حدث في اسكتلندا–" الجزء الخامس"

36850_105756436141295_3059811_n

كتب : صلاح الشويهدي

بخيل منه فيه ” 1 “

يقال : إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن وجوه الرجال .

( منّاع ) هذا هو اللقب الذي آثرت إطلاقه على بطل هذه الحلقة ، فإني أجد نفسي مضطرا لإطلاق الألقاب ( مرغم أخاك لابطل ) .

منّاع رجل ليبي بملامح قوقازية ، خمسيني ولكن مظهره يبدو أصغر من ذلك بكثير ، متوسط الطول أبيض البشرة نحيف الجسم ولكنه ( أصح مني ومنك ) .. نصف أقرع يتميز بجمجمة ضخمة لاتتناسب مع جسمة الهزيل ، له عينان واسعتان تطل منهما البلاهة !! أما من ناحية اللباس فإنه يصر دائما على لبس بناطيل القماش والقمصان التقليدية بألوانها ( السادة .. وغالبا ما تكون بلا لون أو طعم !) كما أنه يعشق انتعال ( سبابيط الأصبع ) ولو كان يسير في شوارع أبردين الجميلة !..

لم أنتبه للحقيبة الضخمة التي كانت بصحبة منّاع حين انطلاقنا من أرض الوطن متجهين لمطار “مالطا” والتي بتنا بها ليلة واحدة ومنها لمطار ” هيثرو” بلندن ، ولا أبالغ لوقلت بأن تلك الحقيبة كانت عبارة عن ( هايشة امسخطة ) لاتملك حين تراها سوى أن تحوقل و تتلو آيات سورة الزلزلة !!

مكثنا حوالي ثلاث ساعات في مطار هيثرو بإنتظار رحلتنا لمطار “أبردين” وكنا منذ بداية الرحلة نتعامل بروح من المودة والأخوة ( واللي عندي عندك والجيب واحد ) ماعدا منّاع فلقد كانت ( تبيت في جيبه عقرب ) على مايبدو !!! .

228007_443130715737197_1526685746_n

حين تأخرنا في مطار مالطا لمدة تزيد عن الخمس ساعات عضّنا الجوع بنابه فتطوعت أنا وأحد الرفقاء بشراء سبع وجبات خفيفات للمجموعة من كافيتريا المطار فكان منّاع من السباقين لتلقي وجبته منا وكأنما كان ينتظرنا على أحر من الجمر !! وبعد أن أكل ( وتنهنه .. قلبها صفاقسي على كرسي جلد ) وأخذ يغط في نوم عميق .

في مطار “هيثرو” غلبني النعاس بعد ساعات مرهقة من السفر والتنقل فأجلت النظر حولي أبحث عن كرسي مناسب ( لأقلب صفاقسي ) بدوري أنا الآخر فوقعت عيناي على صف من الكراسي المعدة أصلا للنوم فتوجهت إليها أجرّ رجلاي جرّا .. ونمت نوما عميقا بل الواقع هو أني ( تبنّجت تبنيجة قوية ) بحيث لم أعد أسمع همسا برغم تواجدي وسط عالم يموج بالحركة والصخب ..!

أثناء نومي رأيت كابوسا مزعجا .. وكأني كنت أوشك على السقوط مرات ومرات وفجأة إمتدت يد من جوف الظلمة لتنقذني فقفزت فزعا لأرى منّاع واقفا ( كاللوح ) أمامي وهو ممسك بي بيد ويمد لي بيده الأخرى شيئا لايكاد يرى !! سألته ماهذا ؟ فابتسم إبتسامة المشفق وقال : ( نوض حلّي بقك ) فتناولت من يده ذلك الشي وإذا به ( ربع طرف شكولاطة سنيكرز ) !!! وحينما استكشفت جلية الأمر علمت أنه ابتاع قطعتين من الشيكولاته وفتتهنّ تفتيتا ثم وزعهما توزيعا على المجموعة كلها !!

عجبت لأسلوب تقسيم المقسم وتفتيت المفتت ( وتنتيش المنتش ) هذا ولكني عذرت الرجل فربما لم يكن يحمل ساعتها نقودا تكفي لشراء سبع قطع من السنيكرررز؟ ( معليش ماعلينا .. يلاااا ياما راح في الدنيا ) .

وصلنا بسلامة الله لمطار ” أبردين ” الصغير ( بصراحة النقلة من هيثرو لأبردين تشعرك كأنك انتقلت فجأة من فيلات طابللينو لشعبية المرسيدس ) !! ولكن للإنصاف أقول بأن النظام والنظافة كانا متوافرين أينما توجهنا ويممنا وجوهنا .

بعد أن إستلمنا حقائبنا وأمتعتنا وسرنا نحو الممر الطويل لاح لنا وجه ضحوك من خلف لافتة كتب عليها ( طلبة شركة الخليج مرحبا بكم ) وكان الحامل لهذه اللافتة هو مسؤول العلاقات ” جيم جراي ” وكان شخصا بشوشا جدا ويحب المزح كثيرا ، تخال أنك تعرفه من قديم فهو رجل ( شرهاب شهلولي ) قل نظيره بين ( الشرهابة الشهاليل ) … ولقد بلغ من دماثة خلقه وسماحة نفسه أنه كان يفتّك منا حقائبنا رغما عنا ليحملها على كاهله !! وحينما نظر جيم في أعقاب الصف رأى منّاع متخلفا عنا يعاني صراعا مريرا مع حقيبته !! فلقد كان يجرها حينا ( ويدرهبها ) أحيانا أخرى !! فصاح بنا مستعلما : أوووو .. هل هو معكم ؟؟ فهززنا رؤسنا معبرين عن ضيقنا ويأسنا ولكن “جيم” رمى بالحقيبة الصغيرة التي كان يحملها وهرول مسرعا نحو منّاع لينجده في محنته ولكن منّاع كان مصرا كل الإصرار على أن يقوم بحملها لوحده وكان يشير بيديه محاولا إفهام جيم بأنه يستطيع حملها دون مساعدة ، وحيث أنه لم يكن يتحدث الإنجليزية وحيث أن جيم لم يكن أريبا لبيبا ليفهم لغة الإشارة صاح به مناع قائلا : ( خليهااااااا !! نقدرها بروحي ) وبالطبع فإن جيم لم يفهم عنه ولم يزدد إلا إصرارا وتصميما فكان يقول لمنّاع كلما رآه يحاول احتضان الحقيبة ورفعها على ظهره : لاااا ماذا تفعل ؟ هل أنت مجنون ؟؟ إنها ستقصم ظهرك !! فنظر إليه منّاع نظرة مرتبكة حائرة وكأنما يريد أن يقول له : ( وهل أنت تحمل عني أوزاري يوم القيامة ياجيم ؟؟ ) ههههه

انصاع منّاع في النهاية لإرادة جيم وصارا يدحرجان الحقيبة سويا كأنما كانا يجران ثورا هائجا للمسلخ ! ورأيت العرق يتصبب من كامل جسد جيم المسكين والذي كان يلهث أثناء محاولته رفع الحقيبة المشؤومة ليضعها في صندوق السيارة الخلفي ، عندها سمعته يقول لمنّاع مداعبا : هل جلبت معك عائلتك كلها في هذه الحقيبة ؟؟ هاه قل هيا اعترف ؟؟ وكان منّاع يبتسم كالأبله والعرق يفور من صلعته ليتحدّر بعدها من أنفه .

تضايق أحد الرفقاء من مشهد الحقيبة التراجيدي فوجه كلاما كالسهم لجمجمة منّاع قائلا بصوت ( قربعي جعوري من حنجرته الستانلستيل ) : ( شنو حاط فيها هالشنطة ياأخينا ؟؟؟  تي وين تحساب روحك ماشي انتااااا ؟؟! ) … أغمض منّاع عينيه وفغر فاه كفرس النهر وصاح بأعلى صوته ( شن دخلك أنتااااااا ؟؟ ) .. وكاد الموقف أن يتطور بينهما لولا وجود ( العقّال من أمثالنا ) بحمد الله ^^.. وبرغم أننا أنهينا الشجار وقمنا بالتهدئة غير أني سمعت غريم منّاع يهمس قائلا : ( ياجماعة : عليا ليمين الا حمار العيل هذا راه ) !! نقلت هذا عنه للأمانة فقط ! إي والله هههههههه

كنت ذكرت لكم في الجزء الرابع مشكلة التلفاز التي واجهتنا ، وقلت بأننا وافقنا بالإجماع عندما عرض علينا أحد الطلبة تلفازه المستعمل بثمن معقول ، وأود أن أستدرك الآن لأوضح لكم بأننا كنا قد وافقنا كلنا بإستثناء منّاع !!

تحجج منّاع على رفضه الإشتراك معنا في ثمن الجهاز بعدم مشاهدته للتلفاز من الأساس حتى في بيته ! فسألناه هل تحرم التلفاز على نفسك يامنّاع ؟؟ فقال لا أحرمه ولكني لا أهتم به ولا يوجد عمار بيني وبينه !!

تضايق الجماعة من هذه البداية المزعجة .. فنحن رضينا بالسكن الجماعي ويجب أن نعمل كل شيء سويا وبروح الجماعة ، وإذا نحن استثنينا هذا الخارجي المأفون وأعفيناه من الدفع الآن فلن نأمن أن يخرج علينا غدا من يقول لنا : ( أنا مانستخدمش في الدفاية واعفوني من اشتراك الضي ! ) ..

قررنا كلنا الضغط على منّاع مهما كلفنا الأمر ولكننا كنا نواجه صخرة صماء وداهية دهياء فلّت لصلابتها سيوف الأبطال الأشداء وأعيت لوصفها ألسنة الفصحاء البلغاء .. ولكن كل الحيل لم تفلح لإثنائه عن عزمه وكان جالسا بيننا في صمت يتحدى الملل !!! وعندما آيسنا من الوصول لما في جيبه يأسا ليس وراءه من رجاء تقدّم أحد الرفقاء ليقول : ( خلاص ياجماعة خلو الموضوع شوري … توا ندفع عن نفسي وعن منّاع ) ولكننا عارضنا هذا المسلك بالإجماع .. وعندها ناظر أحدهم منّاع وكان الحوار التالي :

أحدهم – يعني تبي تقنعني انك مش ح اتفرج معانا عالتليفزيون ؟؟

منّاع – أنا قلتلكم مانحبش التلفزيون !

أحدهم – باهي ولما اتخش علينا ونحنا قاعدين انتفرجوا كيف ايصير ؟؟ انطفوا التلفزيون يعني ؟؟

منّاع – والله أنتم أحرار !

أحدهم – نحنا لو كنا أحرار شكلك مايسكنش معانا أساسا ..

منّاع – شن دخلك أنتااااااااا ؟؟؟

أحدهم – وأنت ليش أمعنز يادمنقل الحصان ؟؟

( قوة التدخل السريع ) – وحدوا الله ياجماعة … وسعوا بالكم !!

أنا – يانعن جد التلفزيونات بكل باهي ؟؟

أحدهم – يايدفع كيفنا كيفه يانلغوا الموضوع بكل … مش ضروري سي التلفزيون ..

واحد أمكبد ع التلفزيون – والله ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!

أنا – اخزي الشيطان يامنّاع ^__^

منّاع – الله يخزيه ويبعده ..

أنا – باهي أدفع بيش ينخزا ..

منّاع – شنو بالغصب ؟؟

أنا – لا مش غصب .. لكن بالعقل لازم تشارك معانا ..

زفر منّاع زفرة خلت أن روحه ستخرج معها ثم قفز من مكانه وخطى خطوات واسعة نحو الباب وغاب عنا !!

جلسنا متجهمين في جو من التوتر وشعرت وكأن المساء قد حل رغم أن الشمس كانت تلوح ساطعة في كبد السماء !

أراد أحدهم أن يقطع الصمت بجملة غالب الظن أنها عدائية وقد بدا هذا من ملامح وجهه ولكن منّاع دفع الباب ودخل في اللحظة المناسبة ( وهذا هو الشيء الوحيد الذي كان يدفعه منّاع دائما دون تردد !!! هههههههه ) .

وضع منّاع المبلغ المطلوب في حجري وكان عابسا حزينا كأنما فقد لتوه وحيده وفلذة كبده ثم قال بصوت كئيب متحشرج : ( أنا مش مممقتنع .. لكن عشان خاطرك بس ) ..

أنا – *_* ( ياسيدي يجبر خاطرك وإن شاء الله خير … ماشي مقبولات منك ) .

خرج منّاع مسرعا فهو كان على دراية ( بتكهرب ) الوضع و أراد تحاشي الصدام مرة أخرى .

نظر غريمه في أعقابه مصوبا نظره إلى ( سباط الأصبع ) الذي كان ينتعله منّاع وهو يسرع الخطى مبتعدا عنا فدحرج له كلمة نابية في صوت خفيض فأنفجرنا ضاحكين ولم أكن أشك ساعتها بأن الشيطان كان متكئا على أريكتنا ( يقزقز في اللب ) .

الشيء العجيب والغير متوقع بالمرة هو أننا من يوم إحضارنا للتلفاز لم نعد نرى منّاع إلا في مكان واحد صار هو المفضل لديه … ولعل البعض لن يصدق بأن هذا المكان هو صالة الجلوس والتي اتخذها منّاع مركزا حصريا لمتعته وسهره والذي يظل يقلب فيه القنوات بغير سأم أو ملل حتى ساعات الصباح ونحن نائمون ؟!!! ههههههه

نهاية الجزء الخامس

ويليه الفصل المتمم لهذا الجزء

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: