العلمانيون والإسلاميون : النظرية والتطبيق " 3 "

 

3-1

كتب : محي الدين كانون

 

ملخص ما نشر :

[ علمانية : كلمة سيئة السمعة بالقياس للثقافة العربية ــ الإسلامية نتيجة ترجمة غير دقيقة في مطلع القرن العشرين ، هربت كمصطلح للفضاء الثقافي العربي ــ الإسلامي ، بحمولات المنشأ المصدرالذي ينتسب لمعطيات ثقافة أخرى مغايرة ( أغريقوـ لاتن ) … وتعد ( العلمانية ) ترجمة واضحة ومعدلة للمصطلح ( securalism ) ، وإن لم تكن دقيقة ، بما يفيد ( العالم = هنا الآن ) بدلا من ( اللاديني ) أو ( لا أخروي ) …بينما الترجمة الأدق من هذه الأخيرة والقادرة على موازاتها ، ومطابقة روح النص بغير حمولة سيئة ، ودون خيانة الأصل هي : (مدني أو مدنية ) ، وقد ثبت من نقل المصطلحات بين أي لغتين ، لابد للغة المترجم إليها النص من القبول العضوي والبنيوي لمنطوقها الثقافي ، و إلا سيكون المنقول مصيره اللفظ أو الرفض ، وفي أسوأ الحال المسخ والفشل ، شأنه في ذلك شأن نقل الأعضاء من جسد إلى جسد آخر مرهون بالقبول أو بالرفض حسب خارطة الجينوم في الجسد… ]

لن نذهب بعيدا مع حكاية التقميش الحاصل ، والاستلاب الثقافي الحاصل بين الأمم – فالأمم المغلوبة مولعة دائما بتقليد الأمم الغالبة – نأتي هنا إلى مربط الفرس ، وإلي الحيل اللاشعورية والأسباب المتخفية ، المسكوت عنها الداعية لتبني بعض الأمم أطروحة الفصل بين الدين والدولة كما فعلت بعضها ، ولأسباب مختلفة متعددة ، أملتها عليها ظروف تاريخية كانت من نسيج بنيتها الثقافية والاجتماعية خاصتها ، أو بكلمة هي من مكونات وضعها الديني الخاص عبر التاريخ ، ولكن بالقياس لأمة أخرى معاصرة لها ، تعدم مثل هذه الأسباب الموجبة للفصل بين الدين والدولة ، ويمكن هنا بشيء من الاختزال ، رد مجمل هذه الأسباب على النحو التالي ، أولا : هذه الأمة مهزومة أمام محك التاريخ الفعلي في ميدان الصراع الدولي بين الأمم ، وبالتالي عجزها عن جواب أسئلتها الحضارية من واقع بنيتها الثقافية وتاريخها التفافي الخاص ، فهي دول أو أمم مغلوبة على أمرها ، بينما كانت الدول المتفوقة والغالبة هي من خاضت تجربة الفصل بين الدين والدولة ، ونجحت فيها ، وكان نجاحها مرهونا باعتمادها على منظومة قيم ، تنادي بالحرث في الدنيا ، والسعي فيها بهمة وفقا لقيم العمل والإنتاج واحترام الحقوق ، وكان مواطنوها يسلكون سواسية أمام القانون، والتدافع بينهم يسلك وفق صيغة قانونية ، وقواعد وضعية تعتمد على مباديء وقيم الديمقراطية نحو تبادل السلطة والإدارة ، بمفصلات مواثيقها الدستورية والأخلاقية في العمل العام ، وبموافقة عامة من الأمة بجميع أطيافها ، على ميثاق عقد اجتماعي بين الحاكم ( خادم الأمة ) و عامة المواطنين ( الشعب ) ، أما ثانيا فهو تكميلي للأول : ومرجعه أنه نتيجة للتناص الثقافي بين الشعوب، وتلاقح نصوص الثقافات المتبادلة لهذا السبب أو ذاك ، وربما توالدها واستنساخها عبر الزمان فضلا عن ميزة تبادل السلع والمواد ، وتقبلها على سبيل التقليعة الجديدة الوافدة ذات الحيوية والجدة … وكان المغلوب – كما ذكرنا ــ مولع بتقليد الغالب حتى لو تبين له أن الأخير على خطأ واضح ، فبديهي أنه لا يمانع بقبول مفاهيم فكرية وافدة ، ومنظومات قيم ثقافية مغايرة بل مناهج فكرية وطرق تفكير من مقتنيات ثقافة الغالب ، دون تمحيص وإعمال فكر، هذا إن لم يكن تسريب وتهريب فكري لثقافة الغالب ، كما يقبل منتجات صناعته لقابلية أوضاعه التاريخية والاجتماعية للاستعمار ، ولكن قبول الأدنى من الأعلى ، ليس فيه ندية ، وكيف تأتي الندية بين غالب قاهر ومغلوب مهزوم أو بين منتج للثقافة العصر، ومستهلك لها ؟! وفي الجانب الثقافي ، بديهي أن يتلقى المستضعف حضاريا وصناعيا ثقافة الأقوى وحضارة الأقوى وصناعة الأقوى باندهاش وإعجاب وبغير نديه في استيعاب منطوقاتها ، ربما يقبلها ويستسيغها بغير تشرب حقيقي وهضم ، لأنها ليست من صنع يديه وليست من بنات قريحته ، وليس لديه علم أو دراية في مواجهتها نديا أو الإضافة إليها ، فضلا عن حصانة حدودية قائمة على أساس وعيه بذاته ووعيه بالآخر ، وهذه الحالة تترجم تكريس الهمل الفكري ، في ظل تقهقر ثقافي عام ، وغياب المرجعيات التشريعية والمنطقية ، وما يترتب عنها من أوضاع ضد المجتمع كبروز دعوات عصبية متطرفة أو أنظمة مستبدة شوفونية أو إعلان عن استقالة من التاريخ الفعلي للعصر . بيد أن لكل قاعدة استثناء كما يقولون ؛ فليس كل مغلوب دائما مولع بتقليد الغالب ، فقد يحدث العكس ، وفى حالات نادرة من التاريخ ، حيث يكون المغلوب قليل في العتاد العسكري والقوة البشرية ولكنه متفوق في حضارته وتراثه الثقافي ، فتكون الثقافة هي المهيمنة وليس شوكة السلاح ، والحياة المدنية ساحة للثقافة المتقدمة ، وليس ميدان حرب وساحة للعتاد الحربي، والتاريخ يزدهر بمشاهد مدن شيدت ثقافة على السلام والبناء والاستقرار ولا يشهد البتة على مدن شيدت على الحروب والإبادة وعدم الاستقرار .

وهناك سبب آخر معرفي تطبيقا لــ ( نظرية علم النفس المعرفة ) يقطع دائرة التبعية الثقافية ومنطوقه : أن هناك باطن وإطار اجتماعي ثقافي للمعرفة سواء عند الأفراد أو المجتمعات ، وعلى ضوئه يحاكم الفرد أو المجتمع المفاهيم الوافدة كحرس حدود وبيقظة فكرية ليست بغافلة مهما كان حجم التسريب ، ومهما ذهبت الإبصار وعميت الأعين ، و سينكشف أمره عاجلا أم آجلا ، إذ لابد في عملية التبادل الثقافي والتبادل السلعي ، أن تتم تأثيرية ما في عملية التبادل ولابد للطرف المستهلك من أن يتخذ شيئا من الوافد حتى يمنحه تأشيرة القبول ، فشروط التناسق والتناغم بين الطرفين ستأخذ حيزها في التفاعل سواء في المكان والزمان ككل علاقة تأثر وتأثير ينجم عنها أثر، ومن هنا كانت الحاجة ماسة لمناهج علوم المقارنة ودراسات المقارنة في هذا المجال .

ومع حقيقة العولمة ، فإن هناك متغيرات كثيرة ذات إيقاع سريع ، تطبع حياة كوكبنا الصغير، فالتقدم التقني الرقمي ما بعد الثورة الصناعية ، أو ثورة الموجة الثالثة قد صيرت المكان والزمان إلى بعد واحد ، واختزلتهما حتى صح القول ، أن العالم أصبح قرية وليس قرية فقط بل قرية صغيرة جدا ، وبديهي في عالم أصبح مكوناته المستقلة بغير حدود مستقلة وأصبح أهم سماته تنقل الموارد البشرية والموارد المالية بغير حدود ، والأهم انتقال المعارف والمعلومات والتقنية أيضا بشكل أسطوري سحري خارق ، وتبدل المفاهيم وتطور المعرفة إلى الحد أن صح القول أنه كلما زادت معارفنا أكثر ، نقص فهمنا أكثر وزاد جهلنا ، الأمر الذي يجعلنا بصعوبة بمكان أن نهتدي بالعقل إلى ملامح المستقبل البشري ومصير كوكبنا الصغير، ولكن ما يبدو واضحا من عنوانين العولمة ، هو قراءتها الواضحة للقيم الديمقراطية في احترام الثقافات وحقوق الإنسان ، وتلاشي الطغاة والدكتاتوريات من الخارطة ،ولكن مع بروز إشكاليات ذات أبعاد كونية ( عولمية ) .

المحصلة في المشهد الكوني الجديد غياب الإيديولوجيات المغلقة = العقيمة = العمياء التي تحتكر الحقيقة وتزوغ الواقع الإنساني وتحجب شمس الحقيقة بغطاء مثقوب ، فقد اضمحلت أطروحة ( أدنجتون ) في صراع الحضارات ، كما تبخرت أطروحة ( فوكوياما ) في نهاية التاريخ ، وتبخرت قبلهما ( ديكتاتورية البيرولتارية ) دون رجعة ، بينما دشنت العولمة لمفهوم حوار الحضارات مدعما بوسائل العصر في التقنية الرقمية ، وانفتاح الحدود و القارات بشكل أنكمش فيه الزمان والمكان وصار( الزمكان ) بعدا رابعا . وهنا تجدر الإشارة إلى أن حوار الحضارات لابد له من إرهاصات حتى يتشكل على نار هادئة ، ويأخذ وقته بعيدا عن أطروحتي الاستعمار وصراع الحضارات بسبب كلفتهما الكبيرة في العصر الرقمي العولمي وإذ نقول حوار حضارات يتكون الآن على نار هادئة ؛ لأن روائز نموه هي أقرب إلى عمليات التهجين الخلاّق منه لعمليات استنساخ ، وفي هذا الإطار لابد من القول أن الإسلام ذي أبعاد كونية حتى لا أقول عولمي ، فهو تنزيل كوني للعالمين ….

يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: