عبقُ الأرضِ وهُمُومُ الوَطنِ سِيْرَة عبْدالجليل سيف النَّصر مِن المِيْلاد إِلَى الرَّحِيْل (1)

 

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

يبيـــد الـزمــــان ومدتــــه *** وتفنى الخلائـــق جدتــــه

تطوى الدهور سجل الحياة *** وتبـقى من المرء سـيرته

الشاعر اللّـيبي/ حسين الغنّاي

image

المُقدِّمَة

اقتربت من عبْدالجليل سيف النَّصر أكثر فأكثر منذ انتقالي في صيف 2001م من إمارة دبي بدولة الإمارات العربيّة المتَّحدة إلى القاهرة عاصمة الجمهورية المصريّة مقر سكن عبْدالجليل. ومنذئذ، لم تنقطع صلتي بعبدالجليل إلاّ بفراقه عن دنيانا يوم الثامن من شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2011م، فقد كنت ألتقيه باستمرار كلما كان في القاهرة مقر سكن أسرته وليس بالفيوم مقر عمله، نتواصل مع الأصدقاء في القاهرة، ونلتقي مع زوارنا من داخل الوطن أو رفاقنا من المنافي الأخرى.. نناقش هُمُوم الوَطن وآخر التطورات، ونتبادل أطراف الحديث في كل القضايا، وعلى جميع المستويات.

تزدحم في ذاكرتي، مواقف وصور كثيرة لعبدالجليل، وهذا ما يجعل الكتابة عنه أمر صعب، وعمليّة الاختيار ربّما أصعب. أيّ مواقف أختار؟.. وأيّ قصص أروي ؟.. وأيّ صورة أرسم على صدر التعريف به ؟.

وليس المقصود هنا رصد المواقف والقصص والصور إنّما المقصود الانتقال من خلالها إلى ذات الرجل والتعريف به، معترفاً مقدماً ومسبقاً بأن هذه الوقفة لن تكون كافية ولكنها ستكون بمثابة إضاءات على مشوار حياته.

وأؤكد بأنني لن أقترب من شعر عبْدالجليل لأن ذلك ليس من شأني ولا هو تخصصي، إنّما سأقدمه من خلال معانقتي لتجربته.. وتسليط الضّوء على فصول أخرى من سيرة حياته، محاولاً الغوص في سيرته كمَا يفعل الغطاسون في البحر لاستخراج اللآليء الكامنة في أعماقه.

وقبل الحديث عنه، أحب مشاركة القارئ في الرسالة التي استلمتها من عمّي سيف النَّصر (والد الفقيد) بعدما طلبت منه أن يكتب كلمةً في عبْدالجليل أو رأيّاً في شعره، على اعتبار أنه شاعرُ ومتذوقُ للشعر. وقد رد والد الفقيد على طلبي برسالة جد قصيرة، قال فيها:

".. طلب مني أحد أبنائي الأعزاء على قلبي أن أكتب كلمة عن أبني عبْدالجليل رحمه الله رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه، وإني لا أملك إلاّ أن أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما توفي ابنه إبراهيم: (إنا لفقدك يا إبراهيم لمحزونون ).

إذ أقول إنا لفقدك يا عبْدالجليل لمحزونون. وإني إذ أعجز عن إعطائه حقه في كلمات بسيطة اختزل فيها مشوار حياته المليئة بالأشعار الوطنيّة التي كانت خير شاهد عليه. وكمَا قال الشّاعر الشّعبي القديم:

اللي يدير في عقاب اخيوله *** اللي حاضرين معاه يكفوا عنا

ولا يبقي ليّ سوى أن أقول:

ما حال دايم يا عزيز عليا *** مشيت وين ما عادش أترد عليا

ألا رحمة عليك يا عبْدالجليل، فأنتم السابقون ونحن اللاحقون، وإنا لله وإنا إليه راجعون..". (أنظر إلى مِرْفق الوَثائِق).

ترك عمّي سيف النَّصر، مهمّة الكتابة عن عبْدالجليل لرفاقه وأصحابه، معبراً عن ذلك في بيت الشعر الذي أرفقه في رسالته القصيرة، والقائل:

اللي يدير في عقاب اخيوله *** اللي حاضرين معاه يكفوا عنا

إذن.. لا مناص من تحمل مسئوليّة هذه المهمّة الشاقة، ومن بذل جهد معتبر لإيفاء الفقيد حقه قدر المستطاع. ودعائي أن أوفق..

قلت: لقد التقيت عبْدالجليل كثيراً، وحاورته طويلاً، وعرفته إلى حد – وكمَا تصورت – يفرض عليَّ أن أعرض ما عرفت وشهدت.. وهذه أمانة، وواجب الرفيق تجاه رفيقه.

جلست مع والده طويلاً، وقررت الكتابة عن فقيدنا الرَّاحل..

وأخيراً.. دعائي ورجائي أن يصطف الحظ إلى جانبي، وأقدم شيئاً يليق بمقام الفقيد الرَّاحل، ويستحق أن يقرأ بعناية واهتمام.

وبالله التّوفِيق..

عبْدالجليل سيف النَّصر.. سيرة حيَاتِه وتاريخ نضاله

الاسم عبْدالجليل بن سيف النّصر بن عبْدالجليل بن سيف النّصـر بِن سيف النّصـر بِن غيث بِن سيف النّصـر، المناضل الخلوق والشاعر المفوه الذي رحل عن دنيانا يوم الخميس الموافق الثامن من شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2011م عن عمر ناهز الثانية والستين عاماً، ودُفِن بمقابر العائلة بالفيوم في جمهوريّة مصر العربيّة.

لم يكن عبْدالجليل سيف النّصر شاعراً وصاحب موقف فحسب بل كان مناضلاً عنيداً أبى الخضوع لتهديدات السّلطة المستبدة والاستسلام لمخاطر الطريق وضغوطات الحياة.. وشاعراً تميز شعره بروعة الاختيار، وقوة الفكرة، وجمال الصور التعبيرية، فكان في مقدمة معاصريه من الشعراء الشعبيين. وإذا كان الأوائل أطلقوا على أحمَد رفيق المهدوي لقب (شاعر الوطن)، فإن عبْدالجليل سيف النّصر يستحق بجدارة أن يلقب بـ(أمير الحرف الشّعبي).

أحب عبْدالجليل سيف النّصر الوطن فأفنى عمره مدافعاً عن سيادته وحريته وحقوق مواطنيه. انضم إلى القوى الوطنيّة المعارضة لنظام معمّر القذّافي، ورفع صوته مدوياً في آذان الطغاة وداعمي دولة الجبروت والطغيان. أراد أن يكون موقفه من دولة الطغيان، لصالح كل الوطنيين وفي خدمتهم جميعاً، فاختار أن يكون مستقلاً، وأن يُسهم الجميع في نقل شعره لكل النَّاس. تناقل النَّاس قصائده، وأقلقت أشعاره منام الطاغية فكان شعره محفزاً للنَّاس لدفع الجور ومقاومة الظلم ثمّ للانفجار في وجه الطاغوت حينما حانت ساعة الخلاص.

استقبلت مدينة بنغازي عبْدالجليل إستقبال الأبطال حينما زارها بعد اندلاع ثورة 17 فبراير، لأنه شكل عندهم قيمة كبيرة من حيث كونه مناضلاً كبيراً، وشاعراً قديراً كشفت قصائده العصماء جرائم السّلطة وممارساتها السلطوية المتخلفة فأثرت في النَّاس وهزت أركان النظام. كمَا كانت قصائده سجلاً دوّن الأحداث بأدق وقائعها وتفاصيلها، فخدم بشعره الشعبي جوانب الرصد والتوثيق خلال سنوات حكم معمّر القذّافي كخدمة سابقيه من الشعراء في زمان الجهاد ضدَّ الطليان.

ولد عبْدالجليل سيف النّصر في المهجر، وقضى في المنفى عقوداً طويلة من الزمان. ويُعد من أشهر الشعراء الشعبيين، ومن الشخصيّات الوطنيّة الِلّيبيّة البارزة في دروب السّياسة ودنيا الثقافة والأدب. شارك في مُلتقيات الِلّيبيّين السّياسيّة والثقافيّة في المهجر، وانعكست خلفيته الثقافيّة العميقة الواسعة على إنتاجه الشعري فلاقت قصائده صداها عند النَّاس، واعتبرها النقاد من روائع إنتاجنا الأدبي الشّعبي.

كتب عبْدالجليل الشعر الشعبي فتفوق عن نفسه في نسج أبيات قصائده، وتفوقت أشعاره بتعبيراتها البلاغية ومقارناتها الوصفيّة عن أشعار كبار معاصريه وسابقيه. عاش في بيئة كانت " تتنفس شعراً شعبياً " كمَا يقولون، وخرج من عائلة أنجبت فحولاً من الشعراء من أمثال عبْدالجليل الأوَّل وعُمر سيف النّصر. لم يكن غريباً عن عائلة (سيف النّصر) أن يخرج من بينهم شخصُ مثل عبْدالجليل يجمع بين النّضال والشعر، فكما عُرفت عائلة (سيف النّصر) بمواقفها وتاريخها العريض في معارك الجهاد، عُرفت أيْضاً بقول الشعر والإبداع فيه فقد كان السِّيّد عبْدالجليل سيف النّصـر (عبْدالجليل الأوّل الذي قتل على يد الأتراك عام 1842م) شاعراً فحلاً كذلك كان السِّيّد أمحمد سيف النّصر (عم الفقيد، المتوفي عام 1943م) وأخيه عُمر (المتوفي عام 1964م). ويضاف إلى هؤلاء السِّيّد سيف النّصر بِن عبْدالجليل بِن سيف النّصر والد الفقيد، الذي يُعد بلا شكّ من مشاهير الشعراء الشعبيين في ليبَيا. وهو صاحب قصيدة (سبحان اللّي هنتك) الشهيرة (2)، التي يقول مطلعها:

سبحانه اللّي هنتك وهوَّنتيني

ونسيتك بعد ولعات ونْسيتينى

والتي أصبحت ملحمة أضاف إليها العديد من الشّعراء الشعبيين كالشاعر الشّريف السعيطي، ومحَمّد السّيفاط، ومعتوق أدم الرقعي، وعبْدالرَّحمن رجب بونخيلة، ومُصْطفى اعبيد الهوني، ونصر الرقعي، وأبوبكر الرقعي.. وربّما آخرين.

image

ينتمي الفقيد إلى عائلة (سيف النًّصر) التي تنتسب إلى قبيلة (أولاد سُليْمان)، وهي العائلة التي عهدت إليها مشيخة قبيلة (أولاد سُليْمان) منذ القرن الثّامن عشر. ويرجع نسب (أولاد سُليْمان) إلى قبيلة (بني سليم)، وهي القبيلة العَربيّة الشهيرة التي كانت تقطن (نجد) في شبة الجزيرة العربيّة.

كانت لعائلة (سيف النّصر) مواقف مشهودة في عهد الحكم العثماني لليبَيا والتي بدأت بإمتناع الشّيخ سيف النّصـر عن دفع الضرائب المجحفة للولاة العثمانيين ودخوله في حرب شرسة مع القوَّات القرمانلية استمرت في جولتها الأولى حوالي ثمانية شهور من مارس/ آذار إلى أكتوبر/ تشرين الأوّل عام 1789م، وبدأت جولتها الثانيّة عام 1804م وانتهت بمقتله، ثمّ ثار إبنه عبْدالجليل على الأتراك من بعده فيما عُرف بثورة عبْد الجليل عام 1831م.

ارتبطت عائلة (سيف النّصر) بالعائلة (السّنوُسيّة) وحاربت إلى جانبها، وقاومت المحتل الإيطالي تحت قيادة السِّيّد أحمَد الشّريف السّنوُسي أولاً ثم السِّيّد إدْريْس المَهْدِي السّنوُسي ثانياً، وساهمت في بناء دولة ليبَيا الحديثة بعد إعلان الإستقلال من مدينة بنغازي في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م.

image

وقف الشّيخ سيف النّصر بِن سيف النّصر بِن غيث بِن سيف النّصر (1842م – 1920م )، وأبناؤه الستة الأشاوس: أحمـَد، وعبْدالجليل، وعُمر، وسُليْمان، وإمحمد، ومحَمّد، دفعة وحدة في مواجهة المحتل الإيطالي، فحملوا بنادقهم على أكتافهم وواجهوا العدو بثبات وشجاعة نادرة على جبهات القتال حتَّى شهد لهم العدو بذلك على لسان الجنرال رودلـفو غراتسياني ( RODOLFO GARZIANI ) قائد قوَّاتهم، وسطر غراتسياني هذا الاعتراف في كتابيه: (إعادة إحتلال فـَزّان) و (نَحوْ فـَزّان).

وساهمت عائلة (سيف النّصر) في بناء دولة الاستقلال عبر تولي مناصب قيادية ووزارية وتنفيذية في عصر المملكة الِلّيبيّة فقد عيّن الملك إدْريْس السُّنوُسي (1890م – 1983م)، السِّيّد أحمـَد سيف النّصــر (1877م – 1954م) بعدما استقلت البلاد في ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م واليّاً على فـَزّان، ثمّ أصدر الملك مرسوماً يقضي بتعيين السِّيّد عُمر سيف النّصــر (1884م – 1964م) واليّاً على فـَزّان بعد وفاة السِّيّد أحمد أخيـه في عام 1954م. وقد شغل سيف النّصر عبْدالجليل (والد الفقيد) منصب رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزَّان ونائب الوالي في عهد ولاية السِّيّد أحمَد سيف النّصــر، وفي مرحلة لاحقة وزيراً للدفاع. ويذكر أن عائلة سيف النّصر كانت قد لعبت دوراً مميزاً في إقليم فزَّان بل تحملت مسئولية قيادته لعقود من الزمن، واستطاعت أن تحقق لإقليم فزَّان نهضة وتقدم وعمران إبّان حكم النظام الفيدرالي لليبَيا، وقد أكدت الوثائق على ذلك وفي مقدمتها تقارير الأمم المتّحدة والبنك الدّولي. وقال الأستاذ فاضل المسعودي(3) في هذا الشأن، ما يلي:..".. تولت عائلة سيف النّصر تصريف الأمور وتسيير الإدارة وتنفيذ مخططات التنميّة والتحديث في ولاية فزّان التي جاء ترتيبها الأوَّل على باقي الولايّات في حقبة النظام الاتحادي حسب ما ورد في تقارير الأمم المتّحدة والبنك الدّولي، من حيث معدلات التنميّة والتقدم الإداري والازدهار والاستقرار وبفضل حكمة وجهود وكفاءة رئيس مجلسها التنفيذي (أيّ رئيس حكومتها المحليّة) السِّيّد سيف النّصر عبْد الجليل والد الفقيد الرّاحل..".

                    image

ولد عبْدالجليل سيف النّصر عبْدالجليل في القارون بالفيوم يوم الاثنين 9 شعبان 1368 هجري الموافق 6 يونيه/ حزيران 1949م. والدته ابنة عبْدالسّلام عبْدالقادر الكِزّة (4) المجاهد المغوار، والشاعر الكبير، وأحد قادة الجهاد الِلّيبيّ ضدَّ الطليان، وأحد كبار مشايخ قبيلة العواقير، والذي هاجر إلى مصر بعد أن خاض معارك عديدة ضدَّ المستعمر الإيطالي في بنغازي وسلوق والأبيار، وأقام في مصر عند (الفوايد) أخواله في المنيا إلى أن وافته المنية عام 1940م ودًُفن هناك.

ومن قصائد عبْدالسّلام الكِزّه الشهيرة، تلك القصيدة التي رثى فيها ناقته حينما كان في الطريق مهاجراً إلى مصر، قائلاً لها الموت أفضل من البقاء تحت حكم الطليان البغيض. والتي جاء مطلعها كالتالي:

هالميته يام الحنان.. فى ها المكان.. ولا سمينه تحت الطليان.

وفي مصر، وبعد إعدام شيخ الشهداء عُمر المختَار شنقاً صباح يوم الأربعاء 14 جمادى الأوَّل 1350 هجري الموافق 16 سبتمبر/ أيلول 1931م، قال حمد محمود الباسل:

عزاه يوم شايطه فيه نار.. عمر المختار.. الفارس اللى كان ريس أدوار.

فرد عليه الشّيخ عبْدالسّلام الكِزّة في قصيدة، قال فيها: 

نلقانه العزا فيه يندار يوم.. يجنه اهجوم.. جيوش ريمهن كيف ريم الغيوم

ومقاويدهن من شداد العزوم.. فكاكة الثار.. جيابة الفخر يوم ضرب العيار

هذاك هو اللى أن كان يطرن خشوم.. يحيد المعار.. ويبرى أقلوب من الغيظ راحن دمار

حجايج الورق ما بهن شي لزوم.. ولا بهن أفخار.. وأيش فايده قولهن صار، صار.

وقد أشاد العديد من الشعراء بالشّيخ عبْدالسّلام الكِزّة في قصائد شهيرة معروفة، ومن بين هؤلاء: الشاعر الفحل خالد ارميلة (1866م – 1938م) الذي كتب عنه قصيدة طويلة تحت عنوان: (سلامي على كامل الزين) تكوّنت من أثنين وسبعين (72) بيتاً.

image

التحق عبْدالجليل سيف النَّصر بالكتّاب، فدرس القرآن الكريم وحفظ أجزاءً منه على يد كبار مشايخ الفيوم. ثمّ درس مراحل دراسته الأولى بالمدرسة الإنجليزية (English school) بحي الزمالك بالقاهرة، والأخرى بمدرسة (العروبة) في مصر الجديدة. ودرس القانون بكلية (الحقوق) بجامعة (القاهرة).

احتك عبْدالجليل في القاهرة بمثقفين عرب من كافة أنحاء الوطن العربي، وأحب الكتاب، وقرأ لكبار الكُتَّاب العرب والأجانب حيث كان يجيد اللغة الإنجليزية كإجادته للعربيّة تماماً. واحتك في فترة شبابه بكل التيارات السّياسيّة تقريباً، فكان في وقت من الأوقات قريباً من التيار اليساري، وفي مرحلة أخرى من التيار الناصري والمد القومي، ثمّ من حركة الإخوان المسلمين. ولعبْدالجليل أخ واحد شقيق هو السِّيّد (عبْدالسّلام) وأخت واحدة غير شقيقة. تزوج عبْدالجليل في مصر عام 1977م، ورزقه الله سبحانه وتعالى بولدين، هما: (محَمّد) المولود عام 1980م، و(أحمَد) الذي ولّد عام 1983م.

تعرف عبْدالجليل سيف النَّصر على معمّر القذّافي (1942م – 2011م) حينما كان طفلاً في أحدى زياراته لمدينة سبها أثناء الأجازات الدراسيّة، فقد كان عبْدالجليل يدرس في مصر ويقضي أجازاته السنوية بين مدينتي بنغازي وسبها، وكان ذلك قبل أن يُطرد القذّافي من مدرسة سبها الثانوية في أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1961م. وحينما كان عبْدالجليل شاباً، وبعد أن أصبح القذّافي ضابطاً بالجيش، وقبل حادثة إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م بسنتين تقريباً، التقى عبْدالجليل بمعمّر القذّافي في مطار بنينة الجوي وتحدث معه حول قضايا الساعة آنئذ في جلسة تجاوزت ساعتين من الزمان. حاول القذّافي بعد نجاح إنقلابه المشئوم في عام 1969م الإتصال بعبدالجليل وضمه إلى صفه، ولكن عبْدالجليل قفل الطريق أمامه بحكم ارتباط عائلته التاريخي بالملك إدْريْس والعائلة السّنوُسيّة، أيْضاً بحكم ما صدر عن القذّافي مبكراً من إشارات تدل على حقده الدفين لعائلة (سيف النّصر) كذلك لاعتقاله لعمّه البّيْ محَمّد سيف النّصر بعد نجاح إنقلابه مباشرة حيث تمّ إعتقال البّيْ محَمّد في قرقارش مقر إقامته بطرابلس ليُنقل بعدها إلى السجن الذي مكث به عدة شهور قبل أن يُنقل إلى المستشفى بعد تدهور صحته داخل السجن، ليلقى وجه ربه في شهر أكتوبر/ تشرين الأوَّل من عام 1971م.

ووقفت عائلة سيف النّصر في وجه إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م الذي قاده الملازم معمّر القذّافي، ودفعت ثمناً غالياً مقابل موقفها هذا، فقد زُج ببعض أبنائها في السجن، وهاجر عدد آخر منهم، وصودرت أملاك العائلة بالإضافة إلى تضييق الخناق على حركة عملهم وتنقلاتهم كذلك تعرض تاريخ العائلة العريق إلى الطمس والتشويه والتزوير.

اكتشف عبْدالجليل حقيقة معمّر القذّافي مبكراً، واختار أن يقف ضده فكان من أوائل الِلّيبيّين الذين عارضوا نظامه. عاش في القاهرة إلى جانب والده، واشتغل بالفلاحة في مزرعته الكائنة بالفيوم. عمل بيده، وكسب رزقه بعرق جبينه، فكان عفيفاً لا يطمع في مال، وقنوعاً راضياً بما قَسَمَهُ الله له فقد قال الحسن، عن أبي هُرَيْرَة، أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ارْضَ بما قَسَمَ اللهُ لكَ تكُنْ أغنى النَّاس). وأحسن أبوالطيب المتنبي حين قال:

النفس تجزع ان تكون فقيرة *** والفقر خير من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت *** فجميع ما في الأرض لا يكفيها

الطلبة في مصر.. العمل الطلابي ومشاركات عبْدالجليل

شارك عبْدالجليل سيف النَّصر في النشاط الطلابي في مصر (5) منذ إنطلاقته في بداية سبعينيات القرن المنصرم، وكان من بين الطلبة الذين اعتصموا في مقر السفارة في مصر في شهر أبريل/ نيسان 1976م.

كان للطلبة الدَّارسين في مصر مواقف وطنيّة مؤثرة على الصعيد الطلابي، وصعيد العمل الوطنيّ بصفة عامّة. ولعب الطلبة الِلّيبيّون الدَّارسون بجامعات الولايات المتَّحدة ودول أوربا والعالم العربيّ – وفي وقت مبكر جداً – دوراً بارزاً في حشد الجهود الوطنيّة لإيقاف ممارسات نظام القذّافي التسلطية الإقصائيّة، وفي دعم الجهد التأسيسيّ لتنظيمات المعارضة الِلّيبيّة في الخارج فقد كانت الحركة الطلابيّة عبر التاريخ الِلّيبيّ، المجال الخصب والزاد والأساس التي قامت عليه التنظيمات السّياسيّة والنضاليّة بل كانت الأرضيّة التي انبثقت منها جل التنظيمات الوطنيّة في تاريخ ليبَيا.

تأسس إتحاد الطلبة الِلّيبيّين في مصر المنفصل تماماً عن جسم نظام معمّر القذّافي (الإتحاد العام لطلبة ليبيا / فرع مصر) رسميّاً في منتصف الثمانينيات،

فقد ظهر في عام 1980م مجموعة من الطلاب في القاهرة سموا أنفسهم: (الطلبة الِلّيبيّون بجمهورية مصر العربيّة)، وأصدروا بيانهم الأوَّل بتاريخ 13 أبريل/ نيسان 1980م بعد إغتيال عملاء نَّظام معمّر القذّافي لمحَمّد مُصْطفى رمضان (1942م – 1980م) الإذاعي الشهير في هيئة الإذاعة البريطانيّة في لندن وصاحب كتاب: (الشعوبية الجديدة)، والذي اُغتيل عقب صلاة الجمعة الموافق 11 أبريل/ نيسان 1980م أمام مسجد (ريجنت) في لندن بسبع رصاصات غادرات أطلقتها أيد آثمة ملطخة بدم الشرفاء. وقد أصدرت هذه المجموعة بياناً آخراً بتاريخ 25 ربيع الأوَّل 1401 هجري الموافق 31 يناير/ كانون الثّاني 1981م.

وفي عام 1981م، بدأت إجتماعات بين عدد من الطلاب في فيلا بحي المهندسين بالقاهرة بغية تأسيس منظمة تخص الطلاب. أسس هؤلاء الطلاب (صندوق الطلبة الِلّيبيّين) في عام 1981م، وأجَّروا مقراً لعمل هذا الصندوق بشّارع الأعناب بحي المهندسين. ثمّ أراد هؤلاء الطلاب تحويل نشاط هذا الصندوق ليكون جزءاً من نشاط منظمة طلابيّة أكبر أيّ فكروا في تأسيس فرع لإتحاد الطلبة في مصر. اقترحت الحكومة المصريّة على هؤلاء الطلاب إقامة فرع الإتحاد الطلابي تحت مظلة (الرَّابطة الِلّيبيّة) التي تأسست عام 1978م وتمّ تسجيلها رسميّاً بتاريخ 1 سبتمبر/ أيلول 1979م تحت إسم الأستاذ عزالدّين الطاهر القمودي أحد أبرز نشطاء الجاليّة والذي ترأس الرَّابطة لمدة عامين قبل أن يُنتخب السّيّد مُصْطفى محَمّد البركي (1933م – 2007م) لرئاستها، وينتقل مقرها من الحي السّابع بمدينة نصر إلى شارع عدنان المدني بمنطقة المهندسين. ويذكر أن نشطاء الجاليّة اعتمدوا في حصولهم على تأشيرة ترخيص الرابطة على قانون الروابط والإتحادات المصري الصّادر عام 1964م.

والحاصل، أن الطلبة رفضوا إقامة إتحادهم تحت مظلة الرَّابطة، وأدى هذا الموقف الرافض إلى الدخول في صراع مع قيادة الرَّابطة الِلّيبيّة لدرجة أنّ السّلطات المصريّة (أمن الدولة) تدخلت لحسم هذا الصراع، فقفلت سّلطات أمن الدولة مقر الصندوق في شّارع الأعناب.

توقفت بعد هذه المحاولة محاولات تأسيس فرع إتحاد للطلبة في مصر، وإلى منتصف الثمانينيات!. ففي منتصف الثمانينيات، دعا مجموعة من الطلاب بمدينة مصر الجديدة إلى عقد مؤتمر للطلاب، وتأسيس فرع إتحاد الطلبة في مصر. انعقد المؤتمر في عام 1986م في أحدى الفنادق في مدينة مصر الجديدة، واختير الأستاذ محَمّد صالح بويصير مقرراً لهذا المؤتمر. لم يستطع المؤتمرون التوصل لأيّ نتيجة، وقبل الختام قدّم الأستاذ خليفة علي البكّوش اقتراحاً يقضي بتشكيل (لجنة تحضيريّة) ينتخبها الحاضرون وتعهد إليها مهمّة: إعداد اللائحة الدّاخليّة.. والقانون الأساسي.. والإعداد لمؤتمر تأسيسي قادم. قبلَ الحاضرون الإقتراح وانتخبوا أربعة أشخاص لعضويّة اللجنة التحضيريّة، والأساتذة هم: فوزي كامل السّنوُسي وخليفة علي البكّوش وشعبان إسماعيل وجمال الكشيك. أنجزت اللجنة كافة الأوراق المطلوبة، وانعقد المؤتمر الأوّل في عام 1986م في هوتيل آمون (Amoun Hotel  ) بميدان سفنكس في المهندسين، واختار المؤتمرون أوّل هيئة إداريّة لإتحاد عام طلبة ليبَيا/ فرع جمهوريّة مصر العربيّة، برئاسة الدّكتور يُوسف بوالاحباس.

وفي عام 1988م، توقف نشاط الإتحاد العام لطلبة ليبَيا / فرع جمهوريّة مصر العربيّة، بعد تطبيع علاقات نظام القذّافي بنظام حسني مبارك الذي تنحى عن الحكم في 11 فبراير/ شباط 2011م عقب إندلاع ثورة 25 يناير.              

والشاهد كان عبْدالجليل سيف النَّصر من بين الذين حضروا اللقاء الطلابي عام 1986م بمدينة مصر الجديدة، ومؤتمر الإتحاد الأوّل بفندق آمون (Amoun Hotel  )، بل كان من نشطاء الحركة الطلابيّة منذ بداية نشاطها في بداية سبعينيات القرن المنصرم.

والذي حدث، قام مجموعة من الطلاب بتكوين (جماعة الطليعة الطلابيّة)، وأصدروا سلسلة من البيانات بالتواريخ التالية: مارس/ آذار 1977م، 1 مايو/ أيار 1977م، 7 أبريل/ نيسان 1978م. وحاولت هذه المجموعة (جماعة الطليعة الطلابيّة) أثناء أحداث يناير/ كانون الثاني 1976م، تأسيس (الإتحاد العام لطلاب ليبَيا بالقاهرة)، ولكنهم فشلوا في مسعاهم وقتذاك، ونجحوا في جانب ثاني ألا وهو تعبئة جموع الطلبة ثمّ قيادتهم إلى الإعتصام الثّاني في السفارة الِلّيبيّة إحتجاجاً على حملة القمع المكثفة التي كان يمارسها النَّظام حينذاك ضدَّ طلاب الجامعات الِلّيبيّة في بنغازي وطرابلس.

انعقدت سلسلة من الإجتماعات في الفترة الواقعة مابين يناير/ كانون الثّاني وأبريل/ نيسان 1976م، ولعب فيها إبراهيم أحمَد الطياش (تُوفي في ديسمبر/ كانون الأوَّل 2008م) دوراً بارزاً مميزاً حيث يعتبره معاصري تلك الفترة بمثابة الدينامو أيّ المحرك الذي كان وراء معظم تحركات الطلاب وقتئذ. كمَا لعب أخوة آخرون إلى جانبه أدواراً مميزة، نذكر منهم: محمود الغنودي ومحمود الطويبي وإبراهيم طاهر الشّريف والسّنوُسي عبْدالقادر اكويدير وعُمر جهان الفورتية الذي وصل إلى مصر قادماً من ليبَيا في منتصف يناير/ كانون الثّاني عام 1976م.

وحينذاك، كان عبْدالجليل سيف النَّصر حاضراً بفاعلية في كافة مناشط العمل الطلابي، ومن الطلبة الذين دعوا إلى مفاصلة نظام القذّافي بالكامل، وإلى دعم الجهود الهادفة للإطاحة به، أيّ من بين الذين وصفوا وقتئذ بـ(الجذرين).

قام الطلبة الدَّارسون في العاصمة المصرية (القاهرة) في أبريل/ نيسان 1976م بالإعتصام في مقر مكتب العلاقات إحتجاجاً على ملاحقة النظام لطلبة جامعتي بنغازي وطرابلس والتنكيل بهم. أطلق السفير الِلّيبي في مصر وقتذاك – وهو ضابط يدعى ميلود الصديق – النَّار على الطلبة من نافذة المبنى لتفريقهم وفض إعتصامهم. وكان هذا الإعتصام هو الثّاني للطلبة، فالأوَّل كان يوم 8 يناير/ كانون الثاني 1976م حين أحتل طلبة القاهرة مبنى السفارة. وقد حدث نفس الشيء في لندن وواشنطن، حيث احتل نشطاء الطلبة الدَّارسين في بريطانيا مبنى السفارة بتاريخ 12 يناير/ كانون الثاني 1976م، واحتل الطلبة في الولايات المتَّحدة السفارة في واشنطن بتاريخ 12 يناير/ كانون الثاني 1976م. وكانت المطالب الطلابيّة حينئذ تتلخص في التالي: إطلاق سراح المعتقلين، ومحاكمة الجناة من عناصر النّظام، ورفع الوصايّة على الإتحاد العام لطلبة ليبَيا.

وفي المحصلة، كان عبْدالجليل سيف النَّصر من بين الطلبة الذين شاركوا في اللقاءات الطلابيّة التي كانت تُعقد في مقر الإتحاد بشارع هنداوي في الدقي ثمّ في اجتماعات نشطاء الِلّيبيّين في مصر التي كانت تُعقد في بيت السنوسي اكويدير في شارع بيروت ثمّ في شارع جزيرة العرب بالمهندسين.

كذلك، حضر عبْدالجليل اجتماعات الإعتصام الأوَّل ثمّ سافر إلى إيطاليا لظرف خاص، وعاد ليشارك في تجهيزات الإعتصام الثاني ثمّ الإعتصام نفسه في مقر السفارة في شهر أبريل/ نيسان 1976م. ويذكر أن إعتصام القاهرة الثّاني، كان الإعتصام الوحيد للطلبة الِلّيبيّين في الخارج حيث لم يقم الطلبة في الدول الأخرى إعتصامات مماثلة كمَا فعلوا في يناير/ كانون الثّاني 1976م في كلّ من لندن وواشنطن.

حكاية عبْدالجليل مع الشعر.. قصائد ومواقف

ومع الشعر كانت لعبدالجليل سيف النَّصر حكاية أخرى، والحكاية تشهد عليها مسيرة حياته المليئة بالأشعار الوطنيّة. فقد كان يطرب للشعر، ويهتم بالشعر الملتزم أيّ صاحب الرسالة والقضيّة، ويميل إلى الشعر الِلّيبي الشعبي إلى درجة التذوق. أكتشف موهبة الشعر بداخله مع إنطلاق المعارضة الِلّيبيّة في الخارج في أواخر السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن المنصرم، فكتب قصائده للوطن ولم يكتبها قط لسواه. وكتب عبْدالجليل أشعاره مؤمناً بدور الكلمة في مقاومة الظلم والطغيان خصوصاً إذا ما كانت الكلمة شعراً، والشعر كان قريباً من النَّاس، ولأجل إيصال رسالة لوطنه وشعبه.

وأزيد إلى ذلك أن عبْدالجليل لم يرتجل الشعر في حياته قط ولكنه كان صاحب صنعة بمعنى أن شعره كان يستغرق بعضاً من الوقت لكتابته، وأن أبيات قصائده كانت تمر قبل تثبتها بمراحل صارمة من المراجعة والتدقيق تخضعها أحياناً لاستبدال بعض كلماتها وتعديل بعض صورها الوصفية بل حتَّى حذف بعض الشطرات إن لزم الأمر. أمّا الارتجال فهو تفجير للطاقة أو الحالة الفنيّة أو إظهاراً لها بمعنى أو بآخر، ولكن الإبداع في حقيقته صنعة لها اشتراطاتها وأدواتها الفنيّة وربّما مفرداتها الخاصّة التي تميز كل فنان عن غيره من الفنانين.

وبلا شكّ، كان عبْدالجليل ماهراً في صناعته بحكم امتلاكه لمفاتيح الصنعة واستحواذه الكامل على أدواتها ومفرداتها. وكان شعره ذا مستوى فنيّ وأدبي رفيع بالإضافة إلى أهميّة المواضيع التي طرحها. وبالرّغم من تألق عبْدالجليل وتميزه كشاعر ملتزم صاحب شخصيّة مستقلة بأسلوبه وأدائه الشعري، إلاّ أنه كان ينظر إلى نفسه كـ(كاتب منشور سياسي) أكثر من كونه شاعراً، وهذا يدل – ومع الإقرار بتواضعه الجم – على أنه كتب الشعر تعبيراً عن موقفه من نظام القذّافي، وحرصاً منه على دفع النَّاس لمقاومة الظلم وتخليص الوطن من غاصِبيه.

بعد هذا كله، هناك من القصائد الشعبيّة ما هو سهل للتلحين بمعنى لا يجد المُوسيقي صعوبة في تلحينها وكأنها نظمت للغناء أيّ جاءت مهيأة لمشاركة الآلة الموسيقيّة والصّوت الغنائي تماماً كالشعر الغنائي أو الوجداني كما يُسمّى أيْضاً. أمّا قصائد عبْدالجليل سيف النَّصر فلم تكن من الشعر البسيط بل كانت من الشعر المركب الذي يصعب تلحينه. وهذا ليس تقليلاً من شأن الشعر الغنائي الذي يُعد بلا شكّ من أقدم أشكال الشعر في الأدب العربيّ، وأحد أصناف الشعر المهمّة. والفارق بينه وبين الشعر الآخر هو الجملة اللحنية حيث يمتاز بموسيقاه الداخليّة أي ألفاظه تُكتب – وبشكل ما – مُنّغمة، بالإضافة إلى أن تركيبته تختلف من حيث الطول والوزن وعدد المقاطع والقافية عن الشعر الآخر.

والحاصل، وصل إنتاج عبْدالجليل الشعري إلى أربعين قصيدة (6)، ومن بين أهم قصائده: قصيدة (لا هان ترابك لا هنتي)، وقصيدة (ما يغركم تبديل بعض أحواله)، وقصيدة: (قْريِّب قرِيبْ الرصاص)، وقصيدة (كبرت لوكريي)، وقصيدة (تقرير لجنة حقوق الإنسان)، وقصيدة (زعم فيك ما زال)، وقصيدة (انغر يا شعب بلادي)، وقصيدة (دعاء عام 1990م)، وقصيدة (كول العقول) المعروفة بـ(العكنسي)، وقصيدة (واجعيني ناسي )، وقصيدة (الإنتكاسة)، وقصيدة (الله الله)، وقصيدة (إن ريت الكلام)، وقصيدة (عندك عليش تثور)، وقصيدة (كل مردها) وقصيدة (يا نا اللى همي متمارع)، وقصيدة (ما زلت نا هو نا) وقصيدة: (يا غارقة في الهم يا صبارة)، وقصيدة (لْها وقت)، وقصيدة (بابا نويل هدايا عيده)، وقصيدة (الشيب في اصغار السن)، وقصيدة (ماك هاينة)، وقصيدة (حشاهم من قولة جرذان) والقصيدة التي يقول مطلعها: (إجعنك سعد تأتي بالسعيد.. على الإنسان يا العهد الجديد.. إجعنك سعد ).. وغيرها كثير.

عموماً، كتب عبْدالجليل الشعر محارباً نظام القذّافي، ومحرضاً على الثورة، وكان جزءاً من نسيج المعارضة الِلّيبيّة دون أن ينضم لأيّ تنظيم حيث أختار أن يكون مستقلاً، وعلى صلة بجميع المعارضين وكل تنظيمات المعارضة. شارك في المجلس الوطني للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبََيا بالعراق عام 1985م كضيف، وسجلت له الجبهة عدداً من قصائده تحت إسم (عبْدالكريم عطية) وبثتها في إذاعتها: (صوت الشّعب الِلّيبي – صوت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) من السّودان بين عامي 1982م و1985م، ثمّ من تشاد ما بين عامي 1987م إلى 1989م. وطبعت جبهة الإنقاذ أشرطة كاسيت تحمل قصائده، وقامت بتوزيعها، ومن أشهر تلك الأشرطة – الكاسيت الذي ضمّ قصيدته الشهيرة: (ما يغركم تبديل بعض أحواله).

وأضيف إلى ما سبق، أن عبدالجليل كتب قصائده تحت اسم مستعار هو (عبْدالكريم عطية) مراعاة لظروف إقامته في مصر التي كانت لا تريد إحراجاً مع نظام القذّافي. وأن الفضل في انتشار قصائده في البداية يرجع إلى (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) التي قامت بتوزيع إنتاجه الشعري في أشرطة كاسيت على أعداد كبيرة من النَّاس.

وبعد ثورة الإتصالات، قام محبي الشعر الشعبي بتبادل قصائد عبْدالجليل عبر أجهزة المحمول (Mobile) كذلك بنشرها في المواقع الإلكترونيّة، واليوتيوب (YouTube)، وصفحات التواصل الإجتماعي كـتويتر (Twitter) والفيسبوك (Facebook).

وأكرر مؤكداً أن متتبعي الشعر الشعبي كانوا يعرفون من هو (عبْدالكريم عطية)، وكان يعرفه معمّر القذّافي شخصيّاً وأجهزته الأمنيّة. وأن معمّر القذّافي كان يتضايق كثيراً من قصائد عبْدالجليل، ويخشى ممّا قد يترتب عليها، وكانت أجهزته بقياده عبدالله السّنوُسي تعمل على إسكات صوته عبر حشد الشعراء ضدّه، وبالتهديد تارة، والإغراء بالمال تارة أخرى. وقد اجتمع عبدالله السّنوُسي عديل القذّافي ويده الباطشة بمعارضيه ورئيس الجهاز المكلف بحمايته، بمجموعة من الشعراء الشعبيين في الجنوب الِلّيبي والمنطقة الوسطى ومدينة إجدابيا، وطلب منهم بإلحاح شديد الرد على عبْدالجليل. ولم تفلح مجهوداته إلاّ مع شاعر واحد من قبيلة القذاذفة، والذي لم يعيره عبْدالجليل أدنى اهتمام، فتكفل بعض الشعراء بالرد عليه. ولكن عبْدالجليل رد على السّلطة حينما هددته وحاولت تشويهه في قصيدة عنوانها: (مازلت نا هو نا) (7)، والتي جاء مطلعها نفس مطلع قصيدة الشاعر بوعجيلة القبائلي التي صارت ملحمة جمعت العديد من كبار الشعراء.

على أيّة حال، لم يكن عبدالله السّنوُسي هو قناة الاتصال الوحيد بالشعراء بل اتصل بهم آخرون من طرف النظام أملاً في حشدهم ضدَّ عبْدالجليل، ولكن الشرفاء من شعراءنا الشعبيين تهربوا من النظام بأعذار مختلفة تفادياً من الوقوع في مصيدة الرد على عبْدالجليل البارع في الشعر والصّادِق في قوله وموقفه.

وللأمانة، قد روى ليّ عبْدالجليل واقعتين في هذا الشأن، فقال:..".. أن النظام استدعى ذات مرَّة أحد كبار الشعراء، وطلب منه الرد على أحدى قصائدي، فرد الشاعر بحكمة وذكاء شديد على صاحب الطلب، فقال: هذا يرثي في مجده الضائع أو الذي ضاع، أما نحن أصحاب ثورة عظيمة ومجد حاضر فعندما نفقده نرثيه، ولذا لا أرى داعي ولا ضرورة للرد عليه..". والواقعة الثانيّة، حينما رد شاعر آخر على نفس الطلب، بالقول:..".. أنا لا أرد على من يشتم ويسب !!..". وبذكاء الشاعرين وفطنتهما، خرجا من المأزق أو الورطة التي حاول النظام إيقاعهما فيها، دون أن يغضبا السّلطة أو يسجل عليهما موقف كهذا.

وربّما استطرد هنا لأؤكد بأن نظام القذّافي لم يتوقف يوماً عن الضغط على عبْدالجليل بوسائل الإغراء تارة والتهديد تارة أخرى، طيلة سنوات هجرته الطويلة، من أجل إقناعه بالتنازل عن موقفه الرافض للسّلطة الحاكمة أو إقناعه ببعض أطروحات معمّر القذّافي أو إغراءه بالعودة إلى ليبََيا. عرضت السّلطة على عبْدالجليل المال والمنصب، واستخدمت في ضغطها عليه كل الوسائل وفي مقدمتها العلاقة التاريخيّة التي جمعت بين قبيلته (أولاد سُليْمان) وقبيلة (القذاذفة) فقد كان القذاذفة تاريخياً موالين على الدوام لأولاد سُليْمان تحت الزّعامة الطويلة والأكيدة لآل سيف النَّصر، ومن صميم عصبتهم. أرسلت السّلطة لعبدالجليل وسطاء من معارفه، واتصلت به عبر سيّد قذاف الدَّم ثمّ أخيه أحمَد قذف الدّّم ثمّ سيف إبن المقبور، إلاّ أن عبْدالجليل سيف النَّصر أكد لجميع الوسطاء بأنه لن يرجع إلى ليبَيا والقذّافي حاكماً لها، ولن يساوم وإلى آخر نبض في عروقه، ولن يقبل الإغراءات، ولن يخضع للتهديدات، وأنه سيواصل مشواره وإلى آخر مدى حالماً بوطن حرّ راسخاً في القلوب.

وربّما من المفيد هنا الإشارة إلى إتصال النظام بعبْدالجليل للقاء معمّر القذّافي في القاهرة في أحدى زيارات الأخير لجمهورية مصر في النصف الأوَّل من تسعينيات القرن المنصرم. اتصل وسيط من طرف أحمَد قذاف الدّم بعبدالجليل سيف النّصر، وقال له:..".. طلب مني أحمَد قذاف الدَّم الاتصال بك، وإعلامك بأن معمّر القذّافي يود لقائك !. فما هو رأيك وردّك ؟..". أجاب عبْدالجليل، قائلاً:..".. لقد سبق وأن التقيت بأحمَد قذاف الدّم فشرحت له موقفي ووجه نظري، وقلت له ما يجب أن يقال في حق نظام أهلك الحرث والنسل. وكان يجب على أحمَد، أن ينقل لإبن عمّه ما قلته له، ويبدو أنه خاف على نفسه ولم يفعل ذلك. على أية حال، لا أرى حقيقة جدوى وفائدة مرجوة من لقائي بالقذّافي. ولكن يمكن أن التقي به بشرط ألا يكون اللقاء في إطار احتفالي بزيارته لمصر، وألا أُجمع مع المداحين والمهللين والطبالين لشخصه. وبشرط أن يحضر أحمَد قذاف الذّم اللقاء، ويعلم بأنني سوف أقول لإبن عمّه ما سبق وأن قلته له بل ربّما أكثر من ذلك بكثير لأن إبن عمّه هو المسئول الأوَّل والأخير عن كل عذاباتنا والمآسي التي لحقت بنا..".

ومجمل القصّة أن الوسيط لم يتصل مجدّداً بعبدالجليل، لأن أحمَد قذاف الدَّم كان على يقين بأن عبْدالجليل سيقول للقذّافي ما وعد أن يقوله له، وحينها ستكون ردة فعل القذّافي غاضبة جداً والتي ستشمله مؤكداً كما شملته في نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأوّل من عام 1991م حين جرده القذّافي من امتيازاته على مدار شهور ونقله من القاهرة إلى مدينة طبرق خادماً في أحدى المعسكرات.

كانت هذه آخر محاولة من طرف أحمَد قذاف الدّم مع عبْدالجليل سيف النَّصر حيث أيقن أنه سيُسمع معمّر القذّافي إذا ما قابله كل ما ينوي إسماعه له، عندها ستكون ردة فعل القذّافي تجاهه أيّ (أحمَد قذاف الدّم) أعنف من كل المرَّات السّابقة، وهذا يكفي لإيقاف المحاولات في هذا الاتجاه. دخل بعد ذلك سيف القذّافي على الخط عبر وسيط من أقارب عبْدالجليل، فتمكن الوسيط من جمع سيف بعبدالجليل في أحدى الأجنحة الرئاسيّة بفندق فور سيزون (Four Seasons) بمنطقة الجيزة في القاهرة، وكان ذلك يوم جمعة الموافق 7 مايو/ أيار 2010م وهو نفس اليوم الذي التقى فيه سيف بالكاتب محَمّد حسنين هيكل والذي قابله بعد خروج عبْدالجليل مباشرة منه. وكان سيف القذّافي قد وصل إلى القاهرة يوم الثلاثاء الموافق 4 مايو/ أيار 2010م في زيارة دامت حتَّى ليلة يوم الجمعة الموافق السابع من نفس الشهر، وألقى يوم الأربعاء الموافق 5 مايو/ أيار محاضرة بعنوان: (ماضي وحاضر ومُسْتقبل ليبَيا)، في قاعة (باسيلى) في الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة.

استمع سيف القذّافي باهتمام شديد إلى عبْدالجليل، وقال عبْدالجليل له ما كان ينوي أن يقوله لأبيه، هذا ما قاله ليّ عبْدالجليل شخصيّاً بعد سماعي لخبر لقائه بسيف، وذلك مساء يوم الاثنين الموافق 10 مايو/ أيار 2010م حينما التقيته في كوستا كافيه (Costa Coffee) بحي المهندسين.

وحينما اعتقدت السّلطة أنها منحت عبْدالجليل الفرص الكافية لمراجعة موقفه المضاد لها، وقدمت كل الضمانات الممكنة والعروض المغرية، نقل وسطائها لعبدالجليل رسائل تهديدية لعله يتراجع عن موقفه ويستجيب لعروضها أو يفهم بأن التهديد الذي وصله هذه المرَّة سينفذ حتماً إن لم تصدر منه إشارة تفيد بالقبول. وصلت الرسالة الأخيرة إلى عبْدالجليل قبل إندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م بفترة قصيرة، فرد عليها بقصيدة (ما زلت نا هو نا) التي عبر فيها عن موقفه الثابت من نظام القذّافي، والذي لا رجوع عنه ولا مساومة عليه. وجاءت الأبيات المختارة من القصيدة (8)، كمَا يلي:

مازلت نا هو نا *** عنوان للصمود ورفض للتطغا *** سبيل عادتي مازال

مازال شامخ خشمي

ومازال يدالف هوايج طشمي

ومازلت نغشم كي تجي للغشمي

عنيف صلب مانقبل بلستخذا

ومازال يصعب بالنقايص وشمي

عصيت عالتمنديفه وعالتغوا

ومازلت في عينة المولى عشمي

قوي بيه نتقا جميع ابلا

ومازلت هشمة من تشاها هشمي

ومازلت للبغضي امراض الداء

*****

مازال سيفي ماضي

ومازال عالطاغي اعناف غياضي

ومازال حرفي ومنطقي والفاظي

خطوط نار ممنعهن على التخطا

ومازال مزمومة زلال احواضي

سبيل للضمايا في شحوح الماء

ومازال تفتيح الزهر في رياضي

زها للانظار وللاشمام شذا

ومزال شوافة اكنان الحاظي

رود للارجاع ومحظرة الاسواء

ومازلت نستلهم امجاد الماضي

ومازال ليا بالجديد عنا

ومازلت مانرضى ولاني راضي

علي من تعدا عالحقوق سطا

ومازلت للحظة اوخاذ غماضي

ونا للمبادي الساميات وفاء

ومازلت لونحيا نصيع بياضي

ولو نموت لاستشهاد لي احيا

*****

مازلت رافع راسي

ومازال عودي فالطقاشة قاسي

ومازال فيا من مأثر ناسي

عزم وعصر بيهن شبع ورواء

ومازال مايامن خصيمي باسي

انكان نتبشت العاصفة النكباء

ومازلت مرهف للضعيف احساسي

ومازلت عالطاغوت نار حما

ومازلت في الآم الجريح نواسي

بكل مااوتيت وما الله عطا

ومازال نبّات النمات غراسي

ومازال وهجي في لحلاك اضواء

ومازلت من راسي لطرف مداسي

نقي مالشوايب ماهواني داء

مصير من اشعبط في حفاف مهراسي

وجاه دق مايجنتي يريح هباء

كبار الزوابع ماتغابر ساسي

يابال زيطة محترف تفساء

ثورة 17 فبراير، وعودة عبْدالجليل إلى أرضِ الوَطنِ

image

بعد إندلاع ثورة 17 فبراير، كان عبْدالجليل سيف النَّصر ضمن أعضاء الجاليّة الِلّيبيّة في القاهرة الذين تظاهروا أمام مقر جامعة الدول العربيّة بغية دفع الجامعة لإدانة نظام القذّافي وأخذ موقفاً يخدم مصالح الشّعب الِلّيبي. نظمت الهيئات التنسيقيّة للناشطين الِلّيبيّين في مصر مجموعة من المظاهرات أمام مقر السفارة في الزمالك ومقر المندوبية في الدقي ثمّ تظاهرات أمام مقر جامعة الدول العربيّة لحث الجامعة لإتخاذ الإجراءات اللازمة لتلبية مطالب الشّعب الِلّيبي في إنهاء دولة الاستبداد وإقامة دولة العدالة والحريّة والديمقراطيّة.. ووقفات استنكار أمام سفارات الصين وروسيا وفنزويلا في القاهرة.. وملتقيات لنشطاء الجاليّة، أهمها: (ملتقى الناشطون الِلّيبيّون في مصر) الذي انعقد يوم السبت الموافق 23 أبريل 2011م بالقاهرة بغرض بحث خيارات وسبل التنسيق لدعم الثورة الِلّيبيّة المباركة، والملتقى الذي تمّ انعقاده بتاريخ 28 مايو/ أيار 2011م إحياءً لذكرى رحيل مؤسس الدولة الِلّيبيّة الملك إدْريْس السّنوُسي رحمه الله.. ووقفات احتجاجية أخرى، أهمها وقفة ظهر يوم السبت الموافق ٢٦ مارس/ آذار 2011م أمام مقر نقابة الصحفيين بالقاهرة، والتي انبثق عنها إعلان الدّكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السّياسيّة ومعه عشرة (10) نشطاء سياسيين مصريين عن مبادرة: (مصريون من أجل ليبَيا الحرَّة) لدعم الشّعب الِلّيبي والتضامن معه. وقد لعبت الأستاذة فاطمة الزهراء أحمد لنقي المنسقة الإعلاميّة للجالية الِلّيبيّة في مصر دوراً بارزاً في الإعداد لهذه المظاهرات والملتقيات، وفي ربط نشطاء الجالية الِلّيبيّة بوسائل الإعلام المصريّة والعربيّة والعالميّة.

علي أية حال، استجابت جامعة الدول العربيّة للضغوطات الشّعبيّة ومطالب النخبة السّياسيّة الِلّيبيّة فقررت في خطوة غير مسبوقة آنئذ، في اجتماعها الطارئ الذي عقدته في القاهرة يوم 22 فبراير/ شباط 2011م، تجميد عضوية نظام القذّافي بالجامعة كذلك إدانة استخدامه للعنف في قمع المظاهرات السلمية. وفي مارس/ آذار 2011م، أصدرت الجامعة قراراً بالطلب من مجلس الأمن الدّولي بفرض حظر جوَّي على ليبَيا بهدف حماية المدنيين من قتل نظام معمّر القذّافي لهم.

وربّما أستطرد هنا لأضيف بأن الدول الستة لـ(مجلس التعاون الخليجي) التي اجتمعت يوم الخميس الموافق 10 مارس/ آذار 2011م في الرياض، كانت قد أكدت بالإجماع في اجتماعها المذكور على عدم شرعيّة نظام معمّر القذّافي، وضرورة إجراء إتصالات مع المجلس الوطنيّ الانتقالي. ودعت دول المجلس، جامعة الدول العربيّة إلى تحمل مسئوليّاتها بإتخاذ الإجراءات اللازمة لحقن الدماء وتحقيق تطلعات الشّعب الِلّيبي، ودراسة السّبل الكفيلة لتحقيق ذلك، بما فيها دعوة مجلس الأمن الدّولي لفرض حظر جوّي على ليبَيا لحماية المدنيين. وفي إجتماع جامعة الدول العربيّة الذي عُقد بالقاهرة يوم السبت الموافق 12 مارس/ آذار 2011م برئاسة يُوسف بن علوي وزير خارجيّة سلطنة عُمان، تمكّن المجتمعون من الحصول على توافق عربيّ يقر بفرض حظر جوَّي بعد انقسام حاد جرى بين تيارين أحدهما سُمّي بتيار (الموافقة) تزعمته دول مجلس التعاون الخليجي، والثّاني بـ(الرفض) تزعمته الجزائر وسوريا والسّودان واليمن.

وفي ختام الإجتماع الطارئ، صدر بيان عن الجامعة دعت فيه مجلس الأمن الدّوليّ إلى تحمل مسئوليّاته بفرض منطقة حظر جوَّي في الأجواء الِلّيبيّة لمنع الطيران العسكريّ لقوَّات القذّافي من قصف الشّعب الِلّيبي الأعزل، وتوفير مناطق آمنة للشّعب الِلّيبي لحمايته من الآلة العسكريّة لقوَّات نظام القذّافي.

وقد لعب عبْدالمنعم الطاهر الهُوْني بعد استقالته في 20 فبراير/ شباط 2011م من منصبه كمندوب للنظام في جامعة الدول العربيّة وانضمامه لثورة 17 فبراير دوراً مهماً في ربط المجلس الوطنيّ الانتقالي بالأمانة العامّة للجامعة العربيّة، وحث الجامعة على الاستجابة لمطالب الشّعب الِلّيبي بعدما تشكل المجلس في بنغازي يوم 27 فبراير/ شباط 2011م وأُعلن رسميّاً عنه يوم 5 مارس/ آذار 2011م.

وربّما أٌشير في هذا السّياق أيْضاً إلى ما حدث في ذلك اليوم حيث تظاهر العشرات من أبناء الجاليّة الِلّيبيّة في مصر أمام مقر جامعة الدول العربيّة لحث المجتمعين لإتخاذ الإجراءات اللازمة لإيقاف الآلة العسكريّة لنظام القذّافي والاستجابة لمطالب ثوار 17 فبراير.. ولقاء وفد من الِلّيبيّين بالأمين العام للجامعة العربيّة. التقى وفد من الِلّيبيّين – وقبل الإجتماع الطارئ بساعة تقريباً – مع عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربيّة، في إحدى صالات الاجتماع بمقر الجامعة، من أجل حثه على إتخاذ قرار لحماية الِلّيبيّين من الآلة العسكريّة لقوَّات القذّافي والوقوف مع الشّعب الِلّيبي ودعم مطالبه العادلة. وكنت أنا ضمن أعضاء الوفد وبجانبي كل من: أمل الترهوني، وهاني حسن سفراكس، ومعز بونخيلة الذي قام بكافة الإتصالات التي سبقت اللقاء ثمّ بالترتيبات اللازمة لعقده. وقد سلم معز بونخيلة عضو الوفد إلى معالي الأمين العام: علم الإستقلال، ومجموعة من الصور التي تبين بشاعة نظام القذّافي وإجرامه، ورسالة من (ائتلاف الثورة في مصر) تؤكد على مجموعة من المبادئ والقيم وتطالب الجامعة بتحمل مسئوليّاتها تجاه الشّعب الِلّيبي.

ومن جديد، كان عبْدالجليل من نشطاء الجاليّة الذين تظاهروا أمام سفارة نظام معمّر القذّافي في الزمالك التي كان يشغل منصب سفيرها علي ماريا، وأمام مقر المندوبية بحي الدقي الذي شغل الرَّائد عبْدالمنعم الهُوْنِي منصب رئاستها حتَّى تاريخ 20 فبراير/ شباط 2011م، ورفعوا (علم الإستقلال) فوق المندوبية ثمّ السفارة، ومارسوا ضغوطاً مختلفة على أعضاء ِالبعثة الِلّيبيّة لدى جامعة الدول العربيّة وأعضاء السفارة ليستقيلوا وينشقوا عن النظام. ويذكر أن الرَّائد عبْدالمنعم الهُوْنِي، استقال من منصبه كمندوب لليبَيا لدى جامعة الدول العربيّة في 20 فبراير/ شباط 2011م، وجاءت استقالته ضمن سلسلة من الاستقالات والانشقاقات في نظام القذّافي شملت جميع المجالات الوزارية والدبلوماسيّة والأمنيّة منذ إندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط.

وبعد تدشين قناة (ليبَيا الأحرار)، طار عبْدالجليل سيف النَّصر إلى الدوحة العاصمة القطريّة ليشارك في برامج القناة التي تأسست بهدف إنجاح الثورة، وإيْصال صوت الثوار إلى العالم كافة. سافر عبْدالجليل إلى الدوحة بدعوة من الأستاذ محمود شمّام رئيس القناة، ليسجل عدداً من قصائده الشعبيّة لفضائية الأحرار التي انطلقت يوم 30 مارس/ آذار 2011م، وكانت قصيدة: (حشاهم من قولة جرذان) من بينها، وهي القصيدة التي رد فيها الشاعر على خطاب معمّر القذّافي المؤرخ بيوم الثلاثاء 19 ربيع الأوّل 1432 هجري الموافق 22 فبراير/ شباط 2011م، والذي وصف فيه نفسه بالمجد، فقال: (أنا الثورة، أنا المجد، أنا بدوي ثائر من الصحراء، من الخيمة)، وقال مهدداً ثوار 17 فبراير والشّعب الِلّيبي: (من أنتم ؟)، ثمّ أجابهم: (أنتم الجرذان) – الوصف الذي استحقه هو بجدارة حيث هرب ساعة المواجهة كـ(الجرذ) تحت الأرض، داخل ماسورة تصريف مياه الأمطار.

وفي يونيه/ حزيران 2011م، سافر عبْدالجليل سيف النَّصر براً من القاهرة إلى مدينة بنغازي عاصمة الثورة وحاضنتها، ومقر سكن والدته وشقيقه الوحيد عبْدالسّلام. استقبلته بنغازي استقبالاً شعبياً حافلاً، لم يحظ به غيره من معارضي القذّافي في الخارج. وأعتلى خشبة المسرح بساحة محكمة شمال بنغازي، وألقى عدداً من قصائده من بينها قصيدة (حشاهم من قولة جرذان). وتقاطر على مقر إقامته في جليانة ببيت أخيه عبْدالسّلام، أعداد كبيرة من النَّاس للسلام عليه وتهنئته بالرجوع منتصراً مرفوع الرأس إلى أرض الوطن، وجاء آخرون للاتفاق معه على مواعيد محددة لعقد أمسيات شعرية له أو طبع قصائده في ديوان أو دواوين.

image

وبدعوة من إتحاد الكتّاب الِلّيبيّين في مدينة بنغازي، حضر عبْدالجليل الأمسية الشعرية التي أقامها الإتحاد مساء يوم الجمعة الموافق 24 يونيه/ حزيران 2011م، والتي خُصِصت لدور الشعر الشعبي في مقاومة نظام القذافي ثمّ ثورة 17 فبراير، والتي أدارها الأستاذ طارق الشرع وتحدث فيها الراوي المتميز سُليْمان عَلي الساحلي. وقد توقف الساحلي طويلاً عند شعر عبْدالجليل سيف النَّصر كونه لم يقل من الشعر إلاّ ما قاله للوطن، وكون قصائده سجلت تقريباً كل مراحل نضال الشّعب الِلّيبي ضدَّ نظام معمّر القذّافي، وبالمختصر المفيد فقد وثقت قصائده لسنوات حكم القذّافي التي امتدت لأربعة عقود من الزمان.

وفي يوم الثاني، تقابل الصّحفي عيسى عبْدالقيوم مع الشاعر عبْدالجليل سيف النَّصر في فندق (تبيستي) ببنغازي، وكان ذلك يوم السبت 23 رجب 1432 هجري الموافق 25 يونيه/ حزيران 2011م. قام عبْدالقيوم بتسجيل حديث سريع مع شاعرنا الكبير، أطلق عليه (دردشة)، ونشره في مدونته جورنال ليبَيا (Libyan Journal) في شهر أغسطس/ أب 2011م، ثمّ نقلته عنه بعض المواقع الإلكترونيّة والصفحات الشخصيّة.

وبعد أمسية إتحاد الكتّاب الِلّيبيّين في بنغازي، استقبلت مدينة درنة الشامخة عبْدالجليل استقبالاً كبيراً يليق بمقامه كمناضل وشاعر فحل، ومنحته العضوية الشرفية لاتحاد الأدباء والكتَّاب والمفكرين الِلّيبيّين فرع درنة، وأقامت له أمسية شعرية أدارها الأستاذ عبْدالحميد بطاو، ووقف هو فيها مردداً أشهر أبيات قصائده.

أقامت مؤسسات المجتمع المدني في بنغازي وغيرها من المدن الشرقيّة، أمسيات شعرية لعبدالجليل سيف النَّصر ثمّ قامت بتسجيلها على أسطوانات سي دي (CD) ووزعتها على الجمهور. ونشر نشطاء الإنترنت بعدئذ مقاطع فيديو من أمسياته الشعرية في اليوتيوب (YouTube)، والمواقع الإلكترونيّة، والصفحات الشخصيّة في الفيسبوك (Facebook). ويُذكر أيْضاَ أن (تلفزيون بنغازي) سجل قصائد عبْدالجليل بصوته كمَا قامت (إذاعة شحات) بنفس الشيء.

image

آخر قصائده

استقبلت جموع النَّاس المتجمهرة في (ميدان التحرير) بساحة محكمة شمال بنغازي، عبْدالجليل سيف النَّصر حينما اعتلى خشبة المسرح ليصافحهم ويردد على مسامعهم شيئاً من قصائده، بحبّ وتقدير كبيرين، ووقفوا له وقفة احترام ترافقها صيحات التكبير ثمّ موجات هائلة من التصفيق الحار، انهمرت دموع عبْدالجليل على خديه ووجه عينيه إلى الأرض، فهتف الجمهور له بصّوت واحد: (أرفع رأسك فوق، أنت ليبي حرَّ)، فمسح دموعه ووجه نظره إلى الجمهور باحترام شديد ثمّ بدأ في إلقاء أبيات قصيدة: (حشاهم من قولة جرذان).

وحين قابله الصّحفي عيسى عبْدالقيوم في فندق (تبيستي)، وسأله عن تسجيل مراحل الثورة من خلال القصيدة، فقال له:..".. هل قصيدة: (حشاهم من قولة جرذان) آخر قصائدك، هي البداية لتسجيل مرحلة الثورة ؟..". أجاب عبْدالجليل، قائلاً:.. ".. للعلم فقط قصيدة: (حشاهم من قولة جرذان)، لم تكن أخر قصيدة، هناك قصيدة أخرى يقول مطلعها (اجعنّك سعد تأتي بالسعيد، على الإنسان يا العهد الجديد، اجعنّك سعد (9))..".

image

إذن، قصيدة: (اجعنّك سعد) هي آخر قصيدة كتبها وخطها الشاعر الرَّاحل عبْدالجليل سيف النَّصر الذي سيبقى ذكره على ألِسنة الِلّيبيّين أبد الدهر كونه شاعر الثورة وأمير الحرف الشّعبي. أتمنى أن يدلنا أحد عن أوَّل قصيدة كتبها الرَّاحل في حياته بعد أن عرفنا آخر قصائده، والتي تقول أبياتها:

اجعنّك سعد تاتي بالسعد *** على الإنسان يا العهد الجديد

تاتي بالنفع *** وبالترقاي ف أدراج الرفع

هدر القدر يلقالا منع *** ونبض العز يسري ف الوريد

وافق الفكر ياجدبك وسع *** ويصفي الجو م الغيم اللبيد

يموت الحقد.. ويزول الدشع *** ويمحي الظلم من جذرا يحيد

اروي الضميان والجايع شبع *** بقوت خلال يتارع رفيد

وللالام واسطار الوجع *** بلسم عون بالحنة ضميد

اجعنّك سعد،،،،،،،،،،

تاتي بالإفراج *** اجعنّك سعد وإسعادك أدراج

اجعنّك خير يكفي للرواج *** اجعنّك فجر للجيل الجديد

اجعنّك فيك ننهو لازدواج *** اجعنّك بيك نصلو للمفيد

اجعنّك عام صيحة لاحتجاج *** على الطغيان بالصوت المديد

اجعنّك باب يبعث لابتهاج *** روق لنفوس شغشبها الصهيد

وجعن لقلوب تصفا ولامهاج *** واجعن لافهام تسمو للمزيد

اجعنّك سعد،،،،،،،،،،

تاتي بالأمان *** ولاطمئنان لعموم لإنسان

وشرع الحق يُفسحلا المكان *** بسلس ولين واشفاقه وديد

وللمحروم من دفو لأوطان *** اتخفف ماه من وطن الجليد

يعود لأهل يروي م الحنان *** اللي مفقود والغاشي بعيد

يزول كداه يزهالا الزمان *** صهد لأشواق يلقالا بريد

عدد ما عاش ف الغربة هوان *** ان عاد يهون تغريبا وكيد

اجعنّك سعد،،،،،،،،،،

تاتي بالسقم *** وياجد فيك لبنادم حرم

ويجن لحقوق لأصحاب القلم *** ونور الفهم تاثيرا يزيد

وعدل الله يبدا هو المزم *** وهو المعيار لأمة تستفيد

وبين الناس لأصول الحكم *** بلا استبداد للباطل سنيد

خوت حرار يحيو في كرم *** لام أقزام.. لا هم م العبيد

اجعنّك سعد،،،،،،،،،،

تاتي بانتصار *** الحق ورفع رايات لأحرار

وشمس العدل تفرشها نهار *** ضحاه ايخب في الضي البديد

فلول الجهل تُمنى باندحار *** جحافل نور ظلمتهن تبيد

وللتاريخ يرجع لاعتبار *** ويمحى الزيف والفكر البليد

وبالإقناع باللين الحوار *** بدون ادغان للضغط الشديد

وحريات تكفل لاختيار *** بين الغث والرأي السديد

وخلق مناخ صحي للصغار *** يشبو فيه عالخلق الحميد

يلاقو الانس ف ربوع الديار *** ولاستقرار والأمن الوطيد

ودور العلم تطارح أثمار *** بشاير وعد مستقبل سعيد

ولاقتصاد ينعم بأزهار *** يهاي سبل للعيش الرغيد

نما وأعمار شامل وادخار *** معا انفتاح عاللي هو مفيد

ويفشي العرف يسمو بالأفكار *** وياسع لأفق والحكمة تزيد

في مجتمع صاعد باقتدار *** نحو المجد علياءا يشيد

بقيم الخير وأخلاق لأبرار *** وبالمعروف والنهج الرشيد

ولمساواة تطبيق وشعار *** قضاء وعدل والقانون سيد

وأمر القوم شور ومستشار *** على لاصلاح بالجهد الجهيد

وحق الفرد في حق الخيار *** بعد الوعي وإدراك المفيد

اجعنّك سعد…

اجعنّك سعد تاتي بالسعد *** على الإنسان يا العهد الجديد

وَفَاتِه

بعد أسابيع قليلة من مغادرة عبْدالجليل ليبَيا، داهمته أزمة قلبيّة في بيته الكائن في مقر عمله بمزرعته بالفيوم، وانتقل بعدها مباشرة إلى جوار ربه فجر يوم الخميس الموافق الثامن من شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2011م. ودُفِن في الأرض التي توسد ترابها عبْدالجليل جده، وإمحمد عمّ والده، وغيث إمحمد إبن عمّ والده، وعائشة وخديجة عمتا والده حيث دُفِن بمقابر العائلة بالقارون في الفيوم، وأقيمت له ليالي العزاء في الفيوم والقاهرة وبنغازي وسبها.

وأطلقت أحدى كتائب الثوار في سبها بعد وفاتِه اسمه على كتيبتها، وأقامت أحدى جامعات بنغازي حفل تأبين له. فعلى تمام الساعة السّابعة من مساء يوم 29 سبتمبر/ أيلول 2011م، أقامت جامعة العرب الطبية حفل تأبين للشاعر الرَّاحل عبْدالجليل سيف النَّصر في مدرج سناء محيدلي بمشاركة بعض الكتَّاب والأدباء والشعراء الشعبيين. ونشرت الصحف المحليّة والمواقع الإلكترونيّة بعض قصائده وأشعاره، ويذكر أن عبْدالجليل لم يقم في حياته بجمع أشعاره في ديوان أو دواوين بل اكتفى بنشر قصائده مفردة في تسجيلات صوتية عبر الكاسيت ثمّ المواقع الإلكترونيّة.

وبعد وَفَاتِه، رثاه الشّاعر عبْدالقادر أحمَد بوهدمة الشهير بإسم (الإجدابي) في قصيدة شعبيّة جميلة نشرها بصوته في مدونته: (شؤون ليبيّة) وبعض المواقع الإلكترونيّة الأخرى، جاء مطلعها كمَا يلي:

الدايم الله يا عبْدالجليل ** الموت حيل ** يا شيّال روز الهم الثقيل

ثمّ رثته الشاعرة بدرية إبراهيم الأشهب في قصيدة رائعة، يقول مطلعها:

نعزيك يا وطن ولنا العزا           في عبْدالجليل اللي شهير نباه

الخَاتِمَة

أحب عبْدالجليل سيف النَّصر الوطن، وكان يعذبه البُعد عنه، فعبر في معظم أشعاره عن اشتياقه الجارف للوطن، وكانت شطرة من شطرات قصائده الأكثر تعبيراً عن هذا الحنين والاشتياق، فقال: ( يا وطن الشمس الحراقة يَبَّسنا مِن بَرد جِفاك).

سَكَنَ الوطن بداخل عبْدالجليل فتحرك من أجل إنقاذه فأرسل الطاغية له وفوداً لإغرائه تارة، وتهديده تارة أخرى، وبعد فشله في كل مساعيه أراد إسكات صوته حتَّى لو وصل الأمر إلى القتل فأكرمه المولى عز وجل قبل وفاتِه برؤية شعبه يثور ضدَّ سلطة الظلم والطغيان ثمّ بحضور لحظة تحرير طرابلس وقبلها تحرير مدينة بنغازي وكافة المدن بالمنطقة الشرقيّة بعد أيام قليلة من إنطلاق ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م.

انتقل إلى جوار ربه تاركاً ورائه تاريخاً حافلاً بالمساهمات النضاليّة والأشعار الوطنيّة التي ستخلد اسمه أبد الدهر…

تَرَكْت ذَكَرَاً فِي بِلادِك *** وَالذِّكْر بَعْد الْمَوْت عُمَر (10)

رحم الله عبْدالجليل سيف النَّصر رحمة واسعة، وسلام وتحِيّة إلى رُوْحَه في عليَاء ملكُوْتِهَا.

مِرْفق الوَثائِق

image

مِرِْفق الصّوَر

الصُوَرَة الأولى: صُوَرَةُ شخصيّةُ لعبدالجليل سيف النَّصر بعد عودته إلى بنغازي صيف 2011م، سبق نشرها في المواقع الإلكترونيّة بعد خبر وفاتِه.

الصُوَرَة الثّانِيَة: صُوَرَة خاصّة من أرشيف المؤلف تُنشر لأوَّل مرَّة، وتجمع كلّ من: سيف النَّصر عبْدالجليل سيف النَّصر وزير الدَّفاع يلبس الطربوش، ثمّ السِّيّد علي لنقي، ويأتي بعده الأستاذ سُليْمان الصلابي محرر العقود وهو يلبس الطربوش، ويظهر خلفه الأستاذ أحمد راغب الحصائري وزير الدَّفاع في عهد عبْدالمجيد الهادي كعبار الذي استمرت حكومته من مايو/ أيار 1957م إلى أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1960م.

الصُوَرَة الثّالِثة: يرجع تاريخ الصُوَرَة إلى سنة 1954م. نشرها المؤلف لأوَّل مرَّة في صيف 2009م في سلسلته المعنونة بإسم: (رجال حول الملك) المنشورة في موقع: (ليبَيا المُسْتقبل). ويظهر في الصورة: الملك إدْريْس السُّنوُسي، والسّيِّد سيف النَّصر عبْدالجليل (والد الفقيد) الذي كان يشغل آنئذ (نائب ولي فزَّان)، ومكانها مدينة البيضاء.

الصُوَرَة الرَّابعَة: صُوَرَة خاصّة من أرشيف المؤلف تُنشر لأوَّل مرَّة، وتجمع بين الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي، وسيف النَّصر عبْدالجليل سيف النَّصر وزير الدَّفاع، ومكانها مطار بنينة في بنغازي، وتاريخها يرجع لعام 1964م.

الصُوَرَة الخَامِسَة: صُوَرَة شخصيّة للشّيخ عبْدالسّلام الكزّة، سبق نشرها في الكتب التاريخيّة والمواقع الإلكترونيّة، وتكاد تكون هي الصورة الوحيدة المتداولة له، وقد سبق للمؤلف نشرها في الحلقة الرَّابعة من سلسلته: (بَيْتُ الرِجَال.. آل سيف النَّصر، تاريخ عائلة وسيرة أبطال) المنشورة بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل) في شهر ديسمبر/ كانون الثاني 2009م.

الصُوَرَة السّادِسَة: رأس الهلال بليبَيا بعدسة عبْدالقادر أحمَد بوهدمة.

الصُوَرَة السّابعَة: مكان الصُوَرَة بيت عبْدالسّلام شقيق الفقيد بجليانة في بنغازي، وتجمع من اليمين، وبالترتيب وقوفاً: عوض الفيتوري، السّنوُسي محَمّد بسيكري، عبْدالجليل سيف النَّصر، رشيد مُصْطفى بسيكري، شابان من لآل سيف النَّصر (أبناء عمّ الفقيد) بعدهم يظهر أحمَد خليفة بسيكري في الركن ثمّ عبْدالسّلام سيف النَّصر في الطرف في نهاية الصف وقوفاً. ويظهر في الصورة جلوساً كل من: مُصْطفى محَمّد بسيكري وعبْدالوهاب محَمّد بسيكري.

الصُوَرَة الثامِنَة: في صيف 2011م في صالة (فينسيا) ببنغازي في أمسيّة شعريّة، تضم – وبالترتيب – كل من: عبْدالجليل سيف النَّصر، إبراهيم عبدالله قدورة، عبْدالقادر أحمَد بوهدمة، أبوبكر عبدالله قدورة.

الصُوَرَة التّاسِعَة: الشّاعر الرَّاحل عبْدالجليل سيف النَّصر والصّحفي عيسى عبْدالقيوم، ومكانها فندق (تبيستي) في بنغازي، وتاريخها يوم السبت الموافق 25 يونيه/ حزيران 2011 م. نشرها الأستاذ عيسى عبْدالقيوم في مدونته جورنال ليبَيا (Libyan Journal) في شهر أغسطس/ أب 2011م، مرفقة مع الحوار السريع الذي أجراه مع الفقيد الرَّاحل بتاريخ 25 يونيه/ حزيران 2011 م.

مُلاحَظّات وَإشَارَات

1) المقالة: اعتمدت في هذه المقالة في الجزء الخاصّ بتاريخ عائلة الفقيد على السلسلة التي كتبتها عن عائلة سيف النَّصر تحت عنوان: (بَيْتُ الرِجَال.. آل سيف النَّصر، تاريخ عائلة وسيرة أبطال) المنشورة بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الثاني 2009م. واعتمدت في الجزئية الخاصّة بالفقيد، على المعلومات التي أدّلى بها والده ليّ في لقاءاتنا المتكررة في بيته بالجيزة. وهناك فقرات أخرى في المقالة، كان الاعتماد فيها على مصادر أخرى سيجدها القارئ مذكورة بالتسلسل أسفل المقالة.

2) قصيدة (سبحان اللّي هنتك): عند قدوم السِّيّد سيف النّصر عبْدالجليل المولود عام 1928م، إلى بنغازي في شهر أبريل/ نيسان 1952م أيّ بعد أربعة شهور من إستقلال ليبَيا، استقبله في بنغازي ناصر عبْدالسّلام الكزّة أخ زوجته. وفي أحدى الليالي، وفي لحظة تجلي، قال سيف النّصر بعض الأبيات من قصيدة (سبحان اللّي هنتك) فأُعجب الكزّة بالأبيات التي سمعها، فطلب منه – وبإصرار شديد – أن يقولها كاملة من جديد، فاستجاب الشّاعر لطلبه، وتحقق مراده. ويبدو أن ناصر الكزّة، أخبر عُمر باشا الكيخيا عن جمال القصيدة التي سمع، فعلق بذهن الباشا مطلع القصيدة منتظراً فرصة تجمعه بسيف النّصر !!.

وبعد حوالي شهرين، سافر سيف النّصر إلى القاهرة براً، فتوقف في الإسكندرية للراحة بفندق سيسيل (Cecil hotel) الذي يُعرف حالياً بإسم سوفيتيل سيسيل الإسكندرية (Sofitel Cecil Alexandria) فتصادف مع عُمر باشا الكيخيا الذي كان نزيلاً بنفس الفندق، فطلب الباشا من سيف النَّصر أن يكتب قصيدة (سبحان اللّي هنتك) له، فأخرج سيف النّصر من حقيبته دفتر وقلم وكتب القصيدة بخط يده. طلب الباشا على الفور من أحد مرافقيه جلب آلة كتابة لطباعة القصيدة، فتمّ له ما طلب. وصلت القصيدة بعدئذ إلى الكثيرين، فأضاف إليها بعض الشعراء الشيء الكثير فغدت ملحمة جمعت العديد من كبار الشعراء.

3) كلمة فاضل المسعودي: جاءت الكلمة أعلى الصفحة في تعزية الأستاذ فاضل المسعودي لوالد الفقيد الرَّاحل، والتي وقعها إلى جانب إسمه بأسماء السّادة: محَمّد حبيب الله، حسن الهادي بوخريص، عصام عبْد المولى لنقي ، محَمّد الشامس، عادل سالم بن طالب، يُوسف أحمَد الختالي، مختار عبدالله الزروق، إبراهيم الجوهري، بلقاسم محمود المنتصر. نُشرت التعزية في موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 13 سبتمبر/ أيلول 2011م، تحت عنوان: (رحيل الشاعر الِلّيبي الكبير.. عبْدالجليل سيف النَّصر).

4) عبْدالسّلام الكِزّة: ما جاء في التعريف به أعلى الصفحة، عن الإشارة رقم (30) الحلقة الرَّابعة من دراسة للمؤلف تحت عنوان: (بَيْتُ الرِجَال.. آل سيف النَّصر، تاريخ عائلة وسيرة أبطال) المنشورة بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الثاني 2009م.

5) النشاط الطلابي في مصر: تحاورت في هذه الجزئيّة مع الأخوين: عُمر جهان الفورتية والسّنوُسي عبْدالقادر اكويدير. واعتمدت في هذه الوقفة أيْضاً على الحلقة الحاديّة عشر (11) من السلسلة المكونة من (16) ست عشرة حلقة، والتي نشرتها تحت عنوان: (هدْرزةُ في السّياسة والتَّاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة الِلّيبيّة في الخارج) في موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 7 يونيه/ حزيران 2007م.. وعلى كتيب البيانات الطلابيّة من 1976م إلى 1981م، والذي أصدرها الطلبة الِلّيبيّون بالقاهرة عام 1981م تحت عنوان: (بيانات طلابيّة).

6) إنتاج عبْدالجليل الشعري: ربطتني بعبدالجليل صداقة قوية، وتواصل لم ينقطع إلاّ بفراقه عن دنيانا في شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2011م. وكنت ألتقيه باستمرار، نتحاور ونتبادل أطراف الحديث ونتناقش في أمور عدة وكثيراً ما كان يستشهد بأشعار تناسب المقام بالفصحى أو الشعر الشعبي. كان يتحفني بالجديد كلما التقينا بعد إتمامه لكتابة آخر قصائده، وكثيراً ما منحني نسخة من قصيدته الجديدة لمعرفته بحرصي على الجمع والتوثيق. وأذكر في أحدى لقاءاتي به – وقبل إندلاع ثورة 17 فبراير/ 2011م بفترة وجيزة – قال ليّ: "..أن عدد قصائده قارب من أربعين قصيدة..".

كان أرشيفي الخاصّ، يحتوي على تسجيلات لقصائد عبْدالجليل بصوته، وصور من قصائده مكتوبة بخط يده، والتي ضاعت مع أشياء ثمينة أخرى بعد إندلاع ثورة 25 يناير 2011م في مصر!. بعد إندلاع الثورة بيومين وتحديداً في يوم الجمعة الموافق 28 يناير/ كانون الثاني 2011م، أقتحم مئات من البلطجية عمارة أركاديا بكورنيش النيل مقر سكني فنهبوها وأحرقوا عدداً من شققها، وقد دخلوا شقتي فسرقوا كل ما بها وأضرموا النَّار فيما تبقى منها لتلتهم النَّار كل الأوراق والوثائق الرسميّة لشخصي وعائلتي، ثمّ تتصاعد ألسنة اللهب فتقضي على مكتبتي التي ضمت وثائق وصور نادرة، وكتب مهمّة عن ليبَيا وتاريخها جمعتها في أكثر من عشرين عاماً. أذكر هذه القصّة، لأنني كتبت أعلى الصفحة، أن قصائد عبْدالجليل بلغت أربعين قصيدة، بناءاً على ما قاله عبْدالجليل ليّ، أيْضاً بعد تأكيد الأستاذ سُليْمان مُصْطفى منينة على هذا الرقم. أعطى عبْدالجليل نسخة من قصائده للعزيز سُليْمان منينة حينما زار بنغازي في يونيه/ حزيران 2011م، والتي بلغ عددها أربعين قصيدة، وقال له:."..هذه نسخة من جميع قصائدي، يا سيد سُليْمان..".

7) قصيدة (مازلت نا هو نا): نسج أبيات هذه القصيدة التي أصبحت ملحمة فيما بعد، الشّاعر الشّعبي المعروف (بوعجيلة عبْدالسّلام القبائلي) أحد شعراء مدينة إجدابيا. وقصّة هذه القصيدة، أن إبن الشّاعر رزقه الله بمولود، فحضر مجموعة من أحباب الشّاعر وعدد من الشعراء مقدمين له أجمل التهاني وأعظم التبريكات. سأل أحد المهنئين، الشّاعر مازحاً، فقال: " هل مازلت يا بوعجيلة شحات للغلا !؟. أيّ، هل لازلت تعيش حالة من الحبّ، ولك في الغرام قصّة أو قصص !؟. أجاب بوعجيلة على السّؤال، في قصيدة، جاء مطلعها كالتالي:

مازلت نا هو نا.. حتى ونا ضناي مخلفين ضنا.. شحات للغلا

حركت هذه القصيدة مشاعر وأحاسيس الكثير من الشعراء، فتحوّلت إلى ملحمة، وجاءت إضافات من تفاعلوا معها مختلفة عن بعضها من حيث فكرة التناول ومضمون الرد. تحدث أحد الشعراء في إضافته عن ماضيه العاطفي البطولي مؤكداً قدرته على الاستمرار إن أراد هو ذلك، وتحدث آخر عن تسليم الراية معترفاً بتقدم السن، وتحدث غيرهما عن شئون الدنيا وأحوال الكون.

جاءت إضافة عبْدالجليل سيف النَّصر مختلفة تماماً عن سابقيه، فكانت خالصة في حبّ الوطن وغارقة في هُمُوم قضيته. وأكدت على موقفه من نظام القذّافي الظالم المستبد من حيث كونه ثابت لا رجوع عنه مهما عظمت التهديدات، وعلا سقف الإغراءات. وذكرّت القذّافي وأزلامه، بماضي أجداده في الجهاد وقول كلمة الحق منذ عهد الأتراك، وأن هذا الماضي يجعله أكثراً إصراراً على مواصلة طريق المقاومة والقبض على الجمر حتَّى النصر أو الشهادة.

8) نص الأبيات المختارة من قصيدة عبْدالجليل المعنونة بـ(مازلت نا هو نا): أرسل ليّ الأستاذ عبْدالقادر أحمَد بوهدمة الصديق العزيز، الأبيات المختارة أعلى الصفحة، عبر ملف مُرسل على السكايب (Skype). وللأمانة، قد استفدت كثيراً من أحاديثي مع بوهدمة عبر السكايب (Skype)، كونه شاعراً وناشطاً في مجالات السّياسة والثقافة والأدب.

9) اجعنّك سعد: قصيدة:(اجعنّك سعد) تُنشر مكتوبة لأوَّل مرَّة، وتحصلت على نصّها من الأستاذ محَمّد رجب بن كاطو صديقي وصديق الشاعر الرَّاحل، وأحد القلائل الذين ساهموا في تهريب قصائد عبْدالجليل سيف النَّصر إلى داخل الوطن إبّان حكم الطاغية معمّر القذّافي.

10) بيت الشعر: من أشعار الشّيخ حُسيْن لحلافي.

Advertisements

One response to “عبقُ الأرضِ وهُمُومُ الوَطنِ سِيْرَة عبْدالجليل سيف النَّصر مِن المِيْلاد إِلَى الرَّحِيْل (1)

  1. عمر الربيعي فبراير 10, 2014 عند 9:52 ص

    آلمنا كثيرا فراق هذا الشاعر والرجل المناضل الفذ ، فعلا كان يحمل هم الوطن وقاسى مرارة الغربة والبعد عن الاهل والوطن بسبب الزمرة الفاسدة المفسدة التي جثمت على صدور الليبيين طيلة اربعة عقود. فنسأل الله العلي القدير ان يغفر له ويرحمه ويدخله فسيح جناته ويبلغه منازل الشهداء،وبارك الله فيكم على هذا المجهود الطيب في التعريف بهذا الرجل المناضل .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: