ليبيا تنتصر.. ليبيا تبتهج – " .. بعد عام من الثورة "

 

 

                                                              kubti_DAP_Book

                                                     سالم الكبتي

مرت سنوات قاحلة لم تكن فيها ليبيا شيئا مذكورا .

اختصرت بالكامل في طاغية امتلكها بالفولاذ طولاً وعرضاً .. كان يُذكر فيها وحده .. ويتحدث فيها وحده ويكذب دون انقطاع .. ويمسح أكاذيبه في وجوهنا .. ويبصق علينا وعلى تاريخنا .. ويكابر.. ويكابر مثل ديك منفوش الريش .. ويشرب حليب ناقته ثم يتكلم دون أن يتورم لسانه .. ويقرر ما يشاء يقرأ تعاويذه وطلاسمه كأنه أحد سحرة مدغشقر .

كان الطاغية شيء آخر . صخرة صماء . كان يلتف في عباءته مثل الحاوي وينظر إلينا في ازدراء .. يستخف بنا .. بعقولنا ..بمستقبلنا ..كان هو الصوت الوحيد ، وكان الليبيون مجرد بقرة في مزرعته في الضواحي البعيدة . كان الحزن يلف ليبيا بأسرها . ليبيا التي لا تستأهل ذلك لأنها صاحبة تاريخ وذات ماض ولأنها ليست وادياً غير ذي زرع لكنه عاث فيه فساداً وغطرسةً ونشر خلاله كل أمراضه .

323011722725

كانت ليبيا الصابرة كتلة من الحزن الذي يلف أبناءها .. وطقسها وسمائها وبحرها ونسمة برها وأقحوانها .. وتلاميذ مدارسها وحروف كتّابها وأغانيها ونوبات مألوفها .. ومقاهيها وحوانيتها .. وشوارعها وأزقتها ومآذنها .. ودقات بناديرها والحان زكرتها .. وينبعث من صحرائها . كان الحزن غلالة ترتديها ليبيا كل يوم على مدى ألفي كيلومتر وطوال أربعة عقود بائسة من الزمن الرتيب والكآبة والحزن .. والمصائب .

s_l06_12117378

كان الطاغية ماركة مسجلة ومعتمدة ضد الفرح .. وضد البهجة وضد السعادة وضد كل ما هو إنساني في حياة الليبيين .. في عيونهم وعيون أطفالهم ونسائهم وشيوخهم .. في لحظة غدر أحال هذا الديناصور الذي انقرض مؤخراً لحظاتهم كلها إلى نكد وجعلهم يشربون القهوة المرة على الدوام ويغمسون خبزهم بالقهر والحزن ثم يأكلونه ليشرقوا دون أن تبل رقابهم رشفة ماء . أنهم قوم ليسوا كالآخرين من خلق الله كتبت عليهم قلة الراحة فلا ينعمون بها .. لا يشعرون بالفرح .. يتجرعون المرارة مثل حسك الشعير .. أحاديثهم كلها حزن .. أسمارهم كلها حزن .. ينامون على نكد ويستيقظون أيضاً على نكد . كان الفرح متاحاً بكل أشكاله للطاغية وعصابته وعائلته المخبولة فقط أما الليبيون فالفرح ليس مهنتهم ، إنهم في نظره المتعجرف كائنات أخرى لا تستحق البهجة .. لا تستحق الحياة . كل شيء كان له حله وترحاله وطوع إشارته .. حتى الأعياد والصيام وقنديل المولد والمناسبات والساعات الهانئة وربما أوقات الراحة في ظهائر الأيام أو آخر الليل لم تكن بملكهم . كان على الليبيين أن يظلوا أبداً على قلق " كأن الريح تحتهم " حتى يهنأ فريد زمانه ووحيد عصره الهارب من قارة جهنم ويظل مبسوطاً أربعة وأربعين قيراطاً .

Mideast Libya

فكيف حدث كل ذلك يا إلهنا في غفلة من التاريخ ومن الزمن ؟

الإجابة صعبة بالطبع .. لكن الأجمل والأروع بعد هذه المعاناة والعزاء الجميل فيها .. انتفضت ليبيا وانتصرت وفرحت لأن الانتصار دائما يعقبه الفرح وتعقبه البهجة ودفعت مقابل هذه البهجة مهراً غالياً من الدم والدموع . من الشهداء والجرحى والمفقودين والمصابين وعذابات الاغتصاب .. والعديد العديد من الخسائر . صنعت ليبيا بهجتها ومسحت دمعتها وانكسارها بعزوم أهلها .. ونهضت شامخة عزيزة مثل عروس بهية تحمل في صدرها النابض بالحياة : الأخضر ونفوسة .. وعلى جيدها قلادة من الوسط والجنوب .

211349629_1280

بهجة ليست لها حدود . أنها بـ " ردع الدنيا " . بهجة كان لها ثمن .. ثمن غال جداً .. " ومن يطلب ليبيا لم يغلها المهر " .. هذه البهجة .. وهذه الفرحة ينبغي أن تجعلنا أكثر ارتباطاً بالأرض .. بليبيا .. أكثر حباً لها .

" لم يعد للحزن معنى " .. بعد الحزن يطل الفرح ..وعبر الظلام يتنفس الصبح .. ورغم الآلام يعانق الوليد الحياة بصيحته . هذه البهجة الليبية سيخلدها التاريخ .

لقد عادت أمنا ليبيا سيرتها الأولى الجميلة .. عادت كما كانت منذ القدم شيئاً يذكر .. وبلا توقف !

Advertisements

2 responses to “ليبيا تنتصر.. ليبيا تبتهج – " .. بعد عام من الثورة "

  1. منير فبراير 14, 2012 عند 11:42 م

    مقالة رائعة أستاذ سالم وكان بودي لو أتماهى معها فرحا بليبيا وحريتها لوكانت حقا عادت كما كانت جميلة ينعم أهلها بالحرية والكرامة لكن مايدور الآن لا يبشر بخير فهناك تحالفات للإخوة الثوار الذين يسمون بالملتزمين تهدف إلى تمديد فترة المجلس الانتقالي سنتين بحجج واهية الهدف منها تمكين الأمر لهم ولفكرهم المناهض للديمقراطية نعم سيطيحون بالمستشار ومن معه ويتولون هم بقوة السلاح مهام المجلس الوطني وكما قرروا أن يتولوا هم وحدهم مهام المجالس المحلية ولك أن تتخيل جمال ليبيا بعد ذلك فادعوا الله أن يحفظ ليبيا ويتم فرحة أهلها التي لم تتم بعد ولن يكون هذا إلا بوقفة جادة من المثقفين الوطنيين أمثالكم

  2. يوسف سنيدل مارس 26, 2012 عند 11:31 ص

    كتابة راقية تعكس مخزون ثقافي عريق ورؤية أدبية عميقة للحياة والقيم والإنسانية.أشكرك علي هذا المقال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: