استراحة…..ناخب (3) – حوار الطرشان

 

كتب : د. البدرى محمد الشريف المناعى

يوجد بليبيا الآن اكثر من 80 حزبا بمختلف الوان الطيف السياسى من اقصاها الى اقصاها بعضها على مستوى وطنى و كثير منها محلى و بعضها جهوى . هذا العدد الكبير من الأحزاب رغم انتقاد البعض له الا انه فى رأينا ظاهرة طبيعية فى دولة عطشى للديمقراطية و عانت و لفترة تزيد عن اربعة عقود من اسوأ نظام سياسى دكتاتورى شمولى احتكر كل شىء و صادر الحريات و على رأسها حرية التفكير و التنظيم بما فى ذلك تنظيم الأحزاب . تشترك هذه الأحزاب بأنها جميعا صغيرة و ليست لها قواعد شعبية بالمعنى المتعارف عليه بالأحزاب و أن اكبرها لا يتجاوز عدد اعضائه عن بضع مئات فى احسن الأحوال و أنا هنا لا استتنى منها احدا . صحيح ان بعضها له جدور تاريخية و امتدادات خارج الوطن و قد يكون متواجدا منذ عدة عقود , و لكن تظل الحقيقة بأنه حتى فى تلك الحالة فلم يتعد النخبة البسيطة و ليس له فى واقع الحال هيكلية تنظيمية او خلايا تذكر فى ليبيا . من هنا فلا يدع اى من الأحزاب فى الفترة الراهنة أو يصدق بأنه كبير و أن يحلم بأن لديه مشروع شامل لليبيا و أنه ينتظر اللحظة الحاسمة لحصوله على الأغلبية بالمؤتمر الوطنى ليبدأ فى تنفيد برنامجه الشمولى بدءا من و ضع الدستور و سن القوانين و مسك زمام الأمور التنفيدية و التهيئة لإستكمال الحلقة باختيار ( انتخاب ) الرئيس!!!!

انا هنا لا اقلل من اهمية الأحزاب بل على العكس من ذلك فهى شرط اساسى لبناء دولة ليبيا المدنية الحديثة الدولة المبنية على اسس الديمقراطية و التداول السلمى على السلطة و احترام حق الإختلاف و ان الصراع يجب ان يكون صراع بين الأفكار و البرامج السياسية .

ما اقصده هو أن ليبيا الآن دولة فى طور التكوين بما فى ذلك احزابها السياسية و تبنى بالتوافق بين ابنائها جميعا و ثوابتها واضحة لا يختلف عليها احد من اقصاها الى اقصاها !! فلا يعيشن احد فى أوهام الوطنى الوحيد و الحريص الوحيد و يظن بأنه المهدى المنتظر الذى لا ننتظره !.

ما نريده هو الغوص فى مشاكلنا بشكل علمى و البحث عن حلول تحافظ على كيان هذا الوطن و تعزز اللحمة الوطنية و تحقق العدل و المساوات بين جميع ابنائه و هذا لا يتأتى الا بالتوافق والحوار الهادىء البناء بين جميع ابناء الوطن حوار يتسم بقبول الآخر لا رفضه حتى لا يكون حوار بين الطرشان .

و يستحضرنى فى ذلك ما ورد بالتراث الصوفى حيث يروى أنه كان هناك راع فقير اطرش لا يسمع , دأب على رعى غنمه قريبا من قريته حيث يأخذها كل يوم لتسرح فوق الهضبة القريبة من قريته ,و يبقى هناك طوال النهار يرعاها و يتأمل الطبيعة من حوله . عنذ الظهيرة من كل يوم ,تأتيه زوجته بغذائه فيتناوله ويبقى هناك حتى غروب الشمس ليعود بغنمه الى قريته . فى أحد الأيام لم تأته زوجته بالطعام كالمعتاد, و انتظر حتى أخده الجوع ,و أخدته الهواجس عن سبب تأخر زوجته على غير المعتاد . نظر حوله فشاهد مزارعا ليس بعيدا عنه منهمكا فى قطع الأعشاب و تجميعها, فذهب اليه و قال له سيدى ان زوجتى تأخرت اليوم و لم تأتنى بالغداء و سأذهب الى القرية لجلب الطعام ,فهلا أخدت بالك من غنمى حتى أعود و لن اتأخر ؟ نظر اليه المزارع و قال له ما بالك يا أخى تطمع فى هذا القليل من العشب ,و أنا لدى نعجتين و بقرة ينتظرانى كى اجلب لهم الكلاء,انه لأمر غريب ان يطمع الناس حتى فى القليل الذى لديك ؟؟و رفع يده فى استهجان . كان المزارع اطرش ايضا و لم يسمع ما قال الراعى و ظن الراعى بأن المزارع قد وافق فشكره و ذهب الى بيته بالقرية حيث وجد زوجته مريضة فأخذ غداءه و عاد الى حيث توجد غنمه . وجد غنمه كما هى ترعى و لم يمسسها سوء و لاحظ بأن المزارع لم ينظر اليه عند عودته فقال ما شاء الله انه فعلا رجل شهم قام بالواجب و لم ينتظر الشكر منى لا بد ان اكافأه على صنيعه . كان لدى الراعى خروف صغير مكسور الرجل اعرج فقال آخده و اقدمه للفلاح هدية كى يطعم به اسرته الليلة . ذهب الراعى الى الفلاح و أخد يشكره على صنيعه و قدم اليه الخروف و قال له انه مكسور الرجل فأرجو ان تتقبله هدية منى لك !!

صاح به المزارع مالك يا أخى طوال اليوم تزعجنى انا ليس لى علاقة بغنمك و لا ادرى ماذا كانت تفعل فى غيابك و لست انا الذى كسر رجل خروفك !! وبدا عليه الغضب و أخد يلوح بيديه مهددا فاستغرب الراعى من رد فعله . بينما هما يتصايحان مر رجل راكبا على ظهر جواد بالقرب منهما فأشار اليه الراعى بالنزول و اخده الى حيث الفلاح و قال له ارجوك يا سيدى مساعدتى فأنا رجل اطرش و لا ادرى ماذا يقول هذا المزارع و لماذا يرفض قبول هديتى التى اردت ان اقدمها له نظير رعايته لغنمى اثناء غيابى . اخد الفلاح و الراعى يصيحان على راكب الجواد و قد كان اطرش ايضا و ظن بأنهما يهددانه حيث انه سارق للجواد و اعتقد بأن الجواد لهما . تأسف راكب الجواد و طلب منهما ان يسامحاه و يأخد صاحب الجواد جواده و استمر الفلاح يقول و يصيح انا ليس لى علاقة بكسر الخروف و لست انا الذى كسره و الراعى يصيح و يقول لراكب الجواد ما بال هذا المزارع غضبان و يرفض قبول هديتى . و بينما هم فى هرج و مرج تصادف مرور درويش بالقرب منهم مارا فى طريقه الى القرية فذهب اليه المزارع و جدبه من جلبابه و قال له سيدى انا رجل اطرش لا اسمع و لا ادرى ماذا يريد هذين الرجلين فهل بحكمتك سيدى تشرح لى ماذا يريدان و علاما يصرخان . كان الدرويش اخرس فلم يستطع الرد فاقترب منهم و اخذ ينظر فى و جوههم حيث توقفوا عن الصياح . بدأ الدرويش يقترب من كل و احد منهم و ينظر فى عينيه و يطيل التحديق بنظرة جد ثاقبة و عميقة محاولا السبر فى اغوارهم و اكتشاف الحقيقة و معرفة اصل المشكلة . بدأ الخوف يدب فى قلوبهم و شكوا فى أن الدرويش يريد ان يسحرهم أو انه يريد تنويمهم مغناطيسيا للسيطرة عليهم . تسلل الراعى الى غنمه و اخدها بعيدا عن المكان و اخفض المزارع عينيه هربا من نظرات الدرويش و وضع شبكة العشب التى جمعها على ظهره و غادر المكان اما راكب الجواد فقفز على ظهر جواده و اطلق له العنان .

واصل الدرويش طريقه الى القرية و هو يقول فى نفسه ان الكلام ليس بالضرورة هو الوسيلة المثلى للأتصال و يمكن للإنسان الإستغناء عنه !!.

فهل نستمر فى صم آذاننا و نظل عاجزين على التواصل و الإتصال و نصر على حوار الطرشان حتى يأتى من يأتى فيقلب الطاولة علينا جميعا و يجعل أسفلها أعاليها . عندئد لن يحصل لنا كما حصل مع الطرشان فذاك هين، و لكن يحصل لنا ما حصل مع بعض اشقائنا الذين يشتركون معنا فى كل شىء ما عدا المكان !!!! فهذه العراق و الأخرى الصومال و الثالثة السودان و الرابعة اليمن و الخامسة ……..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: