شجون فيدرالي : إما أن ترضوا بالهيمنة والاستعباد وتقروا بهما عينا أو أنتم خونة ومتآمرين وخارجين عن الدين .

no-talking-in-class

كتب : فريد صالح آدم

في البداية أقول رحم الله الرجال الشجعان الأبطال الذين استشهدوا في نضالهم ضد القذافي وأزلامه وجزاهم الله عنا خيرا ، وأود أن أؤكد على نقطة رئيسية وهي أنني أتحدث عن نفسي كإنسان يعيش على بقعة من الأرض تسمى برقة ، وتحديداً في مدينة البيضاء . ولأبرهن على موضوعيتي فإنني أؤكد على أن ما أود أن أبوح به من شجون ليس وليد اللحظة ، بل هي أفكاري ومبدأي الذي أقتنع به قناعة راسخة قبل قيام ثورة السابع عشر من فبراير بأحقاب مديدة ، وكانت الدافع الرئيسي وراء مناصرتي للثورة حتى قبل أن تندلع . لقد كنت من المؤمنين بالرجوع إلى ليبيا إلى ما قبل مؤامرة محمد عثمان الصيد في منتصف ليل الاربعاء ، الخامس من ديسمبر 1962 ، وكان هذا هاجس يتملك عقلي وجميع حواسي ، ولا أرى عنه بديلا للتخلص من الهيمنة التي وصلت إلى حد الاسترقاق والاستخفاف والاستهزاء . لقد كنت أشعر بالذل والهوان حتى النخاع ، عند صدور دعوات على شبكة الانترنت للانتفاض على حكم القذافي لم يخالجني الشك أن المستجيبين لهذه الدعوات سيقتصرون فقط على أهل برقة ، ولكن عندما قام بعض أحرار الغرب الليبي بالانتفاض في وجه القذافي ، رقق هذا الموقف النبيل المؤازر من نفسي ، وسكتت عني بعض المشاعر القديمة ، ولكن ظل ما أراه حقاً إيماناً راسخاً في نفسي .

وإنني أعتقد أن خروج بعض المناطق الغربية من ليبيا كسوق الجمعة والزاوية على نظام القذافي كان في الأساس انتفاضة ضد الظلم والطغيان والاستخفاف ولم يكن انتفاضة برقة بالكامل ضد القذافي سوى عاملاً مساعداً . وإن المسألة في الأساس هي تقاطع للمصالح فلا يمنن أحد على أحد .

إن ” الثورة ضد القذافي لا تحتاج إلى دعوة على موقع الفيس بوك ” كما يقول الكاتب الصحفي جهاد الخازن . وإن خروج الأحرار في المناطق الغربية لم يكن مبعثه خروج أهل برقة فقط ، ولكن لأن قضية الخروج كانت قضية حق ضد باطل ، وقضية حرية ضد عبودية ، وقضية إيمان ضد زندقة ، وقضيتهم هم أنفسهم أيضاً بالدرجة الأولى .

وأقول إنني عندما أطالب بحقي فأنا لا أغمط الناس حقوقهم ، وعندما أطالب بالفيدرالية فأنا لا أدعو إلى إهدار دماء أهالي سوق الجمعة والزاوية وإزهاق أرواحهم ، وإن صيحة الحق والأخوة التي انطلقت في سوق الجمعة والزاوية لن تكون قيداً يكبلني ونيراً يستعبدني إلى يوم الحشر . وأقول لكم أنا العبد الفقير إلى رحمة الله ، وهذه شهادة أقف بها بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم تقوم الأشهاد إن الكثيرين من أهل برقة لو تمكنوا من الوصول إلى الزاوية قبل يوم الاربعاء التاسع من مارس من عام 2011 لفدوا مسجداً وأجداثاً بأموالهم وأنفسهم .

الآن عندما بدأ بعض البرقاويين بالمطالبة بالفيدرالية ، وهم في نفس الوقت يدعون إلى فيدرالية لا مركزية تجنباً لتاريخ من التهميش والتسخيف والتجريف دام أكثر من 42 عاماً ، بدأ الجميع بالتشكي من التهميش الذي عانته مناطقهم طيلة حكم القذافي . إن برقة لم تتعرض للتهميش فقط ، بل تعرضت للتهميش والتجريف والتجريد من السلطات ، ولم تكن سياسة التجريف هذه وليدة انقلاب الأول من سبتمبر 1969 ، بل منذ تحقيق محمد عثمان الصيد لمكيدته الكبرى في السادس من ديسمبر 1962 . لم يكن ما بدأه الإنقلابيون بحق برقة بعد استتباب الأمور بأيديهم إلا تكملة لما دبره محمد عثمان الصيد وأيده عليه فاضل بن زكري ورفضه والي برقة محمود بو هدمة .

منذ الأيام الأولى لحكم القذافي وزمرته وتسلطهم على رقاب الليبيين ، حتى بدأت عملية اجتثاث لرجال برقة وخاصة العاملين منهم في الجيش والشرطة ، والزج بالمئات منهم في السجون ومن بينهم الشيخ عبدالحميد العبار الذي رافق شيخ الشهداء عمر المختار في مسيرته النضالية ضد الاستعمار الإيطالي ، ولم يكن القذافي ينفذ هذه السياسية بمفرده ، بل بمعونة أشخاص من المنطقة الغربية يمثلون اتجاها ومنهجا من أمثال مصطفى الخروبي ، وعبدالسلام جلود ، والخويلدي الحميدي ، وبلقاسم القانقا ، وعلي الفيتوري ، والمهدي العربي وغيرهم . وتمت تصفية آدم الحواز ، وأمحمد المقريف ، وموسى أحمد ، وحسب رأيي المتواضع فإن هؤلاء لم يكن ما لحقهم جزاء سنمار بل هو جزاء مجير أم عامر . وعندما خلا للانقلابيين الجو باضوا وأصفروا ، وخلف في برقة من بعد رجالها الأوائل خلفاً أضاعوا مكتسبات الآباء والأجداد وتضحيات الشهداء الذين سقطوا في مقارعة الإيطاليين الغزاة ، وفي معتقلات برسس والعقيلة والبريقة وفي الهجرة إلى أرض الوصيلة ، ولم يهتم هذا الخلف الممسوخ إلا بمصالحهم الشخصية الضيقة كأن يحصل أحدهم على سيارة ، أو يخرج آخر مع وفد إعلامي للمشاركة في مؤتمر ثقافي في بلد مجاور ، أو يعين آخر موظفاً في سفارة ليبية في إحدى الدول الأفريقية، وأصبح معظم المتصدرين للموقف البرقاوي من حملة العسل لسادتهم وأولياء أمورهم في طرابلس .

منذ الأيام الأولى لانقلاب عام 1969 ( أو ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ) ، لم تتعرض برقة للتهميش فحسب كما يقال ، بل تعرضت للتجريف والتجريد ، فنقلت الكلية العسكرية ، وكلية الشرطة ، ووزارة النفط من بنغازي إلى طرابلس ، وألغي معهد النفط في طبرق ، وألغيت جامعة السيد محمد بن علي السنوسي في البيضاء . وبلغ الحد بالعنصري القاتل عبدالسلام جلود التصريح ذات مرة جهاراً نهاراً أنه لو كان بالإمكان نقل المدينة الرياضية في بنغازي لقاموا ببيعها ، وصرح بعد ذلك بتصريحه الفاشستي الشهير بأن جوال الدقيق يساوي في نظره أكثر من ستين مصري .

ومنع إقامة مطار دولي في بنغازي كانت حكومة المملكة خططت لإقامته مع مطار طرابلس ، وظل مطار بنينا عبارة عن براكة كما يقولون ، ولكن براكة ( كوخ ) محدودة الصلاحيات فاقتصرت الرحلات التي تسيرها براكة بنينا الدولية على رحلات إلى الكفرة وطرابلس وفي بعض الأحايين إلى سبها ، بينما مطار وقاعدة الأبرق الجوية تدنت لدرجة كان من المفترض أن تخصص للطائرات الشراعية والطائرات الورقية التي تتخذ في العادة أشكال التنانين . وحول مينائي طبرق ودرنة إلى حوضين للسباحة .

واستهدفت برقة في الصميم حينما نشر وباء الأيدز بين أطفالها

وأصبح جثمان عمر المختار وضريحه هدفاً يستهدف كرمز يمثل برقة ، ولما أُعتدي على جثمانه رحمه الله وسكت أهل برقة وحتى أبنه عن هذا الاعتداء الأثيم ، قال المعتدون ما الضير في أن نهدم الأثر ؟ وقال أهل برقة وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها ؟ وهدم مقر نادي الأهلي ببنغازي وكسرت كؤوسه وميدلياته

وفي مجال بسيط من مجالات الحياة ، وهو مجال الرياضة ، تعرضت أندية برقة الرياضية إلى ظلم صارخ لا يقبله عقل ولا يقره منطق على أيدي المتحكمين في الاتحادات الرياضية العامة واللجنة الأولمبية ، ولم تكن السياسة التي أتبعها الاتحاد العام العربي الليبي للشطرنج برئاسة خالد النعمي وحاشيته تشذ عن هذه القاعدة فقد قام خالد النعمي بالسلب والنهب ، عندما أستحوذ على اشتراكات الأندية الرياضية السنوية التابعة لشعبية الجبل الأخضر ، وحرم أندية شباب الجبل ، والمنار ، والقيروان من الدعم المالي السنوي لعام 2009 ، التي تمنح للأندية المسجلة لدى الاتحاد العام والتي لها مشاركة فعلية في المسابقات التي ينظمها الاتحاد ، وفرض نوعاً من الجزية كان المشتركون في المسابقات والبطولات التي ينظمها يدفعونها له وهم صاغرون في الوقت الذي كان القائد والد صديقه العزيز وولي نعمته محمد يقول : الرياضة للجميع .

لقد جعل النعمي بسياسته العنصرية المقيتة تلك من الاتحاد الفرعي للشطرنج بشعبية الجبل الأخضر كياناً خالياً تماماً من الدسم، ليس له أي مورد مالي بعد استحواذه على اشتراكات أندية الشعبية ، وبعد أن خذله مجلس الرياضة بالبيضاء خذلاناً مبيناً . وفي خضم أحداث ثورة السابع عشر من فبراير عندما كانت المنطقة الغربية ترزح تحت الاحتلال ، كان شطرنجيو مدينة البيضاء يقارعون كتائب القذافي في بن جواد وفي مقدمتهم الشهيد سعد صالح عيسى بوحليمة ، الملقب بـ (شوشو) ، والشهيد عبدالحكيم سعد العشيبي الملقب بـ ( العَورْ ) الذي واجه مرتزقة خميس في يوم الخميس السابع عشر من فبراير من عام 2011، في معركة سوق الحوت بالبيضاء ، ولم يكن يتسلح بشيء سوى بكلمة الله أكبر ، رحم الله الشهيدين وأسكنهما فسيح جناته .

في تلك الأيام وبينما كانت أنفس شطرنجيو مدينة البيضاء الذين طالما أبتزهم خالد النعمي وحاشيته تتساقط أنفسا ، كان النعمي عاكفاً على تنظيم مسابقة للعب الشطرنج في مدينة طرابلس تحت شعار الوحدة ، ولسان حال المجاهدين يقول له :

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ………. لعلمت أنك بالعبـادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه ………. فنحورنا بدمائنـا تتخضب

ريـح العبير لكـم ، وعبيرنــا ………. رهج السنابك والغبار الأطيب

ثم جاءت حادثة يوم الأحد بتاريخ 12 يونيو من عام 2011 ، عندما جاء كيرزان إليومجينوف ، رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج إلى طرابلس ، ولعب دور شطرنج مع العقيد معمر القذافي بحضور أبنه محمد في إطار حملة دعائية لإظهار الروح المعنوية العالية التي يتمتع بها قائد النصر والتحدي . في هذا اليوم بالذات دفن الشهداء السبعة الذين عثر عليهم في مقبرة جماعية بمنطقة الزويتينة ، وأستشهد سبعة ثوار من كتيبة ( أحمد الشريف ) وأصيب سبعة آخرين أثناء حمايتهم لحقل السرير النفطي ، وأستشهد اثنين وعشرين من الثوار في معارك مع كتائب القذافي في البريقة ، وأستشهد ثمانية من الثوار وأصيب العشرات في الزنتان ، كل هذه المجازر تحدث والحرائق تنشب في ليبيا ، والقذافي يلعب الشطرنج مع كيرزان إليومجينوف . لقد أعاد التاريخ نفسه بقدرة مذهلة ، فما فعله القذافي في يوم الأحد 12 يونيو من عام 2011 ، فعله نيرون لروما في ليل الثلاثاء 19 يوليو 64 م وهو يعزف القيثارة . فهذا أحرق ليبيا وهو يلعب الشطرنج وألقى باللائمة على الصليبيين وعملائهم الخونة ، وذاك أحرق روما وهو يعزف القيثارة ، واتهم المسيحيين بذلك .

إن هذه الحادثة بالذات إضافة إلى نهب خالد النعمي وبطانته لاشتراكات أندية الجبل الأخضر السنوية ، ومنعه الدعم المالي لعام 2009 عن أندية شباب الجبل والمنار والقيروان ، أمرٌ يجب أن يسأل عنه هو ومعه اللجنة الأولمبية كافة على ما كسبت أيديهم من ظلم واستهانة . وإنني إذ أقف أمام التاريخ هنا ، أقول إننا في مدينة البيضاء في الوقت الذي تصدينا فيه لخالد النعمي وسياسته العنصرية المقيتة قبل نحو عام من قيام ثورة السابع عشر من فبراير و قلنا له بالحرف الواحد : “أنه لا يشرفنا الانضمام إلى اتحاد أنت رئيسه ” ثم أعلنا انشقاقنا عن ليبيا بعد ذلك ، وأننا دولة أخرى تماماً . وأقسم بالله العظيم أن هذا هو ما حدث فعلاً ، ولكن كما كان للقذافي أزلاماً في كل مكان من ليبيا فقد كان لخالد النعمي ذيولاً في برقة ، كانوا يطعنوننا من الخلف .

وأصبحت برقة أهون على أهلها من قعيس على عمته

لقد وجه هذا الواقع أفكاري وجعلني رافضاً لهذا الوضع المقيت ، ولم يكن لدي أدنى قدر من الوطنية التي أضحى مفهومها لدي هو تحكم أبناء إقليم طرابلس وبعض من إقليم فزان بمقاليد الأمور وهيمنتهم على جميع مفاصل الحياة ، واستئثارهم بكل شيء بما في ذلك الوظائف بالسفارات الليبية في الخارج ، وقرارات الإيفاد للدراسة في الخارج ، والمصانع الهامة والإستراتيجية ، والكليات العسكرية ، ومقرات الشركات الكبرى …

ومن أغرب الشواهد حول هذه النقطة ما شاهدته ذات مرة ، إبان أحداث ثورة السابع عشر من فبراير على إحدى قنوات التلفزيون الرسمي ، وهو قيام أحد ضباط كتائب القذافي بإلقاء كلمة على ما سماه بالجيش اللالكتروني ، حيث قام الضابط بشكر الإعلاميين على مجهوداتهم في خدمة الوطن وقال موجهاً حديثه للإعلاميين أنهم جيش لا يقل خطورة عن الجيش المقاتل في ساحات الوغى ، ثم قال إنه في الماضي لم يكن لدينا وطنية (يقصد شعور بالوطنية ) أما الآن ومع ما تتعرض له البلاد من هجمة من قبل حلف الناتو فقد تولد لدينا شعور بالوطنية ، ونحن نقاتل حسب جهدنا .

لقد شدني هذا الكلام وتوقفت عنده ملياً ، وأدركت أن تصريح ذلك الضابط لم يكن يختلف عما شعرت به وصرحت به مراراً وتكراراً منذ زمن بعيد ربما مع اختلاف بسيط في مفهوم الوطنية بيني وبين الضابط المذكور .

إن الوطنية ليست استحقاقاً أو واجباً على المرء الوفاء به، ولكنها شعور يتولد حين تتحقق المواطنة وتتجلى أثارها ، وحين يتحقق العدل وتنفذ مقتضياته ، وحين تتحقق الديمقراطية وتطبق رسالتها ، وحين تتحقق الحرية ويصبح الناس أحراراً كما ولدتهم أمهاتهم ، فلا تطلبوا مني أن أكون وطنياً عندما أظلم في ما يسمى وطني بطريقة صارخة فاقعة ويستهان بي . عندئذ ما يسمى بوطني ليس عزيزاً ، ومن يدعون أنهم أهلي ليسوا كراماً .

لقد عرفت أحد الأحرار ، وهو قد يكون أحد الليبيين القلائل في العالم الذي كان يصرح على الملأ قبل قيام ثورة السابع عشر من فبراير بأحقاب مديدة بأن ليس لديه أدنى قدر من الوطنية لأن الوطنية التي كانوا يودون إفهامه إياها ، هي أن نضحك عليك باسم الوطن الواحد وأن يكون لديك الرضا والتسليم والتعايش مع ضحكنا ملء الأفواه وقهقهتنا عليك .

لقد كنت خلال أحداث ثورة 17 فبراير أتابع قنوات الليبية والجماهيرية والشبابية التلفزيونية ، وأتمتع كثيراً بمشاهدة برنامج ( نداء ليبيا) الذي قدمه الدكتور حمزة التهامي ، ومداخلة طارق التائب الشهيرة مع برنامج (ليبيا هذا اليوم ) الذي قدمته المذيعة هالة المصراتي في يوم الأحد ، بتاريخ 21 مارس 2011 ، ولم يكن تمتعي بمشاهدة هذه البرامج راجع فقط للجانب الهزلي الذي تتسم به ، بل استقراءً واستنباطاً لفكرة سائدة عن برقة وأهلها لدى أهل إقليم طرابلس أو ترويجاً لفكرة ما كخريطة حمزة ذات الألوان الخضراء والحمراء والسوداء التي جعل فيها إقليم فزان مجاوراً للسودان ومصر والتي أعاد محمد عمر حسين بعيو نشرها ولكن بإضافة لوناً آخراً إليها وهو اللون الأصفر ، كما أن طارق التائب لم يجد بينما كان أهله في القلعة يعانون الأمرين ما يعيب على مصطفى عبدالجليل بالإضافة إلى شخصيته وشكله ، سوى طاقيته الحمراء .

( لابس طاقية حمراء ، أنت هذا بنحطه رئيس ؟ والله إلا عيب أهوا ، عيب . هذا عيب ، والله عيب . هذا حتى شكله . هذا شخصية ؟ هذا رجله للبره ورجل فالقبر أهوا . هذا بيحب ليبيا ؟ أنت عيب هذا يشدو ليبيا . ) طارق التائب في مداخلة له من تونس مع برنامج " ليبيا هذا اليوم " على قناة الليبية الاثنين ، 21 مارس 2011.

إن الأفكار السائدة Stereotype لدى الجماعات لا تكون أكثر وضوحا وأشد صراحة منها في اللحظة التي يعبر عنها على لسان الأطفال أو المخبولين أو قليلي الأدب ، في تلك اللحظة بالذات تصبح الأفكار السائدة مسموعة ومرئية وملموسة .

وأود أن أؤكد في هذا الصدد على نقطة هامة وهي إن خريطتي حمزة وبعيو ليستا محاولتين آتيتين من الفراغ ، أو أنهما رسمين استخدما فيهما الألوان كيفما أتفق ، ولكنهما تزويراً غبياً للتاريخ ، واعتداءً فاضحاً على الجغرافيا ، وتجسيداً حياً للنوايا الجشعة المهيمنة ، فشرعية الأمور لا تتحقق بالنوايا والرغبات وإنما بما يدعمها من حقائق ووثائق وكتب وتاريخ وعالم بكامله يشهد بصحتها وصدقها . إن السكوت عن هذه الأباطيل هو بمثابة الرضى بها ، فيبدو الآن أننا الآن أمام جغرافيا جديدة ترسم وتعديل جديد للتاريخ يحدث بعد 49 سنة من تعديل الدستور الليبي في تلك الليلة المشئومة .

( الاعلام الرسمي إعلام متخلف . أنا كتبت عنه منذ أيام ، ونأخذ منه موقفاً جميعاً . هذا إعلام طبال . هذا ليس إعلام حقيقي .لكن أيضاً أقول لكم أن في الشارع الليبي كثرة تؤيد القائد عاقدة عليه أملاً أخير . هو صاحب الحل والربط الآن ، هو صاحب التاريخ الذي يستطيع أن يتدخل ليوقف عنف هذه الإدارة وسفهها ، وأن يغير وأعتقد أنه سيغير ، وأن الشباب الذين أحتواهم مشروع سيف الإسلام في الإمكان تحويلهم إلى قوة إصلاحية حقيقية بدل أن ينزلوا للشارع ليدمروا بلادهم وليخربوا لا سمح الله ) مداخلة لمحمد بعيو من طرابلس مع قناة الجزيرة – الاربعاء ، 16 فبراير 2011.

فلنبدأ بوضع الأمور في نصابها ، وليبدأ بعيو برسم الخرائط كما ينبغي أن ترسم ، ولنبدأ بتصحيح المفاهيم الجغرافية الخاطئة التي ينشرها المتطرفين ، ولنبدأ بالكف عن نشر البطاقات الشخصية التي تثبت أن معمر القذافي هو عربي قبل أن يكون ليبي . وباختصار شديد ( فليبدأ بعيو بأسلمة المتطرفين ) ، وليتوقف القذافي عن أسلمة أوروبا .

وفي يوم الثلاثاء ، بتاريخ 6 مارس من عام 2012 ، أجتمع بعض البرقاويين في مصنعٍ للصابون بمنطقة الكويفية ليكللوا حراكهم السياسي الذي أمتد طيلة الأشهر الماضية والمنادي بتطبيق مبدأ الفيدرالية ، بإعلانهم برقة إقليماً فيدرالياً ، استباقاً لما سيجري في الأشهر القادمة من تشكيل لمؤتمر وطني عام تكون فيه نسبة تمثيل إقليم طرابلس إلى النسبة الكلية لليبيا هي 102 : 200 . لقد كان هؤلاء يخشون من أن نير العبودية الذي وضع على أعناقهم طيلة الاثنين والأربعين سنة الماضية بالاستبداد والطغيان ، سيوضع على رقابهم من جديد ، ولكن هذه المرة بأغلبية الثلثين التي تنص عليها المادة 30 من الإعلان الدستوري . إن ما قام به هؤلاء هو محاولة لتصحيح ما قام به محمد عثمان الصيد عندما تآمر حتى عدل الدستور الليبي في منتصف الليل لإلغاء النظام الاتحادي في جمع من نواب برقة لا يعرفون الفرق بين الفيل والفيدرالية .

إننا في هذه الأيام نسمع كثير من الثناء والترحم وخاصة من سكان إقليم طرابلس على الملك إدريس السنوسي لقيامه بتوحيد ليبيا ، وإلغائه للنظام الفيدرالي ، وأود في هذا المقام أن أطرح سؤالاً ملحاً على عقلي ، وهو أنه طالماً كان للملك إدريس السنوسي دوراً كبيراً في توحيد ليبيا ، لماذا هذه المعارضة الشرسة لذكر أسمه في النشيد الوطني من قبل سكان إقليم طرابلس ، وبناءً على هذه المعارضة حذف أسمه كليةً من النشيد ؟

حي إدريس سليل الفاتحين ………. إنّه في ليبيا رمز الجهاد

حمل الرايات باليد اليمين ………. وتبعناه لتحرير البلاد

فانثنى بالمجد والفتح المبين …… وركزنا فوق هامات الجهاد

راية حرة ظللت بالعز أرجاء الوطن

إنني الآن كلما أسمع هذا الثناء على الملك إدريس السنوسي ، الذي وصف في الماضي بالخيانة ، واتهم بمحاولة تفتيت البلاد كلما أدركت أن هذا الثناء هو كلام لا يتجاوز الحناجر ، وما هو إلاّ إرضاءً بالأفواه .

يعتقد البعض بصلاح الملك إدريس وتقواه ، ويقولون أن كل من تعامل معه بنية سيئة لاقى جزاء عمله في الدنيا قبل الآخرة ، وإنني شاهد على أن محمد عثمان الصيد لم ينج من هذا المصير فقد لاقى بعض الجزاء وشاهده بأم عينيه في الدنيا قبل الآخرة ، كما أن القائمة تضم أمحمد المقريف ، وعمر المحيشي ، وموسى أحمد ، وآدم الحواز ، وأبوبكر يونس جابر ، والقذافي نفسه

إنني أتوقع أن حذف اسم الملك إدريس السنوسي من النشيد الوطني سيتبعه حذف لصورة عمر المختار من على أوراق النقد ، وكما أن المتآمرين على الملك إدريس قد باءوا بعاقبة سيئة ، فإن من هدم ضريح عمر المختار وتلاعب بجثمانه ، هدم الله ملكه ، ولم يجد على الأرض قبراً معروفاً يضمه بعد الهلاك .

لقد قامت الدنيا ولم تقعد تنديداً واستنكاراً لما قام به هؤلاء البرقاويين ، وصدرت احتجاجات كثيرة على هذه الخطوة ، وقام كثير من المتعلمين بالتصدي لمبدأ الفيدرالية وقالوا أن الولايات المتحدة الأمريكية التي يضرب بها المثل كنموذج للنظام الفيدرالي كانت دول متفرقة توحدت في نظام فيدرالي ، ولم تكن دولة متحدة وتشرذمت إلى ولايات عدة تحت ظل نظام فيدرالي ! إن علامة التعجب السابقة وضعت للاستغراب من هذا التزوير الفاضح للتاريخ ، فقد قامت الولايات المتحدة الأميركية منذ تأسيسها على نظام ( اتحادي ) فيدرالي ، وعندما حاولت سبع ولايات الانفصال عن الفيدرالية وكونت جيش عرف بالجيش الكونفدرالي قامت الحرب الأهلية بين القوات الاتحادية ( الفيدرالية ) والقوات الكونفدرالية .

ومن ضمن المستنكرين لهذه الخطوة كان رئيس المجلس الانتقالي الذي خرج علينا قائلاً ” إن ما يحدث اليوم هو بداية لمؤامرة ” ، وإن هناك دولة عربية تخاف من زحف الربيع العربي إليها هي وراء هذا الإعلان ، وكنت أتمنى لو أنه لجأ إلى ” قد ” و ” ربما ” ليبرر بهما ما اتهم به شخص مثل الزبير السنوسي من تآمر عندما يضطر لذلك مستقبلاً . إنني أستغرب من شخص خرج لتوه من تحت عباءة القذافي حيث قضى في خدمته ردحاً طويلاً من الزمن أن يكيل الاتهامات إلى رجل قضى في سجون القذافي 33 سنة . وفي مفارقة عجيبة هدد في اليوم الثاني باستخدام القوة قائلاً : لسنا مستعدين لتقسيم ليبيا .. ونحن نستطيع ردعهم ولو بالقوة ” في حين أن القذافي في أوج طغيانه لم يهدد باستخدام القوة ، وإنما قال في بداية مواجهته للانتفاضة المندلعة ضده ” نحن لم نستخدم القوة بعد ” ، بينما هذا يريد استعمالها من أول يوم ، ثم أضاف : ” أدعوا أخوتي في برقة كما يسمونها الآن للحوار ” ، وهذا استخفاف ببرقة وتاريخها لدرجة نكران الاسم يأتي من شخص ولد ، وتربى وترعرع على أرضها . وقبل ذلك ظهر الاستراتيجي ، رجل المعرفة ، د . محمود جبريل على شاشة قناته المفضلة ، قناة ( العاصمة ) ، وهي قناة أتصورها وقد وضعت صورة لسنجاب شعاراً لها ، فيكون المشهد الدرامي قد أكتمل بانتقال الإعلام الليبي من القنفود إلى السنجاب . وقال العالم الاستراتيجي والخبير المعرفي جبريل أنه أثناء فترة ترأسه للمكتب التنفيذي كان سفير إحدى الدول الأجنبية يجوس خلال بنغازي شارحاً للقبائل هناك مزايا الفيدرالية ، فقام الدكتور جبريل بالاتصال بدولة ذلك السفير مستنكراً ما يقوم به سفيرهم ، فطيبوا خاطره وردوا عليه بأن ما يفعله ذلك المارق لا يمثل دولتهم ولكنه تعبير شخصي لا أكثر ولا أقل ، فهدأت نفس الدكتور جبريل وسكت عنه الغضب ولم يقل حرفاً واحداً في حينها لليبيين ، ويذكرني هذا الموقف بموقف سابق للدكتور جبريل وهو قيامه بزيارة سرية غامضة للعراق وعندما كشف أمر هذه الزيارة وتعرض للنقد قال أنه ذهب لبحث ملف المساجين الليبيين في العراق ، وهي حجة بالرغم من المجهودات الجبارة التي بذلتها لاستساغتها وقبولها إلى أنها باءت بفشل ذريع ، لقد كانت أعذاراً خارج السياق الزمني .

إنني شخصياً أعتبر هذين المواطنين الآنفي الذكر رمزين من رموز نظام القذافي ، وأسمعهما وهما يفحان فحيح سيدهما الغابر . وأنا بكل صراحة لا أثق بكل من ساعد في هروب أو تهريب مجرمين من أزلام القذافي مثل بشير صالح بشير ، وعبدالسلام جلود ، أو عمل على تلميع صورة نظام القذافي ولو بكلمة واحدة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، ففي يوم الخميس 8 مايو 2008 في مقابلة مع قناة الليبية ، أشاد الدكتور جبريل بخطاب القذافي الذي ألقاه في يوم الأحد 2 مارس 2008 ، وهو خطاب عجيب يجمع بين الترهات والخزعبلات ، وفيما يلي اقتباس من خطاب القذافي ، وإشادة الدكتور جبريل به على التوالي :

” أنت عدي أدفعهن ، البغدادي يدفعهن . موش عارف من يدفعهن ؟ كيف يدفعهن ؟ معمر يدفعهن . كيف ندفعهن ؟ على اعتماد إن فلوس البترول موجودات في جيوبكم ، إذن أدفعوا . مضبوط ، أيوه مضبوط . لا يا سيدي خوذ الفلوس اللي في جيبي ، خوذهن في جيبك ، وعدي أشري سيارتك أنت بعشرين ألف على حسابك ، وإلا بخمسطاش كيف ما تتفق أنت والياباني . مالي ومال هالمسؤولية هذي . نقعد أنا الوسيط نشريلك فالسيارات وإلا نصيدلك فالحوت ” العقيد معمر القذافي ، 2 مارس 2008

” أعتقد أن خطاب 2 مارس أعاد تقسيم العمل بين الدولة والمجتمع فيما يخص قضايا التنمية ، إذ أعطى للجانب المجتمعي أدواراً متقدمة عن الدولة في إنجاز أهداف التنمية بعد أن فشلت الدولة في حقب مختلفة في تحقيق أهداف التنمية المبتغاة ” د . محمود جبريل.

بينما أتحفنا المستشار في مؤتمر صحفي له في يوم السبت بتاريخ 24 سبتمبر 2011 ، بقوله إن حمل السلاح ضد القذافي ليس معياراً لدخول الحكومة ، ولكنه لم يقل لنا أن أهم معيار لدخول الحكومة هو أن تكون قد عملت في يوم من الأيام صداحاً ضمن جوقة القذافي ، وفي اتصال له مع قناة ( ليبيا أولاً ) في يوم الاثنين 28 نوفمبر 2011 ، أدلى بشهادة طيبة بحق القضاء الليبي في عهد القذافي ، ونسى ما قاله هو شخصياً في يوم الخميس ، 28 يناير 2010 في مؤتمر الشعب العام الذي أنعقد بمدينة سرت بصفته أميناً للجنة الشعبية العامة للعدل :

” بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد هادينا وشفعينا وقائدنا الأوحد .

كنت أعتقد أن المؤتمرات الشعبية الأساسية على وعي تام وإدراك لما عليه الحق والعدل ، فالعدل أساس الملك ومقتضياته إرساء العدل بين الناس . قال الله تعالى ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ، وقال تعالى ( إن الله هو الحق ، وإن ما يدعون من دونه هو الباطل ، وإن الله هو العلي الكبير ) . ومن مقتضيات وأهداف قطاع العدل هو إرساء العدالة بين الناس ، العدالة الناجزة في أسرع وقت ممكن ، وإنهاء الخصومات .

كنت أعتقد أن المؤتمرات الشعبية على وعي تام بتوجيه ملاحظات ومسآلات لأمانة اللجنة الشعبية العامة للعدل في ثلاث نقاط رئيسية قصرت ولست قادر على أداءها ، أولها : عدم انعقاد اللجنة الشعبية العامة للعدل طيلة عامي 2008 و 2009 . وهذه مسألة جوهرية ، ولم ترد .

ثانيها : أن غاية قطاع العدل هو إصدار الأحكام ، والهدف من إصدار الأحكام هو تنفيذها . كنت أعتقد أن توجه لي مسآلة عن عدم تنفيذ الأحكام ، سواء ما قضي منها بالبراءة لأشخاص يقبعون في السجن . أكثر من ثلاثين شخصاً مقضي في حقهم بالبراءة من أعلى المحاكم الليبية ، ومن أشخاص قضي في حقهم بالإعدام قصاصاً ، وأخرجوا من السجون بدون أن يتنازل أولياء الدم . كنت أعتقد أن توجه هذه المسآلات لقطاع العدل ، ولكنني أعتقد أن المؤتمرات في حاجة ملحة إلى أشياء ضرورية وهامة تتعلق بالبنية التحتية والقوت اليومي .

أود أن أضع هذه الملاحظات وأقول أنني لست بقادر على المضي قدماً في هذا المجال ، ولست بقادر على تذليل هذه الصعاب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته “

كما نسي حكم قضاة القذافي في حق مشجعي نادي الأهلي بالإعدام ، وتخفيفهم لحكم الإعدام الصادر بحق الممرضات البلغاريات ، ثم إخلاء سبيلهن في اليوم التالي مباشرة ، وما إلى ذلك من أحكام لا تصدر حتى عن محاكم الكنغر .

ولا يسعني إلاّ أن أتسآل هنا ، ما هو المرتجى من شخص يقول أنه لا يؤمن بالحزبية ويعتبر الديمقراطية عيباً من العيوب ، وتعهد بالاستقالة ولم يستقل ، ومتهم بغض الطرف عن بشير صالح بشير حتى تمكن هذا من الفرار ؟

ثم طلع علينا بعد ذلك وزير الداخلية فوزي عبدالعال وهدد الفيدراليين بالردع بواسطة ميليشيات مصراتية شبه عسكرية ( حرباً قبلية عواناً ) ، وكأنه يريد أن يقول سأحقق ما فشل فيه رزق الله الحسوني في عام 1836 ، وجبران حسين جبران في عام 2011 . لقد كثرت الندوب على أجساد البرقاويين من حملات الغزو التي تشن عليهم من المنطقة الغربية ، ولا أتمنى أن يخلف فوزي عبدالعال على أجسادهم ندوباً جديدة بأيدي ميليشيات مصراتية حديثة التدريب فقد مل بعض البرقاويين وسئموا من هذه العيشة .

إنني أعتبر تصريحات فوزي عبدالعال الفاشية هي القيح والصديد اللذان يخرجان من جسد المجلس الوطني الانتقالي العليل ، وصدى لتصريحات سابقة لمصطفى عبدالجليل ، وتحفيزاً للعدوان الذي قام به بعض البلطجية على اجتماع للفيدراليين في بنغازي في يوم الجمعة ، 16 مارس 2012 ، ولم تنتقده أي قناة من قنوات النظام الرسمي على أنه اعتداء على حرية التظاهر ، وحرية التعبير ، وحرية التجمع . إن تولى شخص مثل فوزي عبدالعال لمنصب وزارة الداخلية لكونه من مصراتة ، وأن له شقيقين استشهدا في معارك ضد كتائب القذافي ، هو كالترحم على أبي جهل لأن أبنه عكرمة هو بطل معركتي أجنادين واليرموك .

إنني هنا أقف أمام التاريخ ، وأقول أن مصطفى عبدالجليل ، وفوزي عبدالعال مسؤولان أما الله ، وأمام العالم بأسره ، وأمام التاريخ عن أي مكروه ، أو سوء ، أو عدوان ، أو فتنة تحيق ببرقة وأهلها ، فكما يقول المثل الشعبي : ” اللي هوْبْ ضرب ” .

وكما قال جاليلو : ومع ذلك فهم لايزالوا يفحون .

وفي مساء ثلاثاء الفيدرالية ، بثت قناة ليبيا التابعة للنظام برنامج ( الإسلام والحياة ) الذي يقدمه أسامة الصلابي ويجيب فيه الشيخ الصادق الغرياني على أسئلة المتصلين ، وكان إعلان فيدرالية برقة هو موضوع الحلقة ، حيث أتصل كثير من المواطنين وأبدوا استنكارهم وتنديدهم لهذه الفعلة ، ومن بين هؤلاء شخص يدعى خليفة من طرابلس قال هذه خيانة للشهداء ، خيانة عظمى ، أقسم بالله أنها خيانة . واتصل شخص آخر من طرابلس يدعى أحمد وقال لازم تكون هناك خطوط حمراء ، ثم أردف قائلاً : اقسم بالله العظيم إنه لو طالب الناس في بنغازي من يوم 15 فبراير بالفيدرالية لكان قد نطق بالمقولة الشركية !

وقد أقسم بالله ، وقد نطق بها.

واتصلت فتاة تسمى ريما ، وقالت أن الفيدرالية عبارة عن خلايا نائمة . ووافق أسامة الصلابي هؤلاء المتصلين ودعا الله أن يبارك فيهم ، وأن لا يفض أفواههم . وقال الشيخ الصادق الغرياني أن الفيدرالية هي بداية لمشروع تقسيم ، وأنها شماعة يعلق عليها أنصار الفيدرالية دعواهم القائلة أن النظام الفيدرالي يحقق التقدم والازدهار للأمم ، وحذر الشيخ من أن يموت المرء ميتة جاهلية ، وهي أن يموت دفاعاً عن قضية ما لا لشيء إلا لأن المنادي بها والداعي إليها قريب له حتى ولو كانت هذه القضية عادلة ، ويمكنني أن أستنبط من كلام الشيخ عدة أحكام فرعية من أهمها إن المرء سيموت بالتأكيد ميتة جاهلية إذا مات في سبيل قضية ظالمة تتمثل في الهيمنة والتسلط والإقصاء والتهميش والتحريف حتى لو كان الداعي لها من أبناء عمومته . كما ذكر الشيخ أن هناك بيعة في رقاب الليبيين للمجلس الانتقالي ، وهذا الشيء أنا شخصياً لم أقم به أبداً في حياتي . وإذا افترضنا أنني أكرهت على بيعة لشخص ما أو لجهة معينة ، وتبين لي فيما بعد ظلم من بايعته ، فأنا في حل من هذه البيعة بدليل قوله تعالى ( لا ينال عهدي الظالمين ) . فلا بيعة في أعناق المسلمين لظالم . كما أن هناك قضية أخرى أود من كل الأحرار أن يضربوا عنها صفحا ، وهي قصة ولي الأمر ، التي أرى نذر لها تلوح في الأفق .

هناك حقيقة يجب الإقرار بها ، وهي إن بعض المنادين بالفيدرالية لا يتمنى المرء أن يبحر معهم في قارب واحد ، أو أن يجمعه معهم سبيل واحد في سفر ، فهؤلاء لا يمثلون الفيدرالية فهم طحالب تلتصق بأي شيء طالما أن ذاك الشيء يضمن لهم استرزاقهم وتكسبهم . فكما أن معسكر الفيدرالية يشتمل على مثل هذه الطحالب ، فإن في صفوف المجلس الوطني الانتقالي ومكتبه التنفيذي المنحل والحكومة الانتقالية بعضاً من الذين لهم القدرة على الالتصاق بسدة الحكم سواء أكان المتربع عليها ملكاً كريماً أم شيطاناً رجيماً .

وعندما أتصل أحدهم ويدعى جبريل العقوري من مدينة بنغازي وتكلم بكل أدب عن أساس تسمية مفتي الديار الليبية إذا لم يكن للفيدرالية أي أصل ، ولكن أسامة الصلابي لم يستطع معه صبراً لأنه لم يكن موافقاً لهواه ، وقال له بأنه مضطر لقطع الخط ، ولم ينس الصلابي أن يعطيه درساً في قبول الرأي الآخر والتحلي بالروح الديمقراطية .

ثم اتصل شخصاً آخر من زليتن يدعى عبدالرحمن وأستنكر كلام عبدالجليل ، فما كان من أسامة الصلابي إلاّ أن قال : خليه يعبر ، خليه يعبر .

إنني في هذا اليوم رأيت محاكم التفتيش تطل علينا بشرطة لحم الخنزير ، ودواليبها الدوارة ، وخوازيقها. ورأيت تجسيداً حياً للمتحدث باسم الكاردينال خيمنيث .

فكان كما يقال : هو في الغرب ، والموضوعية في الشرق .

إن الإعلامي يجب أن يكون موضوعياً ، غير متحيز لوجهة نظر ، وتتمثل وظيفته الرئيسية في إدارة الحوار لا أن يكون خصماً وحكماً ، وإلا فما الفرق بين أسامة الصلابي ومحمد الهوني ومحمود الشركسي من جهة والشيخ محمد المدني منصور الشويرف الذي أتهم عرب الشرق بأنهم قرود من جهة أخرى ؟

وفي برنامج آخر على قناة ( العاصمة ) في نفس الليلة قدمه محمود الشركسي ، فكنا كما يقول المثل يا هارب من محمد الهوني يا طايح في محمود الشركسي ، وتمحور النقاش حول إعلان فيدرالية إقليم برقة . وكان ضيف البرنامج أ / ضو عون ، أمين عام المنتدى الليبي للمحامين . وقد أطلق محمود الشركسي في هذا البرنامج عباراته الشهيرة القائلة : ” يُخشى أن تتحول خيانة الوطن إلى وجهة نظر ، ويجب علينا أن نسمعها أو نحترمها ” ، وأصبحت صكوك الوطنية في يد شخص مثل محمود الشركسي يمنحها من يشاء ، فسبحان من له معقبات الأمور. وحذر الأستاذ ضو من خطورة هذه الخطوة فقال : إن ما جرى هو محاولة لبناء دولة داخل دولة ، ولكنها ستنبت الريش ، وتخرج من السرب . ويستنتج من كلام الأستاذ ضو عون إلى أنه يلمح إلى ضرورة إجراء عملية نتف ريش ، وهو ما أصطلح على تسميته في هذه الأيام بـ ” تجفيف الينابيع ” أو “الاستئصال” . ثم أضاف قائلاً أن من شروط تحقيق هذه الفيدرالية أن يكون هناك إجماع داخل الإقليم ، فإذا حدث هذا الإجماع ينتقل الأمر إلى المؤتمر الوطني . وتطرق الأستاذ ضو عون إلى موضوع المجالس المحلية وقال : لا يمكننا أن نتحدث سوى عن مجلسين محليين فقط ، وهما مجلس مصراتة ، وممكن قبله مجلس زوارة !

وقام الناشط السياسي فرج بالعشة من ألمانيا بمداخلة مع البرنامج ليدلي بدلوه هو الآخر في قضية الساعة ، وشن هجوماً كاسحاً على الملكية ، والقصر ، والأميرات . وقال أنه يريد برلماناً ورئيساً للوزراء ، وأضاف قائلاً إن الملك إدريس كان يرفض الفيدرالية . ولست أدري على ماذا أستند فرج بالعشة ليقول أن الملك كان رافضاً للفيدرالية في الوقت الذي كان الملك موافقاً على شروط المؤتمر البرقاوي الوطني القائلة بضرورة أن يكون هناك إتحاد للولايات الثلاثة وليس وحدة ، وأن يكون الأمير إدريس السنوسي ملكاً على هذه المملكة الاتحادية! ثم تساءل قائلاً : هل سمعت رأي في طرابلس وفزان ينادون بالفيدرالية ، هل تريدون قيام الفيدرالية مع السلوم أو مرسى مطروح ؟

في السياسة غالباً ما ترجح كفة المصالح على كفة المبادئ ، ويكون الانتهازيون الذين لا مبدأ لهم كنباتات اللوتس التي تطفو على مياه البرك والأنهار يجرون مع التيار القوي ، فأينما أتجه التيار غيروا قبلتهم لتكون موافقة لاتجاهه الجديد . ويتكلم الجبناء بكلام لا يفهمونه هم أنفسهم ، ويكون دافعهم الوحيد لذلك هو جبنهم.

من النكت المبكية التي قيلت عن انقلاب عام 1969 ، أن أحد ضباط الشرطة سئل في امتحان ترقية عن أهم الأسباب التي أدت إلى نجاح ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ، فأجاب بعفوية مذهلة : رخوة مالمتحركة .

إنني أخشى أن تستعبد برقة وأهلها مرة أخرى ولكن بطريقة دستورية ، ديمقراطية ، ويرتخي أهلها مجدداً كرخوة المتحركة في صبيحة الفاتح من سبتمبر الأغر من عام 1969 .

وفي الختام أود أن أقول أن الظلم والتهميش والتجريد والتجريف الذي لحق ببرقة كان في الأساس على يد الجهاز الإداري للدولة الليبية الذي يشغل معظم وظائفه أبناء إقليم طرابلس ، ومن ضمن أسس الفيدرالية أن لا يتحكم أبناء إقليم ما في المؤسسات الاتحادية ، كالوزارات ، والهيئات ، والشركات . إن الوزراء يتغيرون باستمرار ، ولكن الجهاز الإداري يظل هو نفسه ممسكاً بزمام السلطة ، ولن تتغير موازينها .

الجواد واحد ، ولن يغير من وجهته تغيير السروج .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: