من يصنع الدكتاتور؟

Untitled20120306121843

كتبت : وفاء البوعيسي

قراءة في "أشخاص حول القذافي" لعبد الرحمن شلقم

من يصنع الدكتاتور؟ سؤال طرحه الانسان على نفسه منذ قرون، ظهر بالولايات المتحدة، بأوربا، بأميركا اللاتينية، بآسيا، ظهر في كتابات ماركيز، وألبير كامو، وإيريش كستنر، ووليم شكسبير، وماريو بورجاس يوسا، وروباستوس، وميجال أنجل استورياس، وظهر متخفيا في كتابات نجيب محفوظ، وبنسالم حميش، وعبد الرحمن منيف، ومؤخرا بالعراق، ظهر مؤلف علمي متخصص بعنوان: من يصنع الدكتاتور ـ صدام حسين نموذجا ـ للكاتب والباحث سلام عبود، في حين تأخر الليبيون كثيرا، حتى يطرحوه على أنفسهم، ويواجهوا به واقعهم، ولعل كتاب أشخاص حول القذافي، لعبد الرحمن شلقم، قد جاء ليضع هذا السؤال أمامنا اليوم، وليحدثنا عن الظروف التي تنتج الدكتاتور أو تضخمه حين يكون موجودا.

سأتحدث هنا عما استنتجته أنا، من قراءتي للكتاب، من الزاوية التي أقرأ بها الأشياء عادة، ومما طرحه المؤلف نفسه، على طول الكتاب وعرضه، حين تناول بمؤلفه، تقديم 39 شخصا، كانوا حول القذافي، حتى آخر لحظة من حياته، وإدراج المؤلِف لنفسه، كي يوضح لنا سبب بقاءه مع الرجل، وسبب تركه له لاحقاً.

"أشخاص حول القذافي"، كتاب من القطع الكبير، يقع في 585 صفحة، منشورات دار الفرجاني للنشر والتوزيع والإعلان، ودار مدارك للنشر، غلافه الخارجي، احتوى على صور، لمعظم الوجوه التي كانت حول القذافي، وحين تُبعِد رأسك للوراء قليلا، سترى أن كل تلك الوجوه، والشخصيات مجتمعة، تمثل معاً وجه القذافي، فهو هم وهم هو، حتى تحار كثيرا في أن تقرر، من كان القذافي بالضبط، هو نفسه أم هم.

من واقع "أشخاص حول القذافي"، يمكن من وجهة نظري، تقسيم الأشخاص، إلى أشخاص سعوا إلى القذافي بمحض تخطيط ورغبة، أيا كان الباعث أوالهدف، وأشخاص سعى القذافي بنفسه إليهم، لما اكتشفه فيهم من صفات، تمكنه من تحقيق مشروعه الكبير، في حكم ليبيا والعالم.

ثم سأتحدث عن القذافي نفسه، بفقرة مستقلة، قد تفجّر اليوم مفاجأة ما، ليست بالطبع كحجم وخطورة مفاجآت الكتاب وشخوصه، وقد تفجر حنقا عليّ أيضا، لكنها قد تسهم ـ برأيي ـ في دعم وجهة نظري الخاصة، علاوة على محاولة إيجاد إجابة للسؤال، موضوع المقالة، بعيدا عن الغرق في السباب، وتحميل الرجل وحده، مسؤولية كل "البلاوي" التي وقعت على رؤوسنا.

من الأشخاص الذين سعوا للقذافي، شخص بحث عنه، ووضع خطة طويلة وصبورة، استغرقت سنوات من العمل المضني والدؤوب، حتى يصل إليه شخصياً، وينال رضاه الكامل، ويكون على مستوى ثقته، التي لا يمنحها بسهولة، فلجأ للدم، الذي لا أوضح منه، ليصبغ به لون الولاء، فغالى في التورط بالقتل، والتعذيب والفتك بالمعارضين، وملاحقتهم، وملاحقة ذويهم، ومجاراة القذافي نفسه، بتقديم الأمر على أنه ضبط لمؤامرات ودسائس، تستهدف البلاد، ومن خلفها الإمبريالية العالمية، وهو هنا التهامي خالد الورفلي، رئيس جهاز الأمن الداخلي، وبلا منازع.

فعل المستحيل، وسّط الرائد عبد المنعم الهوني، عضو مجلس قيادة الثورة، ليجد له مكانا بالكلية العسكرية، التي غصت بعناصر من قبائل القذاذفة والمقارحة وحدهم، وحين قدّم أوراقه، رُفض لعدم لياقته الصحية، لضعف بصره الشديد، وسّطه من جديد متوسلا، أن يساعده في تجاوز عدم لياقته.

أغاظه أن يرى أبناء عم جلود والقذافي، يلتحقون بالكلية، رغم تخلف أهم شرط من شروط الالتحاق بها من بعضهم، وهو شرط الحصول على الثانوية العامة، حيث تدبر جلود والقذافي معاً، أمر هذا "الشرط الهزيل"، وألحقوا بالكلية أعدادا كبيرة، من أبناء قبيلتيهما، لضمان ولاء الجيش، ولحماية ثورتهم الجديدة، حتى إن عددا من أولئك الذين لم يجتازوا الثانوية، وجدوا أنفسهم بالكلية الحربية بمصر، وهم حاصلون على دبلوم معلمين فقط، كعبد الله السنوسي "المقرحي"، فعاد طالبا وساطة الهوني من جديد، كي تتجاوز لجنة القبول، عن عيبه الصحي، وتسقِط قوة بصره من قائمة الشروط، كما أسقطت ضرورة الحصول على الثانوية العامة، لأبناء القذاذفة والمقارحة.

وحين تخرج التهامي خالد، من الكلية الحربية بالقاهرة، عاد ليضع عينه على وظيفة تقرّبه من هدفه الذي عمل عليه 4 سنوات، لكن الهوني كان قد غادر الداخلية، وحل محله الرائد الخويلدي الحميدي، فلاحق الرجل حتى قابله من جديد، ليتوسط له لدى الخويلدي لتعيينه بالأمن الداخلي، ومن هناك، بدأ العد التنازلي للحلم، الذي يوشك أن يصير حقيقة.

ومن أقبية الأمن الداخلي، حيث يوجد التهامي خالد، كان بالوسع سماع التأوهات، تحت التعذيب والتنكيل، والتفنن في أساليب الإذلال والامتهان، وأخيرا، ابتكار أشنع الطرق في قتل المعتقل.

هناك، سمع التهامي خالد، الصوت الذي سيتسلق عليه، ليصل لما خطط له بصبر وإصرار، صرخات ضحاياه من الإسلاميين، والشيوعيين، والطلبة، وكل من اشتُبه به، أو قُدم فيه تقرير لخلاف مالي أو شخصي، هناك كانت لسعات الكهرباء، وقرضات الكلاليب، وحز الأعضاء التناسلية، كما يمكنني شخصيا أن أتصور، لما سمعته، ولما أخبرني به بعض زبائني، الذين وقعوا بين يدي الرجل، ولبعض ما جاء بالمؤلَّف.

ووصل، وصل التهامي خالد، بعد أن قدم وثيقة ولاءه للقذافي مصبغة بدم ضحاياه، ودموعهم، وأنفاسهم الأخيرة حين لفظوها بحشرجات مكتومة، فانتقل بخفة وإعزاز، ليتراءس أكبر مؤسسة امتهنت الإنسان الليبي، ورشمت جسده، وكرامته وروحه بندوبٍ غائرة، الأمن الداخلي.

وكما غرق ببحر الدماء، غرق أيضا ببحر الأموال، والأراضي التي نهبها علانية من ضحاياه، كما نهب كرامتهم وحياتهم، استولى على أراضٍ ومزارع للدولة، ولأفراد طبيعيين، بنى عليها القصور والمصانع، ومكّن أحد أبنائه، من سرقة المصرف الأهلي بجنزور، حتى أفلس المصرف، وعجز عن أداء أموال المودعين، وانطلق أبناء عمومته، ينهشون ويسرقون معه، ويمكن إلحاق كلٍّ من الطيب الصافي، بقائمة الذين سعوا للقذافي بالدم، لأجل مقاسمته بالسلطة والثراء، وهو الذي قتل وعذب وامتهن، عددا من طلبة جامعة قاريونس في أحداث 7 أبريل، وكذلك عبد القادر البغدادي، الذي قلّد القذافي حتى بملبسه، وتصفيفة شعره، وحركاته وسكناته، ورشحته دمويته وساديته، لإعدام الطلبة، وجرأته على الأرواح، في أن يتورط بمقتل الشرطية الإنجليزية، أمام السفارة الليبية بلندن، ويخلق تلك الأزمة الدبلوماسية، بين ليبيا وبريطانيا لعقدين من الزمن.

وثمة من تقرب للقذافي، بالقلم والكلام، والدعاية التي وصلت حد التحريف والتزوير، لأجل المال والحصول على مراكز، وسط غابة من الرجال والنساء، تحلقت حول الرجل، وصارت تنهش معه كبد الوطن، وتسترزق بما تقدمه أو تقوله أو تكتبه، حقائب وزارية، أو وظائف دبلوماسية، فوضع البعض نفسه، في خدمة مقولاته وآرائه، وقراءته الخاصة والمزاجية للتاريخ، مثل الدكتور رجب بودبوس، الذي عاد لليبيا، بشهادة الدكتوراه بالفلسفة من فرنسا، أم الفلسفات والقوانين والذوق والجمال، والمنظمات المدنية، فوجد نفسه، في بلد غير البلد التي غادرها، وأمام أناس غير الذين تركهم.

كان هذا سنة 1977، حين كانت البلاد تسبح في الدماء، والتخوين، والنظر بتشكيك لكل من جاء من الخارج، ومن يحمل شهادات عالية، من جامعات ذائعة الصيت، ليس كجامعات قاريونس والفاتح، حيث ارتقى "الطلبة الثوريون" إدارات الجامعات، ومكاتب التسجيل، والإشراف، وتحكموا حتى بالمواد التي يدرّسونها، والأساتذة الذين يدرّسونهم، فقرر أنه لن يشرد عنهم، ولن يخرج عن السياق، فرمى رسالته للماجستير والدكتوراه بأول صندوق زبالة صادفه، وأجّر نفسه، وقلمه للتنظير لسلطة الشعب ومقولات "المرأة تحيض والرجل لا يحيض"، دون أن يدعوه أحد، أو يستقطبه أحد، فانطلق يروّج للنظرية العالمية الثالثة، التي ستقرّب الناس حتى من الله، واعتلى المدرج الأخضر، خطابيا ومنظرا وشارحا ومؤلفا للكتب، ثم رئاسة مركز دراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، ثم وصل لقناة البديل، التي تنثر أفكار القذافي عبر شبكة عالية الجودة، ذات امتداد أفقي وعمودي، يغطي جزءًا لا بأس به، من فضاء الإعلام العربي، حتى إن القذافي نفسه فوجئ بالدراسات وأوراق العمل البحثية، والمؤلفات التي قُدمت لنظريته.

جاء بودبوس من بلاد الثورة الفرنسية، والقانون المدني، والفن التجريدي، ليتلقفه القذافي هديةً، وضعت نفسها بين يديه، يستخدم كل أساليب الجدل والفكر، في "شد" نظريته العالمية، وجذبها من كل جهة حتى تكاد تتمزع، لتشمل الحياة والفن والفكر والتأمل، وإجبارها "بلي عنقها" لتستوعب كل مستجدات الحياة، ومشاكل الإنسان، حتى صارت كما لو أنها القرآن.

وعمر الحامدي، الذي تفنن في استنساخ مؤسسات، تبيع وتشتري شعارات القذافي وكلامه، بالعملة الصعبة والسهلة، تروج لكل قضية يتبناها، بليبيا، والوطن العربي والعالم أجمع، اندفع "بهوس محموم" في تكوين مؤسسات بليبيا ودول عربية، مثل مؤتمر الشعب العربي، الذي وقف على سدته بالطبع، ثم استنسخ عنه، الأمانة الدولية للتضامن مع الشعب العربي، ثم ما لبث أن أسس المجلس القومي للثقافة العربية بالرباط، وتحت يده ميزانيات هائلة، لشد مرتزقة الكتّاب والمثقفين والشعراء والباحثين، لاستجلابهم ليجلسوا أمام القذافي بخشوع، يتابعون صولاته وجولاته، في التاريخ، والدين، والجغرافيا، والاقتصاد، وهو يتمدد ويتضخم، على صوت التصفيق وصفير الحماس، والهتاف "علم يا قائد علمنا .." يدور رأسه، وهو يشاهد كتُاباً مرموقين، ومؤرخين، وساسة سابقين، وسجناء رأي، ورؤساء تحرير أكبر الصحف والمجلات، من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين والأردن والمغرب ومصر، والجزائر، وموريتانيا، وليبيا، إسلاميين وليبراليين، قوميين وبعثيين، يكبرون كل كلمة، يندفعون في الثناء على كل حرف، تلذذ بتلك الأجواء التي خلقها له الحامدي، والتي داعبت لديه تلك الهواية بالغرق في التنظير، وتقديم نفسه على أنه فيلسوف، ومفكر حقيقي، فذ، بيده حلول لأوجاع البشرية، وهمومها، وأن بوسعه وحده، رسم صورة خلاصها.

وكمحمد أحمد الشريف، القريب من كل تيار إسلامي ومن " الإخوان المسلمون "، بسبب تدينه، وتمسكه بأهداب الدين، الحاصل على دكتوراه من جامعات أميركا، بـ"الأخلاق عند الإمام الغزالي"، عاد لليبيا، ليعينه القذافي بعد فترة، أمينا عاما لجمعية الدعوة الإسلامية، خلفا للشيخ محمد صبحي، الذي لم يوافق على سياسات القذافي، بنشر الإسلام في بعض رؤساء أفريقيا، من المسيحيين والوثنيين، مستخدما الهبات والأموال، مصراً على أن يكون نشر الإسلام، عملا خالصا لوجه الله، فاندفع الرجل في استرضاء القذافي، في تعيين أي داعية أو موظف بالجمعية، داخل أو خارج ليبيا، فارتبط بالأمن الخارجي، كي ينال موافقته على أي اسم يقترحه، بل كان يطلب من الأمن، ترشيح الأسماء التي يرتاح إليها، وتنتمي فكريا لنظرية القذافي، كي يكون داعية ببلد ما، حتى ازدحمت الجمعية، بدعاة يحملون فكر القذافي، أكثر مما يحملون كتاب الله، وعجت مكاتب الجمعية، بضباط الأمن، حتى أُطلق على جمعيته من باب التندر، جمعية الدعوة الأمنية، وآتت سياساته تلك أُكلها تماما، حين صدح الكل للقذافي أنه القائد المسلم، ناشر الإسلام بالعالم، وانهالت جماعات بأفريقيا، تبارك "لإمام المسلمين" جهاده بنشر الدين، ويأتي من يخر عند ساقيه معلنا اعتناقه للدين، ويخرج محملا بالهدايا والهبات، وارتفع شعوره بالاعتزاز، وتضخمت أناه وتوسعت حتى التشقق، وهو يمعن في الاندفاع نحو أفريقيا، التي شكلت له الأرض الخصبة، لتلقي أفكاره وتصوراته لخلاص العالم، أما محمد سعيد القشاط، فاختار طريقا خسيساً، وإن كان يصب في نفس الخانة، إرضاء مزاج وموافقة أفكار القذافي.

طاف بالصحراء الكبرى، ذهب لليمن، والساقية الحمراء، دخل مسارب الجبال، يلاحق تاريخ القبائل العربية، ويعجن الكلام في كتب عجفاء، بلغت سبعين كتابا، وفي مجاهل ليبيا، شوه الجهاد، وحرّف الحقيقة، تدخل في الجهاد الليبي ضد الاستمعار، وهو الذي لا يحمل غير دبلوم معلمين، يؤهله لتدرس بعض الأساسيات، بالمدارس الابتدائية فقط، فرفع من شأن قبيلته، وحط من شأن قبائل كثيرة، من العرب والأمازيغ، الذين كان لهم دور حاسم ومهم، بالنضال ضد المستعمر، انتقم لقبيلته، التي كانت قليلة، المال قليلة الحظوة، بالجبل الغربي، أجج النعرات والعداوات، انتقص من تاريخ عدد من شخصيات الجهاد الليبي، وعبث بالوقائع والأحداث، كما يريد القذافي، صدق نفسه وتحصل على شهادة دكتوراه، من إحدى دول أوربا الشرقية، باع خبرته في الوضاعة وتزييف الحقائق للقذافي، وأسهم في إقامة حزازات، بين كثير من القبائل، وصار قريبا لخليفة احنيش، فأثارا معا، الفتنة والقلاقل بين القبائل الليبية، بالوسط والجنوب، وكمحمد المدني الأزهري الحسناوي، الذي حين كان طالبا بفرنسا، تضامن مع مظاهرات الطلبة، ببنغازي وطرابلس ضد قمع القذافي، لكنه متلون، فضّل لاحقا أن يختار الجانب الذي يعود عليه بالمنافع، فانتقل لاحقا للجانب الموالي للقذافي ونظامه، ثم عاد لليبيا، مقررا على ما يبدو أن يدخل الحلبة، ويستبق مع المستبقين، لنيل رضا وحب القذافي، فقد وصل لمكتب الاتصال باللجان الثورية، ولمحمد المجدوب شخصيا، وأوصلته نجابته إلى إقناع القذافي بضمه لمكتب متابعة حركات التحرير الثورية بالعالم، والتواصل معها لتنسيق الجهود، من أجل الدعم العسكري والمالي، فانطلق في فضاء غرب أفريقيا، يصدّر نموذج الثورة الليبية، وذيوع أفكاره بالعالم، قام بمساعٍ حثيثه، مع رئيس بوركينا فاسو الجديد، الذي قاد الانقلاب فيها، على الحكم السابق، مع مجموعة من صغار الضباط، ورئيس غانا، وأحد قادة الحرب الأهلية في ليبيريا، وزعيم إحدى التنظيمات الإرهابية في سيراليون.

هتفت دول أفريقية، ومنظمات، وجماعات، ورؤساء، للقذافي، صاحب الأفكار الثورية، في تحرير الرجل الأسود، ومُدين العبودية والاستذلال، ورافض للهيمنة على أفريقيا، فترقرق في قلبه فرح، وهو يرى هذا الإقبال الذي هيأه له الحسناوي، وهذه الحشود تحيله إيقونة للتحرير، وأنفقت المليارات تلو المليارات، لتمويل جماعات وحكومات، بالمال والسلاح والتسهيلات، ولتبقي على ولائها "لصقر صقور أفريقيا" ويستمر الإيمان به، ومحاولات تقليد نموذجه الجماهيري، كما كادت بوركينا فاسو أن تفعل، لولا أن تلطفت بها العناية الإلهية، فأرسلت النقيب بيليز كامباوري، الرجل الثاني في بوركينا فاسو، ليقتل توماس سنكارا "قائد الثورة"، لأنه تحول إلى بائع شعارات، ومسوق لأفكار ثورية، تتعالى على معاناة شعبه، وتؤسس لإحاطة نفسه بهالات القداسة والعظمة.

ولا أنسى هنا، سعيد عريبي حفيانة، الأمازيغي الأصل، الانتهازي، المتنكر للغته وقوميته، الذي تسلل لصفوف "المطبلين" للعروبة والوحدة العربية، والتحق بسلك اللجان الثورية، فأخلص لها أكثر من الليبيين العرب أنفسهم، وراح يحاضر في الطلبة الليبيين بالخارج، شارحا فكر النظرية التي جاء بها القذافي، مسوقا لأفكاره ومقولاته، وتدرج حتى عُين سفيرا بفرنسا، وقبلها عُين كمدعٍ عام بمحكمة الشعب، لكن لأنه باع نفسه للقذافي بثمن بخس، وحول نفسه لأداة طيعة، بيد محمد المجدوب، الذي احترف إشعال الفتنة، بين القبائل الليبية العربية والبربرية، فلم يرفعه القذافي لمقعد وزير، كما كان يحلم ويشتهي، فظل إمعة بلا ملامح، ولا حقيبة.

أما من تمكن من الوصول إلى قلب وفؤاد القذافي بسبب الخوف وحده، وسعى من خلال خوفه، إلى أن ينقش اسمه ورسمه في جدارن عقله، فهو بلا شك عبد الله السنوسي المقرحي.

عبد الله السنوسي كما قدمه المؤلف، رجلا بسيطا، خجولا، صموتا، وانسحابيا، لا يبادر إلى أي حوار، أو تصرف ما، فقط يبقى هادئا، فاترا، ولا يلقي اهتماما يذكر للسياسة، حتى حين كان المؤلف يجالسه مع ابن عمه، أحمد أبو صير، بداخلية سبها للشباب، ليتكلما طويلا في الواقع الليبي، وتدهور الأوضاع بالعهد الملكي، والتيارات التي تعصف بالمنطقة والعالم حين ذاك، وحتى عندما التقى المؤلف لاحقا، بالرجل سنة 1973، وهو يتجول مع القذافي، في رحلة له للجنوب الليبي، وجده كما تركه تماما، هادئا خجولاً، صموتاً، لا يتحرك، لا يبادر لشيء، فقط يلازم القذافي بالحراسة، يتحرك خلفه بقطعة سلاح، يعلقها على كتفه.

ولعل ابن عمه جلود من وجهة نظري، قد لاحظ تلك التبعية التي تطبع سلوك ابن عمه أولاً، وحياءه وهدوءه، وقابليته للانقياد، فكان أمر إقناعه، بالالتحاق بالكلية العسكرية أمرا يسيرا وسهلا، وانقاد السنوسي لخيار غيره، حيث لا قدرة له على صنع خياراته، ترك الآخرين يسحبونه، للدخول لدهاليز السياسة، التي لا يهتم بها، ولا يتحدث فيها، ليصنع القذافي لاحقاً من صمته وانقياده، قماشة جيدة الخامة، يفصلها لاحقا على القياس الذي يريد.

ومن يدري، فلعل الأشخاص الخجولين والانطوائيين، يحملون استعدادا أكثر من غيرهم، لإظهار مشاعر وردود أفعال، أكثر وأشد قوة، من أولئك الذين يعبّرون عن أنفسهم وخياراتهم باستمرار، لأنهم يلقون بما في أنفسهم للخارج دائما، ولو تحروا الرصانة أو غرقوا في العصبية.

وفي حالة عبد الله السنوسي المقرحي، الذي ترك الآخرين يختارون له وظيفته، والتوجه الذي عليه أن يلزمه، لما تبقى من حياته، في الاقتراب من الرجل الأول والأقوى بكل ليبيا، كي يكون من الملازمين لحراسته وحفظ حياته، أعتقد كما يذهب الكاتب، أنه قد كان عليه أن يواجه غريزة الخوف، فإما أن يتغلب عليها، أو يذهب في خبر كان، تلك الغريزة الأزلية، في أشد تجلياتها بدائية وذعرا، حين لازمت الإنسان الأول، عندما كان يبحث عن ثياب، أو يوقد النار، لا يمكنها أن تحتمل التأجيل، أو المراوغة، أو الاحتيال، كغريزة حفظ النوع أو حفظ الحياة.

اقترب السنوسي من القذافي، لقرابته لرفيق الثورة عبد السلام جلود فقط، حين كان القذافي لا يزال يشعر بالأمان للمقارحة، عدا عن أبناء قبيلته طبعا، فالتصق به وصار فردا في جوقة الحرس، ولعله قد بدأ في تعلم ـ بحكم وظيفته الجديدة ـ اليقظة، وقراءة الخلجات، حين توجب عليه، التطلع دائما للقذافي، والسير خلفه، أو بجانبه، فلاحظ شخصية الرجل، العُصابية المهسترة، لاحظ ردود أفعاله حين يغضب، وحين يرضى، وحين يشعر بالخوف أو الإحباط.

لعل السنوسي، كان قد بدأ ينتبه، لحقيقة وخطورة موقعه ووظيفته، وخطورة الرجل الذي يحرسه، وبما يمكن أن يقود إليه غضبه، أو شكه، وما إن وجد السنوسي نفسه، في معمعة الفوضى، التي أحدثها انشقاق عمر المحيشي، رفيق الثورة وأحد أقطابها، ودوامة الفزع والصدمة، التي دخل فيها القذافي، وكيف قوبلت تلك المرحلة، بكل تلك الدموية والانتقام، من كل من حامت حوله، الاتهامات والشكوك، حتى طالت كثيرين، ربما لم يكن البعض منهم ضالعا، بالتخطيط للانقلاب على القذافي، فعرف أنه قد يواجه يوما المصير نفسه، وأن يلحقه أفراد من أهله، لو شكك القذافي بولائه، أو حامت الشبهات حول أحد من أقاربه، الذين قد لا يرضون عن سياسات القذافي، فأحس بالخوف الشديد، وتحركت تلك الغريزة البدائية فيه، لتطل برأسها، معلنة له، أن عليه أن يكتب ولاءه بطريقة ترفعه في عين سيده، وتوصله إلى مكانة، لا تسمح بوجود ثقب إبرة، قد يتسرب منها الشك فيه، فاندفع في سلوك ذلك الطريق، الذي سلكه التهامي خالد، لكن السنوسي الخجول، الصموت، الانسحابي، الفاتر المزاج للسياسة، ولكل شيء حوله، تفوق على التهامي خالد، وذهب حدا يعجز العقل عن استيعابه.

وزاد الخوف واللهفة الدائمة عنده، لإثبات الولاء، وتقديم فروض الطاعة، بحاجة أو من دون حاجة، حين اختاره القذافي ليكون عديله، فزوجه من أخت زوجته الثانية، صفية فركاش، فارتبط معه برباط المصاهرة، عدا عن ارتباط الولاء والعمل، وربما كان هذا قد أشعره، بخطورة دوره، وأهميته بحياة القذافي، حين صار قرينا له في عرف المصاهرة، بزواجه من أخت زوجته، فصار كما نطلق عليه بالعامية "عديل القذافي" مع ما تحمله هذه الكلمة من دلالة.

ولاحقا، بسبب التشكيك بولاء حسن إشكال، والشبهات التي حامت حوله عن عمالته، وتورطه مع أوربيين، للقضاء على القذافي، وهي تهمة غريبة، ارتعدت لها فرائص القذاذفة المحيطين به جميعا، المجدوب، احنيش، أحمد ابراهيم، وسائر "الشلة"، بسبب المزاج الذي دخل فيه القذافي، وسعاره المحموم، وشعوره بالخوف، وفقدان الثقة، بمن كان يثق بهم، ويمكّنهم من كل شيء، فلا يراعون للقرابة حرمة، ولا للمجد الذي حققه لهم، حين كانوا يرعون الإبل، أو ينتظرون أن يجود عليهم، البي سيف النصر بوظيفة أو اهتمام، واجه السنوسي خوفه من جديد، وهو يرى تلك العاصفة، التي اقتلعت القذافي وأسلمته للهذيان، والكلام عن الخونة والعملاء، وكيف قام القذاذفة أنفسهم، بقتل حسن إشكال، بإطلاق النار عليه، مدعين لاحقا أنه انتحر، ليتعلم أن يمعن في إثبات ولائه، ويرفع من رصيد وفائه، وإخلاصه، بقتل كل من يشعر أنه يفكر بالإساءة للقذافي، وحتى حين كان القذافي، يطلب منه التحقيق بواقعة ما، بدرت عن أحدهم ضده، كان السنوسي يرفض الدخول في جلسات تحقيق من الأساس، حيث يستغرق الأمر وقتا، وقد يُظهر التحقيق ما يضايق "القائد" فكان يقتل مباشرة وبلا هوادة، بلا رحمة، وبوسائل تقشعر من هولها الأبدان.

وأذكر هنا، الحادثة التي ساقها المؤلِف، حول ما تردد عن أن القذافي، قام "سرا" بزيارة زوجات بعض أقاربه من القذاذفة، في غياب أزواجهن، هما خشيبة والغناي، حارسان قذافيان، وحين تأكد الحارسان من الحادثة، أضمرا نية قتل ابن عمهما، الذي لم يراعِ حرمات البيوت، وشرف أهلها، وحين انكشف مسعاهما، تم تغطية الأمر، بتلفيق ادعاءات أنهما يخططان للانقلاب عليه، فطلب القذافي من السنوسي، أن يتخذ حيالهما ما يراه، وكان ما رآه السنوسي، ليس التحقيق في الموضوع، فهو لا بد سيفضي للحديث’ عن دخول القذافي لبيوت الآخرين خلسة، وهو ما لا يستطيع تحمل سماعه، فما بالك بتحمل عواقب جعل المتهمين يقولانه، فقبض عليهما، تركهما لجمع كبير من الجنود، ربما جاوز المئة، بحسب فيديو شاهدتُه شخصيا لقتل خشيبة، ومات الشابان بنفس الطريقة، ضربا وركلا، وطعنا بالسكاكين، ونهبا باليد، كما أورد المؤلِف.

وقد وأورد المؤلِف أيضاً، قيام عبد الله السنوسي بربط الضحيتين، بحبال من أيديهم وأرجلهم بسيارتين، وطلب من كل سيارة، أن تسير بالاتجاه المعاكس، فتمزعت أجساد الضحايا، وانشقت الأوصال، وتفجر الدم، وخرجت الأحشاء، وقد احتفظ السنوسي بفيديو، لتصوير الحادثة من أولها لآخرها، يعرضها وقت اللزوم، على من يجرؤ على رفع صوته بالشكوى للقذافي، دون حتى أن يكون قد أظهر ما يدل على تطاوله، وتوالت الأحداث التي جعلت السنوسي يقف وجها لوجه أمام الخوف، فينازله، ويفصله نصفين، كما فصل جثتي الشابين خشيبة والغناي، وأثبت أنه لا يمكن أن يكون محلا للتشكيك، حتى حين تململ جلود من القذافي، وبدأ يجاهر بملاحظاته، وحتى حين بدأ صعود أولاد القذافي، أمّن السنوسي مكانته، وختم على قلب "عديله" بشمع الثقة الأحمر.

وثمة من سعى للقذافي لدواعي، وأسباب تتعلق بالظروف التي يعيشها، والبيئة القاحلة التي انحدر منها، وأعني بالقاحلة هنا، الفقيرة للكثير من الأشياء، كالقيمة، والأحترام، والشعور المفرط بالدونية.

من هؤلاء فوزية شلابي، التي تنحدر من أسرة "منحلة"، تلسعها الهمسات عن نسبها المجهول، وتغامز الناس من حولها، أمها من ذلك النوع، الذي يعرف كل شيء عن "العالم التحتي"، تجيد لغة الميوعة والإيحاءات، عدا عن الظن السائد بأنها يهودية.

عاشت فوزية شلابي كما يمكنني أن أتصور، بمجتمع لا يرحم، لا يحترم إلا ذوي النسب المعروف، المسلمين الخالصين، والبنات المحافظات، فشبت على التطرف في ردود أفعالها، وعلى ازدراء المجتمع، ومعاكسة التقاليد لمجرد الانتقام.

أختلف مع المؤلف، في أن القذافي قد حاول إعادة إنتاجها، فهي منذ البداية، تشكل خامة ممتازة، لنوعية المرأة التي يبحث عنها، امرأة تُحدث ثورة اجتماعية، على الموروث الاجتماعي والأخلاقي، كل ما كانت تحتاج إليه، هو دفعها إلى الأمام فقط.

وقد انطلقت فور التحاقها بالكتابة الصحافية، في النيل من القيم ببذاءة بعيدة عن الموضوعية والتشريح، نالت بلسانها من التقاليد، بطريقة جنحت للاستفزاز أكثر منها للعلمية، وكأني بها كانت تنتقم، تلطم المجتمع الذي ينظر إليها وإلى منبتها، الذي لم تختره نظرة ازدراء، واندفعت بجموح، ووصلت إلى مراحل متقدمة، وتقلدت حقائب كثيرة، ومراتب استغلتها في إذلال بعض الرجال وإهانتهم، فصارت تلك "المنبوذة"، قِبلة يحج إليها رجال القذافي وغيرهم، ليعبروا لمصالحهم وأهدافهم، بل لعلها استطاعت أن تضع القذافي نفسه أحيانا حيث تريد، حين أشيع أنها اختلفت مع أعضاء السفارة الليبية بلندن، فأقنعت القذافي، بارتكاب أكبر أخطاء الخارجية الليبية على مر العقود، وهو الزحف على السفارات، وطرد الدبلوماسيين والقناصل، وتعيين أشخاص، زجت بهم المؤتمرات الشعبية الأساسية، دون مؤهل ودون إمكانيات، لتضعف الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الليبي، ويتراجع ويسقط في الحضيض، وحتى إن كان هذا غير صحيح، فهي كانت تردد أن المؤسسات العامة بليبيا، كلها تدار بواسطة لجان شعبية عن طريق التصعيد، فلن يستقيم الحال ما لم تلحقها السفارات بالخارج.

لم تكن امرأة سهلة، ولا عادية، لم تكن امرأة المشهد الخلفي، بل كانت في الطليعة، تلك التي ازدراها المجتمع الليبي، عرفت كي تقتص منه، وأجزم بأنها كانت تشعر على نحو ما، بالأهمية والتعويض، حين نقلها القذافي تلك النقلة، من فوزية شلابي، الوضيعة، التي يتلمظ الناس بسيرتها ومسلكها، إلى المرأة "الخطرة" التي يرتجف أمامها أعتى الرجال، وأشدهم شراسة.

وحين كانت تقود ثورته الاجتماعية على القيم والأخلاق، وتطعن بالدين، وتتناول باستفزاز واستخفاف، كثيرا من الموروثات، لم يجرؤ أحد على كتابة حرف ضدها، أو مقاضاتها، أو يسمعها شيئا عن ماضيها، ولعلها كانت تشعر بالعزاء والتشفي، بالرجال والمجتمع الذي نال منها فنالت منه.

يمكن أن أضيف لنوعية فوزية شلابي، أشخاصا مثل مصطفى الزائدي، وأحمد ابراهيم، والأخوين أحمد وسيد قذاف الدم، إذ يشترك الأربعة في كونهم من فئة " العائدون "، وهم من أبناء أولئك الليبيين، الذين هاجروا أثناء الاستعمار الإيطالي، أو أثناء موجة الجفاف التي ضربت جنوب ليبيا، لدول مثل مصر، تونس، وتشاد، ثم عادوا بعد اكتشاف النفط، وظهور الرخاء بالبلاد، ينظر إليهم باقي الليبيين بازدراء، يعاملونهم باحتقار ودونية، يرون أنهم تركوا البلد وقت الشدة، وعادوا إليها وقت الرخاء، يشككون بولائهم ووطنيتهم، لأنهم يرون فيهم وصوليين، يتمسكون بالوطن ويهجرونه بحسب استفادتهم منه فقط.

حملوا جميعا مشاعر التبخيس، التي يقابلهم بها المجتمع، كانت ترافقهم عقدة الاختلاف، تحملوا جميعا كامل الضريبة، عن فعل قام به أباؤهم وأجدادهم، دون أن يكون لهم يد فيه، وربما اختبروا معنى الغربة بليبيا، أكثر مما اختبروا الشعور بدفء الوطن.

أتصور أن هؤلاء الأربعة، ما انفك الشعور بالغضب والضغينة يلاحقهم، يلسع عقولهم ويشرخ أرواحهم، لا يستطيعون تغيير الماضي، الذي لا يد لهم فيه، إلا بسبب إصرار من حولهم، على كونه غير مشرف، ولا يستطيعون العيش براحة في المستقبل، حيث يحتقر البعض من حولهم ما يقومون به، قد يرفض البعض مصاهرتهم، كما فعل القذافي مع أحمد قذاف الدم، عندما رغب في الزواج بعائشة، أو يعيره بوضعه عند أول شجار، وقد حاول أحمد ابراهيم كثيرا جدا، أن يقنع القذافي بتغيير قانون، يسمح بكتابة كلمة "عائد" أمام اسم الشخص، بمستنداته الثبوتية، حتى يمسح تلك الكلمة من ماضيه، ويفرض نفسه على الإدارات والناس، بدون هذه الصفة المهينة، لكن القذافي رفض، وبرأي الشخصي، فإن رفض القذافي كان رغبة منه، في إبقاء ذلك الغضب والحنق، والشعور بالدونية لدى أحمد ابراهيم "ابن عمه القحصي" والبقية كذلك، كي يُبقي على تلك الشخصية المخدوشة، بأفعالها الهوجاء والانتقامية فيهم، وكي يُبقي على منسوب العداء للغير مرتفعا لديهم، فيتمادون في إجرامهم، وتجاوزاتهم، وهذا بالنهاية يخدم أهدافه الشخصية، في النيل من آخرين بواسطتهم.

وقد روى المؤلف، حادثة شجار شخصي، بينه وبين سيد قذاف الدم بفندق بالقاهرة، حين تطفل سيد على مجلس المؤلف بجناحه، وافتعل شجارا غبيا معه، وصاح بوجهه أنت يا "فزاني" ما كان لك أن تكون بمكانك الذي أنت فيه لولا القذاذفة، فما كان من المؤلف، إلا أن صاح فيه، عليك أن تشكر للقذافي الذي رفعك أنت وغيرك، من الذل والمهانة التي كنتم ترفلون فيها، أيام كنتم عمالا وضيعين لدى عائلة سيف النصر، وبالوقت الذي كان والدي، عضوا محترما بمجلس النواب، كان والدك محمد قذاف الدم، خادما وضيعا يحك جلد سيف النصر بالعصا، فثار سيد وجن جنونه، واندفع كثور هائج يحطم ما حوله، فدفعه بعض الأصدقاء خارج الغرفة، وحين وصل الأمر للقذافي، لم يبدُ أنه غضب لإهانة ابن عمه، ولا امتعض من تذكير المؤلف له بماضيه المؤلم، فهز رأسه موافقا، بل ومستحسنا، إذ قال إنّ عبد الرحمن شلقم محق، فلولاي لبقى هو وغيره في المستوى الذي كانوا فيه.

أما من قام القذافي بالسعي إليه، وعمل على نسج علاقة ما معه، حين رأى بعينه النافذة، أنه يستطيع خدمة مشروعه، وأهدافه في الإطباق على خناق الوطن والمواطن، والجلوس وحده بلا منازع على قمة الدولة، فكان أبو زيد دوردة، الذي يتحلى بصفات تجعل منه رياديا، جسورا في قول ما يؤمن به، ولا يتردد في إبداء رأيه، وإعلان مواقفه، التي تخالف حتى التوجه القومي الشديد، الذي ساد الأوساط الليبية مع مجيء القذافي للسلطة، فقد كان لأبي زيد دوردة شخصية صلبة عنيدة، وهو ينتمي لأسرة، تحظى باحترام ممن حولها، فعُين محافظا لمدينة مصراتة، لكنه أقدم على ضرب رجل ضربا مبرحا، دخل على إثر ذلك السجن، لكن أفرج عنه بقرار من الاتحاد الاشتراكي العربي لاحقاً، ليبرز اسمه، ويذيع صيته كرجل قوي الشكيمة، لا يأبه بأحد ولا لأحد، فقربه القذافي منه، وسرى في مفاصل جماهيريته، ليضع عليها بصمته.

كان أبو زيد دوردة صداميا، فجًا، جسورا، يندفع بقوة في الدفاع عما يؤمن به، لاحظ عليه القذافي ذلك، فوضعه على رأس وزراة الإعلام والثقافة، ومنها انطلق في تصدير الثورة للجيران والخارج، وحشد دعم العرب لها ولقائدها، واستعمل كل ما بالوسع، لتمرير أفكار وطروحات القذافي، ولأنه يتحلى بكل تلك الصفات، التي قد تدفعه للصفاقة، فقد أوكل له القذافي، إهانة وتعنيف هيلا سلاسي، رئيس منظمة الوحدة الأفريقية، بأديس أبابا، متهما الرجل علانية بالعمالة والخيانة والرجعية، وأمعن في تجريح الرجل وسبه.

يُعد دوردة، الرجل الأكثر تنقلا، بين الوزارات والمؤسسات العامة، بين أقرانه على الإطلاق، فقد شغل الإعلام، والاقتصاد، والزراعة، والخارجية، ومندوب ليبيا بالأمم المتحدة، وتولى هيئة السكة الحديد، والبنية التحتية وأخيرا، جلس على قبة الأمن الخارجي، وهذا يعود بالتأكيد كما يقول المؤلف لشدة ثقة القذافي به.

وعندما أراد القذافي أن ينقل نظريته الخضراء ـ الجزء المتعلق بالركن الاقتصادي ـ من حالة السكون لحالة الحركة، ويجسدها على أرض الواقع عملا وفعلا، لم يجد خيرا من دوردة، الجسور، والشديد، كي يبدأ في إحلال الفساد الإداري، وإعطاب براغي الدولة، حتى تتداعي حلقاتها وتبدأ بالوهن والانهيار، وشخصيا أعتقد أن القذافي وضع دوردة في الواجهة كـ"فترينا" تقابل الشارع الليبي، وتتحمل المسؤولية تجاهه، وهو يرى أسواقه ومؤسساته الاقتصادية تتردى، وحاجاته تتضخم دون إشباع، في حين تمتلئ كروش سماسرة المواد الغذائية، والمتّجرين بالأرزاق، يكدسون الثروات، ويبرزون بالمجتمع الليبي فجأة، برؤوس أموال ضخمة، وإمكانيات هائلة، أحدثت فرقا طبقيا سريعاً، دون أن تأخذ هذه الطبقة، وقتها بالنمو البطيء، والقانوني، مع ما أفرزه ظهورها السريع من تأثير، في توازنات الحياة، والفرص، وحتى في تراجع الكثير من القيم بالمجتمع الليبي.

أما الشخص الثاني، الذي سعى إليه القذافي بنظري، فهو إبرايهم بجاد، الذي وجد القذافي في طبيعته، من كونه إمعة، مطواعا، ما يساعده ويسهل له الكثير من الأشياء.

كان بجاد زميلاً للقذافي بالدراسة الابتدائية، لاحظ عليه القذافي قابلية عالية للاستلاب، عدا عن جهله وبلادته، فحدثه عن رغبته، في تأسيس خلايا مدنية وعسكرية، للانقلاب على الملك، والتحق هو بالخلية المدنية، وبعد 1 سبتمبر، قرّبه القذافي منه، وقد أقر بجاد على نفسه، بأنه كان ذلك النوع من الرجال، الذين يؤمنون بوجود العفاريت، لكن القذافي خلصه من خوفه ذاك، بعد الكثير من المحاولات التي كان بعضها طريفا بحق.

أوكل القذافي للرجل، مهمة الدعاية للثورة وللفكر الأخضر، فاندفع في الاتصال بالصحافة العالمية، لتصدير شخصية القذافي، كنموذج فريد وفذ، لقيادة الأمة العربية وحتى غير العربية، ولاحقا أناط به نشر الكتاب الأخضر، فحرص على أداء تلك المهمة أيما حرص، حتى أنه كان يصل الليل بالنهار لطباعته ومراجعته، ما دفع به لاحقا، إلى تولي وظيفة رئيس مركز الكتاب الأخضر، حين تأسس لأول مرة، فجيّش الكُتّاب والصحفيين والمؤلفين والمترجمين لكل لغات العالم، لتناول الكتاب وتسويقه، وتصديره وترجمته، ووصل به إلى أن سعى هو وإبراهيم البشاري، لإعداد بحوث ودراسات، تهدف لإلحاق نسب القذافي بنسب أهل البيت، وشخص النبي عليه الصلاة والسلام.

لم يخالف بجاد القذافي في شيء قط، لم يناقشه، كان فقط مطيعا، صموتا، ينفذ ما يصل إليه ربما بدون حتى تفكير، فكلفه القذافي لسنوات طويلة، بمكتب الإعلام بالقيادة، فقد كان يبلغ تعليمات القذافي لوسائل الإعلام بدقة، وحين تولى المؤلف لاحقا، حقيبة الإعلام والثقافة، اختلف مع القذافي كثيرا، حول موقفه من منع عرض كل البرامج المصرية، وتناقش معه كثيرا، حول هذه النقطة، لكن القذافي قال له شيئاً يعزز ذلك، قال، أنت لن تصلح لتولي الإعلام، ما لم يكن اسمك إبراهيم شلقم.

معمر القذافي شخصياً. أردت أن أتكلم عن القذافي، بصورة مستقلة، لأن ثمة ما هو جدير بأن يقال هنا.

القذافي الذي أثبت بجدارة، أن الإنسان قابل للبيع، والشراء، وحتى لإعادة التدوير، إن صح التعبير، وإعادة التدوير التي أقصدها هنا، هي تنشيط وتعميق صفات ما موجودة بالأساس، واستعجال نضجها وظهورها، ضمن ذات الحلقة، إذ قام الرجل، وعبر رحلة طويلة ومحطات كثيرة، باكتشاف صفات ما بالآخرين، رأى فيها خدمةً لمصالحه، وتحقيقاً لرؤاه وأهدافه، فمن شعر أن لديه صفة حب الظهور، كأبي زيد دوردة مثلاً، عمل على تعميقها وتدكينها لديه، ووضعه بالموقع والمكان الذي يغذي لديه تلك الصفة، وهو بالطبع، سيكون متحمسا لفعل الكثير، حين يشعر أن ما توفر له من مركز ومكانة، سترفع من شعوره بالرضا، وستحقق له مكاسب معنوية ومادية، وقد فعل نفس الشيء، مع من يعاني الخوف، أو الجشع، أو الانتهازية، أو الاستبداد، أو الشعور بالنقص أو الدونية، والواقع أن الطرفين قد استفادا من بعضهما البعض، فلم يكن أولئك الأشخاص، محض أداوات جامدة عمياء، أو مجبرة تماما، إذ يسجل التاريخ تخلي كثير من الأشحاص عن القذافي، وانفضضاهم عنه، سواء مبكرا بعد 1 سبتمبر، أو متأخراً، دون أن يسمحوا له بالنفاذ إليهم، وتسخيرهم لمصلحته، كما أن من بقي معه حتى 17 فبراير، استفاد الكثير أيضا، ماديا ومعنويا، وعلى عدة مستويات، فكانت العلاقة قائمة على التبادل بين الطرفين، خذ وهات، أعطني وأعطيك، لم تكن سُخرة من قبل القذافي، ولا تطوعا وهبة من قبل الآخرين.

ولعلها مناسبة لأقول أن معمر القذافي، قد حاول استعمالي شخصيا، وتسخيري لخدمة أهداف ما، أراد تحقيقها من خلالي، إذ جرى الاتصال بي، من قبل وزير الثقافة السابق نوري الحميدي، والعقيد عبد الله منصور، لاستدراجي للحضور لطرابلس، دون أن أعرف، النية المبيتة لجعلي أقابل الرجل وجها لوجه، وقد ترددت كثيرا بالذهاب إلى هناك، لشعور خفي بالخطر، إذ لا علاقة لي برجالات الأمن أمثال عبد الله منصور، ولا رغبة لديّ، في التورط مع أحد منهم، حتى بتبادل التحية، لكن الاتصالات كثرت، سيما من عبد الله منصور، بلغة ناعمة وواعدة، أن لا شيء يدعو للقلق، وأنني يجب أن آتي لمقابلته، وهناك، بفندق الأخوة طرابلس، وبعد يومين كاملين من الانتظار، حضرت سيارة مراسم، تعلمني أن العقيد عبد الله بانتظاري، واقتدت لباب العزيزية، الذي لم أكن أعرف، حتى أنه باب العزيزية، لأجدني أمام القذافي بعد ساعات طوال من الاحتجاز.

لم تتجاوز المقابلة، الأربعين دقيقة بالضبط، وهناك، وبعد حديث قصير، تخلله التلويح بالاغتصاب والسجن، طلب ما أعتبره شخصيا، يتعارض مع ثوابتي السياسية والدينية، طلب طلبين منفصلين، أحدهما يتعلق بالسياسة، والآخر بالدين، فأجبته بالجواب الذي لم يكن من الممكن تقديم غيره، ووعدته بالبدء بما طلب، ثم عدت أدراجي لبنغازي، وشرعت من فوري بالتخطيط للهرب من البلاد، وبأقل من شهر، كنت بأمستردام، أطلب اللجوء السياسي.

لم يكن الأمر هينا، انقلبت الدنيا، تحرك عبد الله منصور بقوة، غاضبا من تصرفي، مصنفا إياه في دائرة الخيانة للقائد، وبأنني التحقت "بزمرة الكلاب الضالة"، لكن تدخلات نوري الحميدي لاحقا، لاستيعاب الموضوع، واتصاله بالأستاذ عبد الرحمن شلقم، الذي بعد أن شرح له الأستاذ نوري وضعي، وإنني تركت البلاد رغم لقائي بالقذافي، وإنني أواجه خطرا كبيرا، بخروجي هكذا بلا توضيح، وما قد يجره ذلك عليّ من عبد الله منصور، والمؤسسة الأمنية، تدخل الأستاذ شلقم، محاولا حل الموضوع، بأن أصدر قرارا بتعييني بالخارجية الليبية، وترك لي حرية اختيار المكان، هولندا أو بريطانيا أو غيرها، رغم أنه لم يجمعني به يوما لقاء ما، ولا حتى معرفة، ولا تواصل، فقط قرأ لي روايتي الأولى، عرف بما أثير حولها من لغط، وتصرف بوحي من رغبته باحتواء الموضوع، كيلا أتعرض للخطر، لم يقل ما يمكن أن يقوله أي شخص بموقعه، إن هذا موضوع له ملابساته، وإنه لن يتحمل مسؤولية، تعيين شخص خالف القذافي، ودون حتى أن يعرف، بخطورة ما دار بيني وبين الرجل، وبأن تدخله قد يثير القذافي عليه.

وبهولندا، ثم بمساعٍ من الأستاذ نوري الحميدي، جرى تسوية الأمر، مع عبد الله منصور شخصيا، الذي اتصل بي لاحقا بهولندا، هو والهادي إحديبة سفيرنا ببروكسل، وهو القائم بأعمال الجالية بهولندا وبلجيكا، ليعلماني بقرار تعييني كموظفة، بأي سفارة أحددها، لكنني أيضا رفضت القرار، رغم شكري لموقف الأستاذ شلقم ووقوفه معي، ورغم تدخلات ومساعي الأستاذ نوري الحميدي، ورغبتهما في جعلي أتمتع بأمان، وأقطع على الآخرين الطريق، فيما لو اعتبروني "كلبة ضالة" وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج، لكنني أقنعت الجميع بهدوء، أنني لا أريد العمل مع الدولة، ولا رغبة لي بالاشتغال بأي سفارة أو غيرها، وأنني أرغب بالبقاء بهولندا، وأنني لن أتصل بالمعارضة، ولن أفعل ما يضايق النظام مني، فقبل عبد الله منصور على مضض، وإن كان لاحقا قد لاحقني وضايقني حتى في هولندا، وقد حاولت كثيرا قول ذلك بعد أحداث 17 فبراير، لكنني لم أحصل على فرصة، لذا، سيصدر قريبا إن شاء الله، عمل روائي لي، يتناول كافة التفاصيل، من البداية إلى النهاية، ويتناول لقائي بالقذافي ومشروعه لي، وتصرف المؤسسة الأمنية الليبية معي، وكيف تمكنت بمساعدة الأصدقاء من تجنب كل ذلك.

والآن، أرغب في الحديث عن معمر القذافي الإنسان، قبل أن يكون ذلك الرجل، الذي جلس على رأس هرم السلطة 42 سنة.

كلنا يعلم أين ولد القذافي، وأين عاش وكيف ترعرع، فقد ولد ببادية سرت، بقرية جهنم.

وسرت إجمالا، تغلب عليها البداوة، لمشارفتها على مناطق صحراوية كبيرة ومفتوحة، وحتى إن بنى فيها القذافي، كل تلك المباني والمنشآت الرائعة، والعصرية، واستقدم إليها خبراء العالم، لتزويدها بالتكنولوجيا، فهي هي، مدينة بدوية، وبأحسن الفروض، مدنية يغلب عليها حس الدواخل، لا حس التكوينات الحضارية.

من بادية سرت، حيث تمور الصحراء بالحر، ورياح القبلي التي تلفح الوجوه، وتُدمع العيون، الشمس فيها عمودية، حارقة، تضرب بسياطها الرؤوس، فيرتكس العقل مرتدا، لمراحل تخلقه الأولى، عنيفا وشهوانيا، بيئة جاهلية، لم تقرأ يوما حقوق المرأة، والطفل، ولا تعرف شيئا عن الجاحظ، ولا كتاب الأغاني. من بئية خشنة، عجفاء، يابسة، لا تنبت غير الشوك وبضع نبتات محشرفة، لا تقيم الحياة، تخاف الليل، الذي يأتي إليها بالغزو، والذئاب، وسلب النساء، بيئة مفتوحة، حيث المدى لا يُحد، وحيث لا فواصل ولا حيطان، ولا أقفال، ولا قوانين، ولا حتى رحمة.

يعيش الرجل فيها، لا يعرف تنظيما، ولا يفهم معنى الجماعة، ولا روح الفريق، يخاف المدينة، والمباني العالية، وأصوات الآلات، يزعجه الضجيج، يدفعه لتوقع الخطر، والشعور بالتوتر والعصبية.

بيئة كهذه، تطبع قاطنيها بالغلظة، والقساوة، "ويباسة" الرأس، التي يرون فيها معاني الرجولة والاعتداد بالنفس، تتطرف عندهم القيم والاعتبارات، فالكرم يجاوز حتى الإسراف والتبذير، والإهانة تتطور للقتل، والقتل يورث الثأر، والاختلاف يفضي للاحتراب.

من بيئة مجدبة كتلك، طلع القذافي من جهنم، طلع هو وأبناء عمومته خليفة احنيش، وعلي الكيلاني، أما سعيد محمد راشد خيشة، فقد ولد بمكان لا يقل تصحرا عن سرت، وهي منطقة الشويرف.

التفوا حوله، وأخلصوا له حتى الرمق الأخير، من حياتهم أو حياته، فسعيد راشد، الذي جعل للولاء تعريفا واحدا فقط، هو معمر القذافي، نحر بسكينه، المرحوم عمر المحيشي، الذي قام بانقلاب على القذافي بمنتصف السبعينيات، أما خليفة احنيش، النمّام، فقد أوغر صدور القبائل الليبية على بعضها، وسعى بالفتنة بينها، وعلي الكيلاني، الذي كتب عشرات الأغاني في مدح وتبجيل ابن عمه، وأقام مهرجانات شعرية واستعراضية، بأعياد الفاتح، بميزانيات ضخمة، تغنت للقذافي وبالقذافي، فرض نفسه ولونه ومزاجه على الذائقة الليبية، احتكر لنفسه، بالتقاسم مع عبد الله منصور كتابة الأغاني، وتلحينها، واختيار مؤديها، كما فرض ابن عمه علينا بداوته، وخيمته، وإبله.

تبنى القذافي طوال 42 سنة، عشرات الأفكار، والنظريات، والإيديولوجيات، تبنى أفكارا ثورية، وأخرى رجعية، تحدث كثيرا في القومية، وقدم نفسه قوميا عتيدا، ثم ترك الأمر بعد بضع سنوات، كان تارة حداثويا، وتارة يؤمن بالأصالة، تارة علمانيا، وأخرى إسلاميا، كان اشتراكيا للنخاع، ثم تحول لرأسمالي ورجل أعمال بطرق مختلفة، كان محافظا، ثم تغير وصار منفتحا، ينادي بتحرير المرأة وعمل ثورة على الموروث، لكنه لم يخلص إلا لقيمة واحدة، ولم يحسن إلا تطبيق فكرة واحدة، وبإتقان، إنها البدونة، بدونة ليبيا.

لأنه بدوي، لا يرى للحياة أفقا، أعلى من سقف خيمة، فقد جر ليبيا كلها، بسهولها، ووديانها، وساحلها، وواحاتها، وجبالها، سحبها باتجاه الصحراء، بدل أن يخرج هو من البداوة، ويحمد الله عليها، كما فعل يوسف عليه السلام، حين خر لله ساجدا، إنه أخرج أباه وأهله من البداوة للحضر.

كان القذافي بدوي السلوك، والكلام، والثياب، والعقلية، والخطاب، مهما غلت قيمة ساعته، أو كانت عباءته من حرير القز، وحوله نساء يحرسنه، ومهما جالس من رؤساء أوربيين، يتحدثون لغات غير لغته في جهنم، فهو بدوي بدمه، ونسيجه، بدوي حتى النخاع.

حوّل البلاد لنجع، بل النجع أفضل منها حالا بقليل، فالنجع كبير، يمكن أن نمسك بتلابيبه، ونقول إنه المسؤول، لكن بجهنم القذافي، دخلنا نحن وهو في سباق، من يفسد ليبيا أكثر، نحن أم هو، هو من جانبه أطلق يد من حوله، من الشخصيات في الكتاب وغيرهم، وبعدها يد أولاده، ونحن أيضا، من وصل لمكان سرقه، من كان على قمة إدارة ما أفسدها، واختلس مقدراتها، وهاج الجميع لنهش ما يقدر عليه، وما يسمح به طول يده.

من تلك البيئة، جاء هو وغيره من الصحراء، التقوا جميعا بطرابلس، بالحاضرة، بالمدينة التي يخشونها، ويفاخرون على أهلها الوديعين، بخشونة طباعهم، وشدة عريكتهم.

وأهل المدينة، أيا كانت، تغلب عليهم الوداعة، وضعف الشكيمة، خبروا الاستقرار، عاشوا بظروف هيأت لهم العلم والراحة، يقرؤون ويعملون في تنظيمات، يزدرون البدوي، يتعالون على عقليته، وعدم انضباطه، وفجاجة سلوكه، وبطء استجابته، وجهله بالحضارة.

هناك يحدث الصدام، صدام البدوي في زحفه نحو الحاضرة، وهو يرى كل شيء مختلف عما ألفه وعاشه، المكان غير المكان، المناخ غير المناخ، وأسلوب الحياة المنظم، الثابت والمستقر.

يشعر باختناق في "علب" المدينة، يحن لجلسات الشعر، حول النار في جوف الليل، لا يستوعب المصطلحات، التي يتحدث بها رجل المدينة، عن المواطنة، والمدنية، والدولة، والنظام والمؤسسات، والإدارة، فهو لم يعرف غير الإبل ودلاء البئر، والخيام.

من بيئة كهذه بالتحديد، جاء القذافي، من بطن ضامر من بطون قبيلة القذاذفة، بيت القحوص، البيت الفقير، والوضيع، تزدريه بقية البطون، وتتعالى عليه وعلى نسبه، ولد واحد وسط عدة بنات، أبوه محمد عبد السلام بومنيار، كان أحد جنود وعيون المستعمر الإيطالي، فيما عرف بالباندا، كما ذكر المؤلف، التي استخدمها الإيطالي لملاحقة المجاهدين الليبيين، وقتلهم، ولشدة فقره، وتاريخ أبيه، امتهنته بقية البطون من قبيلته، وعاملته بازدراء، وتعالٍ، ووصل الأمر، باستغلال ظروف الرجل وأسرته، استغلالا ينافي الأخلاق والمروءة، حتى ذاع في بطون القبيلة، أمر استرخاص هذه العائلة، واحتقارها واستغلالها، وإذا أضفنا إلى كل هذا، ما يصر كثيرٌ من الليبيين على ترديده، من أن أمه يهودية، ليضاعف من حجم التعالي والازدراء، والاتهام له بشيء لم يختره، ولم يكن له يد فيه، بسبب النظرة العنصرية من اليهودي ولليهودي، ثم القصة المحزنة التي تتردد كثيرا، وكنت أسمعها مذ كنت يافعة، وهي أن القذافي قد تعرض لاعتداء جنسي، حين استوقف أحد سائقي الشاحنات من مصراتة، ليوصلة لوجهة يريدها، فجن الليل على الاثنين بالصحراء، ركن السائق شاحنته، ونام الاثنان، ثم ما لبث ذلك السائق من مصراتة، أن اغتصب معمر القذافي اغتصابا كاملا.

القذافي ابن تلك البيئة، وتلك الظروف، وتلك الحوادث مجتمعة، يذكر المؤلف بكتابه ص 230، معلومة مفزعة عن الرجل، وهو أن سيدة عربية هي (د.ش)، كانت إحدى "القوادات" ومهمتها استجلاب النساء له، من كل بلدان العالم، كان مسموح لها، بحكم وضعها، أن تدخل حتى غرفة نومه، ففوجئت به ذات يوم عاريا تماما، ومعه أحد أقربائه من القذاذفة، حين يبدو أن القذافي، كان يتقصد ترك الباب مورابا، كي يراه الحرس، والضيوف، لأنه يريد أن يعرف من حوله، ماذا يفعل بالرجال من قبيلته، وذكرت السيدة، أن القذافي لم يبد عليه الارتباك، بقي كما هو، وبقي أيضا الرجل الآخر بالوضع الذي وجدته عليه، ضحك لها "القذافيان"، وطلب منها القذافي "القائد" أن تغلق الباب.

ولعل الجميع استمع للشهادة الصادمة، التي صرح بها عبد السلام النداب، الذي ترك القذافي منذ فترة طويلة، حين جاءت أحداث 17 فبراير، انطلق لسان الرجل من عقاله، وتحدث ذلك الحديث، الذي يصيب أي عاقل بلوثة، قال إن القذافي كان يحب أن "يكسر في عين بعض الرجال عود"، وأنه يحدث أن يضاجع القذافي عائلة بأكملها، الرجل وزوجته وابنته وقد يضاجع ابنه اليافع أيضا.

وقبل أن توجهوا لي سهامكم، وتشتموني على عادتكم، حين أكتب شيئا لا تريدون سماعه، فسأقول الآتي:

أعتقد أن تصرفات الرجل، يمكن أن تُفسر ضمن هذا الإطار، وهو ما يعطيني شخصيا، تفسيرا لحوادث الاغتصاب، التي وقعت بعد 17 فبراير، وهي في الحقيقة حوادث دخيلة على المجتمع الليبي، أعني حالات الاغتصاب، التي وقعت على إناث يوماً، إنما تحدث كجرائم فردية معزولة عن السياق العام للجرائم عموما، فالليبي يربو بنفسه، عن أن يكون نذلا، وخسيسا لهذا الحد، لكنها بعد 17 فبراير، كانت ترتكب بشكل جماعي كبير ومنظم، على يد جنود ليبيين وغير ليبيين، قال موسى كوسا حين أنشق عن النظام، إن آخر كلمات سمعها من القذافي، كانت "اقتلوا، احرقوا، دمروا" اغتصبوا"، ولعل هذه الحوادث، تدلل على رغبة القذافي في معاقبة هذا الشعب وإهانته، كما أُهين هو سابقا، ولتجرأه عليه بعد أربعة عقود.

وهو أيضا ما يفسر عداء القذافي الشديد لمدينة مصراتة، التي يحمل ندبة في روحه بسبب أحد رجالها، وإن كان المؤلِف، فسر شدة المعارك، على وضد مصراتة، لموقعها المهم بوسط ليبيا، وأنه بالسيطرة عليها، يمكن أن تنقسم ليبيا لجزئين، وهو تحليل موضوعي وواقعي بامتياز، لكنني أتحدث هنا عن دخيلة القذافي، بماذا يشعر، وكيف يفكر، وأين يمكن أن يأخذه شعوره بالغضب والمرارة.

في باب العزيزية، كانت مضاجعة الرجال ونسائهم من القذاذفة وغيرهم، تأتي كردة فعل وانتقام من القذافي للذين أساؤوا إليه، وأساؤوا لعائلته حين كان شابا، أراد أن يذلهم كما أذلوه، وأن يهينهم بعمق وضراوة، وأن يداري ذلك الجرح الغائر في روحه، وفي وكرامته، ذلك الجرح الذي أتخيل أنه كان دائما يلح عليه، ويطل برأسه دائما، ليذكره بوجوده، وبأنه لولا وضعه حينها، ومكانته المتدنية، وتاريخ أبيه، وديانة أمه، لكان الجميع احترمه، لابد أن نفسه حدثته أن هذا المجتمع الذي حكمه، مجتمع يجب أن يعاقب بشدة، وأن يقزّم، ويحقّر، ويُضرب في عمق أعماقه، وأن يجرده من مقومات شخصيته، وأن يميع ملامحه ويحيله لحطام، لأنه غير قادر على مغفرة ولا نسيان ما حدث له.

الخلاصة.

أُصر شخصيا، على أننا يجب أن ننظر إلى الأمر ـ حين نريد التعامل مع مرحلة القذافي ـ نظرة كاملة، وموضوعية، وأن ننتقل للزمن الذي جاء منه، ولمكانه، ونجرب أن ندخل دماغه، كي نفهم ونفكك هذه المنظومة البشرية، التي جرّت ليبيا لكل هذا الإفلاس، والبداوة والتصحر.

أصر على فهم شخصية بتلك الضراوة أولاً، لنعرف كيف، ولماذا، ومن أين جاءت كل تلك الضراوة، فقد درست بكلية الحقوق، على يد كبار المتخصصين، بالقانون الجنائي وعلم النفس الجنائي، ليبيين وغير ليبيين، وتعلمت أنني يجب أن أنتقل، للوقت والظرف والحالة، والزمان والمكان وكل الملابسات التي ارتكب فيها المجرم أفعاله، وأجرب أن أكون مثله، وأرى ما يمكنني فعله لو كنت بموقعه، ومع ذلك فالقانون، لا يقول بتبرير تلك الأفعال، كما قد يذهب البعض، طالما أن المجرم يتمتع بقواه العقلية كاملة، لكنه مع ذلك، يضع أمامنا علامة حين كنا طلبة، أنه يجب التعامل مع الفعل كوحدة متكاملة، لا بشكل يعزل الفعل عن الفاعل، والفاعل عن البيئة والظروف والمنشأ.

وإن كان المؤلف، قد تساءل في كتابه عمّن يصنع الدكتاتور، فإنني سأتساءل هنا من كان هو الدكتاتور بالضبط؟

هل كان معمر القذافي؟ طيب القذافي كان رجلاً واحدا فقط، ماذا عن التسعة والثلاثين شخصية التي كانت معه، وقبلها شخصيات كثيرة أخرى؟ وهل التسعة والثلاثون شخصية، قادرة على إحداث كل هذا العطب والدمار، والتخلف، وتركة الفساد، والتخبط، والفوضى وحدها؟ هل نبت أولئك "الأشخاص" ببيئات أخرى، وعاشوا وسط أُناسٍ آخرين، أم ثمة ظروف، أنتجت وأنضجت وهيأت نفسياتهم وتطلعاتهم، ثم تلقفتهم بعد ذلك؟

من يقرأ الكتاب، سيجد نتيجة مزعجة، وهي أن أحدا ليس محصنا، من أن يكون دكتاتورا، أو يدفع بغيره لأن يكون كذلك، فالبدوي الفج، الآتي من ذراري الصحراء، لم يكن أفضل حالا من الليبي المتحضر، الذي خرج من وسط طرابلس، التي ينتمي إليها حتى النخاع، مثل محمود الهتكي، الوصولي الدعي، والذي تراءس المحكمة الثورية "الشكلية"، التي حاكمت الشيخ البشتي رحمه الله، وانتهى الأمر بإعدامه، فتساوى الهتكي مع سعيد راشد، كما أن الليبي القح، أمثال معظم شخوص العمل، لم يختلفوا كثيرا عن الليييين العائدين، فتساووا جميعا مع الأخوين قذاف الدم، والرجل لم يختلف كثيرا عن المرأة، فهدى بن عامر، ليست أفضل حالا من عبد الله السنوسي، والمتدين صاحب الأخلاق والفضيلة، الذي أمضى عقودا في دراسة الدين، مثل أحمد الشريف، تساوى تماماً مع المتهتكة فوزية شلابي، وسارا معا، في طريق التبشير بالقذافي، والتقديم لأفكاره وطروحاته بالدين والحياة، والليبي العربي، لم يختلف عن الليبي الأمازيغي، كأي واحد من هؤلاء جميعاً وسعيد حفيانة، الأمازيغي الانتهازي.

عبر التاريخ، كانت الشعوب قادرة على قتل الأنبياء، كما جاء بالقرآن الكريم، وقادرة على قتل العلماء، والفلاسفة، بنفس الطريقة التي قتلت بها تشاوسسكو، وهتلر والقذافي، والشعوب ليست منفصلة عن بيئتها، وقيمها، وجغرافيتها، وموروثها، وثقافتها.

لا أقول إن الليبيين مسؤولون عما حدث، بل أقول إن منظومة هائلة، من التخلف، والبداوة، والجهل، وتراجع الشعور بأهمية القانون، ترسخت بالذهنية الليبية، والعقلية الليبية، وتكلّبت بتفكيرها ومواقفها وتصوراتها، حتى صارت جزءاً من نسيجها، فجعلت الأمر ينتهي بها إلى التردي في هاوية القذافي، والحقيقة أن خللاً حادا، في منظومة القيم، ممثلة في العنصرية، والنفعية، والجشع، وظروف المجتمع الليبي، الذي لم يختبر فترة طويلة، يلتقط فيها أنفاسه بعد، التخلص من الاستعمار الإيطالي، ليقع تحت الحكم الملكي، الذي وإن كان له مزايا لا تُنكر، إلا أنه أفرغ الشخصية السياسية لدى الليبي، من محتواها، فقطع الطريق على بروز تيارات، حزبية وحياة دستورية، يتفاعل فيها الفرد، مع واقعه ويتدخل فيه، ثم جاء عهد القذافي، ليسود التصحر والجدب، ويسود البلاد مناخ طبقي ومعرفي واقتصادي، أتى على الكثير من القيم، ليضع الليبي اليوم أمام أزمة إفلاس حقيقية، إفلاس في الطرح، في الرؤى، في التعاطي مع المشاكل وسبل العلاجات، في ذيوع هذا الكم من التخوين والتشكيك والنقد المتطاير ونفاذ الصبر، واضطراب الأولويات وتعجل قطف ثمار الثورة، والمتاجرة والتبجح.

لن أقول بأنه لا توجد صفات جمالية رائعة، فلو لم تكن موجودة لما تحرك الشعب، وضحى بأغلى ما يملك، بدمائه وكرامته كي يتخلص من القذافي، وينهي تلك المرحلة إلى اللاعودة، قدم الكثير، وكان شجاعا مقداما، كان صابرا ينتظر النصر، يتقاسم مع إخوته، يمينا وشمالا أقل القليل، كي تتحرك مسيرة الثورة، وكي تتحقق الأهداف، وهي أشياء تجعلني أؤمن بهذا الشعب، وأفتخر به، وبانتمائي إليه، وأحرص على إعادة الثقة، بيني وبينه من جديد، لأقول له أشيائي بحرية وثقة، من أنه الآن قد قطع الكثير، ومازال أمامه الكثير أيضا، لكن منطق الأشياء يقول، إننا يجب أن نحافظ على هذه الثورة، ولا نختطفها، أو نرهنها لممارسات تعيدنا للمربع الأول، وأنه لا بأس من مكاشفة الذات، ومحاسبتها، والاختلاء بها لبعض الوقت، وإظهار الاستعداد فعلا لا قولا، حقيقة لا مجازا، للتغير، ولفهم أننا شخصيا جزء من المشكلة، وجزء أيضا من الحل، وأن التغيير وإن كان صعبا، فهو ليس مستحيلا، وأننا يجب أن نعرف، أننا جزء من معادلة متعددة الأطراف، تتفاعل معا، وتؤثر ببعضها البعض، حتى تفضي بالنهاية، لتحقيق المستوى المأمول، والمطموح إليه من الديموقراطية، والعدالة، والمواطنة، وأن الأمر ليس بتكرار الماضي، ولا بدفنه أيضا، بل بالتفكير فيه، ومحاسبته، وأن الدكتاتور قد يكون رجلاً، وقد يكون امرأة، وقد يكون هو الفقر، والظلم، والطبقية، والجهل، والبداوة، والجشع، والخوف، والعنصرية، وأننا حين ننمي مجالا معرفيا محترما، يدير الاختلافات بيننا في اللغة واللون والعرق والجنس، ونخلق مجتمعا صحيا، يكون فيه الشعب واعيا لمسؤولياته، فإنه سيقطع الطريق بكل تأكيد على الماضي، كي لا يُستعاد من جديد.

Advertisements

One response to “من يصنع الدكتاتور؟

  1. Abdulhamid مارس 31, 2012 عند 2:10 م

    مقال رائع مختصر مفيد لكل من لم يستطع قراءة الكتاب كاملا….فشكرا للأخت وفاء على مجهودها الذي أتمنى أن ينال بقية المطبوعات التي ظهرت خلال الأشهر الماضية حول ما يماثله من مطبوعات و التي لا تقل أهمية عن هذا المؤلف….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: