حديث صريح حول الاسلام والثورة…!

كتب : إبراهيم محمد الهنقاري

hanqari000

يدوخ المتتبع لما يكتب و يقال هذه الايام و منذ اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير السبع دوخات التي يتحدث عنها بعض الناس وهو يحاول ان يفهم ماذا يريد هؤلاء الكتاب و المحللون و المعلقون بالضبط مما يقولون و يكتبون. و أنا شخصيا دخت اكثر من سبع دوخات و أنا اقرأ كل يوم كلاما لهذا الكاتب او ذاك وهو يشكك تارة في امكانية تحقيق الثورة لأهدافها و يتساءل تارة اخرى عن هوية الثوار و انتماءاتهم السياسية و العقائدية. و ثالث يرى ان تستعين الثورة بالكفاءات الليبية التي لم تتلطخ يدها بدماء الليبيين و لم يكن لهم دور في القمع الأعمى الذي مارسه النظام البائد ضد ابناء الشعب الليبي و رابع يرى ان كل من تحمل المسؤولية و خدم في نظام الدكتاتور يجب أبعاده تماماً عن المشاركة في الحياة السياسية لليبيا الجديدة. ثم هناك من يستغرب من ان الوجوه التي نشاهدها على شاشات التلفزيون و هي تتحدث باسم ثورة 17 فبراير هم من كبار اعوان النظام السابق الذين خدموه باخلاص و سكتوا على جرائمه التي ارتكبها ضد الشعب الليبي بل منهم من شارك فيها قولا و عملا و آخرون ممن ارتبطوا ارتباطا وثيقا بصاحب ما عرف بمشروع ليبيا الغد الذي كان يتبناه احد ابناء راس النظام السابق وهو المشروع الذي اتضح بعد قيام الثورة انه لم يكن اكثر من خدعة كبرى أراد النظام السابق من خلالها ان يقضي على المعارضة الليبية المتنامية في الداخل و الخارج لنظام أيلول الاسود.

وقد استطاع ان يستقطب عددا من المثقفين الليبيين الذين اضطرهم النظام الى الهجرة خارج الوطن الى جانب بعض العقائديين ممن يسمون بالاسلاميين الذين زج بهم النظام داخل السجون و المعتقلات في ليبيا و دخل معهم فيما سمي بالحوار تحت مظلة ما سمي بمشروع ليبيا الغد. ويبدو ان النظام قد نجح في تنفيذ هذه الخطة حيث ابدت بعض القوى المحسوبة على المعارضة الوطنية استعدادها للتفاهم مع النظام بل منهم من كان يسوق لفكرة التوريث اي خلافة الابن للآب في حكم ليبيا و التمهيد لتاسيس عائلة مالكة جديدة مع الإبقاء على النظام الجماهيري الذي لم يفهمه احد رغم ان النظام يعتبره الحل النهائي لمشكلة الحكم في العالم. و هكذا زادت تلك الكتابات من دوخة القراء و المواطنين الليبيين و جعلتهم في حيرة كبيرة من أمرهم. و قد زاد الطين بلة كما يقولون غياب الشفافية و عدم الوضوح بل وحتى التناقض احيانا في تصريحات المسؤولين في المجلس الوطني الانتقالي خلال المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها من حين لآخر و خير مثال على ذلك تلك الحادثة المروعة التي اودت بحياة اللواء عبدالفتاح يونس قائد جيش التحرير الوطني و رفيقيه و التي لا يعرف احد شيئا عن حقيقتها حتى اليوم رغم الوعود التي اعطيت بضرورة التحقيق في ذلك الحادث المؤلم الذي هز ليبيا من أقصاها الى أقصاها والذي مضى عليه حتى كتابة هذه السطور اكثر من اربعة اسابيع و لم يصدر بشانه اي بيان رسمي من الجهات المسؤولة و لا يعرف احد كيف يسير التحقيق و لا من هي الجهة او الجهات المسؤولة عن ارتكاب هذه الجريمة البشعة و هل تم اعتقال مرتكبي الجريمة ام لا.

كانت تلك مقدمة ضرورية للدخول في موضوع هذا الحديث الصريح حول الاسلام و الثورة. رغم انه اصبح واضحا الان ان من بين الثوار الذين يحملون السلاح و يحاربون في الجبهات الليبية المختلفة و ربما كانت لهم الكلمة العليا في كل ما يتعلق بثورة السابع عشر من فبراير هم من المنتمين الى ما يعرف بالتيار الاسلامي و الذي يضم جماعة الاخوان المسلمين و الجماعة الاسلامية المقاتلة و حزب التحرير الاسلامي و غيرها من التنظيمات السرية الاخرى الى جانب عدد كبير من الشباب و الرجال و الشيوخ الليبيين من مختلف قطاعات الشعب الليبي من رجال القانون و الاطباء و المهندسين و المدرسين و المزارعين و الطلبة و اصحاب المهن المختلفة من مختلف المدن و القرى الليبية في شرق البلاد و غربها و شمالها و جنوبها. اي ان جميع شرائح الشعب الليبي بمن فيهم منتسبي الجيش و الشرطة و حتى الكثير من قادة و منتسبي كتائب الأمن التابعة للنظام البائد كانت تشارك في القتال و تقديم الدعم اللوجستي للثوار سرا و علانية و هذا يعني ان هذه الثورة هي ثورة الشعب الليبي كله و لا يجوز ان ينسبها احد الى فئة معينة او تنظيم سياسي معين او جماعة أيا كان الرداء الذي ترتديه و ان كان لهؤلاء جميعا شرف الانتماء اليها و المساهمة فيها و تقديم الاف الشهداء على طريق انتصارها و تحقيق حلم الشعب الليبي في الحرية و الكرامة. و قد حاول النظام البائد ان يستغل وجود بعض العناصر المنتمية للتيار الاسلامي المشار اليه في صفوف الثوار لتضليل الراي العام العالمي و بث الشائعات بان تنظيم القاعدة الذي يشن عليه الغرب الليبرالي حربا شعواء تكاد تغطي العالم كله مند سنوات عديدة هو الذي يقود ثورة ليبيا و ان ليبيا في طريقها الى ان تصبح قاعدة كبرى للارهاب في العالم. و كان النظام الغبي و إعلامه الساذج يظن ان ذلك سيدفع بالقوى المؤثرة في العالم الى تصديق هذه الفزاعة الزائفة و اتخاذ موقف عدائي من الثورة الليبية و المبادرة الى تقديم الدعم و التأييد للنظام الدكتاتوري البائد لكي يستمر في قهر الشعب الليبي وإرهابه بحجة محاربة تنظيم القاعدة و الحيلولة دون قيام دولة إرهابية في ليبيا!! و لكن السحر انقلب على الساحر..

فان العالم كله يعرف جيدا من هو راس الارهاب في العالم! و من الذي أسس دولة إرهابية في ليبيا منذ ما يزيد عن اربعة عقود! و اقام نظاما إرهابيا لم تبق دولة واحدة في العالم الا و عانت من شروره و آثامه! و لم يبق زعيم في العالم لم يسلم من لسانه و يده! و لم يبق تنظيم ارهابي في العالم لم يتلق منه الدعم و المسانده بالمال و السلاح! ثم لم يبق مواطن ليبي واحد الا وقد راى من هذا النظام الارهابي مالا عين رأت و سمع ما لا إذن سمعت و لا خطر على قلب بشر!!

و لذلك لم يصدق احد في العالم فزاعة القاعدة المزعومة و بادر المجتمع الدولي من خلال جامعة الدول العربية و منظمة المؤتمر الاسلامي و مجلس الأمن الدولي الى دعم الثورة المجيدة في ليبيا و صدر قراران من مجلس الأمن بفرض حظر الطيران على الأجواء الليبية بعد ان استخدم الطاغية سلاح الطيران الليبي لضرب المدن الليبية و توفير الحماية للمدنيين الليبيين بعد ان بدا الطاغية في استخدام ترسانته من الاسلحة الثقيلة من الدبابات و صواريخ الجراد و الصواريخ بعيدة و متوسطة المدى و المدافع الثقيلة في تدمير المدن و القرى الليبية و قتل الاف المواطنين الليبيين دون شفقة او رحمة بمن فيهم النساء و الاطفال و الشيوخ و تدمير البيوت على من فيها بطريقة عشوائية لم يشهد التاريخ البشري لها مثيلا! و لما كانت دولة الظلم ساعة و دولة العدل الى قيام الساعة كان لابد ان ينهزم الطاغية و فلوله و كان لابد ان تنتصر الثورة و تكون كلمة الشعب الليبي هي العليا!!

و بالعودة الى حديثنا عن الاسلام و الثورة الليبية نبادر الى القول بانه صحيح ان التنظيمات التي تنتمي الى ما يعرف بالتيار الاسلامي ربما كان لها دور اساسي في انطلاق شرارة الثورة و انها قد ساهمت من خلال تنظيماتها المسلحة و التي كانت موجودة في ليبيا على شكل خلايا نائمة كانت تنتظر اللحظة المناسبة للتحرك وجاءت هذه اللحظة بقيام الثورة و من المهم جداً ان نؤكد هنا ان الثورة كحركة تغيير كانت سابقة لأي تنظيم التحق بها او انضم اليها او شارك فيها.!! الثورة قام بها الليبيون. من كان منتميا منهم لما يسمى بالتيارات الاسلامية ومن لم يكن. من كان منتميا الى تنظيمات المعارضة في الخارج و من لم يكن. من كان يحمل فكرا تقدميا ومن لم يكن من كان ينتمي لأي تنظيم سياسي او عقائدي أيا كان او لم يكن. هذه الثورة هي ثورة الشعب الليبي بجميع ألوان الطيف آلتي يحملها و بجميع طوائفه و بجميع مكوناته.

صحيح ان من يسمون بالاسلاميين في ليبيا قد تعرضوا لألوان من القمع و التقتيل على ايدي النظام المنهار وما جريمة سجن ابوسليم التي راح ضحيتها اكثر من 1200 مواطن ليبي ربما كان معظمهم من المنتمين الى هذا التيار الا مثال واحد. و لكن المثل الليبي يقول " ما في الهم ما تختار "! فان قائمة جرائم النظام تطول و ربما تجاوز عدد ضحاياها ذلك العدد.! منهم أطفال الإيدز ومنهم شهداء حرب تشاد و حرب أوغندا ومنهم من قتلوا في شوارع اوربا و امريكا ومنهم الذين ماتوا قهرا ومنهم الذين ماتوا لانهم لم يجدوا الدواء و العناية الطبية اللازمة ومنهم من قضى لاسباب اخرى! و هكذا فان حجم التضحيات التي قدمها الشعب الليبي بجميع طوائفه و حجم الدماء و الأرواح التي بذلها و قوافل الشهداء التي قدمها اكبر من اي تنظيم و من كل جماعة و لابد ان يقف جميع الليبيين إجلالا و احتراما لهذه التضحيات التي قد لا يكون لها مثيل في التاريخ البشري كله.! و لا ينبغي و الحال كذلك ان تدعي أية فئة بانها تعلوا على باقي افراد الشعب الليبي او ان تدعي ان تضحياتها تفوق تضحيات الاخرين او ان تحاول التسلط او الاستحواذ على الحكم بذريعة انهاكانت هي الضحية الوحيدة او انها اكثر من عانى من النظام البائد! فحينما يتعلق الامر بالمعاناة و القهر نجد ان الليبيين فيه سواء!!

تبقى بعد ذلك قضية نظام الحكم و شكل الدولة. و هنا اقول ان الليبيين جميعا يتطلعون الى ان تكون ليبيا الجديدة دوله حرة مستقلة ذات سيادة يتمتع جميع المواطنين فيها بالحرية و العدالة و حكم القانون و يعيشون في امن و أمان دون ان يتحكم في مصيرهم فرد بعينه كما كان الحال قبل الثورة او مجموعة بعينها أيا كان الفكر الذي تحمله و ان يكون الدستور و القانون و صناديق الاقتراع في انتخابات نزيهة و شفافة و حرة هي الأدوات التي يتم من خلالها اختيار الحكومة التي تكون مهمتها خدمة الشعب و ليس حكمه! ان " الحرية " هي اجمل كلمة في القاموس و هي حلم كل انسان سوي و كم نعتز نحن المسلمون و نفخر بتلك العبارة الرائعة التي قالها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه " متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "!! و قد ألقى بهذه العبارة العظيمة في وجه صحابي جليل اخر هو عمرو بن العاص والي مصر و ابنه عبدالله لكي يعلم الأجيال التالية من المسلمين ان الاعتداء على الحرية جريمة كبرى بالفطرة قبل ان تكون جريمة كبرى بالتشريع.! هذا هو الاسلام الذي يريده الليبيون في العهد الجديد!! حذار من الفهم الخاطئ للإسلام! حذار من الخلط بين الأصول و الفروع! بين ماهو ثابت و دائم كأركان الاسلام الخمسة و ماهو خاضع للتاويل و الفتوى! و ان نتذكر دائماً ان الله سبحانه و تعالى قد قال فيما يتعلق بامور المسلمين بل و امور الناس جميعا :" و أمرهم شورى بينهم " فليكن أمرنا نحن الليبيون شورى بيننا من خلال برلمان منتخب و من خلال صحافة حرة مسؤولة و من خلال أحزابنا السياسية و نقاباتنا المهنية و غيرها من هيئات المجتمع المدني الخاصة بنا. نريد ليبيا الجديدة ان تكون فرحا دائماً لنا و لإجيالنا القادمة لا يعكر صفو هذا الفرح اي خصام بيننا لا في الدين و لا في السياسة!!

الليبيون جميعا يدينون بالإسلام و الذين ينتمون الى ما يسمى بالتيار الاسلامي ليسوا وحدهم المسلمين و باقي الشعب الليبي كفار. و الدعوة الى قيام الدولة الاسلامية يجب ان تبقى في حدود حرية الراي التي يكفلها الدستور لجميع الليبيين مثلها مثل الدعوة الى قيام الدولة العلمانية او الدعوة الى عودة النظام الملكي او الدعوة الى ان تكون ليبيا جمهورية رئاسية او برلمانية. اي مجرد وجهة نظر يحق لمن يرى انها هي الافضل بالنسبة لليبيا ان يطرحها للنقاش شانها شان كل وجهة نظر اخرى ثم يبقى بعد ذلك للشعب الليبي ان يقرر مصيره عبر صناديق الاقتراع و ليس تحت تهديد الخطاب الديني او تحت تهديد السلاح السري و العلني! فكلنا مسلمون و كلنا موحدون و من حسن حظنا اننا جميعا مالكيون نتبع المدرسة الوسطية في الاسلام و لا توجد بيننا انقسامات مذهبية كما هو الحال في بعض الدول الاسلامية. لا نريد ان يكون بعض الليبيين مسلمين و البعض الاخر من اهل الذمة بينما ندين جميعا بدين الاسلام الذي يقول انه لا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى. كذلك لا فضل لليبي على ليبي الا بالتقوى في عهدها الجديد الحر او هكذا ينبغي ان يكون.!!! أليس كذلك..!!؟؟ و الله من وراء القصد.

Advertisements

One response to “حديث صريح حول الاسلام والثورة…!

  1. EL tajori سبتمبر 4, 2011 عند 1:53 ص

    اسمح لي ان اشكرك استاذ ابراهيم على هذا الطرح الرائع واضم صوتي الي صوتك وتطلعاتي الي تطلعاتك وهي ان تكون ليبيا دولة القانون والمؤسسات …تحترم في الحريات ….تجمعنا وتوحدنا سماحة الاسلام .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: