حدث في اسكتلندا–" الجزء الثالث "

 

36850_105756436141295_3059811_n

كتب : صلاح الشويهدي

الجمعة العظيمة :

يطيب لي وبعض رفقائي في المسكن تسمية وليمة يوم الجمعة بالجمعة العظيمة ، وذلك لأنه نادرا مايحدث في تاريخ الطلبة الذين درسوا في الخارج أو تلقوا دورات أن يحضر عندهم في شقتهم الصغيرة ومسكنهم الجامعي المتواضع شخصيات مهمة للغاية كالتي حضرت عندنا تلك الجمعة ..

الأمر الذي جرّ علينا الحسد من باقي طلبة الكلية والذين كانوا من مختلف جنسيات العالم .

وأذكر أن طالبا أماراتيا سألني عن ضيافتنا لمدير الجامعة قائلا : ( ويش سويتوا للرجل انتم ؟ بالله عليك صدق انه حضر عندكم واتغدى وياكم بشقتكم ؟؟ ) .. ( لا جا ايصلي معانا في ظهر الجمعة ياقصقاص ! ههههه ) .

423637_441858749197727_556051292_n

منذ عشية الخميس بدأنا في التحضير لتلك الوليمة ، ولقد اجتمعنا في صالة الجلوس الملحقة بالمطبخ لنقرر محتوى وشكل الوليمة التي نريد .. ونجح اجتماع العجائز وتمخض عن التالي :

– أن يكون الطبق الرئيسي للوليمة هو ( الكسكسو بالصلصة ولحم الحولي ) ولكن لم يسعفنا الحظ للأسف وانقطع اللحم فجأة فاضطررنا لطبخه على الدجاج الفرنساوي. 

– كذلك قررنا تقديم الشوربة الليبية الشهيرة ب الشربة العربية كبديل عن الحساء الذي يقدمونه هناك ( وكنا نسميه حساء السنافر ) .

– تقديم بعض السلطات والمقبلات والمشاريب الغازية والتي ( كانوا مايقدروش ياكلوا شي بلاها ! ) .

– لم نفكر في التحلية ولكننا فاجأناهم ( بالطويسة الخضرة المنعنعة ) والتي أدهشتهم مما دعاهم ( لشفط براد الشاهي الكبير كله وقريب مصوا حتى الحشيشة !!) .

– كان الموسم موسم البرتقال فقدمنا لهم ( البوسرة ) لتشيع بيننا المودة وتدوم المسرة … ههههه

حضر المدعوون في الموعد المحدد وكنا قد فرغنا من تجهيز كل شيء تقريبا ، وجلسنا نتسامر ساعة على أنغام الفنان الراحل أشرف محفوظ وأغنيته الرائعة ( قيسه نسى كيف مانسيت نا يدّي في يده .. شفّاق المساء في لون وردة خده … وينطق كلمة خده بكسر الدال ويرمي بالهاء في الهواء !! هههه )  وذلك بحسب قواعد النحو عندنا في الشرق ^_^

ويبدو أن السيد “جراهام بي تي” مدير الجامعة لم يستوعب لا اللحن ولا الكلمات ولا حتى صوت الفنان الأصيل فكان يتحدث إلينا وبين كل فينة والأخرى يلتفت إليّ ليسألني : هل هذا نغم ليبي ؟ فأجيبه مبتسما : نعم نعم أنه فولوكلور ليبي أصيل ، فيرد قائلا : نعم نعم جميل جدا … مع أن تعبيرات وجهه لم تكن تنم عن راحة !! فيسترسل في حديثه من جديد ثم يعود ليسألني ذات السؤال : هذا نغم ليبي أليس كذلك ؟!! ( يعني نحلفلك بالطلاق ولا شنو تبي بالزبط يا بي تي ؟ ) .

بعد سؤاله لي  للمرة الثالثة شككت في الأمر فقمت من فوري وجلبت مجموعة إسطوانات مدمجة تحوي أفضل مقطوعات الموسيقى الكلاسيكية وسألت الضيوف : هل تودون سماع بعض الموسيقى الكلاسيكية ؟؟ فصاح بي المدير دون باقي الضيوف قائلا : بلييييييز بليييييييز بلييييييز !! ( هههههههههه بلااااااا !! ثاريتك ياما شايل في صدرك ياولد بي تي !! ) .

تم تقديم الأطباق تباعا ابتداء بفناجين الشوربة الليبية العتيدة ، – وهذه كانت جديدة على العجوز آندي –  فأخذ منها رشفة كعينة للتذوق ، وتركها مستقرة يقلبها على لسانه هنيهة ، ثم رمى ببصره ليجول به في فضاء المطبخ كأنما كان يستطلع الغيب ، أو يستحضر في ذهنه سجل النكهات التي مرت على لسانه طوال حياته فلم يجد لهذا الطعم وصفا أو مثيلا ، فبلع مابفمه وأغمض عينيه كإشارة على نسخ دماغه وتصنيفه لطعم غريب جديد ، وانفرجت أسارير وجهه فأكب على فنجانه يكاد ان يحضنه ، ويبدو أنه دخل في حالة شوربية وجدانية فاستحدث لها لحنا جديدا هو : ( مممم نمنمنم آآآآآآح … أووو ماااي قااااد ) .

أما السيد جيم جراي مدير العلاقات – رجل نحيف جدا ظهره شبه مقوس يتثنى ويتمايل ويهتز جسده كله كلما تحدث – وبمجرد أن تناول أول ملعقة من صحن ” الكسكس” لمحت في عينيه حنينا غريبا ! وصار يميل برأسه يمينا وشمالا وكأني به يهمس لنفسه قائلا : ( حيه على أمي حيه ) !! ولاحظت أنه قد أزال قطعة اللحم جانبا فشددت عليه ليأكلها ( نحساب روحي عازم عيال خالتي ) .. فقال لي : أرجوك لاتضغط عليّ … لحم الدجاج أعرفه جيدا ، ثم أشار لصحن “الكسكس” قائلا : أما هذا فلم أحضى بشرف مقابلته من قبل .. ( ؟؟ اينكت الغضيب هههههههه ماشاالله ماشاالله … لاايصير منك يامرعوش ) …

لاحظت أن الجو هدأ فجأة وكأن أذني فقدت خشخشة مألوفة ؟! أوه نعم ، إنه صوت السيد جراهام بي تي المدير !! إلتفت لأراه وهو يعمل في صمت ، ويجوس بملعقته الفضية خلال الصحون ليتبّر ماعلا تتبيرا !! .. لقد كان السيد بي تي رجلا قصير القامة و ( مانبيش انطول بوصفه ويكفي اني نقول انه كان حمرطّة .. معبوك .. وامكلبز ) وفي هذا الوصف غنية .

أكل السيد بي تي حتى إحمر وجهه وتعرّق جبينه وعلت أنفاسه فكان يحمل الملعقة بيد وباليد الأخرى كان يحمل المنديل يجفف به عرقه المتحدر كالسيل وكاد ان يفني علبة المناديل الموضوعة وسط المائدة !! لقد كان الرجل في حالة جهاد حقيقي كان سلاحه فيها : ملعقته الفضية الصلبة التي تفل الصخر ، ويقينه الراسخ بفناء ماهو أمامه قريبا ، وبالفعل فإن بشائر النصر بدأت تلوح في الأفق و ان صحنه العامر أضحى صحراء قاحلة والنصف دجاجة التي كانت تربض فوق تلة الكسكس باتت أطلالا دارسة !! فهرعت من فوري لأغيثه في محنته وجلبت له صحنا آخر يقوي به من عزيمته ويشد من أزره ليخرج من هذه المعركة منفوخ الصدر والكرش عالي الهامة مشرئب المؤخرة ( هههههههه ) .

أما السيدة مسز آدامز فلقد كانت تأكل ببطء شديد والإبتسامة المعهودة لم تكن تفارق شفتيها ، وبنظرة خاطفة على صحونها تستطيع أن تقيم أدائها المخجل مقارنة بصراع التماسيح من حولها والتي كانت تشاركها المائدة ذاتها ! فلقد كانت حين تضع اللقمة في فمها تلوكها على مهل وتنظر حينا لشاشة التلفاز وفي أحيان أخرى تطرح الأسئلة متصفحة وجوه الحاضرين ومرتشفة للقليل من مشروب البرتقال الغازي ..

سألتها : سيدة آدمز هل طعامنا لايعجبك ؟؟ فصاحت مذعورة : لااااا لااااااا أبدا أبدا على العكس تماما إنه لذيذ جدا ولقد أذهلني حقا … ثم انهالت علي بسيل من الأسئلة فقالت :

– هل كل الرجال عندكم يجيدون الطبخ هكذا؟

– كلا فبعضنا يعجز عن سلق بيضة ^^

– أهههههههههه غير معقوووول ؟؟

– بلى هذه حقيقة ..

– حسنا وهذا الطعام من منكم شارك في إعداده ؟

– أنا ورفيقي الأقرع ذاك .. ( نظر إلي نظرة غيظ من تحت النظارة !! خخخخخخ ابتسمت له ابتسامة ترضية فعاد لصحنه ^_* ) .

– ياااااااااإلهي انتما طباخان ماهران !!!

– شكرا نعلم هذا ^^

– ههههههههه أنت مضحك !

– وأعلم هذا أيضا لاجديد ^^

ضحك الجميع من هذه العبارة .. واضطر السيد بي تي للتوقف عن البلع هنيهة لينفحنا ببسمة من شفتيه الملطختين بالدسم !!

استمرت بالسؤال التالي :

– اتمارسون الطبخ في بيوتكم ؟

– بكل تأكيد وفي بيوت جيراننا أحيانا !

انفجر الجميع ضاحكين وخشيت على السيد بي تي هذه المرة ان يستفرغ مابجوفه بسبب موجة سعال انتابته فصار يملأ الأكواب بالمشروب ويفرغها في كرشه المكتظ بصورة متلاحقة !

ولم يقطع سعال السيد بي تي غير صوت السيد جيم جراي والذي يبدو وكأنه خرج لتوه من حالة الفناء التي عاشها مع صحن الكسكس !! فبعد أن بلع مابفمه ومسح شفاهه الدقيقة بالمنديل قال :

– أكاد أن أقسم بقبر بوالدتي أني لم أذق طعاما في حياتي بمثل هذه النكهة !! هل أستطيع معرفة ماهية هذه النكهات ؟؟

فأجبته مبادرا : إنها متوفرة في الأسواق عندكم هنا ، نحن لم نجلب شيئا منها معنا .

– أحقا ماتقول ؟؟ عندنا هنا ؟؟؟ لا يممكني تصديق ذلك !!

– ( يعني كاذب عليك من قبل ياقرد ؟ ههههههه ) .

انتهينا من تناول الطعام وبدأنا حملة جمع الأطباق والتي كنا قد اتفقنا مسبقا على تنظيفها لاحقا كي لا نزعج ضيوفنا بجعجعة المطابخ المعتادة .. وعندما شرع أحد الإخوة في عملية تبريد الشاي وإعداد الرغوة الكثيفة وتقسيمها بين الكؤوس ، لمحت السرور باد على صفحات وجوه الضيوف ولاحظت شدة متابعتهم لهذا الحدث وكأنما كانوا يشاهدون فيلما وثائقيا نادرا عن البراري !!

أخرج العجوز آندي علبة سجائره ” الكاميل” وصنع كما نصنع نحن العرب ( وبدا يعزم بيها على الجميع ويصر على العزومة من جد جده ) .

وإستمر السمر والحديث وكانت الضحكات والزعقات تسمع من الشارع …

مكثنا هكذا إلى موعد آذان المغرب فاستأذنا ضيوفنا لآداء الصلاة فترخصوا منا بدورهم وطلبوا الإذن بالإنصراف فأذنا لهم وقمنا كلنا بواجب توديعهم حتى باب العمارة وكانوا منبهرين من اصرارنا على هذه الزفة الجماعية !

في اليوم التالي كانت جامعة مدينة أبردين تتحدث في مجملها عن تلك الوليمة !! ^_*

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: