هيكل الصحفى التائه وسقوط الأقنعة

كتب :أسامة عبد الرحيم البشيرى

مما لاشك فيه ان هيكل يعد واحدا من اشهر الكتّاب بالعالم العربي وبل فى العالم اجمع على مدى العقود الماضية وذلك لما تتميز به كتاباته من تفاصيل دقيقة وأسلوب شيق يشد القارئ ويبهره واختيار موفق للعناوين والمواضيع وطريقة فريدة فى التحليل والاستنتاج وهو من الكتّاب القلائل الذين يكتبون بأسلوب ادبى شيق يجمع بين الادب والسياسة وهو أسلوب جديد من النادر ان يتقنه احد.

واستفاد هيكل كثيرا من خبرته الطويلة منذ ان بدأ كصحفي فى صحيفة(الاجيبشان جازيت) وهى صحيفة بريطانية تصدر فى مصر ثم انتقل الى مجلة آخر ساعة وبعدها الى روز اليوسف التى كتب فيها مقال بعنوان(انه الفاروق)وقد مجّد فيه الملك فاروق ونافقه ثم اتبعه بمقال آخر بعنوان(فى يوم عيدك يامولاى) والمقالين يعتبران قمة فى النفاق والتقرب من رأس السلطة.

ثم انتقل بعدها الى صحيفة اخبار اليوم الى ان تربع على صحيفة الاهرام وهى اعرق واقوى صحيفة مصرية واستفاد من علاقته بعد الناصر واتيحت له فرص وهوامش حرية لم تتح لغيره فى ظل نظام قمعي دكتاتوري كنظام عبد الناصر.

وقد غطّى حروب كثيرة بداية بحرب العلمين التى جرت وقائعها فى مصر، ثم حرب فلسطين سنة 1948 الى الحرب الاهلية باليونان الى ثورة مصدق بإيران،ثم انقلابات سوريا وصراعات تركيا بين العلمانيين والإسلاميين.

كما انه قارئ نهم للتاريخ والأدب والشعر بالإضافة الى موهبة الكتابة ومرونة ونفاق أيضا وبهذا كله استطاع ان يصبح واحد من اشهر الكتاب فى العالم والدليل كتبه التى تترجم الى العديد من اللغات وقرّاءه الكثر.

لست بصدد الدعاية لهيكل او الدفاع عنه الا اننى اختلف معه كثيرا فى مواقفه ومبادئه مع احترامى الشديد له ولمكانته وثقافته.

ان اقل وصف قد ينطبق على هيكل هذه الفترة هو الصحفي التائه وذلك استعارة من عناوين احد كتبه وهو العربى التائه الذى شخّص فيه هيكل حالة الانظمة العربية المتآكلة ومصير المواطن العربى وهانحن اليوم نشخص حالة هيكل الذى اصبح يعيش منفصلا عن الواقع فهل انقلب السحر على الساحر.

قد أصبحت أرائه تثير غضب الكثير حتى من متابعيه ومحبيه وهو الذي قرّر الاستقالة من الكتابة والتقاعد وذكر الأسباب فى كتابه الشهير استئذان فى الانصراف رجاء ودعاء وتقرير ختامى وياليته أوفى بوعده وصمت وحفظ ماء وجهه وتاريخه الا انه ابى ولم يستطع الابتعاد عن الاضواء وقرر العودة باى شكل.

واكثر مايثير التساؤل حول هيكل هو اتخاذه جانب الصمت تجاه شخص او قضية ما وذلك حين يكون الكلام واجبا،ثم نجده ينطلق ليتحدث ويملأ الدنيا ضجيجا بعدما يختفى الاشخاص او تنتهى الاحداث وعندما يصبح الكلام تزّيدا فقط.

فهيكل كان على خلاف مع السادات ولم يتكلم عندها وعندما اغتيل السادات تكلم بقوة وكتب كتابه الشهير خريف الغضب،قصة بداية ونهاية عصر السادات،وقال انه ليس موجه ضد شخص السادات بل ضد نظامه وفترة حكمه وعندما تقرأ الكتاب وتتمعن فيه ستدرك ان الكتاب هجوم عنيف على السادات وانتقام منه وتشويه لصورته وهناك بعض التجني على السادات ولا أدافع عنه فقد كانت له أخطائه وهفواته.

ولماذا لم يكتب هيكل عن هذه الاخطاء عندما كان السادات حيا،ومااشبه اليوم بالامس فهاهو هيكل يكتب كتاب جديد على مبارك وقد تعهّد، بعدم العودة للكتابة ولكنه لم يقاوم غريزة الانتقام والتشفي من الاشخاص بعد ان ينتقلوا من دائرة الضوء الى دائرة الظلام سواء بالاغتيال كما حدث مع السادات او بثورة شعب كما حدث مع مبارك.

كما ان تصريحات هيكل المثيرة والغير مسؤولة عن الضربة الجوية ايام حرب اكتوبر غريبة وغير صحيحة،وقد ناقض هيكل نفسه فقد ذكر فى احد كتبه ان الضربة الجوية كانت منسقة وفعالة،ولها دور فى اقتحام خط بارليف ودك مواقع العدو.

وإسرائيل نفسها اعترفت بقوة سلاح الجو المصري وبسالة طياريه وليس مجرد كذبة لرفع المعنويات كما قال هيكل مؤخرا، ولازلت اذكر ماذكره فى احد كتبه والحوار بين الطيار الاسرائيلى الذى اسر وبين مبارك قائد سلاح الجو وقتها وكيف سأل مبارك الطيار الاسرائيلى مالذى حدث لكم وردّ الطيار انتم الذين تغيرتم،فهل نسى هيكل ذلك ام ان كلام الليل يمحوه النهار وهذه التصريحات تعد استهانة بالعقل العربى.

و لماذا لايكتب عن عصر عبد الناصر ومافيه من اخطاء ولماذا هادن عبد الناصر ونافقه حيا وابتعد عن نقده بعد وفاته، كما فعل مع آخرين وخصوصا ان مساوئ عهد عبد الناصر كثيرة.

فقد سجن وقتل وعذّب الكثيرين واطلق ايادى مجرمين امثال صلاح نصر وحمزة البسيونى لقتل وتعذيب وترويع الشعب المصرى، وقد كان واجبا على هيكل ان يتكلم عن ذلك لأنه يعد شريك فى حكم عبد الناصر ان لم يكن بالسلطة فبالتدبير والتنظير.

ولماذا لا يكتب يوما ضد القذافى وظلمه وجبروته مع انه كان يعرفه وكان يعرف علاقته بعبد الناصر وكيف ساعد عبد الناصر القذافى فى انقلابه وتثبيته فى الحكم وكيف خدع الملك ادريس لاجل عيون القذافى وهيكل نفسه زار القذافى في بنغازي بعد انقلابه مهنّئا وناصحا له، وكان مندوب عبد الناصر الي القذافى وهذا ما ذكره هيكل نفسه فى احد كتبه.

وكنت اتمنى من هيكل ان يكتب على القذافى ويفضحه ولديه المعلومات والقدرة على تحليل شخصية طاغية بحجم القذافى عجز الكثيرون عن تحليلها وسبر أغوارها بالإضافة الى أسلوبه الرائع المقنع وتحليله الجميل واسمه المعروف سيكون فى صالح الثورة الليبية وفضح طاغيتها.

لكن للاسف ولاسباب غير مفهومة نجد هيكل كان ضد ثورة الشعب الليبى ولم ترق له وكان داعما للقذافى معتقدا انه زعيم وقائد قومى وكأن لسان حاله يقول ايها الليبيّون انتم لاتستحقون الحرية وليقتلكم القذافى.

وقد وصلت به الدرجة الى وصف الثورة الليبية بالمؤامرة وان الغرب تآمر على القذافى وتكلم عن خطر القاعدة مرددا كلمات القذافى وابنه سيف وقال ان اغلب قبائل ليبيا مع القذافى وانتقد تدخل الناتو و قال ان الذين قاتلوا مع القذافى قاتلوا لاجل الوطن وليس لاجله .

وهذه تحليلات خاطئة فى جملتها وتنم عن عدم معرفة بالواقع الليبي،فالثورة لم تكن مؤامرة والشعب الليبي انتفض قبل تدخل الناتو وهو من اجبر العالم ان يتبنى قضيته العادلة وثبت عدم وجود للقاعدة فى ليبيا ولم يكن هناك احد مع القذافى سوى اتباعه وازلامه ومن غرّر بهم وقاتلوا طمعا او عن جهل او اكراها.

ولا يدرك هيكل ان ليبيا عانت وتعبت بسبب طاغية مجنون كان بامكانه ان يكون مثل زين العابدين وان يكون عاقلا ويذهب الى المنفى بغير رجعة ولكنه ابى الا تدمير ليبيا، فيا سيدى هيكل لاتلم الشعب الليبى الذى تحّمل 42 عاما من القهر والظلم والعذاب وعندما انتفض حاول الطاغية إفناءه .

لقد كبر هيكل ويبدو ان خرّف وعليه ان يستريح وان يقضى باقى عمره متأملا بدل ان يسئ الى نفسه وغيره وحتى حلقاته فى قناة الجزيرة تبدو مجرد سرد تاريخى من وجهة نظره لاطائل منها ويبدو تائها مرهقا يبحث عن دور فى الوقت الضائع وينتقل من موضوع لآخر ويتعب المشاهد معه.

كما ان هذه الحلقات انتقائية لتلميع صورته وخدمة مصالح قناة الجزيرة ولماذا لايتكلم عن الدور القطرى المريب فى بعض قضايا الامة العربية وعلاقتها بإسرائيل وهو الصحفي اللبيب ولديه معلومات بحكم مكانته وعلاقاته ومصادره الجيدة.

هيكل مازال يعيش فى عصر الخمسينيات والستينيات ايام القومية العربية الزائفة التى لم تحقق شئ ولازال تائها فى ذلك الزمن الغابر لايستطيع التحرر منه وبناء على ذلك يبنى افكاره وتحليلاته القومية ويتبنى نظرية المؤامرة الغربية التى تريد ان تلتهم العرب وتتآمر على زعماء امثال القذافى لانه قومى حسب رأى هيكل.

و فى نظره ان تدخل الناتو فى ليبيا مؤامرة وكان يجب ترك بنغازى تدمر عن بكرة ابيها وان يباد نصف الشعب الليبى لاجل الزعيم والقائد واعتقد ان هيكل سيبنى نفس الفكرة عن الثورة السورية باعتبار الاسد قومى وممانع فى نظره.

وعموما لم يرق الربيع العربي لهيكل ولم يعجبه ولسان حاله يقول ليت الطغاة بقوا بدل ان يتآمر علينا الغرب ونسى ان هؤلاء الطغاة اكبر مؤامرة يجب التخلص منها وقد تم ذلك فعلا،وأتمنى من هيكل ان يكون واقعيا وان يحفظ ماء وجهه وان يبقى على مكانته بين الشعوب العربية كبيرة وان يقل خيرا او يصمت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: