احمد الجنديل : الانتهازي الخطير .. قصة قصيرة

louisxiii_rare-cask

رنّ جرس التلفون في الصباح الباكر بصوت لجوج ، أسرعتُ إليه ، كان على الطرف الآخر صديقتي بشرى تنقلُ لي إعجابها بلباقة زوجي عبد الرحمن ، وحسن أدائه في مناظرة تلفزيونية .
كان الصوت الذي أسمعه من صديقتي مفعما بالحماسة :
ـــ كنتُ مبهورة بوطنيته ، ودفاعه عن القيم النبيلة .

لم تعطني فرصة ، لأقدم لها شكري على ما تقول ، بل واصلت حديثها دون انقطاع .
في حفلة التخرج التي أقامتها كلية الآداب ، كان عبد الرحمن يجلسُ في الشريط الأول من قاعة الاحتفال ، وأثناء التقاط صورة مشتركة للمتخرجين ، وقع نظري عليه ، لم أكن شاهدته من قبل إلا عبر شاشات التلفاز ، وما أن انتهت لحظات التصوير حتى انفرط العقد ، وخرجتُ من القاعة برفقة صديقتي بشرى حيث الرواق القصير المؤدي إلى الخروج من الجامعة .

بعد ثلاثة أشهر من تخرجي من الكلية ، جاء أمر تعييني مدرسّة لتعليم اللغة الإنكليزية في ثانوية حمورابي التي لا تبعد عن بيتنا كثيرا . عند عودتي من المدرسة إلى البيت ، وأنا لا زلتُ في الشهر الأول من تعييني ، قرأت علامات الاهتمام بادية على حركات أمي ، وعند دخولي على أبي ، كانت خيوط من القلق عليه هو الآخر .
في مساء اليوم التالي ، أخبرني أبي أنّ رجلا تقدم إليّ طالبا الزواج يدعى عبد الرحمن سرحان الماس ، وأخبرني أنه يترك لي الحرية في الرفض أو الموافقة .
كنتُ أقفُ أمام أبي مسلوبة الإرادة ، لا أملكُ سوى خجلي ، شعرتُ بالضعف يداهمني بقوّة ، هذه المرّة الأولى التي أظهرُ ضعيفة إلى هذا الحد ، ليس لديّ ما أقوله ، نظري مغروس في الأرض . أدركَ أبي ما أعانيه ، سمعتُ ضحكة طارت من فمه ، وهو يقول :
ـــ اذهبي يا ندى ، وفكرّي بالأمر جيدا ، وأعلني رأيك بوضوح .

خرجتُ من غرفة أبي مرتبكة ، وذهبتُ إلى غرفتي ، وأنا في دوامة من التفكير الغائم ، وجدتُ أمي أمامي ، وعلى وجهها ترقصُ بشائر التفاؤل ، مسَكـَتْ يدي وراحت تقبـّلني دون أن أجدُ سببا لما تقومُ به سوى أنها تباركُ هذا الزواج ، وبلهجة المعلم الناصح لتلميذه ، قالت :
ـــ عندما تأتي القسمة لأحد ، فمن الكفر ردّها ، وهذا الرجل مستقبله مضمون ، وشهادته عالية والجميع يقول أنه سيصبحُ وزيرا في وقت قريب .
ـــ ولكنني لا اعرفه .
قطبت حاجبيها ، وأطلقت ضحكة عالية :
ــــ عندما تزوجتُ أباك لم أكنْ أعرفه ، اسأليه بذلك !!
ران صمت لم أعرف كيف أقطعه ، بقيتُ حائرة دون أن أنبس ببنت شفة .
ـــ لقد فاتحتُ أباك وقال : الأمر تقرره ندى ، وأنا أقول : من الحماقة غلق الباب الذي فتحه الله لنا .
قلتُ بلا أرادة ، وبدافع التخلص ممّا أنا فيه :
ـــ الأمر يعودُ لكم ، فأنا موافقة إذا أنتم موافقون على هذا الزواج .
لم أكمل حديثي ، قطعته أمي وأسرعتْ إلى أبي تخبره عن موافقتي .
بعد شهرين ، تمّ زواجي من الدكتور عبد الرحمن سرحان الماس ، وانتقلتُ إلى بيت يقع في حي المنصور ، ولا يعوزه شيء ، بيت حديث البناء والأثاث ، وفيه حديقة جميلة نُسِقَتْ على يد فلاح ماهر .
ذات ليلة وبعد وصوله في ساعة متأخرة ، عرفتُ أنه ثمل ، لا املك غير العتاب والرجاء إلا انه رمى بكلّ توسلاتي ودموعي في مستنقع غروره ، واستمر في مواصلة ما هو فيه ، وبذلك لم نعد زوجين تشدهما أواصر المحبة والألفة ، انقلنا إلى ضيفين على فندق من الدرجة الممتازة ، واصل مشواره في إعداد خطاباته الملوثة ، وواصلتُ رحلتي في القراءة والتدريس ، ومع مرور الأيام بدأتُ اكتشفُ صفحات الخزي التي يتمترس خلفها زوجي الدكتور ، أدركتُ أنّ رأسه مزبلـة لأفـكار آسنة رضعها من ثـدي الشيطان ، وأنا لا أريدُ أن أكون جـزء من لعبة قـذرة ، لستُ بالثوب الذي يرتديه ، وليس بالزوج الذي أبتغيه ، ولابدّ من وضع حد لهذه الحياة التي أعيشها معه ، فما اعتادت ندى السير حتى النهاية في طريق مرصوف بالأخطاء ، في صباح يوم جمعة عاد يحدثني بلغة المثل العليا المزيّفة ، قلتُ له :
ــ تفكيرك هذا يقودنا إلى الخراب في كلّ شيء .
ـــ فليكن الطوفان .
ضقتُ ذرعا به ، لم يعد باستطاعتي الاستمرار معه ، نهضتُ متحججة بزيارة أبي ، ارتديتُ ملابسي على عجل ، وأثناء خروجي لم اسمع منه كلاما ، صفقتُ الباب ورائي ، واتجهتُ إلى بيت أبي .
عند العصر كنتُ أمام أبي في غرفته وجها لوجه ، لقد عقدتُ عزمي على قرار الطلاق قبل سماع نصيحة أبي ، لم أترك طرفا إلا وأخضعته لكلّ الاحتمالات ، وبدون تردد وصل صوتي إلى أبي :
ـــ أبي العزيز ، عبد الرحمن لوثـّني ، وأريدُ التطهر بالابتعاد عنه .
نظرات أبي تبحثُ عن شيء ضائع في وجهي ، وجميع ما فيه يقول ، وماذا بعد ؟ . استنهضتُ قواي الخفية ، بدأتُ أتوسل بذاكرتي على نقل الإحداث وفق سياقها الزمني ، دفعتُ إرادتي إلى الأمام محاولة استحضار اللغة المناسبة التي تنسجمُ ومشاعري المهانة ، تهيأتُ لكشف ما حصل ، أشعرُ بالحرج يعصفُ بي عندما أتحدثُ أمام أبي ، كرامتي الجريحة منحتني دفقة من الرغبة على فضح ما بيننا كزوجين ، أبي كان يقرأ فصول ما أعاني منه ــ أعرفه جيدا ــ ولابدّ من الحديث .
بتأمل صبور وبهدوء قلق ، دفع أبي كرسيه إلى الأمام ، وبدأتُ في الحديث :
ـــ زوجي عبد الرحمن معطوب في تفكيره ، وفاسد في سلوكه ، وسافل في طموحه . كان يملكُ الدكتوراه في العهارة السياسية وليس في علومها ، يشربُ الإسلام بكأس وثنية مرّة ، ويكرعُ الكفر بكأس محمدية مرّة أخرى . إذا دارت بوصلة مصالحه نحو لندن ارتدى قبّعة تشرشل ، وإذا انحرفت باتجاه موسكو كسا ذقنه بلحية لينين . متحضر حد النخاع في حديثه عن الحضارة ومتخلف حد العظم في جذوره . داخل رأسه سوبر ماركت سياسي يضّم كلّ ما يحتاجه ، ومع كلّ بضاعة يرفقُ الوصفة الدقيقة لطريقة تناولها وقد وضع بضاعته تحت ستار سميك من النباح السياسي نقش على واجهته ـ كلّ شيء من الوطن والشعب ــ وبهذا السلاح راح يقاتل في عالم تتلاقح فيه الأضداد . الوطنية عند زوجي ليس لها مفهوما واضحا ولا تصورا شاملا ، بل كان يراها في قنينة الويسكي الاسكتلندي مرّة ، وفي الصلوات الخمسة مرّة أخرى ، وثالثة بين فخذي مومس ، وأخرى في خدمة أعداء الوطن والشعب ، وخامسة في مضاجعة غلمان السياسة .
كان فيضان الكلمات يخرجُ هادرا من فمي وأنا أتحدثُ إلى أبي ، ورأسي مشدود إلى الأرض ، وعندما استرقتُ النظر إليه لكي أرى تأثير حديثي عليه ، وجدته مستندا على كرسيّه كمستمع مطيع ، هادئ القسمات رغم الغضب المتجول في عينيه ، أردتُ التوقف غير أنّ هاجس كرامتي المهيضة ردعني وحثّني على المواصلة ، انسقتُ وراءه ، وواصلتُ :
ــ ومع اكتشافي لكلّ هذا ، تشبثتُ بالصبر ، وبدأتُ أراهنُ عليه فهو سلاحي الوحيد الذي أدافعُ به من أجل أن تمّر العاصفة بسلام ، رغم يقيني أنّ العواصف عندما تهبّ تخلّف وراءها ركاما من الدمار . وفي أحد الأيام حدث ما كنتُ أخشاه ، امرأة تحتل فراشي رأيتها بكلُ قبحها وعهارتها ، لم أعدْ أحتملُ أكثر من هذا ، صرختُ دفاعا عن كرامتي وأنا أدركُ أنّ البكاء سلاح العجزة والأغبياء ، دافعتُ عن وجودي كامرأة وزوجة ، هربت العاهرة وبقي العاهر مكشوفا مثل صرصار مصعوق ، لا يملكُ غير الأيمان الغليظة بأنّ ما حصل لت يتكرر ، وأمام حالة الطلاق تجرعتُ الإهانة كما أتجرعُ السمّ الزعاف .
انتفضَ أبي ، أحسستُ بذلك ، مدّ رأسه إلى الأمام ، شفتاه مطبقتان بشكل تام ، لا ترى سوى الخيط الفاصل بينهما ، قلتُ ما دمتُ قد بدأت فعليّ الوصول إلى النهاية ، وواصلتُ بصوت كسير :
ـــ لم يمض وقت حتى تكررت الحادثة مع امرأة أخرى ، وأخرى ، قلتُ في سرّي : ( هذا المخلوق لم يتعود شرب الماء العذب من منبعه الصافي ) بعدها راعني كثرة الأموال المتدفقة عليه ، افرازات الدور المشبوه بدت واضحة لي ، خيوط اللعبة استهوتني إلى فك رموزها ، سقط الحجاب عن طلاسم زوجي العتيد ، عند ذاك رميتُ سلاح صبري لأستبدله بسلاح الطلاق ، هذا ما فكرتّ به ، وبنيتُ قراري عليه .
انعقدَ لساني ، فمي أصيب بالخرس ، وقفتُ أمام أبي كمتهم في محكمة ، مشدود إلى سماع قرار القاضي ، أطلق أبي زفرة حارقة ، وقال بصوت منفعل :
ـــ ارجعي إلى بيتكِ واجمعي ما ترينه ضروريا لكِ وعودي إلى هنا ، وسيكون لي شأنا مع عبد الرحمن .
خرجتُ مسرعة من غرفة أبي وأسرعتُ إلى بيتي ، امتدت يدي بسرعة إلى مصوغاتي الذهبية وملابسي والأوراق المتعلقة بي ، وضعتها في حقيبتين ، وانطلقتُ إلى بيت أبي .
لم يمر أسبوع على هذا الحدث حتى انتهى الأمر ، ولم تعد ثمة علاقة تربطني بعبد الرحمن ، سمعتُ لغطا في المدرسة يدور بين زميلاتي ، وقرأتُ في صحيفة محلية تعتاش على توافه الأمور من صحفي صعلوك خبر طلاقي تحت عنوان ( فضيحة ) ووصلتني اتصالات من أصدقائي ومعارفي ، وكنتُ أتصدى لكلّ ما أسمع بالطريقة التي تعلمتها من أبي ، حتى تلاشى الدخان وذهب الزبد ، ولم يعد أحد يهتمُ بالموضوع .
في حزيران الماضي ، وفي نفس الشهر الذي تمّ طلاقي من عبد الرحمن الماس ، تمّ زواجي من نشأت سلطان الجاسم ، ومع نشأت تعرفتُ على صفحات حياته التي تنسجمُ وما أطمح إليه ، وبعد مجي مولودنا الأول ( عطيل ) بأيام ، جاء خبر مقتل عبد الرحمن على يد أحد المجهولين .
كنـّا مجتمعين في دار أبي عند سماعي هذا الخبر ، ودون أيّة مشاعر مسبقة ، ولا أثر للأسف عليه ، انحدرت دمعة كبيرة ، تلقفتها بأطراف أصابعي ، وقلتُ بصوت سمعه الجميع :
ـــ لقد أغرقه الطوفان الذي كان يسعى إليه ، رحم الله زوجي السابق ، فقد كان منافقا كبيرا ، وانتهازيا خطيرا .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: