مقاطعة انتخابات "مؤتمر الشعب العام" لا تكفي !

كتب  : احمد المهدي

أتعجب هذه الأيام من حجم الحيرة التي يعاني منها البعض بسبب انتخابات ما يسمى بالمؤتمر الوطني. مصدر العجب هوأن البعض يحتار بين خيار المشاركة أوالمقاطعة, في حين أني كنت أتصور أن تكون الحيرة بسبب صعوبة الاختيار بين وسائل منع هذه الانتخابات من الحدوث وليس في المشاركة من عدمه. في مثل الظروف التي نمر بها اليوم فإن الاكتفاء بمقاطعة الانتخابات يعتبر سلبية. وأقول ذلك لأن الوضع الحالي يتطلب منا منع الانتخابات من الحصول وليس مقاطعتها فقط. لكني في نفس الوقت أقدر حجم التشويش الإعلامي الذي يمارسه تحالف حكام ليبيا الجدد على الليبيين بحيث يصبحون عاجزين عن معرفة أين تكون المصالح وأين هي مكامن الخطر. ولكن مع أني أحاول أن أركز على الخيارات المتاحة لمنع الانتخابات, إلا إنني سوف أحاول في السطور التالية أن أساعد بعض الحائرين على حسم أمرهم بمعرفة أن المشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني تعتبر مساهمة في تدمير ليبيا وربما تفتيتها.

كلنا يعلم أن ليبيا في الأصل مكونة من ثلاث أقاليم. فهي عندما ظهرت للوجود كانت مكونة من برقة وطرابلس وفزان وطبعاً وحّدها الملك إدريس تحت نظام إتحادي كان أساساً لدستور استقلال ليبيا. ومن خلال قراءة التاريخ سواء القديم أوالحديث لليبيا, فإن ما يسمى اليوم بالدولة الليبية الحرة المستقلة بحدودها الحالية لم يكن موجود قبل حوالي 60 عام, و60 عام هي زمن لا يذكر في عمر الشعوب والدول. فكثير من آبائنا الذين عاصروا فترة إعلان الدولة الليبية كدولة مستقلة لأول مرة في التاريخ ما زالوا أحياء يرزقون. أي أن تاريخ الدولة الليبية الفتية قريب بحيث لا نحتاج معه أن نقول أجدادنا المؤسسين وإنما نقول آبائنا المؤسسين لقرب الأمر منا زمنياً. هدفي من التعريج على طريقة نشأة الدولة الليبية هوالتذكير والتأكيد على أن ليبيا اليوم لازالت تتكون من إقليم برقة وإقليم طرابلس وإقليم فزان. حتى المجلس الانتقالي اللاوطني رغم رفضه للاعتراف بأن ليبيا هي برقة وطرابلس وفزان, إلا أنهم اضطروا للاعتراف بهذا الواقع عندما وزعوا مقاعد المؤتمر الوطني. كل ما استطاعوا فعله هوتبني تسميات الطاغية لا رحمه الله بإلغاء التسميات الحقيقة للإقليم وتسميتها بالمنطقة الغربية والشرقية والجنوبية. فهم يتركون التسميات الشرعية التاريخية التي تعامل بها الشرفاء من آبائنا وأجدادنا ويتبنون تسميات الطاغية. يبدوأنهم لا ينسون تذكيرنا في كل مناسبة بأنهم تلاميذ الطاغية وتربيته.

واقع الولايات الثلاث كان ماثل وموجود بقوة منذ 48 سنة, ما يعني أن ليبيا مازالت تحمل نفس التكوينات الإقليمية. بمعنى أخر, فإنه لم تمر قرون وأجيال متتالية حتى نتوقع تغير واقع الأقاليم الثلاث الذي كان مستمر لقرون قبل إعلان ليبيا كدولة مستقلة. إن إلغاء النظام الإتحادي سنة 1963 أي منذ 48 سنة لم يلغي ولن يلغي حقيقة أن ليبيا كانت ولا زالت دولة مركبة من ثلاث أقاليم. ولذا فإن من يحاول عمداً أوجهلاً إلغاء هذا الواقع, فإنما هويلغيه من عقله هووليس من واقع البلد والحياة.

الآن وبعد التأكيد على حقيقة أن ليبيا أقاليم ثلاث, فإن إعادة تأسيس الدولة الليبية من جديد بعد حرب التحرير الثانية لن يتم ولن يكون سليم إلا إذا تم على أساس تساوي الأقاليم الثلاث كما فعل آبائنا المؤسسين بالأمس القريب جداً. ولهذا فإن توزيع حصص تأسيس الدولة الليبية الغير متساوي والذي يعطي إقليم طرابلس 100 مقعد وإقليم برقة 60 مقعد وإقليم فزان 40 مقعد, هذا التوزيع الغير عادل سيفشل ببساطة لأنه غيرعادل ويتجاهل حقائق التاريخ الراسخ لقرون خلت ومازال قائم رغم محاولات طمسه من قـِـبل الطاغية ومن يخلفه اليوم من تلاميذه في الانتقالي.

سأحاول من خلال النقاط التالية توضيح خطورة المشاركة في هذه الانتخابات التي ستدمر ليبيا ولن تبنيها:

1) نسبة الاشتراك في الانتخابات تختلف عن توزيع مقاعد المؤتمر الوطني نفسه. البعض يعتقد أن بعض الأصوات من برقة وفزان ضرورية للوصول للنصاب القانوني للانتخابات, وهذا خطأ يقع فيه كثيرين. فنسبة سكان المنطقة الغربية تصل إلى حوالي 66% ما يعني أن مشاركة كثيفة في المنطقة الغربية كافية لجعل الانتخابات شرعية رغم أن مقاعد المنطقة الغربية في المؤتمر الوطني تمثل 50%. لذا يجب التفريق بين نسبة الناخبين في الانتخابات في المنطقة الغربية والتي قد تصل 66% ونسبة مقاعد المنطقة الغربية في المؤتمر الوطني والتي هي 50%.

2) كلنا يعلم أن هناك فئات لها أجندات خاصة ولا تهمهم برقة ولا تهميشها, وإنما همهم هوالوصول للسلطة التي يتمنون أن تكون مركزية لتتركز السلطة أكثر في أيديهم. من هذه الفئات جماعة الإخوان وجماعة محمود جبريل الذين يعارضون حتى ذكر أسم برقة كأنه مرض عضال يستعيذ الناس من شره. وهؤلاء يضمن لهم توزيع المقاعد الحصول على نسبة لا تقل عن الثلث من مقاعد برقة. يجب أن لا ننسى أن 80 مقعد من مقاعد المؤتمر ال 200 مخصصه للأحزاب وهي نسبة فوق الثلث وتعادل أكثر من 20 مقعد من ال 60 المخصصة لبرقة. والأحزاب الوحيدة الجاهزة والقادرة على خطف هذا الثلث موزعة بين تيار الإخوان المسلمين الوصولي وتيار جبريل الليبرالي وكلاهما يعارضان برقة وحقوقها لصالح أجندتهم ومصالحهم الخاصة. هذا ويجب أن لا ننسى أنهم قادرون على خطف مقاعد أخرى من مقاعد الفردي المخصصة للأفراد.

3) من خلال النقطة الأولى والثانية يتبين بأنه حتى إن شاركنا فإن أكبر ما يمكن حصده في أحسن وأفضل وأجمل وأقوى وأروع وأبهى الأحوال لن يتجاوز ال 40 مقعد من ال 60 المخصصة لبرقة.

4) وجود الأربعين عضوالمحتملين من شرفاء برقة المخلصين سوف تكون وظيفتهم فقط هوإضفاء شرعية على عمل وقرارات المؤتمر الوطني!!!. بمعنى آخر, فإن التغيير أوالتأثير في القرارات يعد أمر مستحيل لأن قرارات المؤتمر الوطني وجلساته تتم بنسبة ال 51% فقط. أي أنه لوقرر المؤتمر ذوالأغلبية الطرابلسية أن يستمر تركز السلطة في طرابلس وما حولها كما يحصل الآن في عهد ثورة 17 فبراير, فإن ال 40 شريف من شرفاء برقة يحتاجون على أقل تقدير ل 60 شريف من طرابلس وفزان كي يمنعوا قرار يهمش برقة. فعلى سبيل المثال لوطرح ممثلوا برقة مشروع إلغاء قرارات الطاغية ونظامه الدكتاتوري الإرهابي والرجوع للشرعية من قبيل تفعيل المادة 188 من دستور ليبيا قبل انقلاب الطاغية سنة 69 والقاضي بأن تكون بنغازي عاصمة لليبيا مع طرابلس أوارجاع المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي والخطوط الجوية وغيرها من الكثير من مؤسسات الدولة التي نقلها الطاغية بشكل غير شرعي إلى طرابلس, لوقام ممثلوا برقة بطرح مشروع من هذا القبيل للتصويت فهل سينجح مثل هذا المشروع؟؟؟ هذا هوالمستحيل بعينه.

مما تقدم سيكون من قمة السذاجة والحماقة التفكير بأن المشاركة قد تمنع التهميش أوتعيد الحقوق. سيكون المستفيد الوحيد من مشاركتنا في انتخابات المؤتمر التدميري هوالأغلبية الطرابلسية التي ستدين بالفضل لكل من ساهم في اضفاء الشرعية على الانتخابات التي تعطيهم السيطرة المطلقة على كامل الدولة الليبية ومستقبلها. سيكونون ممتنين لكرم هؤلاء الذين شاركوا في انتخاب المؤتمر التدميري الذي سيسهل عليهم بطريقة ديمقراطية رفض إعادة حقوق برقة وبنغازي لأهلها إنهم حاولوا. لماذا يعود نشيد ما قبل ال 69 وعلم ما قبل ال 69 ولا تعود بنغازي كعاصمة كما كانت قبل ال 69؟؟؟  لماذا لا تعود المؤسسة الوطنية للنفط والكثير غيرها من المؤسسات والهيئات والشركات والوزارات التي كانت في برقة قبل ال 69 ؟؟؟ لماذا لا نتقاسم فرص العمل التي تركزت كلها في طرابلس ويستفيد منها سكان طرابلس والمدن التي حولها فقط ؟؟؟ كون الكثير من الشباب من صغار السن ولدوا وعاشوا في ظل نظام دكتاتوري ارهابي دمر البلاد وآخذ كل أوالغالبية العظمى من مؤسسات الدولة وهيئاتها من برقة ووضعها في إقليم طرابلس, كونهم ولدوا وعاشوا في عصر الظلم ولم يروا غيره لا يعطي هذا الأمر الشرعية لبقاء الوضع الحالي على ما هوعليه. فكما زال الطاغية الظالم, يجب أن يزول ظلمه معه وترجع الأمور لنصابها والحقوق لأصحابها.

هنا أصل إلى الحيرة التي تصيب البعض فيما يخص منع انتخابات المؤتمر اللاوطني من الحدوث. أقول للحائرين نعم يحتاج الأمر للتفكير العميق والبحث عن الوسائل التي تضمن بشكل أفضل منع حدوث انتخابات المؤتمر التدميري. إن ما يحصل الآن والعواقب التي ستترتب على نجاح الانتخابات بالتوزيع الحالي يتطلب منا الانفتاح على كل الخيارات بدون استثناء. كل الوسائل التي تمنع حدوث الانتخابات هي مباحة ومتاحة للنقاش لأننا الآن إما أن نكون أولا نكون, لكن بعد الانتخابات وبالتوزيع الحالي فإننا بالتأكيد لن نكون. نحن إن فكرنا في استخدام كل الوسائل المتاحة واستخدمنا كل الأوراق التي في أيدينا, فإنما لحجم المسئولية أمام الله ثم التاريخ للدفاع عن حقوقنا وحقوق أبنائنا وأحفادنا. ولوحصل وفشلت كل الوسائل والمحاولات, فلن نخسر شيء لأن البديل هوخسارة كل شيء.

إن تحالف حكام ليبيا الجدد يسعى بكل قوة للوصول إلى انتخابات المؤتمر الوطني وإتمامها بأي شكل كان لكي يأخذ المؤتمر الوطني ذوالأغلبية الطرابلسية الشرعية اللازمة داخلياً ودولياً ولكي يحصل على الدعم العسكري الكامل خاصة التسليح بالطيران للحكومة التي سيعينها المؤتمر الوطني. لذا فإن الأمر أخطر من أن تكفي معه لغة الحوار والسياسة فقط وكذلك فإن سيف الوقت يكاد يقطع كل الآمال في تحقيق العدالة والوصول إلى المساواة.

يجب أن يعلم الجميع أن حكام ليبيا الجدد في الوقت الراهن لا يملكون شرعية دولية كافية تسهل لهم الحصول على الدعم الدولي الغير مشروط والتسليح خاصة بالطيران الذي ينقصهم حالياً نتيجة وجود حضر دولي على بيع السلاح لليبيا والذي لن يتم رفعه إلا بعد وصول قيادة منتخبة مثل المؤتمر الوطني. أي صراع داخلي في الفترة الحالية (أي قبل الانتخابات) مهما كان شكله, سيُـنظر له على أساس أنه تناحر على السلطة بين فئات مختلفة لا يملك أي منهم الشرعية الشعبية والانتخابية بما فيهم مجلس الأزلام وحكومته لغياب أي انتخابات. لكن الوضع سيختلف تماماً في حال تم تمرير الانتخابات وخرج المؤتمر الوطني ذوالأغلبية الطرابلسية للوجود. في هذه الحالة (أي بعد الانتخابات) سوف يكون لحكام ليبيا الجدد شرعية مطلقة داخلياً وخارجياً بحيث يكون أي صراع مع هذه السلطة الجديدة "المنتخبة" هوتمرد على سلطة شرعية تستحق معه الدعم الدولي المطلق. في حال تم تمرير الانتخابات فلن يُـنظر لأي تصارع مع الحكومة القادمة على أنه تناحر داخلي, وإنما سينظر له على أنه تمرد من حركات انفصالية أوراديكالية أوحتى نُـتهم بالتبعية لتنظيم القاعدة. ولهذا السبب وجب استخدام كافة التدابير الممكنة قبل انتخابات المؤتمر الوطني وليس بعدها. نحن مكرهون على منع حصول الانتخابات بأي وسيلة كانت لكي نمنع تحالف قوى الداخل المتمثلة في حكام ليبيا الجدد والراغبين في الهيمنة على كل شيء وقوى الخارج المتمثلة في الدول الغربية التي لا ترغب في رؤية ليبيا تنعم بثرواتها دون سرقة أوتدخل منهم.

إن تغيير اسم هنا بآخر هناك واستبدال أمين لجنة شعبية بوزير وزارة لا يغرينا ولا يعنينا. ما يعنينا هوتغير واقع التهميش وعودة حقوقنا التي سلبها منا الطاغية. إن ليبيا الجديدة التي نترقبها مهما كان شكلها أونظامها لن تكون نصراً لثورتنا في الخامس عشر من فبراير 2011 إلا إذا رأينا بنغازي تعود كعاصمة كما عهدها الليبيون. لن يهنأ شهدائنا في قبورهم إلا عندما ينتهي واقع التهميش والتبعية الذي فرضه الطاغية بعودة كل ما تم سلبه من برقة وبنغازي لهما. عندما نرى مقرات المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي والخطوط الجوية والكثير غيرها من ما تم سلبه ونقله لطرابلس في عهد الطاغية, عندما نرى كل هذه الأشياء تعود لبنغازي وبرقة كما اعتاد عليه الليبيين قبل انقلاب ال 69 المشئوم, عندها فقط سنحتفل بنصر الثورة ونشعر بالفخر بما انجزناه.

إن أي تأخير أوتعطيل أوتردد في التفكير في أي من الخيارات الممكنة, إنما يعيدنا للمربع الأول قبل ثورتنا في 15 فبراير 2011. لن يكون هناك فرق بين جماهيرية القذافي وجمهورية حكام ليبيا الجدد غير بعض التفاصيل وقليل من الأسماء والمسميات الجديدة. إن تجاهل المطالبة بإصدار قانون العزل السياسي لرموز وأعوان نظام الطاغية قد سهل عليهم تنظيم أنفسهم للدخول في الانتخابات بقوة والذي يعني إنه إذا مرت الانتخابات بهذا التوزيع الظالم فما عليكم سوى ترقب رؤية مؤتمر الشعب العام الذي اخترعه القذافي في حلته الجديدة المزركشة بالألوان بعد ما اعتدنا على لونه الأخضر.

Advertisements

One response to “مقاطعة انتخابات "مؤتمر الشعب العام" لا تكفي !

  1. نبيل العبيدى مايو 12, 2012 عند 2:45 ص

    حول هذا ندندن …ولكن لا احد يسمع من المجلس الاتنقالى عليك ان تلبس ما يخاط لك!!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: