أمانة التعبئة …

image002

كتب : عمر الكدي

(1)

عندما اختير ليكون أول أمين لأمانة التعبئة الجماهيرية والتوجيه الثوري، صعد إلى منصة مؤتمر الشعب العام، وأنطلق يهتف لمدة ربع ساعة متواصلة، وكانت الجلسة تبث على الهواء مباشرة: “دايم ويدوم ..يوم بعد يوم ..تغيير خطير..يسار جديد ..عنه مانحيد.. دايم ويدوم ..يوم بعد يوم ..يوم الحرية .. جماهيرية”.

علق أحد الحاضرين بأنه أول أمين يباشر عمله فورا بعد تعيينه، وفي البيوت صرخ الناس وهم يشاهدونه على شاشات التلفزيون “حصان العقيد”، وهو الاسم الذي أطلقوه عليه منذ أن قال في اجتماع حاشد منقول على الهواء “ليتني كنت حصانا ليمتطيني العقيد”.

لم يعرف الأستاذ بيومي مرسي الفيومي ماذا سيفعل بوزارة جديدة ليس لها كادر، ولا مبنى، ولا هدف محدد، وهو ليس له خبرة سوى كتابة الهتافات، وهذه الحنجرة النحاسية التي لا يدركها الوهن، ولكن لا بأس فمسيرة المليون ميل تبدأ بخطوة واحدة. هكذا قال لنفسه بصوت مسموع، وهو يقود سيارته باتجاه طرابلس، متذكرا يوم أن كٌلف بتأسيس قسم الهتاف بمكتب الاتصال باللجان الثورية. لم يستعن إلا بطباعة واحدة، وموظف واحد كانت مهمته إرسال الهتاف اليومي إلى كافة المثابات الثورية في كل أنحاء البلاد. كان ينتج هتافا واحدا كل يوم بما في ذلك أيام العطلات الرسمية، وأيام الجمعة. أما في زمن المواجهات العسكرية والسياسية والحملات الإعلامية، فكان يرابط في مكتبه ليلا نهارا، حيث زود بسرير عسكري وٌضع خلف المكتب، وكان عليه إنتاج أكثر من هتاف، أحيانا ً كان يستيقظ في منتصف الليل، وقد جاءه الهتاف في المنام، ويقضي ما تبقى من ساعات الليل وهو يتصل بالمثابات الثورية “مثابة تراغن ..سجل عندك..دون الثورة والمبادئ يفنى كل شباب بلادي”.

كان يبدأ عمله بطلب سفرة عليها عشرة أكواب شاي، وعشرة أكواب قهوة، وبعد أن يغلق مكتبه بالمفتاح، يبدأ في استدراج بيضته اليومية، وهو يدمدم وسط سحاب من دخان السجائر. يشرب من هذا الكوب، ويطفئ السيجارة في الكوب الآخر. إذا لم يخرج الهتاف بهذه الطريقة يستدرجه في المرحاض، حيث يجلس ليطالع الصحف اليومية المتشابهة، وهو يعصر أحشاءه، ويستمطر سحب الإلهام، حتى يرى الهتاف واضحا جليا تحت ضؤ برق خاطف.

أحيانا لا يأتي شئ فيغرق بقية اليوم في كآبة، ويضطر للاستنجاد بالاحتياطي الاستراتيجي الذي يخبئه للأيام القاحلة، وكان دائما يخفي سر الصنعة، ويدعي أنه يستلهم هتافاته من الجماهير، ويخترع قصصا تؤيد مزاعمه: “مثلا هتاف تبي وإلا ما تبيش من غير معمر ما فيش. أخذته من بائع خضروات كان يجادل أحد أفراد الحرس البلدي، أما هتاف يزينا من غير محنة العنف الثوري لازم منه. فقد أخذته من عجوز كانت تقرع حفيدتها في أحد الميادين”.

أخيرا استنجد بالشعراء الشعبيين سرا، ووظف أربعة منهم تحت بند متعاون، كان يتصل بهم شخصيا، ويسلم لهم مستحقاتهم المالية يدا بيد، ومنذ ذلك الحين تحولت جلسات التبييض الصباحية إلى جلسات مريحة، يكتفي فيها بصقل أبيات الشعراء، وتحويلها من لهجة البدو إلى لهجة الحضر، ثم تكعيبها وذلك بإضافة ثلاثة أبعاد لها، أو كما يقول في محاضراته أمام براعم وأشبال وسواعد الفاتح في مركز التربية العقائدية: “لكل هتاف بعد إيديولوجي وسياسي وثقافي، والهتافات الرخيصة هي الهتافات التي ليس لها أبعاد، ومثلما أن الصلاة مهمة للمؤمن لأنها تربطه بخالقه خمس مرات في اليوم، فان الهتاف مهم للثوري لأنه يربطه بالثورة إلى الأبد”.

(2)

ما أن وصل إلى طرابلس حتى بدأ في الإعداد بشكل محموم في تأسيس أول أمانة للتعبئة الجماهيرية والتثقيف الثوري في تاريخ البلاد، ولأنه لا يوجد مبنى للأمانة الوليدة أجر غرفة في فندق باب البحر. أنفق أغلب الوقت وهو يفكر في الإجراءات الأمنية التي ستمنع المتطفلين من الاطلاع على أسرار الأمانة، لهذا لم يكن يترك حقيبته حتى عندما يدخل الحمام الملحق بالغرفة.

بعد شهرين تراكمت الأوراق والملفات، وفاضت من الحقيبة مما أضطره إلى استخدام العربة التي تنقل فوقها طلبات الزبائن إلى الغرف. وضع الملفات والأوراق في صندوقين من الورق المقوى على الدور السفلي من العربة، ووضع على الدور العلوي شرشافا أبيض بحيث ينسدل من الجانبين ويخفي أرشيف الأمانة كاملا، وفوق الشرشاف على الدور العلوي كان يضع حقيبته السوداء. عندما يضطر لمغادرة الغرفة كان يدفع العربة أمامه نحو المصعد، ثم يشق طريقه بين الصالونات مارا أمام بهو الاستقبال نحو المطعم، بينما رواد الفندق يتهكمون قائلين: “أمانة التعبئة في طريقها إلى التعبئة”.

بعد ثلاثة أشهر تضخمت الأمانة، وانتهى به الأمر إلى تأجير الطابق العلوي من الفندق . قسم الهتاف تحول إلى الإدارة العامة للهتاف والأناشيد الثورية. جمع فيه الشعراء الشعبيين، وكتاب الأناشيد، ولأن أغلبهم من خارج طرابلس فقد أقاموا في الفندق على حساب الأمانة، أما إدارة التوجيه الثوري فقد جمع فيها المعلمين الثوريين الذين يدرسون الكتاب الأخضر في المدارس، وفي ظل الإدارة الجديد أصبحوا يشرفون على تحية العلم، والطابور الصباحي، كما كلفوا بتنظيف عقول التلاميذ من الأعشاب الضارة، والعادات الرجعية التي اكتسبوها من عائلاتهم، وكذلك الأفكار الرأسمالية، والبدع الهدامة .

كان أمين اللجنة الشعبية العامة للتعبئة الجماهيرية والتثقيف الثوري يبدأ عمله بالظهور فجأة في طابور الصباح في إحدى المدارس التي يختارها بشكل عشوائي، وهو يرتدي بدلة “الاتحاد الاشتراكي”. خفيفة بنصف كم صيفا، وسميكة بكم كامل في الشتاء، وطاقية ليبية حمراء تنسجم مع وجهه الضارب إلى الحمرة، ولون شعره الفضي، وتمنحه النظارة ذات الإطار الرقيق، التي ينظر من خلالها إلى التلاميذ بعينيه الرماديتين شكل المبشر الذي انتقل فجأة من أروقة الفاتيكان إلى أدغال إفريقيا.

كان يجول بين التلاميذ باحثا عن أعشاب ضارة لم ينتبه لها المعلمون الثوريون، وكان يدقق في التفاصيل فالعلم يجب أن يرفع بسرعة لأن النصر يأتي حاسما وسريعا، ويجب أن يُنزل العلمُ ببطء شديد لأن الهزيمة إذا حلت فلتحل ببطء شديد وصعوبة بالغة، ثم يقود التلاميذ في وصلة من الهتافات حتى يصل بهم إلى حالة من حالات الوجد الثوري: “لو عادينا العالم كله على المبادئ ما نتخلى … وطز مرة ثانية في أمريكيا وبريطانيا”.

عندما يصل إلى مكتبه في فندق باب البحر وهو في أفضل حالات التجلي، يكون نصف التلاميذ قد بحت أصواتهم، وضاعت عليهم الحصة الأولى. يجتمع أولا بالشعراء الشعبيين لصقل الهتاف اليومي وإرساله إلى كافة أنحاء البلاد، ثم يجتمع بالملحنين والمطربين لمناقشة تلحين الكتاب الأخضر بفصوله الثلاثة، كان يقول لهم:”لو نجحنا في تلحين الكتاب الأخضر دليل البشرية نحو الإنعتاق النهائي نكون قد سبقنا الجميع. تصوروا الكتاب الأخضر لا يدخل العقول فحسب وإنما يدخل القلوب أيضا. تغنيه الأم وهي تهدهد طفلها، والعمال والفلاحون وهم يكدحون، بل ويتغنى به العشاق ويكتبونه في رسائلهم الغرامية”. وكان يقدم لهم مقترحات على شكل جمل موسيقية: “لا لا لا ….ديمو….قراطييييية….تررم ..بيد…وون …..مؤ….تمر…ااات … شعب…..ية …. تيرارارم”.

ثم يجتمع بمعدي البرنامج اليومي الذي يبث بعد النشرة المصورة ليلا، والذي يبدأ بالهتاف وينتهي بالهتاف، وبين الهتافين يظهر مذيع يتحدث بنبرة عصبية وصوت حاد. منتقدا ارتداء ربطات العنق، والاستماع إلى الموسيقى الأجنبية، والاحتفال برأس السنة الميلادية .

في اجتماعات مجلس الوزراء كان يداري تعليقات زملاءه الساخرة بابتسامة صفراء، وخاصة رئيس الحكومة، وهو رجل بدين مولع بالسخرية يتحدث بلهجة مصراتية حافلة بالكلمات الفاحشة والغمزات البذيئة، وكان يخصص وقتا للتعليق على برامج أمانة التعبئة: “صحيح يا أستاذ بيومي تخططون لإلغاء النقود بالله أتركونا الفكه عشان نقدروا نشتروا الخبز”.

لم يكتف الأستاذ بيومي بالدعوة إلى تغيير النقود، بل غير أسماء الأشهر وقبل اقتراحه، وأصبح العام يبدأ بشهر أي النار، وينتهي بشهر الكانون، وأعتمد تقويما يبدأ بميلاد الرسول، وهكذا عادت البلاد دفعة واحدة ستة قرون إلى الوراء، ورفض اقتراحه بتغيير أيام الأسبوع لم ينج منه إلا يوم الجمعة بإلحاح من مساعديه، الذين رفضوا استبداله بيوم الشعب. أحدهم ترك العمل بعد أن صرخ في وجهه: “فلنغير حتى القرآن ونقول إذا نودي للصلاة من يوم الشعب”. كما فرض على العاملين بالأمانة استقبال المكالمات الهاتفية بعبارة “اللجان في كل مكان”، وأن ينهوا المكالمة بعبارة “الفاتح أبدا”، أو “الكفاح الثوري مستمر”.

(3)

في الشهر الرابع من عمر أمانته اليافعة شرع في التخطيط لمشروع تثوير مدينة طرابلس، وفي نهاية الشهر ارتفعت مكبرات صوت عملاقة على الزوايا الأربع لمبنى اللجنة الشعبية العامة “مجلس الوزراء”، وعلى قلعة السرايا الحمراء، وعلى مبنى أمانة الداخلية، ومصرف الأمة، والمصرف التجاري الوطني، بحيث طوقت ميدان الشهداء، والساحة الخضراء، وزحفت على طول شارع عمر المختار حتى قاعة الشعب، وتوغلت في شارع أول سبتمبر حتى مبنى إذاعة صوت الوطن، وسارت في شارع امحمد المقريف حتى قصر الشعب، وانتهت في شارع الشط بقصر الضيافة، وانفجرت جميعها في يوم ربيعي رائع بأغنية محمد حسن “جنودك جاهزين للتصدي جنودك جاهزين .. جنودك جاهزين للتحدي جنودك جاهزين”.

على الفور طارت آلاف العصافير من حديقتي البلدية والغزالة، وطار الحمام الذي كان يهدل فوق مسجد جمال عبد الناصر في ميدان الجزائر، وتخلى عن بيضه قبل أن يفقس، وطارت النوارس من الميناء وسوق السمك واتجهت نحو البحر، وشاهد المارة وهم مذهولون أعدادا هائلة من الفئران تغادر المدينة القديمة في حالة فزع، كما شاهدوا الجرذان الضخمة تحمل صغارها فوق ظهرها وتتجه نحو سوق الثلاثاء، ومجرى وادي المجينين. حتى الذباب والبعوض اختفى، أما صراصير شارع الرشيد فقد نبتت لها أجنحة وطارت نحو الجنوب .

في مبنى اللجنة الشعبية العامة توقف الاجتماع على الفور، ولم يتمكن الوزراء من سماع صوت رئيسهم وهو يشتم بألفاظ فاحشة، والزبد يتطاير من فمه، ويتشبث بشاربه الكبير.

غادر رواد سينما الخضراء والشعب والفتح والرشيد والحرية والخيام وطرابلس والزهراء والودان دور العرض، وكأنهم يهربون من حريق، وأنجبت نزيلات مستشفى الجلاء للولادة في أسرتهن في وقت واحد ودون مساعدة من أحد، وصرخ المواليد فور خروجهم إلى العالم الصاخب.

في البيوت تحركت الكؤوس، والصحون الزجاجية والخزفية فوق أرفف الدواليب، وتحطمت فوق الأرض. هربت القطط من البيوت، وتشردت في سوق الثلاثاء والجمعة، أما الكلاب الحبيسة في البيوت فصارت تعوي مثل الذئاب.

كان الدوي المنبعث من زهاء ستة الأف مكبر صوت يهز النوافذ والجدران، بينما كان محمد حسن يغني “عندك بحارة يا ريس عندك بحارة ..ترررم ..عندك بحارة لا يهابوا الموج وتياره..ترررم”. صرخت امرأة في ميدان السويحلي بأعلى صوتها دون أن يسمعها أحد: “الله انتعطيه دعوة طالق علينا الحصان والحمار”. بينما محمد حسن يترنم: “اللي يعاديه يعادي خير بلادنا اللي يعاديه يعادي أمل لأولادنا”. اصطدمت عشرون سيارة ببعضها بينما كانت تحاول الهروب من مركز المدينة، مما أدى إلى اختناق حركة المرور في الساحة الخضراء، والشوارع المتفرعة منها. ارتفعت أصوات المنبهات دون جدوى. ارتفع التلاسن والشتائم، وأنتهى بشجار, وتحطم زجاج السيارات، وواجهات المحلات الزجاجية، ومحمد حسن يغرد: “اللي لولاه المد الثوري ضاع رجاه اللي لولاه ومبدأنا هو مبدأه”. جنحت سفينة مليئة بالحاويات، وهي تحاول الدخول إلى الميناء، واصطدمت بحاجز الأمواج، وأسرعت نحوها قوارب الإنقاذ واللنشات، بينما محمد حسن يتسلطن:”ما هبت نسمة على بلادي إلا بقدومه الفاتح”.

بعد أسبوع من القصف المتواصل ليل نهار قررت اللجنة الشعبية العامة الانتقال إلى مدينة سرت. لم يبق إلا الأستاذ بيومي في طرابلس لاستكمال مشروعه، وهو يبشر زملاءه بأن المشروع إذا نجح في طرابلس فسيعمم على جميع المدن بما في ذلك سرت، فيرد عليه رئيسه: “بعدين يا عرص نجتمع في مالطا”.

هجر الناس الجوامع في المنطقة المنكوبة بعد أن عجزوا عن سماع الآذان، وسماع خطبة الجمعة، وأقسم حفار قبور يعمل في مقبرة سيدي منيدر بأنه رأى الأموات وهم يغادرون قبورهم بأكفانهم البالية، ويتجهون إلى مقبرة الهاني.

مع حلول الصيف أخذت الكارثة أبعادا مأساوية فقد أصيب أكثر من عشرة آلاف مواطن بالصمم. فحصوا في المستشفى المركزي، ثم أحيلوا إلى مستشفى ابن سيناء للإمراض النفسية. قال الأطباء أنها نوع من الهستيريا، ووصفوا المرض بالصمم الاختياري، كما رسب كل الطلبة الذين يسكنون في مركز المدينة، وانهارت أسعار البيوت والعقارات في المنطقة المنكوبة. تضاعفت أسعار الأقراص المنومة، وأصبحت تباع في السوق السوداء. انهارت حارة اليهود الكبيرة بالكامل في المدينة القديمة، وانهارت بيوت متداعية في حومة غريان، وكوشة الصفار، وأخليت دكاكين سوق القصدارة بعد أن انهار دكان مجاور لبرج الساعة، وفي المتحف الليبي تحطمت أواني خزفية عمرها أكثر من ثلاث آلاف سنة، وأبلغ أمين السياحة رئيس الوزراء بأن قوس ماركوس اورليوس الأثري قد ينهار في أي لحظة، فرد عليه قائلا: “إنشاء الله يكون تحته العرص اللي في فندق باب البحر”. في تلك الأيام تقرر نقل تمثال الإمبراطور سبتيموس سفيروس من مدخل سوق المشير إلى مدينة لبدة الأثرية حيث ولد، وعندما استيقظ الناس بوجوه شاحبة، وعيون حمر قالوا حتى سبتيموس هرب منها، بينما كان الأستاذ بيومي يقول كلما سمع بكارثة: “معليش معليش الثورة تتكون من مرحلتين الهدم ثم البناء”.

في مزرعة بوادي الربيع تمكن أستاذان جامعيان، كانا قد فصلا من جامعة الفاتح، أحدهما صيدلي، والثاني كيميائي من اختراع حبوب وردية اللون تمنع متعاطيها من سماع الأصوات العالية. راجت الحبوب بسرعة بين سكان المدينة بأصنافها الثلاثة. الصغرى سميت بحبوب التعبئة، والوسطى حبوب محمد حسن، والكبرى سميت حبوب الفيومي، وهذه الأخيرة لا تسمح لمتعاطيها إلا سماع الأصوات الهامسة. لم تظهر أي أعراض جانبية ناتجة عن استعمال الحبوب باستثناء أن متعاطيها لا يرى إلا اللون الوردي. السماء وردية، والبحر وردي، والمباني والأشجار، وكل شيء.

كان الأستاذ بيومي يتصل كل نصف ساعة بغرفة العمليات المشرفة على هذا الهدير، والتي خُصص لها عربة متنقلة، وضُعت تحت سور القلعة بجوار مركز للشرطة العسكرية: “اللجان في كل مكان… ليه الصوت ضعيف اليوم….حط هتافات الملتقى الرابع للجان الثورية لمدة نصف ساعة ثم أرجع لمحمد حسن…والكفاح الثوري مستمر”.

على هضبة الشعاب جلس الرائد ركن عبد السلام جلود في سيارته، يتأمل البحر الوردي، ويتجرع من زجاجة ويسكي نوع “روز ليبيل”، ومن حين إلى آخر ينطح مقود السيارة، ويقول: “ماذا فعلنا؟”.

شيئا فشيئا بدأت المسامير تخرج من الجدران، والأبواب، والأثاث، وكأنها قررت الهرب، ثم أخذ كل شئ يتقوض . الثريات تتهاوى، والمصابيح ترتخي، وتسقط منفجرة بينما المجموعة الصوتية تزعق: ” ويش هي قولوا ويش هي في بلادي السلطة شعبية”.

كان الناس يستيقظون يوميا ليدقوا مسامير وردية، ويشدوا براغي وردية سرعان ما ترتخي من جديد، ثم بدأت مكبرات الصوت تسقط تلقائيا، مما جعل الأستاذ بيومي يستدعي جيشا من فرق الصيانة، كانوا يتسلقون السلالم، ويقفون فوق الرافعات ليشدوا براغي سرعان ما ترتخي، ولم ينجحوا إلا في الحفاظ على مكبرات الصوت، وصور قائد الثورة، ومقولات الكتاب الأخضر، وتركت بقية اللافتات، وعلامات المرور، وأسماء الشوارع، والشركات، والإدارات الحكومية تتهاوى على رؤوس المارة، الذين كانوا يضمدون جراهم الوردية بملابسهم الوردية.

(4)

قبل أن يحتفل الأستاذ بيومي بمرور عام على أمانته الفتية، وفي ليلة مطيرة، كانت الشوارع خالية من المارة والسيارات، ولا أحد في الساحة الخضراء سوى موظفي غرفة العمليات الذين تحصنوا في الخندق الأمامي كما يسميه الأستاذ بيومي، وبينما كانت تنبعث هتافات من مكبرات الصوت، التي كانت تلمع تحت الأضواء القوية والمطر: “زيد تحدى زيد تحدى ..أحنا رجالك وقت الشدة”. فجأة انهارت كل صور قائد الثورة، وكل لافتات الكتاب الأخضر. انهارت أولا جدارية ضخمة ثبت على جدار السرايا الحمراء، وعليها صورة القائد بملابس أفريقية، وكتب تحتها بخط كبير “زيد تحدى زيد .. يا الصقر الوحيد”، ثم انهار كل شئ . صور, ولافتات. بعضها معدني، وأخرى خشبية، وبعضها مصنوع من البلاستيك واللدائن، وأخرى مصنوعة من الزجاج تضيئها مصابيح النيون. تهاوت جميعها وأمتص هدير ستة الأف مكبر صوت صوت ارتطامها بالأرض .

بعد خمس دقائق، وفي تمام الثالثة والربع، اكتشفت دورية تابعة لشرطة الدعم المركزي الجدارية الضخمة تغوص في البحيرة الصناعية المجاورة للسرايا الحمراء. اتصلوا فورا بمركز قيادتهم، ثم بدأت الهواتف المحمومة ترن في غرف نوم العقداء، وكبار ضباط الأمن، وأمري الفيالق، والجحافل المسلحة، والكتائب الأمنية، والقواعد الجوية، ومثابات اللجان الثورية.

على الفور وصلت سيارات الشرطة بأضوائها وصفاراتها، وبعد ربع ساعة وصلت سيارات عسكرية تحمل جنودا مسلحين يقودهم رجل طويل ذو وجه نحاسي يشبه وجه الضبع . شعره أكرت. يرتدي معطفا أخضر واقيا من المطر. يتطاير الشرر من عينيه. أمر على الفور باعتقال موظفي غرفة العمليات، وأمر بإيقاف الهدير المنبعث من مكبرات الصوت، فتوقفت على الفور كل مكبرات الصوت التي لم تتوقف عن الهدير منذ قرابة عام مضى. جلس في غرفة العمليات، وأخذ يرد على الهواتف التي كانت ترن بطريقة عصبية، وبدأ كأنه سيمضغ سماعة الهاتف.

تحركت كتيبة امحمد من مقرها بجوار باب العزيزية، وخرجت ارتالها من البوابة التي تفتح باتجاه باب بن غشير، وهدرت الدبابات والدروع في معسكري الفرناج وتاجوراء، وسارت على الطريق الدائري باتجاه وسط المدينة. تحركت كتيبة الساعدي، وكل الكتائب الأمنية، وأفرادها يتحزمون بأحزمة حمر، تحمل رصاصات صفر من نوع خارق حارق، وانطلقت القوات الانتحارية من معسكر قرب مطار طرابلس الدولي ملثمين بعمائم خضر، ومتزنرين بأحزمة مفخخة جاهزة للانفجار.

من معسكر أم العقارب بسيدي المصري انطلقت قوات تابعة لأربع منظمات فلسطينية، وأيضا قوات تابعة لحركة المرابطين اللبنانية والأوشام تغطي سواعدهم وصدورهم. من معسكر 2 مارس على طريق السواني خرج مقاتلون أفارقة وأسيويون وأمريكيون لاتينيون ينتمون لحركة تحرير المورو، وفطاني، وجبهة تحرير عربستان، ومقاتلون من حزب العمال الكردستاني، والدرب المضي، ونمور التأميل، وحركة 19 نوفمبر، وجبهة الفرو لينا، والجيش الجمهوري الأيرلندي، والجيش الشعبي لتحرير كولمبيا، والجيش الشعبي لتحرير السودان، والساندانيون، وجبهة تحرير “تينيناي “.

طوقت كتائب من سلاح الصواريخ مركز المدينة مثل حدوة حصان، كانت مزودة بصواريخ الكاتيوشا، وانضمت لها كتائب مسلحة بمدافع الهاون والميدان، وحلقت في سماء المدينة طائرات مروحية انطلقت من قاعدة معيتيقة الجوية. وصلت إلى مركز المدينة قوات مكافحة الشغب. يرتدون الخوذ المزودة بحواجز زجاجية، ودروع زجاجية وهراوات، وقنابل مسيلة للدموع، وكلاب بوليسية، وحوالي مائتي فارس، وشاحنات مزودة بمدافع مائية .

بعد ساعة حلقت في سماء المدينة طائرات نقل عملاقة تحمل قوات الصاعقة، والمظليين القادمين من معسكر بوعطني في مدينة بنغازي. قفزوا جميعا من سماء وردية، وبمظلات وردية فوق الساحة الوردية، وفوق السرايا الوردية، وفي البحر الوردي المتوسط.

(5)

خرج رجل إلى شرفة شقته يرتدي قميص نوم طويل، وخلفه وقفت زوجته في روب سماوي. اعتقد أن انقلابا عسكريا قد وقع، وهاهم يزيلون صور الحاكم السابق. صرخ بأعلى صوته: “الله يعزكم..الله ينصركم..تعيش ليبيا ويسقط القذافي”، وزغردت زوجته خلفه لكنها لم تكمل الزغرودة . رصاصة أطلقها قناص متمركز فوق القلعة اخترقت جبينها. سقطت إلى الخلف، بينما سقط زوجها من الدور الرابع، وارتطم جسده بالرصيف المبتل. كان دمه يختلط بمياه المطر، ويسيل على الرصيف اللامع، ومن فتحة تصريف المياه في الشرفة كان دم زوجته يسيل ويسقط على جثته. يختلطان ويسيلان معا باتجاه بالوعة الشارع القريبة.

من سرت، ومن سبها وصلت قوات محمولة جوا، ومن غريان وصلت الكتيبة الثامنة، وكتيبة سحبان الأمنية، ومن ترهونة وصلت الكتيبة 311، ومن مصراته وصلت كتيبة حمزة، ومن شحات وصلت كتيبة حسين الجويفي، ومن بنغازي وصلت كتيبة الفضيل بو عمر، واختلط الحشد مع أعضاء اللجان الثورية، والحرس الأخضر الذين كانوا لفوا حول رقابهم الأعلام الخضر، وتسلحوا ببنادق الكلاشنكوف. وصل مدنيون كهول يتسلحون بالمسدسات، ويطوقون زنودهم بقطع قماش خضر كتب عليها رابطة رفاق القائد. اختلطوا بشباب يلبسون سراويل الجينز، وسترات جلدية، ويتسلحون ببنادق كلاشنكوف ومسدسات، ويطوقون زنودهم بقطع قماش خضر كتب عليها رابطة أبناء رفاق القائد.

قتل سبعة عشر شخصا أغلبهم من جماعة الصمم الاختياري، ومن متعاطي حبوب الفيومي القوية. لم يسمعوا الأوامر الموجهة من مكبرات الصوت اليدوية، ومن مكبرات الصوت المثبتة على سيارات الشرطة. أحدهم شاب خرج من عمارة في شارع عمر المختار، فطعنه عسكري تشادي من القوات الصديقة بحربة البندقية. تهاوى وأسند ظهره على الجدار. كان من جماعة الصمم الاختياري ولأنه لا يتعاطى الحبوب الوردية، رأى دمه الأحمر يسيل على قميصه الأبيض، وقبل أن يلفظ أنفاسه سمع الجنود من خلال مكبرات الصوت اليدوية يوجهون الأوامر: “ممنوع الخروج.. ممنوع فتح الأبواب والنوافذ.. كل مواطن يبقى في بيته”.

في الساعة السادسة أعيد كل شيء إلى مكانه. ارتفعت صور القائد، ويافطات الكتاب الأخضر وكأنها لم تقع.

في الساعة السادسة وخمس دقائق نجح الأستاذ بيومي في الاتصال بخندقه الأمامي. كان قد استيقظ مبكرا بعد أن رأى في المنام مكبرات الصوت تتساقط، ورأى الكتاب الأخضر بلون وردي، وفوقه كُتب عليه الكتاب الوردي. قال الأستاذ بيومي: “اللجان في كل مكان من معي؟”. فرد عليه ذو الوجه النحاسي: “لجان أمك.. اعتبر نفسك موقوف، وتوجه فورا لتسليم نفسك إلى آمر الشرطة العسكرية”. واقفل الخط بعنف في وجهه.

وضع الأستاذ بيومي سماعة الهاتف بيد مرتعشة، وأتجه نحو سيارته بوجه شاحب. لم يستطع إدخال المفتاح في قفل باب السيارة. نادى على زوجته. فتحت له باب السيارة، ووضعت المفتاح في قفل المحرك، وعندما لاحظت شحوبه قالت له: “خير إنشاء الله شنو فيه؟”، فرد عليها بصوت مبحوح: “إنشاء الله خير”. قاد سيارته ببطء في شوارع خالية. فتح المذياع. كانت الإذاعة تبث برامجها العادية. غير المؤشر على محطات عربية وأجنبية. لم يكن هناك ما يثير القلق. تناول من جيبه حبة من نوع الفيومي وأبتلعها . بعد قليل لم يعد يسمع صوت المذياع، ولا صوت المحرك. رأى إسفلت الشارع بلون وردي داكن، ورأى السماء تشع بلون وردي فاتح، ثم رأى يافطة عليها الكتاب الوردي. انبسطت أساريره، وتوقفت يداه عن الارتعاش.

في الساعة السادسة والربع نقلوا الموتى، ودفنوا في نفس القبور المفتوحة التي غادرها الموتى منذ قرابة عام مضى. في الساعة السادسة والنصف اختفت كل المظاهر العسكرية من وسط المدينة. جمعوا أسلحتهم ومعداتهم وعادوا من حيث أتوا. في الساعة السابعة انتهوا من تفكيك آخر مكبر صوت. وفي الساعة الثانية ظهراً نُقل الأستاذ بيومي على عجل إلى المستشفى المركزي. كان يعاني من الآم حادة في بطنه، وقُررت له عملية عاجلة لاستئصال كيس المرارة الملتهب. بعد أن حقن بالمخدر كان يهذي “الفاتح.. الفاتح”. شقت بطنه بينما كان لا يزال يهذي بصوت خافت تحت كمامة الأكسجين “الفاتح ..الفاتح”، بينما الأطباء يضحكون خلف كماماتهم الخضر. قال طبيب التخدير: “ياريتك تستأصل لسانه”، فأجابه الجراح: “حيطلع لسان ثاني”. أخرجوا أحشاءه، بينما كان لا يزال يهذي:”الفاتح ..الفاتح”. استأصلوا كيس المرارة. كان كبيرا منتفخا مليئا بعصارة خضراء. قالت الممرضة: “مليانة بالكتاب الأخضر والشروح وحتى السجل القومي”.

بعد أسبوع عقد مؤتمر الشعب العام جلسة طارئة في مدينة سرت. رئيس الوزراء أصبح أمينا للخارجية. أمين الخارجية أصبح أمينا للوحدة. أمين الاقتصاد أصبح أمينا للعدل، وتم فصل أمانة التعليم عن التكوين والتدريب. لم يتحدث أحد عن أمانة التعبئة وكأنها لم توجد على الإطلاق .

بينما كان مؤتمر الشعب العام منعقدا أُعتقل الكيميائي والصيدلي، وبعد التحقيق معهما طُلبا منهما أن يخترع حبوبا خضر مقابل حريتهما، وتصريح رسمي بمزاولة نشاطهما ودعم مادي كبير، وبعد عدة أشهر تدفقت من مصنع بُني في الهضبة الخضراء حبوب خضر وُزعت مجانا على المدارس، ثم أُجبر الجميع على ابتلاعها، ومنذ ذلك الوقت أصبح سكان ليبيا لا يرون إلا اللون الأخضر. صاروا يعيشون تحت سماء خضراء تسطع فيها شمس خضراء، ويبزغ في ليلها الأخضر قمر أخضر، ونجوم خضر. يسبحون في بحر أخضر، ويقطعون بسياراتهم الخضر صحراء خضراء. يشربون في الصباح حليبا أخضر، وفي الأعراس يأكلون البازين الأخضر. مصنوع من دقيق شعير أخضر. يمزجونه بأيديهم الخضر في الحساء الأخضر، ومع البطاطس الأخضر، والبيض الأخضر، واللحم الكبير الأخضر. توقفوا عن مشاهدة كرة القدم والسلة واليد لأنهم لم يعودوا يستطيعون التمييز بين لا عبي الفريقين، كما توقفوا عن لعب الشطرنج، واستحدثت لهم إشارات ضوئية تظهر عليها علامة صح بدل اللون الأخضر، وعلامة ضرب بدل اللون الأحمر. أصبحوا ينزفون دما أخضر، وعندما يموتون يكفنون في أكفان خضر، ويدفنون في قبور خضر عليها رخام أخضر. أصبح البيض يتزوج السود، والسود يتزوجون البيض، وتحولوا إلى شعب خلاسي لا يرى لون بشرته الحقيقي .

Advertisements

One response to “أمانة التعبئة …

  1. الزاوي سبتمبر 10, 2012 عند 11:31 م

    عارف الشغل كويس تقول كان معاهم ولا ايدير فيها !!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: