لن تجدى نفعا سياسة اللوم والانتقاد

كتب :أسامة عبد الرحيم البشيرى

لوم الآخرين وعتابهم من صفات البشر التى لا يمكن العيش بدونها وهى من سنن الله فى خلقه وكونه، ولاكن عندما يزداد اللوم والعتاب والنقد عن حده وبشكل مبالغ فيه وبطريقة جارحة ومهينة وعلى حساب الوطن ومصلحته واتخاذه ذريعة للتنصل من المسؤوليات والتبعات والهروب من الواقع وعدم الاعتراف بالهزيمة وبالفشل يصبح الامر مقلق يجب التنبيه اليه والا فأن ذلك سيجرّنا الى امور لا تحمد عقباها.

فى ليبيا هذه الايام جميع الاطراف تلوم بعضها وتحمل بعضها المسؤولية فالحكومة تلوم الثوار والثوار يعاتبون الحكومة ويلومون المجلس الوطنى والمجلس يوجه اللوم الى الحكومة والحكومة ترد وترفض وتنتقد بل ان اعضاء الحكومة يعاتبون بعضهم.

والمجالس المحلية والعسكرية تنتقد وتلوم المجلس الوطنى الانتقالى والثوار يلومون ازلام الطاغية والازلام يتهمون الثوار والمناطق والقبائل تلوم بعضها وهكذا دواليك لدرجة ان المواطن العادى البسيط اصبح تائه وحائرلايعرف اين الخلل وسبب المشكلة وكيفية علاجها ومن المخطئ ومن المصيب ومن على حق ومن على باطل.

ان من طبيعة البشر تبرير الاخطاء وانكار الفشل والعجز واتهام الغير وتبرئة النفس ولكن عندما يصبح اسلوب اللوم والنقد والتبرير اسلوب ممنهج ومدبر وسلوك يومى متكرر وفى هذه المرحلة الحرجة وقبل انتخابات المؤتمر الوطنى.

لابد ان نتسائل وندق ناقوس الخطر خصوصا عندما يصل اللوم وتبادل الاتهامات بين اعلى جسمين فى الدولة المجلس الوطنى الانتقالى باعتباره سلطة تشريعية والحكومة الانتقالية كسلطة تنفيذية.

فالحكومة خرجت عن صمتها واتهمت المجلس بعرقلة جهودها والتدخل فى شؤونها والمجلس الوطنى يتهم الحكومة بالتقصير والفشل،وحتى الحكومة اصبحت

تلوم بعضها فوزير الدفاع يلوم حكومة الكيب بعرقلة جهود وزارته ووزير الداخلية يلوم الثوار على عدم تعاونهم،واعتقد ان هذه المسألة ستتزايد فى الايام القادمة قبل انتخابات المؤتمر الوطنى فالكل يريد تبرئة نفسه وفى نفس الوقت يتهم غيره بالتقصير وهذا السلوك يعتبر صفة دائمة فى الليبيين فقل ماتجد شخص شجاع يتهم نفسه ويتحمل مسؤولية اخطائه واخطاء وزارته او مرؤوسيه او كتيبته او مجلسه المحلى او العسكرى او ثواره التابعين له او قبيلته او منطقته.

سياسة اللوم والانتقاد ليست وليدة اللحظة فى ليبيا، وهى فى الاساس سلوك بشرى طبيعى ولكن نظام الطاغية وظّفها لصالحه،وجعلها سياسة يومية لانهاك المواطن الليبى وتشتيته فالمسؤولين اثناء حكم الطاغية، يلومون بعضهم دائما والطاغية نفسه وابنائه يلومون الامناء والمسؤولين، ونسى انه وابنائه سبب كل مآسى ليبيا ومتاعبها.

ولو سألت الامناء والمسؤولين وعلى رأسهم البغدادى ستجدهم يلومون الطاغية وابنائه ونسوا انهم جزء من المشكلة وادوات هدم يستعملها الطاغية لتدمير ليبيا ومن اراد ان يدرك ذلك اكثر عليه قراءة كتاب الاستاذ عبد الرحمن شلقم وسيجد انه يفيض بسياسة اللوم والعتاب وحتى شلقم نفسه يلوم ويعاتب الآخرين دون ان يلوم نفسه ويعاتبها على اخطائها وتقصيرها ومساهمتها بشكل او بآخر فى نظام الطاغية وفى تردّى اوضاع ليبيا.

وقد عمد الطاغية الى اللعب على هذه السياسة على مدى عقود حكمه وقام بتسريب الاشاعات واساءة الظنون بين الليبيين وعمل على افساد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى ليبيا وعدم تركه لاى مجال للتعبير عن الرأى وكبته للمواطن لمدة عقود والهاء الناس وادخالهم فى متاهات.

وذلك كله ادى الى ان يلوم الليبيون بعضهم وان ينتهجوا هذه السياسة عن قصد او غير قصد حتى يكون الطاغية فى مأمن وان يترك الشعب الليبى تائها حائرا ولانستغرب ان الطاغية نفسه كان يعلن دائما انه غير مسؤول عن اى شئ وانه برئ وكان يلوم الشعب الليبى لانه اساء استعمال السلطة والثروة التى منحها لهم وحتى فى آخر ايامه كان يلوم وينتقد الكل، ليبيون وعرب وغرب ونسى ان اللوم وكل اللوم عليه وعلى ابنائه واتباعه.

وقد انتقلت هذه السياسة الى ليبيا بعد انتصار الثورة حتى اختلط الحابل بالنابل ولم يعد احد يعرف اين مكمن الخطأ واذا لم تعرف اين الخطأ فلن تستطيع معالجته وقد زادت وتيرة اللوم والنقد الهدام على وسائل الاعلام وكأنها مسابقة نتفنن ونبدع من خلالها وليبيا هى الخاسر الوحيد فى النهاية.

علينا اولا ان نعترف اننا بشر نخطئ ونصيب ولسنا ملائكة وان نتبع سياسة المصالحة وتحمل المسؤولية وان نصالح انفسنا اولا وننتصر على ذواتنا ونبتعد عن تصيد الاخطاء وتوجيه الاتهامات.

ويجب ان لا تأخذنا العزة بالاثم ويعتقد كل طرف انه الافضل والاصلح وانه وحده خليفة الله فى ارضه ولن تسير الامور بدونه كما كان يعتقد الطاغية وابنائه.

وبعد ذلك على كل طرف منا ان يعترف بخطئه ومسؤوليته وليكن شجاع ويقدم كشف حساب الى الشعب الليبى سواء كان ذلك الطرف المجلس الوطنى ام الحكومة ام الثوار وكتائبهم اوالمجالس المحلية والعسكرية اوالقبائل وان يعترف كل طرف باخطائه وانه سيعمل على اصلاحها وتفادى مثلها مستقبلا وانه سيبذل المزيد من الجهد بكل اخلاص وامانة وان يتعاون مع غيره لاجل ليبيا فقط.

اتمنى ان نتخلص من هذه السياسة المدمرة والضارة وان يقف كل واحد منا على مسافة واحدة من الآخرين وان نساعد بعضنا وان يكون النقد بنّاء وهادف ومحترم وان يكون اللوم رقيقا غير جارح وان نتفق فيما اتفقنا عليه وان يعذر بعضنا بعضا فى ما نختلف عليه،وان يكون كل ذلك فى صالح ليبيا.

وعلينا معالجة مشاكلنا وخلافاتنا بالعلم والمعرفة والثقافة والحوار الهادئ والتخطيط والتعاون والكفاح والتضحية وانكار الذات وليس بسياسة اللوم والنقد والقاء التبعة على الآخرين التى ستدمر الوطن واملى كبير فى ابناء وطنى وسنحقق معا مستقبل آمن ومستقر وزاهر لليبيا بإذن الله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: