أ.د. عبدالقادر عبدالله قدوره : نعم لست جهوياً …… ولكن دفاعا عن مصالح الناس

 Kadir

لقد قرأت مقالة للأستاذ محمود الكيخيا نُشِرت في جريدة الكلمة في بنغازي وعلى موقع شؤون ليبية على الإنترنت والتي كانت بعنوان ( لست فيدرالياً ولست جهوياً …… ولكن سئمنا التهميش والإقصاء والضحك على الذقون ) ، والحقيقة كانت مقالة رائعة لأنه تحدث فيها بطريقة صريحة وواضحة وشفافة عن المشاكل التي قادت الناس في المنطقة الشرقية إلى التعبير عن غضبهم ربما بطريقة لم تعجب الكثيرين منا ، واتفق مع الكيخيا بأنه يجب أن تكون كل هذه الموضوعات محل لحوار وطني شامل يكون فيه لكل الليبيين الحق في إبداء وجهات نظرهم دون تخوين أو اتهامات باطلة ، وقد زاد من سعادتي أن ما قاله السيد الكيخيا أكد ما كررته وقلته منذ فترة طويلة بأن برقة (المنطقة الشرقية) ليست لقبائلها المعروفة وإنما تتكون أيضاً من عائلات لها جذور عميقة ضاربة في أعماق أرض برقة مثلها مثل قبائلها ، ومن منا يستطيع أن يشكك اليوم في أن عائلة مثل عائلة الكيخيا هي عائلة بنغازية برقاوية وعائلات أخرى مثل امنينة و بوقعيقيص وجعوده وشهدائهم وبن يونس وعبيد وعبدالمطلوب والشويهدي والسلاك وبن زبلح وبسيكري والسنكي وأسرة محمد زيو شهيد كتيبة الفضيل بوعمر وغيرها ، هي عائلات بنغازية برقاوية بل أن هذه العائلات ورجالاتها كانوا هم العقول المدبرة للوصول للاستقلال عام 1951 وبناء الدولة الليبية الحديثة الجديدة ، ولذلك برقة بكل قبائلها كانت وما زالت عاصمتها بنغازي و هذه المدينة بعائلاتها هي التي قادت برقة نحو النصر عام 1951 ويجب أن تقود برقة اليوم إلى البناء والتشييد في دولة ليبية واحدة تقوم على العدل والمساواة بين جميع مواطنيها ومناطقها .

ولكن المعضلة التي لاحظتها منذ الثورة حتى هذه اللحظة هو انقطاع الحوار بين الشرق والغرب ، الشرق يطالب ويعلن عن مظالم ، ويأتي من الغرب أما الصمت المطبق أو إشارات بعدم القبول بل في بعض الأوقات رأينا التشكيك في المطالب وتحول من يطالب بالعدالة ويعلن مظالم وقعت عليه في فترة سابقة ، ليس لأهل طرابلس ذنباً فيها ، تحول ذلك إلى اتهامات بالانفصال والانقسام والبحث عن السلطة والحكم ، والحق يقال أنه في الشرق الليبي وبوجودي منذ 17 فبراير بين أهل هذه المنطقة كلها من سرت حتى أمساعد الحدود الشرقية لم أسمع أي أحد كبير أو صغير يطالب بالانفصال أو يتحدث عن تقسيم ليبيا ، صحيح هم يعتزون بانتمائهم إلى برقة وتاريخها ودورها في الجهاد والثورة ولكن يطالبون فقط بالعدالة في كل شئ ويريدون العدالة من توزيع الثروة النفطية حتى المنح الدراسية مروراً بالسفراء ومدراء الشركات في الداخل والخارج ، ربما هناك سوء فهم حصل لبعض المصطلحات حتى منا في الشرق لكن لم يشكك أحد في وحدة هذه البلاد فقط هذه المنطقة “برقة” تعرضت للتهميش وهي كلمة لا تكفي في نظري لوصف الحالة ، وقد استعرض الأستاذ الكيخيا الحالة بكل صدق وحيادية وهذا ما حصل يقبل ويرفض من يريد ويكابر من يكابر .

فقد عانت برقة من الظلم وظلم الأخ أقسى وأمر ، لأن القذافي لم يأتي بنفسه بل إننا في المنطقة الشرقية لم نرى أي أحد من أولاده إلا في أماكن نائية في الجبل الأخضر بحكم علاقة النسب والتي لم تنفعه لأن القبيلة التي اختارها هي مثل كل قبائل وعائلات الشرق هي قبيلة ليبية وطنية انتمائها للوطن والأرض أعمق بكثير من علاقة نسب حتى ولو كانت مع شخص مثل القذافي فكان دورها حاسم في انتصار ثورة 17 فبراير مع بقية قبائل وعائلات المنطقة الشرقية كلها .

يبقى لنا أنه من الواجب علينا أن نبني حوار وطني حقيقي بين كل مناطق الوطن قائم على جدولة المظالم والمطالب ودراستها ومناقشتها واحدة بعد الأخرى ولكن هذه المطالبة بالحوار تذهب دائماً أدراج الرياح مثل المطالب للحكومة بمحاربة المركزية ، فرأينا كيف خرج علينا أشخاص منها يتحدثون عن تعميق هذه المركزية وقد أشار الكيخيا إلى البعض منها وهم يعرفون أنها هي الخطر على البلاد ووحدتها وليست مطالب ومظالم أهل الشرق الليبي إنني أشعر دائماً بأن هناك عدم فهم أو حالة من العداء وضعها القذافي في عقول الكثير من الناس هناك في المنطقة الغربية ضد المنطقة الشرقية أو أنهم لا يريدون الفهم بمعنى أنهم لديهم موقف من المنطقة وأهلها وربما له أسبابه النفسية والتاريخية رغم أن هذه المنطقة ظلت طوال تاريخها تستقبل كل الناس في جميع مدنها وتحولهم إلى جزء منها بينما نتساءل باستمرار من ” الشرقاوي ” كما يقولون الذي يستطيع الفوز في انتخابات المجلس الوطني إذا تقدم في إحدى مدن الغرب الليبي ، وسأكون سعيد لو أعرف أن هذا حصل ، وإذا تركنا هذه الأسباب جانباً والتي استطاع النظام السابق أن يغذيها ويقويها لمصلحته هو واعتقد أنه نجح في ذلك لحد كبير ، يبقى السؤال ما هي أسباب عدم وجود هذا الحوار بين المثقفين اليوم ؟ على الأقل من جانبي أعتقد أنها عديدة ولكن أهمها هذا الشعور الزائف الذي أعطاه النظام السابق لمثقفي المنطقة الغربية التابعين له والذين كانوا يتعيشون على ما يعطيه لهم بالتعالي بسبب قربهم من السلطة في الفترة السابقة وعملهم مع النظام كمستشارين في جميع الهيئات والمؤسسات وكان بالتأكيد لهم دور في تأييد وتأكيد كل ما كان يحلم به القذافي ويحاول تطبيقه ، وكان هناك معهم قلة أيضاً من الشرق الليبي الذين ذهبوا إلى طرابلس للتملق والنفاق من أجل الحصول على منافع نقدية أو عينية حتى ولو كانت تافهة ومن بقى للعيش هناك كان يعمل بصفة التابع للمتبوع أياً كان علو وظيفته في الحكومة أو رتبته في الجيش والشرطة وذهبوا إلى هناك بعائلاتهم وسمعنا ما تعرضوا له داخل العاصمة قبل سقوطها .

أما على المستوى الشخصي فطرابلس مدينة نحبها وكانت فعلاعروس البحر وكنت أحبها كثيراً فقبل عام 1969م كنا نأتي إليها بحكم عمل والدي مع الدولة الليبية في ذلك الوقت ، وما زلنا نعرف أهلها الحقيقيين ونعتز بهم ولكن هذه المدينة تعرضت لقدوم السكان المهاجرون من كل حد ب وصوب نحوها والذين أخذوها كرهينة وتصرفوا فيها كغنيمة ، ولم أحتك بمثقفيها لأنني لم أدُعى أبداً خلال فترة الطاغية لأي ندوة أو اجتماع ولم أشارك في أي لجنة أو مهمة للداخل أو الخارج إلا من جمعتني معهم فرصة الدراسة في الجامعة في بنغازي أو التقينا في فرنسا وهؤلاء ما زالت حتى اليوم أعتز بصداقتهم وعندما نلتقي نتحدث عن مخاوفنا ومصائب النظام والطاغية في بلادنا ، وأحكي لهم ما يحصل في المنطقة الشرقية وما نعاني منه كانوا واعتقد ما زالوا يفهمون أن التهميش واحد ولكن عندما نتحدث عن تهميش غريان غير أن نتحدث عن تهميش طبرق أو درنة أو بنغازي وأتذكر أخر مرة التقينا في منزل أحدهم في طرابلس قبل الثورة بشهور أخبرتهم أن المنطقة تغلي عندنا وأن الجهوية هناك على أشدها لأن الاتهام موجه للمنطقة الغربية على أنهم راضون بذلك ، انزعج أصدقائي من هذا الكلام ولكن بالتأكيد فهموا الموضوع و أتذكر دائماً يوم 15/2/2011 وعندما بدا الشهداء في السقوط في بنغازي ، جاءتني الاتصالات من هؤلاء الأخوة ينددون في الهاتف ، وكنت أنا أخاف عليهم لوجودهم في طرابلس ولكن كان الانفجار وكان الغضب الشديد وخرج أهل مصراتة والزاوية والجبل وطرابلس وضواحيها لمساندة أخوتهم في الشرق وسقط الشهداء في كل مكان …… علينا أن نتذكر كل ذلك ونُصارح بعضنا وسنجد أن ما يجمعنا هو أكثر بكثير مما يفرقنا وهذا لن يكن إلا بالحوار ، فنحن مرة أخرى في حاجة إلى حوار وطني ثقافي عالي المستوى يثير الكثير من النقاط بعيد عن الأساليب السابقة والتي غلب عليها التفكير في المصالح المادية حيث غابت الشفافية وساد النفاق ، وبالتالي علينا بالمصارحة والمناقشة وكل منا يقول للأخر ما يراه حقيقة دون خجل ، عند ذلك سوف يتقبل كلا منا الآخر ونثق في بعضنا البعض وعندها لا يتهم أياً منا الأخر لا بالجهوية ولا بالانفصالية واعتقد أن مقالة الكيخيا بداية هذه الطريق إذا أخذناها بهذه النظرة وفهمناها بهذه العقلية .

بنغازي في : 8/9/2012

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: