حتى لا يختلط الحابل بالنابل

كتب : عدنان فرج جبريل

1 – المتوازنات والمتوازيات بعد تحرير طرابلس

مع بداية الشهر السابع من عمر ثورة 17 فبراير تحررت طرابلس في ملحمة وطنية خالدة من البطولة والفداء… كانت عملية فجر (عروس البحر) هي الملحمة التي توجت إنتفاضة سكان هذه المدينة التي بدأت في العشرين من فبراير 2011 وتوجت معها إنتصارات الليبيين على نظام الظلم والعسف والقهر بعد 42 عاماً من المعاناة المستمرة والتضحيات المتواصلة…

فعلى مدى ستة أشهر كاملة قاتل الثوار الليبيون جنود الطاغية في كافة الجبهات… حرروا مناطق ومدن بأسرها وقدموا مواكب من الشهداء وسيل من الدماء الغالية والزكية، كان إصرارهم العنيد على مواصلة القتال إسطورياً لدرجة أدهشت العالم بأسره وجعلته يقف مشدوهاً أمام هذا الشعب المعجزة الذي ظلت عيون أبناءه الملآى بالدموع معلقة على طرابلس وأهلها وظلت قلوبهم وعقولهم ساكنة فيها وبين جنباتها. وبرغم الإخقاقات والإنتكاسات والتناقضات الكثيرة لم تنحن الجباه المتفصدة عرقاً لغير الله، وظلت ألسنتهم تصدح بذكر (الله أكبر) ورددت شفاههم بإبتسامات وديعة وواثقة أمام سمع ومرأى العالم بأسره (جايينك في باب العزيزية)… وفي العشرين من أغسطس كان العالم على موعد مع الجولة الأخيرة من إنتفاضة عروس البحر، وخلال يومين إلتحم الثوار من كافة المناطق للوفاء بوعدهم وخوض معركة باب العزيزية ليدكوا حصن الطاغية المنيع ورمز قوته ومنعته وسلطانه.

واليوم صار من حق الليبيين ومن واجبهم أيضاً المشاركة في صنع مستقبلهم الذي يبدأ بتكريس جهود الجميع للوفاء بالوعود التي قطعناها على أنفسنا… ولعل أهمها ذلك الوعد الذي رددناه جميعاً منذ اليوم الأول من عمر هذه الثورة المباركة (دم الشهداء ما يمشيش هباء) وهو ما يعني أننا أمام تحديات كبرى تتطلب العمل على ترتيب أولويات هذه المرحلة المفصلية من تاريخ ليبيا وصناعة مستقبلها بعد أن فر الطاغية وإبناءه – وبغض النظر عن متى وكيف وأين سيتم القبض عليهم…

التحدي الأول: فر الطاغية وأبناؤه قبل أن نعرف مصير آلاف المفقودين من الأسرى والمختطفين الذين لا تزال ظروف إعتقالهم وأماكن سجنهم وإختفاءهم مجهولة حتى الآن… وهو ما يتطلب البدء الفوري في تأسيس وتنظيم حملة وطنية مكثفة للبحث والتفتيش والتقصي. إننا في سباق حقيقي مع الزمن وفي مثل هذه الحالة فإن الوقت سيكون أحد من السيف إن لم نقطعه سيقطع أوصال أحبتنا وفلذات أكبادنا وعندها – لا قدر الله – ستنفطر قلوبنا من هول الفاجعة.

التحدي الثاني: فر الطاغية وأبناؤه ليختطفوا ويرهنوا مدناً ومناطق بأسرها لايزال سكانها محاصرين ومهددين بالموت والتجويع من قبل فلول كتائب النظام ومرتزقته وعملائه… وهو ما يتطلب إستكمال معارك التحرير لتلك المدن والمناطق العزيزة من ليبيا لتكتمل فرحة النصر والحرية. وعلينا أن نتذكر بأن أهلنا في تلك المدن والمناطق ليسوا إستثناءً عن بقية أرجاء ليبيا فهم قادرون على الإنتفاضة وتحرير أنفسهم فكل ما يحتاجونه هو قليل من الدعم والمساندة.

التحدي الثالث: فر الطاغية وأبناؤه وطرابلس لاتزال غير مؤمنة رغم مظاهر الفرح العارم بتحريرها ورغم الأصوات التي بدأت تعلو مطالبة بأن يغادرها ثوار المدن والمناطق الأخرى… وهو ما يتطلب القول بصوت أعلى إن تأمين طرابلس هو الأساس لتأمين مسارات الثورة، وأن الثوار محل ترحيب كبير من سكان هذه المدينة التي تاسس فيها طابور خامس طويل يتربص بها لزعزعة أمنها ولدينا دروس مستفادة كثيرة.

التحدي الرابع: فر الطاغية وأبناؤه ليتركوا لنا أجواءً ملبدة بغيوم التوتر والعداء وحروب الكلام وتبادل الإتهامات والتهديد مع جيراننا من الأخوة والأشقاء… وهو ما يتطلب الإسراع في تنقية تلك الأجواء ومد جسور التعاون والثقة وحسن الجوار، وبقليل من الحكمة وشجاعة الفكر والقلب والضمير سنستطيع تجنيب بلادنا الوقوع في شراك الأعداء والدخول في معارك لا ناقة لليبيين فيها ولا جمل، معارك ليس لها أي مبرر سوى أنها تصب في مصلحة الغير.

التحدي الخامس: فر الطاغية وأبناؤه وقد كبلنا أنفسنا في دائرة من خلافات العقائد السياسية التي ظهرت وطفحت على بعض واجهات الثورة ولم يعد بالمقدور إخفاؤها أو السكوت عنها… وهو ما يتطلب تأجيل الخلاف بدلاً من محاولة كل فريق القفز مبكراً بأجندته السياسية لفرضها على الأخرين، فاصابع الثوار على الزناد في الجبهات وجراحهم النازفة تستحق منا الإحترام والإيثار، وسيكون لكل منا متسع من الوقت لطرح أجندته ليقول الليبيون كلمة الفصل فيها عبر صناديق الإقتراع.

التحدي السادس: فر الطاغية وأبناؤه دون أن يتفطن البعض إلى أن الليبيين لم يعودوا في حاجة لوصاية من أحد حتى ولو كان الوصي هو منظمات الأمم المتحدة… وهوما يتطلب الإعداد والتحضير لمؤتمرات مهنية وطنية يشارك فيها خبراءنا في داخل حدود الوطن وخارجه لرسم خارطة طريق لتفعيل مختلف الأنشطة الإقتصادية والخدمية وحتى الأمنية والعسكرية لصياغة رؤى المستقبل وأولويات خطط وبرامج العمل خلال المرحلة الإنتقالية.

التحدي السابع: فر الطاغية وأبناؤه وكثيرون منا يتوجسون أن الشباب الذي صنع الثورة والتغيير وضحى بأرواحه ودمائه سيظل في عيون البعض مجرد شباب غير مسئول… وهو ما يتطلب تغيير هذه الفكرة وإقحامهم بقوة في دائرة صنع القرار وإدارة مستقبلهم السياسي وليس العكس، فبتحليل إحصائي بسيط لمعرفة عدد الوزراء الذين تقل أعمارهم عن سن الأربعين في الدول المتقدمة سندرك حتماً كم أخطأنا نحن الكبار في حق هؤلاء الشباب… فكم عدد الشباب من أعضاء المجلس الإنتقالي أو المكتب التنفيذي؟.

التحدي الثامن: فر الطاغية وأبناؤه ولم ندرك بأن الفرص إن لم تعطى فستنتزع وبأن من يبذل الغالي والنفيس لأجل حريته وكرامته هو من يملك الحق في صياغة وبناء مستقبله… وهو ما يتطلب التخفيف من وطأة المركزية والعمل على تكريس مبدأ المشاركة الشعبية، فهذه الثورة أثبتت بأننا نمتلك من الوعي والإرادة ما يكفي لتأسيس مجالس إستشارية لكل المدن تقوم على وضع الخطط وتحديد أولوياتها ومتطلباتها التنموية بحسب ظروفها وخصائصها الثقافية والإجتماعية.

التحدي التاسع: فر الطاغية وأبناؤه والحديث عن إعادة الإعمار بات صداه طاغياً على كل الأحاديث التي تدور في غرف الإجتماعات – أو في المرابيع – وأمام العدسات وخلفها… وهو ما يتطلب العمل على حل المشاكل الكبيرة العالقة التي ستواجه إعادة الإعمار والتي من بينها عقبات المخططات العمرانية وقضايا ملكية الأراضي والعقارات ورد مظالمها والتعويض عنها، فلا ندخل في متاهات تؤدي بنا إلى ذات النتيجة التي إنتهت إليها بيروسترويكا غورباتشوف وما برنامج إعادة إعمار العراق ببعيد.

التحدي العاشر: فر الطاغية وأبناؤه ومنا من يتمنى أن يكون له دور ومكان في الحكومة الإنتقالية القادمة وقد حظى بفرصة أو أكثر في الحكومات السابقة ولم يقدم شيئ… وهو ما يتطلب أن يؤخذ بعين الإعتبار بأن هذه الحكومة ستكون مختلفة عن سابقاتها خلال العقود الأربعة الماضية فقريباً ستكون هذه الحكومة تحت طائلة القانون ومحل مسائلة حقيقية وجادة عما قدمت وعن كل قرش فيما أنفقته وكيف أنفقته وعن كل مواطن ماذا وفرت له وماذا أعطت؟…

التحدي الحادي عشر: فر الطاغية وأبناؤه وبقي لنا السلاح المنتشر في كل بيت – وزنقة – وشارع، يحمله العقلاء ومن هم دون ذلك على حد سواء… وهو ما يتطلب النظر إلى هذه المسألة على كونها من قضايا الأمن القومي قبل أن تتحول أحدى مدننا أو قرانا الوادعة إلى (بيشاور) جديدة، فالأمر يستدعي تنفيذ خطة محكمة لحصر وتجميع السلاح تدعمها قوانين صارمة تجرم إقتناءه وحمله وإستخدامه والمتاجرة فيه دون ترخيص وتوقع اقصي العقوبات بالمخالفين.

التحدي الثاني عشر: فر الطاغية وأبناؤه وظل لنا حلم قيام دولة المؤسسات والقانون التي تسود فيها قيم الحرية والكرامة والعدل والمساوة كأهداف عليا لثورة 17 فبراير… وهو ما يتطلب في الأساس تربية النشء على أن مفاهيم الوطنية والديمقراطية تقوم على معاني الحب والخير والجمال والبذل والعطاء ونبذ ثقافة العنف وقبول الأخر والتعايش معه وعدم تجريمه لمجرد إختلاف الرأي، بل التعاون معه طالما كان ذلك في خدمة المصالح الوطنية العليا.

وبعد… فقد رأيت أنه من واجبي التنويه إلى بعض القضايا الجوهرية التي ينبغي التفطن إليها في هذه المرحلة الهامة والحرجة من مسار ثورة 17 فبراير، وهو تنويه لا يسعى إلى محاولة عبور الجسر قبل الوصول إليه، فنحن فوق الجسر فعلاً وقد وصلنا إلى منتصفه تقريباً وصار من الضروري والمهم أن نتحسس مواضع أقدامنا قبل كل خطوة نخطوها كي نضمن مواصلة المسير بخطى متزنة دون أن ينهار الجسر بنا جميعاً في هوة الوادي السحيق ويختلط الحابل بالنابل.

قد يختلف معي البعض في تقييم التحديات التي ذكرتها آنفا فأراها قائمة ومباشرة بينما يرونها محتملة أو غير مباشرة. لكن مسار الثورة بات أكثر من أي وقت مضى يحتم مراعاة المتوازنات والمتوازيات لمعرفة ما هو سلبي وما هو إيجابي، فآن ذاك لا قبله سنستطيع صياغة دستور يفصل بين السلطات ويكفل كافة حقوق الأنسان بدءاً من التعبير والمشاركة السياسية ومروراً بحقوق المرأة والطفل ونهاية بحقوق العمل والتعليم وتكافوء الفرص… وعندها فقط نستطيع القول بأننا قد عبرنا الجسر بأمان وبأن عهد الطاغية وأبناءه قد ولى وإلى غير رجعة.

إن المحافظة على الإستقلال أصعب من نيله… كلمات قالها حكيم الأمة ((إدريس السنوسي)) رحمه الله، ورددها الليبيون في وجدانهم وضمائرهم عقود طويلة بعد رحيله، وإذا جاز لي الإقتباس فإنه يمكنني القول بأن الحفاظ على النصر أصعب من تحقيقه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: