تحدياتُ واستحقاقاتُ ما بعد التحرير…… المفردات والمضامين!

كتب : د . المنصوري سالم

عند البدء نقول: المواطنة شيءٌ تكفله الدولة لأفرادها دون تمييز أو استثناء، فكل دساتير العالم الوضعية وكافة المواثيق القانونية تحدد ذلك بتنصيصات واضحة وبمواد صريحة الصياغة ودلالة المصطلح…. فالمواطنة حقٌ لا ينكره أو يتنكر له العارفون لتركيبة البلاد ببطونها وأفخاذها، باستثناء البسطاء من الحاقدين وهم قلة قليلة يمكن تجاوزهم، والعارفون بليبيا يعزون ذلك التصلب في مواقف هذه الفئة لعدم متابعتهم للأحداث، وغيابهم عن الساحة السياسية العالمية، ثم جهلهم بالواقع الليبي والنسيج المجتمعي، وهذا ليس بالعجب العجاب في ظل حكم شمولي ميكافيلي أدخلنا في غياهب الدنيا وخلجات لم نسمع أو نقرأ عنها.

ويجمع المثقفون داخل وخارج ليبيا، أنَّ البلاد تواجه جملة من الاستحقاقات والتحديات وهى تلبسُ ثوبها الجديد، وتقبلُ بوجهها الوليد، لتدخل المنظومة الدولية مؤثرة فيها ومتأثرة بما يجري حولها…. ومن تلك التحديات (1) "الثقافة السائدة"، حيث يأتي هذا المطلب على قمة الهرم لأنه  باجماع المتابعين  أصعب وأقسى التحديات التي عمل عليها النظام طوال العقود الماضية…. فقد زرع الموالون للطاغية  وفق برامج عمدية وبشكل ممنهج  بذوراً لثقافة العنف والعدوانية، وادخلوا المسكرات والمخدرات لضرب العقول وقتل النفوس وتشتيت العائلات، ونشروا الدعارة عبر مجندات بحرسهم الشعبي والثوري، كما كرس النظام في سنواته الأخيرة سياسة "فرق لتسد" من خلال إذكاء نعرات العصبية القبلية، في محاولة لتحقيق هدفه الرئيس وهو "تمزيق لُحمة الليبيين" ومن ثم "الولاء والطاعة" له فقط، بينما يُترك الليبيون البسطاء منغمسون في الصراعات الدموية مع غياب منظومة القيم الأخلاقية.

نعم لقد ألحق الطاغية ونظامه الفساد بالمسرح الثقافي، واجتهد لطمس عقول الليبيين بهرطقاته المتوالية، حيث شوه ماضينا المجيد، وتهجم على طيبة أسلافنا، ومسخ العادات المحمودة تارة، وإرهب المتمسكين باللحمة المجتمعية تارة أخرى. لقد نجح من خلال هذه الإجراءات الترويعية التدميرية  للأسف  في دفعنا نحو مجهول ثقافي قال عنه وابناؤه أنه "ثقافة العصر والتمدين"، وبذلك فقد تم تغييِب المواطن الساذج لدرجة أنه لم يعد يستذكر من موروثه الثقافي شيئاً…. والخطأ في نظرنا أساسه مجارات المسئولين الليبيين لترهاته المتكررة، وتجاهل بعضهم لدسائسه الدنيئة، وتصديقهم لمقالاته الرخيصة، وقفشاته الصبيانية…. فضلاً عن أنَّ المسئولين سلموا رقابنا، وقتلوا عقولنا، وسمموا أدمغتنا…. سلموا كل هذا وديعة لأبواقه والمشوشين الفجرة من زبانيته (لا سيما مسئول الإعلام ومسئول الثقافة)، وما تبع ذلك من ترويج لبضاعته الفاسدة المضللة، عبر دعاة الجهل وأدعياء الرذيلة والمفسدة من مقربيه.

أما الاستحقاق الثاني (2) فهو "الانفلات الأمني" وانتشار السلاح الذي ظهر جلياً عقب دخول الثوار للمدن المحاصرة، وهذا ترتب علينا نتيجة توزيع الطاغية للسلاح وصرفه لأزلامه وبقائه بأيديهم حتى اللحظة، فالسلاح الحالي أوجس لدى الناس خيفة، وأضاف روعا ورعباً في نفوس الأطفال والكهول، وضاعف من هواجسهم الأمنية وهم محقون في ذلك…. وكما يقول العرب "أنَّ آخر العلاج الكي"، بمعنى يستوجب العمل الجاد والمستعجل لجمع السلاح وضبطه حتى لا يستخدم في غير أغراضه الأصيلة، ولعل بعضكم أو جلُّكم سمع عن إطلاق الرصاص عشوائياً بالليل والنهار، وتجوال الشباب أحياناً بأسلحتهم بين المتاجر والأسواق والمؤسسات العامة في مدينة طرابلس وضواحيها مثل: (الدريبي + جنزور + النجيلة + السياحية + سيدي عبد الجليل + صياد + السواني + قصر بن غشير+ السبيعة…. إلخ)، اعتقاداً منهم أن ذلك السلوك يسهم في حفظ الأمن ويرهب الطابور الخامس.

نعم لابد من انتقاء الحلول الناجعة والسريعة للتحول من "الشكل المسلح" إلى "مدنية الشارع والحي" من خلال إسترجاع المدنيين إلى سابق أعمالهم بعد تسليم أسلحتهم دونما إستثناء لأحد، ولابد من تشديد المتابعة والرقابة على من يُصرف له سلاحٌ لأغراض أمنية وقائية ومرخصٌ له، فكل هذا التخوف مشروعٌ لتفادي ما حدث  لا قدر الله  في أسبانيا بعد قيام الثورة الأسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي وخلع الدكتاتور "فرانكو"، وما حدث أيضاً في الثورات البرتغالية والأمريكية والفرنسية التي استمرت سنوات وسنوات…… لذا لنستفد من أحداث التاريخ الإنساني، ونأخذ الأمور بمحل الجدية ونحفظ حرمة الوطن وقدسية المواطنين وكرامتهم.

أما ثالث تلك التحديات (3) فهو ما بدأنا نسمع عنه من "احتقانات وتجاذبات" سياسية بين بعض الأطراف بحجة أنها "أكثر حماسة ووطنية أو أشد حرصاً وأوفر علماً" من غيرها، وفي هذا الصدد  ومن خلال تتبعي للشأن السياسي في بلادنا  نحذر كثيراً من المغالاة والغوص في الجوانب النظرية وتجاهل المجريات الآنية للساحة ومتطلبات المجتمع الليبي، كما نحذر من استنساخ تجربة الغربيين "للديمقراطية" بكل ما فيها وما عليها، وعندها سنقع في المحظورات لا سامح الله، فالتجاذب لن يكون في صالح أحد منَّا سواْ أكان ذاك الفريق من المنادين "بالدولة الثيوقراطية الدينية" أو كان من القائلين "بالحكم الليبرالي" بمنظوره الجديد، أو من المتمسكين "بعلمانية الدولة"…. فالحل الأمثلُ في نظرنا هو "الوسطية" من خلال "ميثاق وطني" يرسم شكل الدولة الجديدة، ويحدد مفرداتها السياسية ومسميات ركائزها، ويجيب عن الغموض والتساؤلات المتعددة بشأن: تداول السلطة، وترسيخ حكم القانون، والفصل بين السلطات الثلاث، ودور منظمات المجتمع المدني، وطبيعة النظام السياسي من حيث كونه برلمانياً أو رئاسياً، وآلية الحكم المحلي والتقسيم الإداري للبلاد…… علينا أن نركن إلى الحوار المعمق الجاد لانتشال ليبيا مما قد تهوي إليه، وعلينا أن ننتصر على أنفسنا وما أعظمه من إنتصار، بعيداً عن إطلاق التهم والادعاء بما ليس واقعياً.

الاستحقاقُ الرابع (4) والأخير هو "المصالحة والتسامح" بين الليبيين التي بدأ يُرفع شعارها في الشارع الليبي وأروقة السياسة وصنع القرار ولكن!، المصالحة والتسامح لا يعنيان غض البصر عن مسئولي الجرائم التي أُرتكبت بحق الأبرياء الذين ذُبحوا وقتلوا بغير ذنب، ولا يعني بحال من الأحوال تناسي حقوق الذين تم شنقهم في ميادين الجامعات في السبعينيات، أو تناسي من قاموا بتلك الفعلة الشنيعة ممن أسموا أنفسهم بأعضاء "لجان القصاص  اللجان الثورية"، ولا يعني البته التنازل عن استرداد الأموال المهربة ومحاكمة العبابثين بمكونات الدولة الليبية طوال أربعة عقود من قبل حاشية النظام والمدافعين عنه أمثال: أمناء المؤتمرات وأمناء اللجان الشعبية الحاليين، ورؤساء وأعضاء فرق الموت (فرق العمل الثوري) بالقرى والمدن، وأمناء الشعبيات وغيرهم ممن تلقوا جميعهم الرشاوى بمئات الآلاف من الدينارات والسيارات الجديدة في الآونة الأخيرة (رشوة) ليقوموا  وفعلاً قاموا  بإسداء خدمات ظالمة للنظام مثل: القبض على المعارضين، وتسمية المناهضين لكي يتم اعتقالهم والزج بهم في سجون التعذيب القاسية، أو تصفيتهم جسدياً كما فُعل بالكثيرين من الأبرياء والمستضعفين.

إذاً كيف نصفحُ أو نتسامحُ مع هؤلاء؟…. هؤلاء ممنْ أرهقوا دمائنا، وسرقوا أموالنا،وعبثوا بقض الأرض وقضيضها….. لقد قالها الليبيون منذ الأسابيع الأولى بأن "الصفح والتسامح" مطروحٌ على بساط الأشاعرة والأحمديين، ولكن سيكون فقط مع أولئك ممن لم تتلطخ أياديهم بالدم، ولم يساهموا في تبذير المال العام بغير وجه حق، في أوقاتٍ كان الليبيون يهجرون بلادهم خوفاً وطمعاً قبل ثورة فبراير…. ولا نبالغ إن قلنا أنه حتى الذين اشتغلوا مع أجهزة النظام بالمراكز ذات صنع القرار السياسي، أو خرجوا معه في مسيرات الدينارات الضلالية خلال فترة الحرب ضد الطاغية، لا ينبغي أبداً التساهل في معاملتهم ولا أن يكون لهم مكان المسؤولية في ليبيا الجديدة، وإلاَّ لماذا الثورة؟ ولماذا التضحيات والمعاناة؟ ولكن لهم الحق في المواطنة بعد مقاضاتهم ومحاسبتهم أمام قضاء عادل ونزيه.

في المقابل، فإن الآخرين من ذوي الأيادي البيضاء، والسيرة الوظيفية النظيفة بمختلف سلالم الهرم الإداري سابقاً (الوزارات وقطاع الأمن والجامعات)، ولم يُسجل عنهم أنهم تلقوا الرشاوى أو نهبوا الممتلكات الخاصة والعامة، فهم إخوة وأهلٌ لنا، ولهم التقدير والتبجيل، لأنهم كانوا يتأسون ويتألمون مثلنا، ويمتعضون كبقية أطياف وشرائح المجتمع ولكن "العين بصيرة واليد قصيرة" آنذاك، فما كان لأحدٍ  قبل ثورة فبراير  القدرة عن فعل شيء لولا مشيئة الله وتكاثف المجتمع الدولي، ولولا بسالة الشعب الليبي بكل مراحله العمرية وخاصة شبابنا الباسل المغوار…… ولأطراف الحديث تتمة بإذن الله.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: