حوار .. لم ينشر !!

 

salem kubti00

كتب : سالم الكبتي

منذ ما يزيد عن خمسة اشهر اجبت مثل تلميذ مثابر على الاسئلة الموالية وعددها ثمانية قدمها لي محرر احدى الصفحات الثقافية في بيروت .. كان قد طلب مني مشكوراً اجراء حوار معي اثناء زيارتي لبيروت مطلع هذا العام . كنت اعتقد انه سينشره خلال هذه الفترة ولكن تأخر ذلك كثيراً .

لعل للمحرر ظروفه ولعل للصحيفة ايضاً حساباتها .. فليعذرني السيد المحرر في نشره الآن بعد مضي هذه الاشهر .. وليغفر لي هو والقراء هذه التوطئه التي تشبه البيانات المتعلقة بتواريخ الصلاحية والانتهاء ..

2012-05-28_181340

صورة من الأسئلة بخط المحرر

 

1– كيف تقيّم الوضع الثقافي الآن في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي ؟

الوضع الثقافي الآن … ما يزال على حاله في الغالب ، لكن ثمة إشارات إيجابية في الواقع تومض بالتغيير وهي انطلقت مع بداية الثورة في فبراير من قبل العديد من الشباب والفتيات في مختلف المدن والمناطق ، الذين تواصلوا من خلال شبكة المعلومات ونقلوا الصورة التي تدور في الداخل إلى العالم الذي أدهشه ما حدث في وجه آلة قمع رهيبة ، وأصدروا بمبادرات عفوية وتطوعية الكثير من النشرات والصحف والمجلات ، وإن كانت تعوزها المهنية ، وأسهموا في تأسيس بعض القنوات والإذاعات لتغطية أخبار الثورة وأحداثها ، والتواصل المستمر في الداخل ، خاصة قبل سقوط القذافي كلية ، إضافة إلى كل هذا وغيره فإن المشهد الثقافي برزت عبره وفي هذه الفترة الكثير من الأنشطة والبرامج الفكرية والمحاضرات والندوات ، كما أن هناك العديد من الكتاب اهتموا بموضوع رصد أحداث الثورة ومتابعتها وتوثيقها .. لكي لا يضيع التاريخ . إجمالا الوضع الثقافي يتحرك ولكن ببطء وهؤلاء الشباب الذين صنعوا الثورة هم حماتها وسيكونون سنابل الأمل في السهل الخصيب فقط نتركهم يتحركون ونضع الثقة فيهم .

2 – هل طرأ تغيير واضح في هذا الوضع الثقافي أم أن المؤسسات الثقافية مازالت تلملم نفسها لرسم خطة جديدة ؟

التغيير الواضح ، والجميل أيضاً ، ربما هو كما أشرت تمثل في بروز وظهور جيل رائع من شباب الوطن وبناته بدأ يعي المرحلة ، ويهتم بوضع بلاده ، ويؤسس لثقافة جديدة .. ومعرفة جديدة .. روحها الثورة التي أطلقها هؤلاء الشباب في أرجاء ليبيا ودفعوا ثمناً غالياً في سبيلها جيل كان مغيباً وبوده الانطلاق والاتجاه نحو الأفضل .

ثمة دلالات تؤشر بأن الأمل ..في هذا الجيل الجديد الذي سينهض منه مثقفون ومبدعون غير ملوثين وغير مرتزقة ، إنهم يتلمسون طريقهم ويودون معرفة تاريخ بلادهم الذي طمس لفترة طويلة مظلمة ، كانت تمتلئ إلى حافتها زيفاً وكذباً (أحياناً باسم الثقافة والفكر) والمشكلة ليست في وجود المؤسسات الثقافية من عدمها . إن المشكلة الحقيقية والمزمنة تكمن فيمن يدير هذه المؤسسات بإخلاص وتضحية ويضع الخطط والبرامج الواعية الكفيلة بنهوض الثقافة (وإنهاض) الإنسان ورعاية المبدعين والاهتمام بالمواهب . لدينا كفاءات ثقافية في ليبيا لكنها مهملة . هي في الواقع أهملت وأقصيت في عهد القذافي لأنها لم تركب موجته ( ولم يتحسس النظام مؤخراتها ! ) على رأي صديقنا محمد سحيم ، ولم تقترب من النظام ومؤسساته . كانت هناك مؤسسات ثقافية تعتمد على الشللية والوشايات والتباغض والتحاسد لأن من يقودها صدى للنظام ، ولابد أن تتغير هذه المؤسسات الآن وأن يقودها رجال شرفاء لرسم خطة جديدة وفاعلة ، أما إذا بقى (الأزلام) و(المرتزقة) فإن (الخرز الملون المزيف) لم يستبدل بجوهرة حقيقية . إن الإنسان هو الجوهرة وينبغي أن تتجه المؤسسات المرتقبة نحوه ولا شيء آخر . إن نجاح الثورة لابد أن يوازيه نجاح في الثقافة وصعود في الفكر والحرية .

3- هل مثّل سقوط النظام صدمة ثقافية حقيقيه في نظر أهل الفكر والأدب والصحافة ؟ وكيف كان ردّ فعلهم إزاء هذه الصدمة ؟

إن سقوط (النظام القذافي) لم يمثل للشرفاء أية صدمة ثقافية حقيقية . كانوا يعرفون منذ البداية أكاذيبه وتخرصاته ودجله .. وأيضاً قمعه وإرهابه . لم تنطل عليهم لعبته ولم يستطع شراءهم بأية طريقة من طرقه اللئيمة . ربما صدم بعض الأنانيين ، وذلك أمر طبيعي ، الذين اكتشفوا الحقيقة في وقت متأخر ، أو ربما بدافع المصلحة كانوا يعرفون ولم يتكلموا . لقد كانوا يا سيدي يهرعون إلى (خيمته) وهم جوعى ، ويعودون إلى ديارهم البعيدة والقريبة متخمين إلى حد التجشؤ فيما كان الليبيون يعانون الجوع والتخلف . كان تعاون الكثير من المثقفين ورجال الفكر والأدب والصحافة مع النظام سواء في الداخل والخارج – وبعضهم عن حماس أو حسن نية أو تصديق لما يقوله – تشوبه – لدى البعض أيضاً – المنفعة والأرزقية والمصلحة والدروشة والنفاق . كان البعض هائماً به وبنظامه . أي نظام هذا كانوا يلمعونه ويدهنونه بالطلاء الفاخر .. وهو يكمم الأفواه ويعلق الناس على أعواد المشانق ويقتل السجناء ويفجر الطائرات ويمارس القمع والقهر من خلال محاكم تفتيشه (اللجان الثورية) و(راهباته الثوريات) ويمنع كل الأصوات ليظل هو الصوت الوحيد ويكرس ثقافته الخضراء التي يختفي وراء كواليسها إدعاء لنشر الحرية فيما هي ثقافة تخنق الحرية وتدوس عليها في كل ليبيا (صباح مساء) طوال أربعة عقود. لقد أغرى القذافي أمثال هؤلاء بالجوائز والنقود والذهب من أجل أن يلهجوا بحمده ويذكرون محاسنه دون مساوئه ويتغزلون في نظريته (العالمية الثالثة) التي ما قتلت ذبابة ! .. وهو يغتصب الحرية مثلما يغتصب النساء . لقد كانوا أرزقية في بلاطه ، رغم أسمائهم الكبيرة في واقعنا الفكري ، وسيحكم عليهم التاريخ حكماً قاسياً فلقد أتوه طائعين صاغرين ، لم يجبرهم القذافي على ذلك في بعض الأحيان . هم كانوا على استعداد وطبقوا بأنفسهم قول المتنبي (من ورد البحر استقل السواقيا ) ! . وكان المثقف الشريف في أزمة مع القذافي الذي ظل ينكد عليه عيشته ويحاربه وينفيه أو يقتله .. أو يلزمه الصمت . لقد سقط القذافي وبقى أن يسقط (سقط المتاع) من أشباه المثقفين غير مأسوف عليهم . نريد أن تكون دربنا خالية من كل معوقات الطريق .. نريد أن نصدح بأغانينا دون نشاز أو خلل في الإيقاع .

4- هل بدأت إعادة النظر في مفهوم الثقافة الذي فرضه النظام السابق ؟ وهل عمدت المؤسسات الثقافية الأساسية أو الرئيسية مثل وزارة الثقافة واتحاد الكتّاب والنوادي والجمعيات الثقافية ؟

ربما بدأت الآن على مهل ، فالبلد في حاجة إلى إعادة ترتيبات في الأوضاع كثيرة .. وكبيرة أيضاً . القذافي أتى على الأخضر واليابس مثل الجراد (رغم تغنيه باللون الأخضر!) . كان إجبارياً تعلم مادة الكتاب الأخضر والفكر الجماهيري وغيرها من ترهات في قاعات الدراسة بالمدارس والجامعات والمعسكرات العقائدية والمدرج الأخضر والإذاعة والتلفزيون وطبع (هذا الكتاب الأخضر) بكميات مهولة وبلغات مختلفة (وكأنه شيء مقدس ) – لكنه ملعون في كل الأحوال – وغطت (مقولاته) الساحات والميادين وواجهات المدارس والمراسلات الرسمية وقاربت أن توضع بقرار في غرف نوم الليبيين ، وكان ذلك فرصة رائعة للسرقة والنهب والأطماع عبر مشاريع الطباعة والنشر والصفقات المشبوهة بحجة الوعي بالفكر الرائد الذي حرر الإنسان في كل مكان من العالم ! أن البناء المادي للوطن سهل وميسر ، تستطيع أن تهدم أركانه وتبنيه ذهباً بالكامل . لكن المشكلة تظل في بناء الإنسان وتغيير ملامح ثقافته نحو الأحسن من ثقافة الدجل وكتابة التقارير وعبادة الفرد وأسرته ، والرشوة والسرقة والكذب والتسلط .. إلى ثقافة مشرقة يحيا فيها الإنسان لابد أن يعاد النظر دون شك في ثقافة ( تدّعي أنها ثقافة ) تقصي الآخر وتقتله أو تقولبه في حذاء ضيق ، ثقافة تشوه التاريخ وتزوره ، لابد من تغيير المناهج والثقافة في المجتمع لكي يتغير الإنسان وينشأ ( سلوك حضاري جديد ) يصنع التطور وينفتح على الآخرين ويحترمهم ولا يبخس أشياءهم ، خاصة بين الأجيال الجديدة في ليبيا التي ولدت بعد عام 1969 التي فتحت أعينها منذ الولادة على ( القائد الأوحد ) و ( الرمز ) و ( المفكر المبدع ) .. وما إلى ذلك من نعوت يستعيذ منها الشيطان نفسه، وعلى المؤسسات التي ذكرت ومنظمات المجتمع المدني وفرق العمل الوطني التي بدأت في التحرك في ليبيا التأكيد على ذلك ونقلنا إلى ثقافة إنسانية جديدة لكي يعرفنا العالم بأننا وادياً به زرع ! .

5- هل يمكن برأيك الآن الكلام عن ثقافة ليبية جديدة أم أنّ الوقت لايزال باكراً ؟

إن الكلام – إلى حد ما – ما يزال باكراً . لكن ذلك لا يمنع من التفاؤل بنهار جديد إن الشمس تطلع كل يوم . ولابد لليبيا الجديدة وهي تستنشق ( ربيعها الجديد ) أن تعيد بناء بيتها على قواعد صلبة ، وتصنع ثقافة ( رائعة جديدة ) يتنفس فيها الصبح دون أية كبول أو أغلال . إن الحرية تخلق عالماً رحباً نظيفاً . لابد من الانطلاق والحراك الفاعل من المثقفين والأدباء غير الموجه من الدولة لتأسيس ثقافتهم أو اتحاداتهم أو تكتلهم وتنظيم الأنشطة الثقافية والفكرية وإصدار الدوريات والصحف المستقلة ومعانقة هموم الوطن والمواطن . إن المثقف الشريف يصنع الثورة و يسهم فيها .. ويبدع من خلالها .. ويتقدم صفوفها .. ولا يسرقها .. المثقف الشريف وحده .

6- كم من الوقت برأيك تتطلّب إزالة الأثار السلبية التي تركها النظام السابق على الثقافة الليبية ومنها مثلاً التبعية والتزوير وبيع الضمير والتجاهل والتآمر … ؟

إن هذا ، وغيره ، مرهون بالوعي وصدق الانتماء وترك أثار الماضي البغيض من مخلفات النظام السابق وعفنه . لقد كان شمولياً ومرعباً . ربما الكثير من إخواننا العرب ( وحتى خارج أمتنا المجيدة ) لا يعرفون ذلك ، وكانوا مخدوعين في خطاب النظام ومحاولة تصدره للمشهد القومي في فترة ماضية واللعب على ( حبال ) فلسطين وكل القضايا المقدسة .. ( انظر مثلاً تعاطفه مع الأكراد وقضيتهم وحقهم في الثقافة واللغة فيما يلجم أفواه الأمازيغ ) ! كان الكثيرون يرونه مثالاً طوباوياً سيصنع المدينة الفاضلة ، وزعيماً فاق التصور ليس قبله أو بعده زعيم يماثله ، لكن لكل شيء إذا ما تم نقصان على رأي بيت الشعر .. ووفقاً لمنطق الحياة وناموس العقل . إن على الشرفاء أن يكنسوا الآن من طريق ليبيا كل الأشياء الرديئة لكي تستقيم الأمور . على المثقفين الشرفاء النهوض بواجبهم وأن لا يتركوا الثورة تُسرق .. عليهم كنس المرتزقة من مثقفي النظام الذين يودون ممارسة اللعبة نفسها في ساعة ميلادنا وذلك كارثة بكل المقاييس . إن بعضهم لا تعوزهم الحيلة كدأبه دائماً ويضرب على وتر المصالحة والتسامح .. وما إلى ذلك من مبادئ كانت من مستحيلات القذافي .. ويريد أن يطبقها الآن . قل لي أية مصالحة أو تسامح قبل توثيق الجرائم والاعتراف بها . أية مسامحة أو تصالح مع من مارسوا العهر الفكري والكذب وتحقيق المصالح الأنانية على حساب قوت الفقراء من الشعب الليبي ، في الداخل والخارج ، خاصة من بعض المثقفين العرب ( مهابي السمعة ! ) الذين سقطوا من الأعين سقوطاً مريعاً . قلت لك سابقاً لقد سقط النظام .. لكن لابد من سقوط أتباعه ومريديه وثقافته الذين هم مجرد ( حدث عابر ) أو ( مناسبة ) لاغير .

7- كيف تحدّد حال المثقفين الذين استخدمهم النظام ووظفهم لمعاركه ؟ هل يعيشون نوعاً من العزلة أم أنهم انقلبوا على ماضيهم مثلما فعل الكثيرون من مثقفي الأنظمة العربية ؟

إن بعضهم لا يستحي فالحمار لا يلد إلا جحشاً . نحن نقول في ليبيا مثلاً دارجاً أقوله ولكن بخجل أيضاً ( فلان واخذ من قفاه وحاط على وجهه ) . إن بعضهم لا يتوب بعضهم الآن صار مناضلاً ويتحدث عن مواقفه البطولية ( وهي وهم ) ، وبعضهم ربما انزوى خجلاً أو خوفاً من التاريخ .. أو في انتظار لحظة مناسبة للركوب في العربة ( وقد تكون في عربة الفحم ! ) ، إن ركوب الموجة التي بتنا نشاهدها عاهة مستديمة لدى الكثير من مثقفي الأنظمة وابواقها .. فهم ليسوا أصحاب مواقف . إنهم أصحاب مصالح وتقودهم بطونهم وجيوبهم وتجدهم أكثر استعداداً للاتجاه حيثما مالت الريح . لقد أبتلى واقعنا الثقافي العربي بهؤلاء .. ودفعت الآلة ثمناً باهظاً جراء ذلك ( وهي غير ناقصة ) .. مرض الآمة في ( بعض النخب ) .. ونأمل أن يرحلوا إلى الجحيم .

8- ما هو مصير المنشورات والكتب الهائلة التي تحمل أثر ثقافة السلطة السابقة ؟ هل ستفقد شرعيتها وتسقط من ذاكرة الثقافة الليبية ؟

مصيرها حتماً زبالة التاريخ .. مثل كل الإيدلوجيات والفلسفات التي لم تحترم الإنسان وصيرته عدماً .. إنها تذكّر الشعب في ليبيا بالتسلط والكذب من نظام كان يدعي الثقافة والفكر والأنسنة ، وهو يحارب كل هذه المثل والقيم وينشر بدلاً عنها أوراماً خبيثة . وذلك أمر حدث من كثير من الديكتاتوريين في المنطقة وغيرها . أرادوا أن يعوضوا عن أمراضهم وحقدهم ونقصهم وسلوكياتهم الشاذة وتسلطهم الدموي بخداعنا بأنهم ( أناس ) و ( طيبون ) و ( إنسانيون ) و ( مبدعون ) يشربون القهوة مثلنا .. ويكتبون القصة والشعر ويلحنون ويحبون الأغاني ولوحات الفنانين .. وما إلى ذلك . لكنهم أسوأ عتاة التاريخ وقد سقطوا في أسوأ أنواع زبالته. وهذه المنشورات الصفراء الميتة كنسها الليل مع العاصفة ومن الطبيعي أنها فقدت شرعيتها ( وهي فاقدة أصلاً لها منذ البداية .. غير أن الكثيرين لا يعلمون ) .. ثم سقطت من ذاكرة الشعب الليبي وثقافته إلى الأبد .. وتلاشت في سراب صحرائه المحرقة .. الشعب الذي يرنو الآن بعينين مشرقتين نحو الشمس المجيدة ويصنع مستقبل أطفاله القادمين .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: