العلمانيون والإسلاميون : النظرية والتطبيق " 1 "

 

3-1

كتب : محيي الدين كانون

كثر اللغط كثيرا ، وكثر الكلام المرسل بين علماني وإسلامي ، وصارتا مع التداول عند النخبة اصطلاحان لا يشق لهما غبار، وتوسعتا إلى حقول التنظير والمحاجة الأيديولوجية حتى بعدت الشقة بينهما ، فضعنا وضاعت الحقيقة وعم سوء الفهم وأتخذ شكول عقائدية حادّة تفت في العضد ، ولا تخدم غير الأعداء ولا تكرس غير تعطيل الدولة ونكوص المجتمع … في هذا المقال نحاول الحفر في أساس هذين المصطلحين علّ ذلك يقاربنا من الحقيقة المفقودة ويوصلنا إلى مسائل فيها نظر ، نتشارك جميعا حولها ، ونتفاهم لبناء دولة غير مشبوهة وغير مختطفة ، لمعرفتنا مقدما بأن الطريق إلى الديمقراطية ليست سهلة ميسرة في كل المراحل ، إذ هي طريق شاقة ، وعرة ، ومحفوفة بالقياس إلى شعوب فتية ،ما تزال تنتزع حقوقها بعد طول عهد موغل في الاستبداد.

أصل الكلام : أن نحدد القول بتحديد موضوعه ؛ كلمة علماني مصطلح وافد من الغرب( التاريخ الثقافي الأوربي )، وهى لغة نسبة : { لهذا العالم { = (هنا والآن) } الذي نعيشه بحواسنا الآن فى لحظة تاريخية راهنة – ليست الماضي البعيد ولا اليوتوبيا والفردوس المفقود / ولا يوم الحساب يوم الآخرة يوم علمه عند الله وحده — ، ودون التباس في تصريف الكلمة العربية وجذرها بين عَــلْم ( بفتح العين ) وهى الراية ، وعِــلْم ( بالكسر ) أي المعرفة المنظمة ، ونقول منهج علمي نسبة للعلم الوضعي ، كطريقة فى التفكير الموضوعي ، واسم الفاعل منها ( عالم ) بمعنى رجل العلم الباحث في العلوم ، بينما مصطلحنا هو (العالم = بفتح العين واللام ) بمعناه الكون والدنيا ، وكلمة علماني العربية هي ترجمة معتدلة لطيفة الوقع اختارتها عبقرية العربية الحديثة ترجمة لكلمة(secularism ) بدلا عن معناها الحرفي (دنيوي = اللاّديني ) العربية ونقيضها (أخروي)، والترجمة الدقيقة لمصطلح علماني بمعناه secularism — دون خيانة السياق هي (المدني = حياة الناس في دنيانا نحن البشر) الأصح في السياق النظري والاجتماعي التطبيقي ، والأخيرة ( المدني ) أدق من مصطلحات العلماني و الدنيوي واللاديني ، عندما نقصر المصطلح على متعلقات النظام السياسي الديمقراطي بمعناه المدني لا العسكري ولا الديني ( دولة النبي في زمن الرسالة ) ؛ حكومة ينتخبها الشعب مدنية ليست تيوقراطية عسكرية وليست تيوقراطية دينية و كلمة علماني بحمولتها النظرية الغربية المتطرفة كمفهوم ينزع عن العالم الروحانية والدينية والآخروية ، وبالطبع لا يقبله المسلم في ( اللاشعور ) ، ولكن يقبل أحد شكوله المهمة في معناه المدني ، حيث يتفق مع المعقول ولا يناقض المنقول ، ولا يخالف الإجماع ، و فيه تشكيل من مكونات الأصالة والمعاصرة دون تناقض ، بل فيه من مكونات الأصالة ما هو معاصر ، كما فيه من مكونات المعاصرة ما هو أصالة دون انتقائية أو توفيق تلفيقي ، ولنا اعتبار من تجربة الدين الإسلامي في مجرى الزمانية على طول أحقاب التاريخ , خاصة وأن هناك توفيقات علمانية ( مدنية) متنوعة وتطبيقات متغايرة ، لا تكرس صناعة المنشأ ، لا تستنسخ حمولته السلبية التطبيقية ، ولا تعيد أنتاجه ، بحكم اختلاف البيئة واختلاف الثقافة ولا تعي للمصطلح الغربي بحمولته الثقيلة …( الاختلاف رحمة )… الخلاصة أن العلمانية لا تمرق فى وجدان المسلم بسهولة كما رأينا ، إنه مصطلح صادم ومفخخ ، لا يختلف عن ألالعاب النارية التي جلبها نابليون في حملته ضد مصر أواخر القرن التاسع عشر للميلاد ترويعا للأهالي ، وصدمة للحواس ، وقد أراد أن يبهر بها سكان الشرق العربي ، ويوقع الهلع في نفوسهم ، كحرب دعاية لشل الإرادة ، قبل بدء المعركة وقبل تلاحم الجيشان ، لمجرد إظهار للقوة والتفوق . وذلك ما حدث لمفهوم العلمانية قبل تبيئته وتفكيكه علميا .

Securalism عند هذا الحد فلنترك مصطلح المدني الذي ارتأيناه الأفضل في ترجمة العلماني ولنفكك كلمة ( العلماني) السيئة السمعة ، أصل الداء ونقول عند تجريدها كمفهوم ، والتوسع فيه بالتحليل ـ يشمل ما صدقه بلغة المناطقة ( هذا الإسلامي وهذا اليهودي وهذا المسيحي) ، بحكم أن الإنسان المتدين أو صاحب العقيدة هو من يمارس عقيدته داخل الكون أي في عالمنا (هذا العالم ) ، وليس في خارجه ، مهما كان من أدعاء المُنظر العلماني الأُوروبي المتطرف بوضعه خطا أيديولوجيا فاصلا بين حال الدين و وحال الدولة تارة ، بين (الروحانية والزمانية ) تارة أخرى ، وكان منذ البداية للمفكر الحر أن يتمترس في خندق واحد مع الدولة ضد الكنيسة كمؤسسة قمعية مستبدة إبان العصر الوسيط الأوربي – يمكن مقاربة فاعليتها ومقارنتها حاليا بأحد أجهزة القمع في أنظمة ما قبل الربيع العربي ـــ ونسى العلماني الأيديولوجي المتطرف أن الدين قد أنزل للناس هو أيضا بصورة ما دنيوية تلامس حياتهم ، أو بشكل يتفق مع فطرة حياتهم الراهنة زمن التنزيل في هذه الدنيا ، وقبل أن يكون أخروي ، بدليل أن الاستبداد الكنسي هو في تفصيلاته ومفصلاته مؤسسة قائمة دنيوية مستبدة ، وليس أخروية مهما كان إدعائه ، ويبقى التأكيد الراهنة ( هنا والآن ) ، فلا يمتنع في النظري والتطبيقي – كما هو قائم – وجود مسيحية (علمانية) ، ويهودية (علمانية) ، وكذلك إسلام (علماني) بمعنى العلماني هنا المدني كما أثبتنا ، وأما الفصل بين ألزماني والروحاني أو المادة والروح أو المطلق والنسبي أو الثابت والمتغير هو فصل تعسفي في العقل ( في الأذهان وليس في الأعيان ) ، فندته الفيزياء المعاصرة ( فيزياء الكوانتم ) فيزياء ( حساب الاحتمالات) ويبقى أن الفصل بين الدولة والدين هو من إنتاج بيئة مختلفة ، وفي حقبة زمنية ظالمة مغايرة لما عند لغة الضاد ، حيث مسخت لديهم مؤسسة الكنيسة الأوربية الطبيعة البشرية ، وأرادت باسم العقيدة استلابها والتحكم في الناس ، ودمغها بطابع –الرعايا التبع – و بيع وتوزيع صكوك الغفران عليهم وإلا لن ينال الرعايا الغفران الإلهي ، ولن يدخلوا الجنة ، ومصادرتهم الأساسية في أصل خطابهم الديني : أن الإنسان مذنب وآثم ( ابن الخطيئة )، حتى بات من اليسر أن يمرق الجمل من سم الخياط للآخرة ، قبل أن يمرق المسيحي الطيب إلى الرحمة الإلهية .

 

( يتبع)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: