إلى رئيس المجلس الانتقالي، وصحبه، بمناسبة خطاب التحرير

 

كتب : خالد محمد جهيمة

عادت حليمة للميدان ثانية تجر أذيال ثوب حيك من درن

إلى رئيس المجلس الانتقالي، وصحبه، بمناسبة خطاب التحرير

من الملاحظ أن المستشار مصطفى عبد الجليل لا يكتب خطاباته، ولا يُعدُّها؛ لذا فهي كثيرا ما تأتي مفككة، وتتناول مواضيع هامشية لا علاقة لها بالمقام. فقد تناول، مثلا، فيما أحسبه أهم خطاب ألقاه خلال الثورة، قبل خطاب التحرير، أي ذلك الذي وجهه، في شهر يوليو الماضي، إلى جماهير المسيرة المليونية التي احتشدت، في ميدان التحرير بمدينة بنغازي، لِتَرد على مسيرات القذافي المليونية المفبركة، والذي تحدث فيه عن موضوع تقبيل الرجال بعضهم بعضا عند السلام، ونهاهم عن فعل ذلك، وكأنه كان يتحدث إليهم في موعظة في مسجد، أو في مجلس عزاء. ونسي أنه كان يلقي خطابا سياسيا مهما في مرحلة عصيبة من مراحل الثورة؛ وبخاصة إن أخذنا في الاعتبار الجمودَ الذي كانت تعانيه الجبهات العسكرية المختلفة، في البريقة، وزليتن، والجبل، مما دفع بعض القوى إلى التشكيك في إمكانية إنهاء الثوار المعركةَ على الأرض، وإلى الدعوة إلى التفاوض مع الديكتاتور حول إقامة حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات، بعدها، يحق للجميع المشاركة فيها، بمن فيهم أبناؤه. وهو ما استغله هذا الأخير بفبركة مسيرات وصفها بالمليونية في أغلب المدن التي كان يسيطر علي بعضها عسكريا، وأيديولوجيا، وعلى بعضها الآخر عسكريا فقط؛ ليظهر للعالم ما يتمتع به من دعم شعبي.

أما أهم خطاب في هذه الثورة، ألا وهو خطاب إعلان التحرير، فقد جاء مفككا، ومهلهلا، ولا علاقة له بالسياسة (لا أريد أن أتحدث هنا عن الحفل، نفسه الذي أقيم بهذه المناسبة، وطريقة تنظيمه، التي أثبتت بُعدنا، نحن الليبيين، عن الحِرَفية، وعن مراعاة الأصول بُعد السماء عن الأرض)؛ فقد بدأه بالنهي عن إطلاق النار، وذكَّر الحضور بشكر الله، وبأن الشكر يكون بالتكبير، وبالسجود، وكان يمكنه أن يكتفي بالكلام، لكنه أتبعه بالتطبيق، فَخَرَََّ على الأرض ساجدا، في حركة اعتُبرت بهلوانية، ولما يعرف ما الذي كان يقصده منها. أكان يريد من الآلاف المؤلفة المجتمعة في الساحة أن تتبعه في ذلك (تصوروا معي المأساة التي كان يمكن أن تحدث، على كل المستويات، وبخاصة الأمني منها، لو أنهم فعلوا ما وعظهم به)، أم كان يريد أن يُطلق عليه اسم الرئيس الساجد، أسوة بمنتخب الساجدين المصري، أو المستشار المؤمن على غرار رئيسهم المؤمن (الرئيس السادات). أنا ممن يعتقدون أن على المؤمن أن يُبقيَ علاقته بربه، أيا كان ذلك الرب، سرية، وألا يحاول الكشف عنها أمام الجميع، بقصد، أو بغير قصد؛ لأن ذلك سيُعرضه لنقد الناس، الذين ربما يرون في ذلك محاولة منه للتأثير عليهم عاطفيا. لقد فوجئت بما نُقل عن ساركوزي قوله إن عبد الجليل قد طلب منه، في أحد الاجتماعات، استراحة للصلاة، لأن حضرة المستشار، يعرف، بحكم دراسته، أن الله قد رخَّص للمسافر الجمعَ بين الصلوات، تقديما، أو تأخيرا، وأن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وبما روي عن وزير الخارجية التركي أن رئيس مجلسنا الانتقالي قد خرج إلى المسجد لصلاة الصبح دون أن يُعلِم بذلك حرسَه، فزرع بذلك الهلع في نفوس مضَيفِه، وقد كان يكفيه أداؤها في مكان إقامته، بلا حرج، وذلك من فقه الأولويات. يحاول الكثيرون إبراز جانب التدين في هذه الشخصية، فقد أخبرني أحدهم أنه نسخ هذه القصص، وعلقها على الحائط في إحدى الجامعات، وكأننا، نحن معشر الشعوب، نبحث عن إمام مسجد يتقن إقامة الشعائر، لا عن سياسي يتقن فن إدارة البلاد، وعن أمين طاهر اليد يحافظ على رزق مواطنيها، وعن عادل يعدل بينهم، وهي صفات لا تحتاج إلى متدين لا يكف عن إظهار تدينه أمام الجميع، بدليل أن ملحدين قد نجحوا في تحقيق ذلك. من بين ما شاهدته أمس على شاشات التلفزيون الأجنبية إصرار بعض أعضاء المجلس الانتقالي على أداء إحدى الصلوات، بعد الإعلان عن اسم رئيس الحكومة الجديد، أمام الكاميرا، وكان بإمكانهم أن يطلبوا إيقاف التصوير!

ثم تابع خطابه بإعلانه تعطيل أحد القوانين السارية، التي ليس لها علاقة بمقام الحديث، أعني قانون تعدد الزوجات، مما يعبر عن جهل بآليات إصدار القوانين، وتعطيلها، وبالجهات المسؤولة عن ذلك (المجالس التشريعية)، أو عن ديكتاتورية خفيَّة اكتسبها من مرحلة الممارسة السياسية التي أمضاها وزيرا في نظام المستبد (ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم)، واعتبارِ الشريعة الإسلامية المصدر الأساس، أو الوحيد للتشريع، وإلغاء كل القوانين التي تخالفها. لا أدري من منحه الحق في تقرير ذلك؟ ألا يعلم أن أصول التشريع تحددها الدساتير، التي تُعدها لجان تنبثق عن مجالس تشريعية (جمعيات تأسيسية، أو برلمانات)، ثم يُستَفتى فيها المواطنون، فيقبلونها، أو يرفضونها ؟ ألا يُذكِّرنا ذلك بالقاعدة الذهبية التي كان يسير عليها مجتمعُ "عصر الجماهير"، أعني تلك التي تقول إن قرارات "القائد"، وخطاباته تعد قوانين، بحيث جمع هذا الأخير في ذاته "العلية" كل مؤسسات الحكم التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وهو ليس بالغريب عندما يصدر عن طاغية مستبد، لكنه شديد الغرابة عندما يأتي من شخص ثار على الطغيان، والاستبداد؛ ليُحل محلهما الحكم الرشيد القائم على العدل، وعلى حرية الاختيار. ألا يعلم المستشار عبد الجليل أنه قد ابتعد عن بلاغة القول بطرحه تلك القضايا في هذه المناسبة، فلكل مقام مقال، وعن الحكمة بعرضه هذا الموضوع بتلك الطريقة، وفي هذا السياق السياسي الدولي الذي ينظر إلى الشريعة، (التي يملكون، شئنا أم أبينا، نظرة مشوهة عنها، فهي في تقديرهم لا تتماشى مع الديمقراطية. وتغيير هذه النظرة يحتاج ممن يرغبون في ذلك إلى بذل جهد كبير على المستويين النظري، والعملي)، وإلى المطالبين بتطبيقها نظرة شك، وريبة؛ مما جعل كثيرا من الأوروبيين يتساءلون عن مدى جدوى دعمهم ثورات تسعى لإحلال نظم استبدادية جديدة محل النظم الديكتاتورية القديمة، بل إن أحدهم قد ذهب، في سياق تعليقه على خطاب مصطفى عبد الجليل، إلى القول : "إن الليبيين لم يستمتعوا بالحرية أكثر من يومين" في إشارة إلى اليومين اللذين فصلا بين موت الطاغية، وخطاب التحرير. لقد أضر ذلك بالثورات الأخرى، وبخاصة في سوريا، واليمن؛ إذ لم يعد لدى الغربيين درجة الحماسة نفسها التي كانوا يساندون بها الثورتين، وبات جزء منهم مقتنعا بضرورة منح النظامين فرصة تحقيق بعض الإصلاحات، والبقاء، بعد أن كانوا مقتنعين بضرورة زوالهما.

قد يقول قائل ليس للغرب، وللعالم من حولنا دخلٌ فيما نقرره، وفي الطريقة التي نختارها لإدارة بلادنا. لكن يُرد على ذلك بأن الشعب لم يقرر ما تم الإعلان عنه، بل من قرر ذلك، وأعلنه هو رئيس المجلس الانتقالي، إذن فهي قرارات فردية، لم تصدر بطريقة ديمقراطية. كما أن هذا الأسلوب يذكرنا بخطاب الطاغية الديماغوجي، عن تحدي العالم، وبخاصة الإمبريالي منه، وعن عدم حاجتنا إلى الآخرين في إدارة دولتنا، حتى صرنا دولة منبوذة لا رغبة لأحد في التعامل معها. وهي سياسة ثبت فسادُها بدليل أن المقبور قد سعى في سنيه الأخيرة إلى الرجوع إلى حضن الأسرة الدولية، وبذل في ذلك الغالي، والرخيص، وأن من ثاروا عليه لم يجدوا بديلا آخر عن المجتمع الدولي يلجأون إليه؛ لحمايتهم من بطشه.

يبدو لي أن سبب تفكك الخطاب السياسي الليبي الحالي، الذي يذكرنا بخطاب المقبور الأمِّي، يكمن في ارتجاليته، التي سببها، على مستوى الشكل، إحجامُ سياسيينا، وفي مقدمتهم رئيس المجلس، عن عدم الاستعانة بكتَّاب يجيدون فن الكتابة يسطرون لهم خطاباتهم، وهو تقليد معروف في كل دول العالم، التي يختار قادتها كتابا، وأدباء يكتبون لهم خطاباتهم، فقد كان هيكل يكتب خطابات عبد الناصر، وأحمد بهاء الدين، وموسى صبري، خطابات السادات، واختار الرئيس الفرنسي الحالي الكاتب جوينو، المسمى هنا بقلم ساركوزي ليكتب له ما يريد أن يخاطب به قومه. أما على مستوى المضمون، فمن الواضح أن المستشار عبد الجليل، وصحبه لا يرغبون في إحاطة أنفسهم بمستشارين، وخبراء في جميع المجالات؛ ليشيروا عليهم بضرورة مراعاة المقام للمقال، وبأن ما يمكن قوله في سياق، لا يمكن قوله في سياق آخر، فقد رأيت بعضا ممن يحيطون برئيس مجلسنا الموقر، وبعضا ممن يعملون معه، بمن فيهم أعضاء المجلس، يعاملونه معاملة التلميذ الأستاذَ، والمريد شيخ الطريقة، والثوريين معمر القذافي، والصحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ناسين أنهم يسهمون، بهذا السلوك، في دفعه إلى السير على طريق المقبور (يهوى الثناء مبرز، ومقصر حب الثناء طبيعة الإنسان).

ربما يسألني سائل عما كنت أود سماعه في هذا الخطاب موضوع المقال، فأجيب بأنني كنت أتمنى أن أسمع ملخَّصا بسيطا عن مراحل الثورة، وعن السياسات التي سينتهجها المجلس الانتقالي بعد التحرير، في مجالات الأمن، بشقيه الاجتماعي، والسياسي، والاقتصاد، والدفاع، وبخاصة فيما يتعلق ببناء الجيش الوطني، وبالخطوات التي ستتخذ لتحقيق ذلك. لكن لا يمكن أن يتضمن ذلك كلَّه خطابٌ مرتجل غيرُ مكتوب. ما كل ما يتمنى المرء يدركه!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: