم الملازم وإنما تمت الاستعانة به مع ضباط آخرين يحملون رتباً اكبر فيما أودع اغلبهم في السجون والتحفظ عليهم داخل الوحدات العسكرية ، ثم أصدر قراراً في 31 ديسمبر 1969 بإحالتهم إلى وزارة الخارجية ، وبعض إدارات الخدمة المدنية بقصد إبعادهم عن الجيش، وبذلك حدث الخلل الكبير به وأكملت دسائس " فتحي الديب وصلاح بسيوني وممدوح البط " وغيرهم من عتاة المخابرات المصرية الذين أرسلهم عبدالناصر لسد الثغرات بمستشارين مصريين وفق خطة محكمة نشأ عنها تسرب ونقل الكثير من المعلومات عن الجيش الليبي وملفات ضباطه إلى مصر ، ويذكر بعض شهود العيان أن مكتب رئيس أركان الجيش في البيضاء كان يحوي موسوعات عسكرية فاخرة أصابتها العين المصرية فوصلت بقدرة قادر إلى ضفاف النيل !!.

في مايو 1984 تفكّر الملازم رفيقه في قاريونس والأعلى منه رتبه والأول على دفعته واحد أهم المساهمين في إنجاح فعلته التي فعلها .. رفيقه المسجون منذ تلك الليلة البعيدة ، فأخرجه فجأة من زنزانته لتسمع خلف كوتها أصداء طلقات رصاص ضاعت في الهواء أنهت حياته .. كان الحواز صائماً في ذلك اليوم ولم تبلغ عائلته بما حدث وظل قبره مجهولاً فيما حدثت الطريقة ذاتها بالكيفية نفسها بعد أسبوع واحد لضابط آخر اسمه .. عمر الواحدي .

005

وثيقة تنشر للمرة الأولى تحوي طلباً مؤرخاً في 18 أغسطس 1958 وجهه معمر بومنيار إلى الملك إدريس للموافقة على التحاقه بالدراسة في الكلية العسكرية .

( 3 )

كان الرائد عبدالمطلوب عزوز احد ضباط سلاح الهندسة المعروفين بمعسكر قاريونس قد سافر إلى لندن في أغسطس 1969 مرافقاً شقيقته للعلاج . كان في إجازة رسمية ، وكانت حجرته في المعسكر في احد قواطع سكن الضباط مرتبة جيداً ومغلقة بإحكام وتحوي معداته الخاصة وملابسة العسكرية والمدنية .. كان عزوز ضابطاً يشتهر بمهنيته وحسن قيافته ومظهره أمام الجنود فالعسكرية الحقه تؤكد ذلك ليظل القائد مثلاً لمأموريه ، وكان الجيش الليبي في اغلبه يعتمد نظاماً ممتازاً في الضبط والربط " عكس ما كان يحدث في نظام البوليس إلى حد ما في ذلك الوقت " ، ولعل هذه الانضباطية والطاعة كانت من الأسباب التي وفرت نجاح " الإنكلاب " ، وجعلت من الملازم يحث الخطى على الدوام لنسف هذا النظام في الجيش حتى يتداعى تحت أقدام العصابات والكتائب في مرحلة لاحقه فهو ضد النظام وضد الانضباط وضد الثبات وضد الاستقرار وضد الحياة المدنية والعسكرية .

حين ظهر الملازم ليخطب لأول مرة أمام ضريح عمر المختار في 16 سبتمبر 1969 والذي جعله ركاماً عام 2000 وابعد رفات البطل الشهيد إلى سلوق لم تكن الجموع المحتشدة التي بحت حناجرها هتافاً وتصفيقاً تعرف أن البذلة العسكرية التي يرتديها الملازم ليست له وإنما سطا عليها من خزانة ملابس الضابط عبدالمطلوب عزوز الموجود في الخارج بعد أن " عتل " الباب بحذائه ولعب في الحجرة بكراع كلب . لقد شرع اللص في السرقة والغدر والخسة منذ اللحظة الأولى ، والواقع انه بعد أن طعن رؤسائه ورفاقه من الخلف سرق الوطن برمته .

006

معمر بومنيار في المعسكر الكشفي عام 1959 أثناء درس في السيمافور" الأول إلى يسار الصورة " " هو في جيهه والآخرين في جيهه ".. لاحظ وضع علم الإشارة لديه أثناء التخابر" قائد الدرس ، القائد الكشفي جمعة إبراهيم منصور .

007

تحقيق مصور عن رحلة السفير الأمريكي جون ويسلي جونز إلى فزان ربيع 1960 كما نشر في مجلة المعرفة – المركز الثقافي الأمريكي يونيو 1960 .

( 4 )

أوفد الملازم في دورة مخابرة لمدة ستة اشهر في بريطانيا اعتباراً من شهر مارس 1966 إلى سبتمبر " دائما سبتمبر " من العام نفسه ، وفي طريق عودته إلى ليبيا مر بروما ومكث فيها يومين أو ثلاث .. !! ، اسئلة تنهض هنا مرة أخرى وتظل حائرة : ماذا فعل الملازم في ايطاليا ؟.. وماذا فعلت به روما ؟.. وما السر في هذه " التتكايه " التي ذكرت مرة واحدة على مدى تاريخ " انكلابه " ولم يشأ لأحد الحديث عنها بدءاً به " فلقد غمّ عليها " ؟ .. ما السر في ذلك ؟ هل اقتصرت الزيارة على مشاهدة النوافير والسياح والبابا وهو يمنح بركاته للمؤمنين من اتباع المسيح ؟ ، ومع من التقى ؟ ، هل هناك أسرار اختفت وراء أعمدة معابد روما وحرائق نيرون وبركان فيزوف … وهل .. وهل ؟ تتلاحق الأسئلة وتتوالى الحكايات وراء الكلمات دون توقف.

ذات يوم قريب ستنفجر الأسرار الرهيبة دفعة واحدة مثلما انفجرت أبواب " كتيبة البركة " و" العزيزية " .. فخذوا حذركم و انتبهوا أيها الليبيون الطيبون من الصدمات المذهلة ..

أجل الصدمات المذهلة وحدها ليس غير !!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: