رسالة أخيرة للرجل الطيب

 

ITALY LIBYA TORNADO

كتب : علي عمر التكبالي

سيدي الحاكم :

أعلمكم بأنني كمواطن “كاشا بونادم” لم أنخدع ولو لوهلة بطيبتك.. شيء ما في وجهك أخبرني بأنك لست من الطيبين، فلقد قضيت بعضا من طفولتي وأنا ” أتدحنس” بين ركبتي عرافة يقال لها ” الشيخة سالمة بنت الحاج بن مكناس” برعت في فن الفراسة والتنجيم، وأدهشت الحي كله بقدرتها على استنباط الشرير من بين الجموع، واستسقاء الأصل من تلافيف الفروع.

ومنذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها، قرأت في زمّة شفتيك شيئا لم أستشفّه.. لقد تمنيت في تلك اللحظة لو كانت “الشيخة سالمة بنت الحاج بن مكناس” معي بذكائها الفطري وطيبتها المعهودة لتفسر لي تلك الخطوط المتعرجة التي تتفرع من فمك الدقيق على شكل انحناءات لا تعرف الاستقامة.

لو كانت “الشيخة سالمة بنت الحاج بن مكناس” معي لقالت أن التعاريج المنبثقة من الفم دليل طبع مراوغ، وأن العيون المسبولة على شكل شق نصف مغلق أمارة على أن ما يقوله المرء أقل بكثير مما يبطنه، وأن الأنف الجالس ما بين أداة القول وأداة النظر بدون أرنبة هو دليل على المهادنة وليس المشاكسة.

أعذرني سيدي إن كنت أكثر فظاظة اليوم، ولكنني تعلمت أن أنطق بخوفي حتى لا ينذبح جوفي، وأن أخرج ما في صدري حتى لا يقتلني صبري فهذا تماما ما أظنه فيك، ومن الظلم أن تذهب وأنا أسمع الغير يماريك كما فعلوا مع الذي أتى بك.

عزائي يا سيدي أنني لم أنخدع بك، ولم أحسب قط أنك “طيب” كما يقولون، وأنك مغلوب على أمرك، وأن من حولك يستأسدون عليك. الآن، وبعد أن قرأت كل السطور التي طواها الدم والغبار، والليل والسوس والركام، أقول بملء صوتي أنك لست منّا!. وأنا هنا لا أجرّدك من جنسيتك فهي ورقة أعطاها لك القانون، والمولد، والقبيلة، والسلطة.. ولكنني أتكلم عن ذاك الشيء الذي لا يملكه إلا كل من خاض غدران السبخة، وشرب من ماء العيون المنبثقة، وذاق طعم الملح في صخور الكلس المحكمة طوقها حول البيضاء الساكنة في عرين الجبل.. أنا هنا أتكلم عن إمرؤ ينام فوق ليل تبيضّ فيه الهموم، ويتنفس صبحا تشرق فيه الغيوم، ويعمل بطبع لا يثنيه الوجوم، لأن النفس النقية التي يحملها “إبن البلد” تنزف نجيعا كي تصفى، وتطرح غلاّ كي تبرأ، وتفيض حبا كي تهنأ.

أعترف بأنني قاومت بكل قوتي كل الشكوك التي حامت حولك، فنحن معشر “الكاشا بونادمين” لا نرمي التهم على كل من نلقاه، أو نسفّه قول كل من سمعناه.. مشيت فوق ظلي محاذرا الزلل.. طرحت ثقافة “الشيخة سالمة بنت الحاج بن مكناس” وأنا أتلمس أعتابك، ورفعت حاجبي، خافضا من أذني وأنا أتسمع نقير الألسنة فوق بابك.. ولأن نظري بعد هذا العمر الشقي قد كلّ، فقد أحضرت ما يسميه المتعلمون عدسة، وفتشت جوانب الحروف التي كتبت، والأوراق التي دبّجت، والأخبار التي فبركت.. ثم شممت بأنف فراشة زهورا برية تأتي من أكمة غناء، فما جاءني غير رحيق الشوك، وأريج الهندباء.. قلت لقد منحنا الله خمسة من الحواس فلعل السمع يقربني منك، أخذت وضع “الشيخة سالمة بنت الحاج بن مكناس” حينما كانت تقترب من إمام الحي الحاج “حفوظة الدنجال” وانحنيت كالأحدب لساعات ألتقط بثّ العنادل من الدوحة القريبة فما سمعت غير بومة تنعق وغراب ينعب.. لم أجرّب بقية الحواس التي وهبنيها الرحمن لأنني أسكن بعيدا عنك، وأنت لم تجسّم نفسك عناء زيارة يتيمة لأحياء الكاشا بونادمين.

لعلك الآن تتوق لكي تعرف لماذا أنا ضدك منذ الساعة التي فيها رأيتك!.. فأما حدسي فليس لي فيه حيلة.. حاسة خفية ورثها عن جدتي لجدتي التي قيل أنها كانت تشم البصل النابت قبل أن ينثر من التربة، وتقرأ في وجه السحاب بداية الغمة. أما عمّا زادني في رأيي السابق فيك يقينا فهو الظل الباهت الذي ظل يتبعك من زقاق إلى زقاق، ومن شق إلى شق.. لقد رأيناه يكبر يوما بعد يوم حتى أصبح غبشا يقودك، ثم أضحى طيفا يلوذ بك، ثم غدا دحمسا يكتنفك.

وحتى لا يقول أعوانك أنني أتجنى على “رجل طيب” قيل أنه تقاسم نغبة حليب مع وليّة الله الحاجة “صفية بنت فركاش” فأنني سوف أفرش منديلي وأعرض عليه بضاعتك دون أن ألمعها أو أنظفها، فأنا لست من الباعة الجوالين، وإن كنت أجمع القرش على القرش كي أعلم أبنائي لأجنبهم قساوة الحياة في حي “الكاشا بونادمين.”

أما درّة الخردة التي أعرضها فهو كتاب يحكي قصة تهريب عائلة القذافي إلى الجزائر.. أخبرني فيما أخبرني “الحاج مرزوق الليبي” أن العائلة أخذت كل مالها وخميرها ومتاعها، وانصرفت غربا إلى حدود الجزائر صحبة عائلها جلاد الأمة “معمر بن محمد أبي منيار بن نائل بن قذاف الدم” بأمر منك، ومباركة من “الناتو!”

وفي هذا الركن سوف تسمع وشوشة عن الجيش، وعن اللواء “عبد الفتاح يونس” ما فتئت تتبع قفاك، وتشم خطوتك حتى ضقنا بها ذرعا.. لقد سوّفت، وماطلت، وراوغت، ورقصت بين حد السيف والسيف ولم تقل لنا الحقيقة.. لكم ذكرتنا “بسيف ذ الإصبع” الذي إقترحك، وبأمه التي أوعزت إسمك، وبأبيه الذي باركك.

وسوف أزيح للناظرين الرقعة القميئة التي تغطي قصة هروب 250 سيارة محملة بالعدة والعتاد والمال وعلى متنها أساطنة الرفاق عبر الصحراء إلى النيجر.. أتذكرها؟.. تلك التي صورتها طائرات “الناتو” ثم تركتها تفر جنوبا دون مطاردة حتى من أجل درء الرماد في العيون!.

وأما تلك اللطخة السوداء في وسط المحتوى فهي بقايا السبعة مليارات التي منحك إياها اللص الظريف “أحمد قذاف الدم” حين قابلته في مصر بدون إذن من باقي أعضاء مجلس “إحنا التلامذة..” لكم كان ذلك مثيرا يا “مستر طيب” وأنت تحكي قصة اللقاء بعد أن فاحت رائحته عبر الشقوق!.

واقرأ يا سيدي ما قلته بنفسك عن “مصرف الأمان” الذي جاؤوا به قبل أن تبتدئ المؤامرة، وحشوه بالبنكنوت والذهب، وتعال كي أريك أصحاب اللحي المستعارة يدخلون “الكارت” الذي لا يسع المبالغ الكبيرة في شق الصراف الآلي خلسة، ويسحبون مبالغ لا يحصل عليها باقي المواطنين. قلت بنفسك فيما سبق أن هذا المصرف وغيره من المصارف الأجنبية يهربون الأموال لرفاق الطاغية، أليس كذلك؟ أنا لم أغير شيئا من كلامك كتبته هنا في رقعة بالية كي أشهد عليه الأجيال القادمة.. لم أزوّق، ولم ألمّع، ولم أخربش، ولم أشوّه.. فقط أضفت هذه الجملة البليدة: “لماذا يبقى هذا المصرف في بلادنا؟؟؟؟”

والآن دعني أفرجك على تلك اللعبة التي صنعتها ماكينات البلاستيك في أمريكا مقلدة لصورتك وزيك وصوتك.. إنها ترطن بالعربية بكلمات مبهمة تنقض في لحظة ما قالته في التو، وتثني بالخير على من قرنته بالسوء.. بصراحة.. إنها لعبة مضحكة تحكي تاريخا مضحكا، وتسخر في 40 جراما من البلاستيك من شعب بأسره صدّق أنك “رجل طيب!”

وهل تريد أن ترى الرسم الساخر الذي يصور الرجل الغامض في الطاقية الحمراء وهو يجرجر أذياله خلف “ساراكوزي” ويهديه دون إذن من الشعب الذي يمثله السيد “بشير صالح؟” سألني إبني عن الثمن الذي قبضته البلاد مقابل ذلك، فلم أستطع الإجابة لأنني لم أعرف أي بلاد يقصد؟.. ولأنني كنت مشغولا بمعرفة مالذي يجري في موريتانيا بالإتفاق مع فرنسا.

أعترف يا سيدي أنه لدي الكثير من المعروضات التي تحكي عنك، وتلغي أسطورة “الرجل الطيب” من باقي إسمك، ولكنني خبأتها خوفا عليك لا علي، فأنا، كما عرفتني في باقي حكاياتي، درويش يؤمن بأن يوم القبر، لن يغني عنه حذر.. غير أن فعلتك الأخيرة يا سيدي هزتني من الأعماق، وضربت سطح الماء الراكد بالبئر فاهتزت له أمواج قلبي ونفسي، وحركتني كي أقول ما خلدي.

أن تبعث السيد “علي الصلابي” كي يمارس نفس الدور الذي مارسه في عهدة “سيف ذي الإصبع” جريمة، وأن تدس نفسك بين الرؤوس متجاهلا ما يحدث مواربة، وأن يخرج غيرك كي ينفي تهمة عنه خيانة.. ليس من حقك أو حق غيرك أن ينصب نفسه وكيلا على شعب قال بأكمله “لا” لطاغية العصر.. وليس من الشهامة أن تطعننا في الخاصرة، أو أن تورطنا في قضية خاسرة، أو أن تحيك من واقع أنت مسؤول عنه خيطا في مؤامرة.. وليس من حقك أو حق المخابرات المصرية التي تلقفت “أموال اللص السخي” أن تصنع منها شركا لشعبنا العظيم بمباركة رجلين في حجم عقلة الإصبع.

غير أن أخطر ما نصحني بعض الطيبين بعرضه في تلك الكومة الملطخة فهو قصتك مع “الفدرالية” ومع الجنوب الليبي.. ففي الحدث الأول تلكأت، وتجاهلت، ثم تباطأت حتى علمت أن الشعب خرج غاضبا في كل الأنحاء، فرفعت سيفك الخشبي، وهددت المارقين بهمسة، وقرعت الأجراس خلسة.. أما فلذة كبد الأمة التي تنطرح فوق الصخور الساخنة من سفوح “تيبستي” حتى “كاف الجنون” فقد تركتها يا سيدي تعاني طعن الرماح المجنونة، وتتقى تحت أشجار العاقول لفح النار المشحونة. أيعقل يا سيدي أن نترك صحارينا في يد “القوارع والطورارق،” وننام على آذاننا كأننا صم، ونبلع ألسنتا كأننا بكم!؟.

كنت قد تساءلت في كتابات سابقا إن كان الأمر مقامرة، أم مغامرة، أم مؤامرة.. بعد أن راجعت كل ما رأيت، وما سمعت، وما كتبت، وما قلت أجد نفسي ملزما باختيار الكلمة الثالثة.. وهاهي الأيام تزيح سترها شيئا فشيئا بعد أن أكل السوس أطرافه، ونبت العث فوق نسيجه، وسوف يتعرى الكثير منكم في القريب العاجل، فسارعوا بارتداء الملابس الداخلية المصنوعة في “نيس” “ويوركشاير” فهي قطنية ولا تسمح للعرق بأن ينز.

لقد خسرت أنت والسيد رئيس المجلس التنفيدي، والسيد مفتي البلاد فرصة تاريخية كبرى حين لم تضعوا العربة على الطريق الصحيح الذي كان سيلزم كل من جاء بعدكم باتباعه.. لقد سمحتم للجميع بالإنزلاق من بين القضبان في مستنقعات الرشوة، والمحسوبية، والسرقة، والنهب، والتعتيم، والإستباحة، والمهاترة، والمخاصمة، والإقصاء، والتهميش، والتكبير، والتصغير، والفساد، فسار كل من كان معكم في نفس الطريق، وقاد الشعب المتعطش شوقا للحرية والسعادة والهناء إلى طريق ملئ بالحفر والمطبات والمياه الآسنة.

قد تمضي يا سيدي بعيدا عنا، ولن نتمكن من محاكمتك ومن معك، ولكن يد التاريخ الطويلة سوف تظل خلفك تنزع حذاءك لتضعه في طاقيتك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: