لو ذاتُ سِوَارٍ …

 

كتب : فريد صالح آدم

clip_image002

في يوم الجمعة ، السادس من يوليو من عام 2012 ، وعند تمام الساعة 35 : 13 ، نشر وزير شباب ورياضة القذافي الأسبق ، وممثله في منظمة العمل العربية ، الدكتور إبراهيم قويدر في صفحته على موقع التواصل الإجتماعي الفيس بوك كلاماً بعنوان ( ظهرت الحقيقة وأنكشف المستور ) ، وتحدث الدكتور قويدر , متحللاً من تعقيدات اللغة العربية الهائلة ، ومفضلاً الحديث بلغة هي أقرب إلى لغة العوام منها إلى لغة أساتذة الجامعات والأكاديميين ، فقال ، أنه بعد خروج جماهير مدينة بنغازي مستنكرة ما يقوم به المعترضون على الإنتخابات ، وبعد أن راضتهم الزاوية وطرابلس – وأظن أن الدكتور قويدر أراد أن يقول ، وبعد أن أرضتهم الزاوية وطرابلس – وبعد أن أصدر المجلس الإنتقالي التعديل الذي كنا قد نادينا به مراراً وتكراراً حول كيفية اختيار هيئة الدستور … بعد كل ذلك يظهر علينا هؤلاء ، ويقومون بقفل الطريق الساحلي ، وهنا أيضاً أعتقد أن الدكتور قويدر أراد بقوله هذا إغلاق الطريق الساحلي ، فإنني لم أسمع قط عن أحد يتحدث عن إقفال طريق ، وهذا ببساطة راجعاً إلى أن الطرقات ليس لها أقفال تقفل بها ، ومفاتيح تفتحها . وأردف الدكتور قويدر قائلاً أن القذافي نفسه لم يتمكن من إغلاق الطريق الساحلي وفصل الشرق عن الغرب ، وإنني حين أسمع هذا الكلام أستغرب ، وأدرك أن الدكتور قويدر ليس واقعياً على الإطلاق ، وكلامه هو بمثابة تشويه لسيرة ذاتية لطريق ساحلي ظل مغلقاً لأشهر من الزمن ، أو أنه يحاول أن يزور التاريخ ليثني على روح القذافي ويمجدها بطريقة ملتوية كما كان يثني عليه في حياته في أحاديثه ولقاءاته ، ومن ذلك ما ذكره للإعلامي المتميز علي أمجد في برنامج ( الإتجاه الصحيح ) على قناة الجماهيرية الفضائية ، فعندما سأله الأستاذ علي أمجد في تلك الحلقة سؤالاً يتعلق بدور منظمة العمل العربية في نشر كلام القائد معمر القذافي حول مشكلة الهجرة غير الشرعية ، والحلول التي أبتكرها لهذه المشكلة :

علي أمجد : الآن حديث الساعة حديث الوسائل الإعلام المختلفة في الغرب بالذات ، وعقد أكبر مؤتمر الآن ، منذ فترة ، في الجماهيرية حول الهجرة الغير شرعية بحضور القائد . وشرحَ القائد الأسباب والمسببات . هل كانت ، أو ما تحدث به القائد في هذا المؤتمر دور المنظمة في تعميمه على الدول التي تتحدث عن الهجرة الغير شرعية ، أو ما يسمى ، أنا بنسميها ، ما يسمى بالهجرة الغير شرعية ؟

د . إبراهيم قويدر : أنا بصراحة فخور جداً ، اللقاء اللي أنت قلت عليه ، اللي قال عليه ، اللي تحدث فيه الأخ القائد . أنا بنقولك أن كان يتحدث العقيد كأن يقرأ ، كأن يقرأ ، فهمت ؟ في ما توصلنا إليه من نتائج داخل المنظمة . يعني لما قال ، وهذه قضية صحيحة مية في المية ، يعني لما قال أن مفروض على الـ بما معناه يعني ، مفروض على الأوروبيين أن يتقدموا باستثمارات في شمال أفريقيا وفي الدول الأفريقية من أجل خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب بيش ما يهاجروش غادي . وهذا الحل الأمثل .

وليسمح لي القارئ الكريم بالوقوف قليلاً عند هذا الحوار التاريخي قبل الرجوع إلى مقالة الدكتور قويدر (ظهرت الحقيقة وأنكشف المستور ) ، ففي هذا الحوار وقع الأستاذ علي أمجد في خطأ لغوي فاحش كرره ثلاث مرات ، وهو التعريف بال لغير المضافة ، بدلاً من تعريف المضاف إلى غير بال ، في قوله : الهجرة الغير شرعية ! كما أن المتابع للأستاذ علي أمجد يقع في حيرة عظيمة عندما يريد إدراك السياق الزمني للأحداث التي يتحدث عنها ، فنجده يقول ، وعقد أكبر مؤتمر الآن ، منذ فترة في الجماهيرية حول الهجرة الغير شرعية ، فعلي أمجد لا يكتف بخرق قواعد اللغة ، بل يتجاوز ذلك ليخرق قواعد المنطق . فمثل علي أمجد كمثل مصطفى عبدالجليل يتصدر للحديث ، وهو ليس أهلاً لذلك .

ويذكر التاريخ أن وزير عدل القذافي ، المستشار مصطفى عبدالجليل وقع هو الآخر في نفس الخطأ في كلمة له أمام مؤتمر الشعب العام بسرت في يوم الخميس ، 28 يناير 2010 عندما قال :

القانون الواجب التطبيق والساري في ليبيا الآن ، هو قانون قصاص ودي . هذا القانون ينص على أنه كل من تعمد إزهاق روح إنسان يعاقب بالإعدام . القانون الوضعي ( القذافي : أيه ) ، القانون الوضعي الغير مطبق ، الغير مطبق . ( محمد بلقاسم الزوي : غير المطبق . القذافي : غير المطبق ) ، ينص القواعد العامة لقانون العقوبات تقول أن حق الدفاع الشرعي المكفول للعامة والكافة لا يتيح القتل العمد إلا في أحوال أربع ، من بينها هذه الأشياء الذي تحدثت عنها حضرتك .

وعندما أستلم الدكتور قويدر دفة الحديث ، للرد على سؤال الأستاذ علي أمجد بخصوص دور منظمة العمل العربية في تعميم توجيهات القائد والحلول التي طرحها لمواجهة الهجرة غير الشرعية في ذلك المؤتمر الكبير الذي حدث ( الآن ، ومنذ فترة ) ، بدأ بالتعبير عن فخره العظيم عندما تحدث القائد في ذلك المؤتمر ، وقال أن القائد كان وهو يتحدث كأنه يقرأ ما توصل إليه قويدر ومجموعته داخل المنظمة .

وبهذا التصريح يكون من الجلي أن قويدر قد طاش لبه من شدة الفخر ، فرفع القذافي إلى مرتبة الألوهية (يعلم السر وما أخفى ) .

ثم ركز الدكتور قويدر إهتمامه فقط على أناسه الطيبيين في بنغازي وأجدابيا وسلوق وقمينس والبريقة ، ووجه دعوته لهم بأن لا ينزلقوا في الفخ ، وأن لا يهتموا بهؤلاء ، وأن يتابعوا طريقهم للانتخابات وأن يركزوا على إنجاحها ، وأن لا يراعوا فستتفرغ لهم السلطة المنتخبة ، والثوار الحقيقيين ، وأن الشعب الليبي العظيم لن تضحك عليه هذه الزمرة التي سعت وتسعى لحكم ليبيا ، أو الحصول على موقع سلطوي ، ثم أختتم قويدر كلامه بعبارة سيذكرها التاريخ كلما ظهر على مسرح أحداث الثورات عناصر مهيئة ، ومؤهلة لمسح قرون الشيطان وذيله ، والتمسح بأجنحة الملائكة وريشها :

الإنتخابات ، الإنتخابات الآن ، ويوم الأحد نتفرغ لهم .

clip_image001

وحدد الدكتور قويدر يوم الأحد ، الثامن من يوليو من عام 2012 ، يوماً ليتفرغ هو ، ومن معه ، لهم . ومن هذه العبارة نستدل على أن قويدر قد أصبح رسمياً متحدثاً باسم ثوار 17 فبراير ، ومخولاً بحق إعلان الحرب ، فنراه يهدد الفيراليين بأن ساعة الحسم قد دنت ، وهرمجدون موشكة على الوقوع . ووصف الدكتور قويدر الشعب الليبي بالعظيم ، ولا أدري ما الذي أجبره على ذلك ؟ وهل يعتقد هو في قرارة نفسه حقاً أن الشعب الليبي شعب عظيم ؟ وما هو مفهوم العظمة لديه ؟ أم أن كل ذلك هو دغدغة لعواطف الليبيين الجهلة بوضعهم في صفوف الشعوب العظيمة

عادةً في تاريخ الثورات ، عندما تنجح ثورة ما بالإطاحة بأسرة حاكمة أو نظام حكم ، وتستتب لها الأمور يبدأ بعض الأشخاص المحسوبين على النظام المطاح به بالتسلل عبر مسام الثورة إلى داخل كيانها ، ولكي يبعدوا عن أنفسهم أدنى شبهة تربطهم بالنظام السابق ، تراهم يتقدون حماسةً لنصرة الثورة الوليدة ، ثم يدخلون بعد ذلك في طور آخر يبدأون حينئذ بالغليان والفوران ، ويصبحون ثواراً لا يكاد المرء يشك في أنهم كانوا في يومٍ من الأيام من أركان النظام الذي أطاحت به الثورة . ثم يتلو طور آخر يصبحون فيه ثوريون أكثر من الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أو عبدالله بن الزبير ، أو عبدالرحمن بن الأشعث ، أو تشي جيفارا . وفي هذا الطور يتولد في أنفسهم إقتناع بأنهم هم أس الثورة وأساسها ، ويشرعون بالتحدث بأسمها ، والتنظير لها ، ونتيجة لهذه القناعة الذاتية الجديدة المتولدة في نفوسهم تجد أن أفعالهم وأقوالهم تتسم بالعنف والتطرف . وإنني كمراقب جيد للأحداث ، أرى أن الدكتور إبراهيم قويدر قد دخل في الطور الثالث من أطوار التحولات الثورية . وإذا ما قمنا برسم صورة بيولوجية موازية لأطوار التحول الثوري لدى الدكتور إبراهيم قويدر ، فنجده عند تفجر ثورة السابع عشر من فبراير قد لف نفسه بالسكون والصمت ، ومراقبة ما يحدث عن بعد ، وتحليل الوقائع بروية، ويمكن القول أن الدكتور قويدر كان في هذا الطور عبارة عن شرنقة . وبتطور أحداث الثورة وتسارعها ، وإنشغال الناس بالنار ، والدم ، والدخان ، ينزع الدكتور قويدر جبته الحريرية ، ويتحول إلى يسروع نهم إلى الكلام والضجيج بعد فترة صيام ليست بالقصيرة ، ثم تظهر على ظهره أجنحة ، ويتحول إلى فراشة تطير وتحلق فوق رؤوس العباد ، وهذا هو الطور النهائي فيصبح فيه حشرة كاملة لا ينقصها من صفات الحشرات شيء .

بالطبع إن الحالة الثورية لدى الدكتور قويدر وأمثاله ليست حالة ثورية أصيلة ، ولذا تراه دائم الشك في أن الناس يعرفون حقيقة أمره ، ولكي يجعل نفسه فوق الظنون والشبهات تجده دائماً يحاول أن يثبت ثوريته حتى لو تطلب الأمر منه إتخاذ أقسى الإجراءات وأردأها . وإننا إذا تفكرنا قليلاً في هذا ، فلن نجد في ذلك أية غرابة على الإطلاق إذا أن قويدر هو سليل مدرسة القائد العقيد معمر القذافي ، فسيده قد ألقى في يوم الخميس ، 17 مارس 2011 خطاباً إذاعياً ، فيما يلي مقتطفات منه :

” جايين ، جهزوا أنفسكم من الليلة “

” جينا روسنا عرايا “

” أنتهوا إلا كان لقيوا مويه في أركبهم ، ولا لقيوا حمير “

” الدوارة فالزنادقة والخونة بس . لا رحمة ولا شفقة معاهم ، حنقلب عليهم بالحيط ، حيطة حيطة ”

” أولاد الكلب الخونة ، يحطونا في هالوضع “

” جربوا القنابل عليّ مقبرة سيدي خريبيش “

” عناصر جاءوا من مصر المهزومة ، ومن تونس المنكوبة “

” هلها خلاصين وحلها “

في هذا الصدد يكاد المرء لا يجد إختلافاَ جوهرياً بين القائد العقيد معمر القذافي وبين الدكتور إبراهيم قويدر سوى في المهلة الزمنية التي حددها كل منهما للهجوم ، فالقائد أعلنها حرباً عواناً مباشرةً بدون إعطاء أي مهلة زمنية ، وقال جهزوا أنفسكم من الليلة ، وجايين وروسنا عرايا ، وأن الخونة والزنادقة سينتهوا لا محالة إلاّ إذا كانت ركبهم لا تزال محتفظة ببعض الماء لتليين حركتها ، أو أنهم وجدوا حميراً ليمتطوها ويفروا بجلودهم ، أما قويدر فنفسه خيرية إلى حد ما ، فلم يذكر أي شيء عن هجومه على الفيدراليين عاري الرأس ، وأمهل الفيدراليين ، والمعارضين للإنتخابات حتى يوم الأحد ، وقال حينئذ سنتفرغ لهم .

تكمن مشكلة قويدر في أنه يريد أن يثبت ثوريته ، وبالتالي وجوده ، ومشكلة الفيدراليين ، والمنادين بتساوي المقاعد بين الأقاليم الثلاثة هي أنهم أبتلوا بشخص مثل قويدر يريد أن يثبت وجوده ووسيلته في ذلك التهجم عليهم ، وعلى قضيتهم . إن أسوأ ما يمكن أن تواجهه جماعة هو شخص يريد أن يثبت وجوده على حساب مصلحتها فقويدر في سبيل إثبات ولائه أو ثوريته يخلط بين ، الناسوت واللاهوت ، ويصبغ على البشر الفانين صفات الألوهية التي من بينها إدراك ما يجول في خواطر الناس وما يختلج في صدورهم .

شخص كهذا ، لا أتمناه عدواً لعدوي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: