شكري السنّكي " الصادق شكري " : العهد الملكي – رجـال حـول المـلك " 1 "

 

Hasad_Alasboo04_05-2012

“الحلقةُ الأولى”

وإلى الشبابِ الحيِ خير تحية *** فهم الـرّجـاءُ وفيهم الآمال
وعلى كواهـلهمِ وفي أعناقهمِ *** عهد على أن يحفظـوا ما نالوا
ما بالقليلِ ولا الصغيرِ فإنّه *** فـضل عـظيم، إنّه إستقـلال
نـصرُ عزيزُ جل مانحه لـه *** من روحنا التكبير والإهلال
عاش المليك وشعبه وبلاده *** في عزِ دستورِ زهـاه كمال (1)

مقدَّمة

عندما نتحدث عن الملك إدرْيس السُّنوُسي يجب علينا ألا نغفل بتاتاً دور الذين رافقوه طوال مشوار جهاده الذي امتد عقوداً من الزمان.. ودور الذين انتزعوا معه إستقلال البلاد من مخالب الاستعمار وساهموا إلى جانبه في تأسيس الدولة اللّـيبيّة وبنائها. الملك إدرْيس السُّنوُسي ورجاله كانوا استثناءاً في كلّ شيء.. في جهادهم ونضالهم وتقديمهم كل نفيسٍ وغالٍ في سبيل الله والوطن.. في إيمانهم بالله وحسن توكلهم عليه.. في إخلاصهم للوطن وحبهم الشديد له.. في احترامهم لأنفسهم واحترامهم لبعضهم البعض.. في تقدير مصلحة الوطن وحسن اختيارهم لخطط تنموية وبرامج تنفيذيّة وسياسات عقلانيّة واقعيّة حققت للوطن والمواطن كافة أوجه الأعمار.. الأمن والأمان.. الحفاظ على حقوق المواطن وإسعاده ورفـاهيته.

حقاً.. لقد كانوا استثناءً في كلّ شيء.. وعلامة فارقة في حياة اللّـيبيين وتاريخهم بل في تاريخ عالمنا العربيّ والإسلامي بمجمله.
ترك ليّ صديق كتيب آملاً مني توظيفه فيما أكتب، وهو كتيب صغير أصدرته الدوائر الرّسميّة للدولة اللّـيبيّة عام 1953م بمناسبة إنعقاد الدّورة الثّالثة لـمجلس الأمـّة (الشّيوخ والنّوّاب) في بنغازي يوم 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1953م، والذي خصصته لخطاب العرش الذي ألقاه الدّكتور فتحي عمر الكيخيا بالنيابة عن الملك إدرْيس الأوّل ملك المملكة اللّـيبيّة المتّحدة، ونيابة عن السّيّد محمود أحمد المنتصر (رئيس الوزراء) الذي كان يمر يومئذ بظروف صحية صعبة. وبعد قراءتي لنصّ الخطاب الذي جاء في الكتيب، رأيت من الأهميّة بمكان إعادة نشره كاملاً، لثلاثة أسباب:

الأوّل: اخترت إعادة نصّ الخطاب كاملاً بعدما تبين ليّ أنّ من كتبوا عن شخص الملك وعهده الميمون استقطعوا فقرات معينة من هذا الخطاب في حدود التدليل والاستشهاد ولم يأتوا بنصه كاملاً، ولذا، رأيت – ومن باب التوثيق – توفير النصّ كاملاً لكل باحث مهتم بتاريخ ليبَيا وحقبة العهد الملكي وشخص الملك إدرْيس السُّنوُسي لأنّ في الخطاب ما يكشف – وعلى نحو ما – عن معدن الملك إدرْيس الرجل والمنهج الذي اختاره في عمله، فيرد على المبطلين بالحجة والبينة لا بأسلوب إخراج التَّاريخ عن ميادينه كالرَّد بأسلوب الخناق في الشّوارع أو الرَّد على الشتيمة بمثلها.

الثَّاني: من باب التوثيق لأنّ الوثائق لها كلمة نافذة في كشف الحقائق التي يحاول المزورون إخفائها كمَا يحاولون طمس تاريخ مَنْ كان قبلهم، من القّادة والزّعماء والأحداث التّاريخيّة التي شاركوا في صنعها. أيضاً، اعتبر هذا الخطاب وثيقة هامـّة كونه يؤرخ للسّياسات التي اعتمدتها حكومات العهد الملكي المتعاقبة منذ انطلاقها في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م.. وبدايات مرحلة البناء والإعمار.. ولأسلوب تعامل الملك إدرْيس السُّنوُسي مع السّلطة التنفيذيّة المتمثلة في مجلس الوزراء، والسّلطة التشريعيّة التي يتولاها مجلس الأمّة المكّون من النّوّاب والشّيوخ.

الثالث: لما يحمله هذا الخطاب الذي جاء مبكراً من عمر إستقلال البلاد، من أدب في العبارة، وشعور بالمسئوليّة، وصدق منقطع النظير من ناحيّة توصيف الوضع القائم وشرح الملابسات التي كانت تحيط بما تمّ إنجازه والمؤمل أن ينجز وفق الخطط الموضوعة.. ومنطق عقلاني موضوعي وضع الأسس الصحيحة منهجاً وأداءً لتحقيق الطموحات الكبيرة رغم شح الإمكانيات وندرتها وقتذاك، وفي ظلّ دولة صنفتها المنظمات الدّوليّة حينئذ ثاني أفقر دولة في العالم.

وقد تحقق بالفعلِ ما خطط الملك إدرْيس ورجال عهده له بصدقهم وأمانتهم والأمل الذي كان يحدوهم جميعاً لا بفضل ما كان متاحاً لهم من الإمكانيات فالمتاح كان قليلاً يسيراً يصل إلى درجة الشح والبؤس.. وحققوه في زمن قياسي لم يتوقعه سواهم أحد ولا أحد غيرهم استوثق من إنجازه كمَا استوثقوا هم واستثبتوا.
ومن ناحية أخرى.. رأيت في هذا الخطاب فرصة سانحة لأتحدث عن شرعيّة العهد الملكي ونظام حكمه ثمّ رأيتها مناسبة للوقوف عند بعض الشخصيّات التي تركت بصماتها في تاريخ ليبَيا وذلك العهد ومنهم تحديداً الرجال الذين ترأسوا مجلسي الشّيوخ والنّوّاب، والسّادة هم: عمر منصور الكيخيا، علي صالح العابدية، محمود الحسين بوهدمة، عبدالحميد إبراهيم العبّار.. عبدالمجيد الهادي كعبّار، سالم لطفي القاضي، مفتاح محَمّد عريقيب.

وفاتنا القول الإشارة إلى أنني سأتوقف قبل بث الخطاب لإلقاء بعضاً من الضّوء على سيرة وحياة الدّكتور فتحي عمر الكيخيا الذي تولى تلاوة خطاب العرش بالنيابـة عن الملك إدرْيس السُّنوُسي.

نعم.. إذا كان الملك إدرْيس السُّنوُسي اقترن اسمه بجهاد ليبَيا وإستقلالها وبناء دولتها الحديثة من حيث كونه مؤسس الدولة وأبـاً لدستورها، فأن رجالاً كثيرين قاتلوا تحت أمرته وتحركوا إلى جانبه في طريق واحد حتَّى نالت ليبَيا استقلالها ثمّ شرعوا سوياً في بناء ليبَيا – دولة وشعب…
فالملك إدرْيس لم يكن وحده إنّما كان معه وحوله رجالُ يعز لقاء أمثالهم في هذا العصر…
وليبَيا اليوم، تفتقد هؤلاء الرجال وتبكيهم بأسى، وإذا كانت هي كذلك فلتسجل الأقلام صفحات عن سيرة أؤلئك الرجال وتاريخهم لأن في ذلك العبرة والدرس.. ولنحرص جميعاً على ترسيخ قيمة الوفاء بيننا، فبالوفاء يبقى نور الحق ساطعاً بيننا وبه تستمر القلوب عامرة بـالحبّ…
فلنكن دوماً أوفياء مع رفاقنا اليوم، وأوفياء مع أصحاب الفضل بالأمس…
الشرعـيَّة الدسـتورية.. عهد وملك
كافح الشّعب اللّـيبيّ الاحتلال الإيطاليّ منذ أن أصيب به سنة 1911م، ودفع ثمن طرده واسترداد حريته أكثر من نصف عدده ذهب شهيداً في القتال وفي السّجون والمعتقلات.
وبعد إنطلاق الحرب العالميّة الثانية عام 1939، وإعلان إيطاليا بتاريخ 10 يونيه/ حزيران 1940م الحرب على بريطانيا، انضم الجيش السُّنوُسي الذي تأسس في مصر إلى الحلفاء ضدَّ المحور، وساهمت القوَّات اللّـيبيّة مساهمة عمليّة في جميع مراحل القتال في ليبَيا.
وبعد انتصار الحلفاء على المحور، دخلت البلاد في وضع جديد يتلخص في إدارة عسّكريّة بريطانيّة في إقليم برقة وإقليم طرابلس، وإدارة فرنسيّة في إقليم فزّأن.
وتطلع اللّـيبيّون جمعياً منذ أن حل في البلاد نظام حكم الإدارة الأجنبي إلى التخلص من هذا الوضع عبر وسائل النّضال السّياسيّ من أجل تحقيق الإستقلال والوحدة الوطنيّة. وتأسست من أجل هذا الهدف والغاية الهيئات والجمعيات والأحزاب السّياسيّة في جميع مناطق البلاد.
وكانت برقة وفزَّان تدين بالولاء إلى سمو الأمير إدرْيس السُّنوُسي و لا ترى أملاً في تحقيق جمع الصّف الوطنيّ وتوحيد كلمته في غير شخصه نظراً لجهاده الطويل ومعرفته الدقيقة بخفايا السّياسة ومراكز التأثير فيها. وكان لهذا التوجه أنصار ومؤيدون في إقليم طرابلس كذلك معارضون وصفوا بالأقليّة الضئيلة رغم كثرة تحركاتهم واتصالاتهم في مرحلة من مراحل نضال اللّـيبيّين السّياسي.
أصرت برقة على جمع البلاد اللّـيبيّة تحت تاج سمو الأمير إدرْيس السُّنوُسي ، وحددت هدفها في المطالبة بإستقلال ليبَيا تحت تاج السُّنوُسي.
بينما..{.. كان يبدو أن اتجاه الهيئات الوطنيّة الطرابلسيّة يؤيد الرأي باستثناء أقلية ضئيلة لم تحدد موقفها.
وقد ظهر إجماع الشّعب اللّـيبيّ على هذه المطالب عندمـا اختلفت الدول الأربع الكبرى فيما بينها على مصير المستعمرات الإيطاليّة السّابقة واتفقت على إحالة القضيّة إلى هيئة الأمم المتّحدة فطبقاً للفقرة الثالثة من الملحق رقم: 11 من معاهدة الصّلح مع إيطاليا سنة 1947م أحالت هذه المسألة برمتها إلى الجمعيّة العامـّة للأمم المتّحدة في 15 سبتمبر/ أيلول سنة 1948م بعد أن اتفقت على قبول توصيّات الجمعيّة العامـّة بشأن التصرف في أمر المستعمرات الإيطاليّة السّابقة وإتخاذ التدابير الموافقة لتنفيذها.
وعندمـا عُرِضت القضيّة اللّـيبيّة على الجمعيّة العامـّة في دورة سبتمبر/ أيلول سنة 1948م اشتركت البلاد اللّـيبيّة في النّضال وفي المناقشات وفي إبراز وجهة نظر الشّعب ومطالبه وذلك بإيفاد وفـود عن طرابلس وبرقة اتفقت جميعها في المطالبة بإستقلال البلاد وتوحيدها تحت تاج السُّنوُسي وبالطريقة التي يختارها الشّعب اللّـيبيّ.
وكان من أثر ذلك صدور القرار التّاريخي في 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م..}م1.
أصدرت الجمعيّة العامـّة للأمم المتحدة في الدورة الـرّابعة المنعقدة بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م قرارها التَّاريخي رقم 289/4 القاضي بإستقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاث (برقة، وطرابلس، وفزَّان) في تاريخ أقصاه يناير/ كانون الثّاني 1952م. ويذكر أن مشروع القرار كان قد عُرِض على الجمعيّة العامـّة في جلستها (250 ) المائتين والخمسين، والقرار اتخذ دون اعتراض من أيّ دولة وتمّ إقراره بالأغلبية حيث صوتت لصالحه تسع وأربعون (49) دولة وامتنعت تسعة (9) دول عن التصويت.
أوصت الجمعيّة العامـّة في قرارها: أن يضع ممثلوا أهل برقة وطرابلس وفزَّان دستوراً لليبَيا مشتملاً على شكل الحكومة، وذلك بتشاورهم مجتمعين في مجلس وطنيّ. عينت الأمم المتحدة بقرار صادر عن جمعيتها العامّة في 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1949م، السّيّد أدريان بلت (Adrian Pelt) الهولندي الجنسيّة، مفوّضاً لها ورئيساً لمجلسها الاستشاري، وذلك من أجل متابعة قراراتها فيما يتعلق بليبَيا والأشراف على تنفيذها كمَا ينبغي، وأن يتعاون مع السّلطتين (البريطانيّة والفرنسية) اللتين تتوليان الإدارة في ليبيا وقتذاك، وأن يرفع لها التقارير والوثائق وكل ما يتمّ إنجازه فور التوصل إليه. وتمّ اختيار أدريان بلت (Adrian Pelt) باعتباره من الدبلوماسيين المخضرمين وكونه هولندي كانت بلده قديماً ذات صلة بجنوب شرق آسيا وأكبر دولة إسلاميّة حيث كانت تحتل اندونيسيا قبل أن تعلن عن استقلالها يوم 17 أغسطس/ أب 1945م من الإحتلال الياباني، وتعلن عن نفسها كدولة مستقلة ذات سيادة (الاستقلال الفعلي) بعد تخلصها من المستعمر الهولندي يوم 27 ديسمبر/ كانون الأوّل 1949م.. وأحد أعضاء الجهاز الدائم بهيئة الأمم، ونظراً لما يتمتع به من خبرة طويلة اكتسبها من موقعه كمساعد السكرتير العام بهيئة الأمم والذي شغله لعدة سنوات.
كذلك، أقرت هيئة الأمم المتّحدة – وبناءاً على قرارها الصّادر في الدورة الـرّابعة رقم 289/4 – إنشاء مجلس استشاري يتكون من عشرة (10) أعضاء يضم مندوباً واحداً عن حكومات الدول التاليّة: مصر، وفرنسا، وإيطاليا، والباكستان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكيّة.. وممثّل عن الشّعب في كلّ من أقاليم ليبيا الثلاثة، وكذلك ممثّل عن الأقليّات في ليبيا.
وجاء عن مهام المجلس الاستشاري في مذكرات السّيّد/ محَمّد عثمان الصيد، ما يلي:..{.. كانت مهمّة المجلس الاستشاري الأساسيّة تقديم النّصح لمندوب الأمم المتحدة حول الخطّوات الواجب اتخاذها لوضع دستورٍ دائم وانتقال السّلطة إلى اللّـيبيّين وبالتـالي الوصول إلى الإستقلال قبل نهاية 1951م..}م2.
ويذكر بخصوص المجلس الاستشاري أيضاً أن الأمير إدرْيس السُّنوُسي كان قد تقدم في 28 مارس/ آذار 1950م بثمانية أسماء إلى السّيّد دريان بلت (Adrian Pelt) لاختيار واحداً منهم، وتقدمت الأحزاب السّياسيّة في إقليم طرابلس بسبعة أسماء إلى المندوب الدّوليّ، وتقدمت فزَّان باسم السّيّد أحمد الحاج السُّنوُسي صوفر ممثلاً عنها، أمـّا الأقليّات فقد تقدمت بأربعة أسماء.
تكامل تشكيل المجلس الاستشاري في 5 أبريل/ نسيان 1950م، وجاءت أسماء ممثلي الشّعب اللّـيبيّ والأقليّات بليبيا على النحو التالي:
{ 1 – السّيّد/ علي أسعد الجربي – عن برقة (حلّ محله فيما بعد الدّكتور علي نور الدّين العنيزي).
2 – السّيّد/ مصطفى ميزران – عن طرابلس.
3 – السّيّد/ أحمد الحاج السّنوُسي صوفر – عن فزَّان (حلّ محله بسبب مرضه السّيّد/ محَمّد عثمان الصّيد).
4 – جيلكو مارشينو – عن الأقليات…}م3.
وبالطبع.. لم تكن مهمّـة اختيار المندوبين اللّـيبيّين في المجلس الاستشاري بمهمّـة هينة ولا يسيرة، فقد قضى السّيّد أدريان بلت..{.. ثلاثة أسابيع زار خلالها الأقاليم الثلاثة، وتشاور مع القيـادات السياسيّة والحـزبيّة الموجودة فيها، وأمكنه في ختام هذه المشاورات أن يختار أربعة أسماء من بين القوائم التي قدِّمت إليه كمرشحين. أمـّا بقية أعضاء المجلس الاستشاري فكانوا: محَمّد كامل سليم (عن مصر)، عبدالرَّحيم خان (عن باكستان)، لويس كلارك (عن الولايات المتحدة الأمريكيّة)، فيتاليانو كونفا لونيري (عن إيطاليا)، هيو ستو نهيوار بيرد (عن بريطانيا)، جورج بالاي (عن فرنسا)..}م4.
والجدير بالذكر.. أن السّيّد أدريان بلت (Adrian Pelt) كان قد أجاب على مجموعة من الأسئلة وجهها إليه مندوب القسم العربيّ بإذاعة الأمم المتحدة قبل مغادرته الولايات المتحدة متجهاً إلى ليبَيا، وأجاب بلت على الأسئلة المطروحة عليه بحنكة سياسيّة وكياسة بالغة ودقة متناهية، ورسم من خلال إجاباته الخطوط العريضة لسياسة عمله ومحددات اختصاصاته.
ومن جملة ما قاله في إجاباته – وعلى سبيل المثال لا الحصر – ما يلي:..{.. أنا ذاهب الآن إلى ليبَيا رأساً، وبذلك تتاح ليّ فرصة لأتصل إتصالاً مباشراً بالشّعب الذي أنيطت بيّ خدمته، وسأعنى خلال زيـارتي هذه لليبَيا ببحث الإمكانيات لاختيار مكان أجعله مقراً رئيسياً لعملي، وعلى كلّ حال فلك أن تتأكد أنّه أينما كان مقر عملي فسـأظل على إتصال مستمر بالشّعب في ليبَيا..”.
… وتقتضي مسئولياتي أنّ أساعد شعب ليبَيا على إقامة مؤسسات ودوائر للحكومة هناك، وأن أقدم إليهم المساعدة عندما يشرعون في وضع دستور بلادهم، وسـأعمد كذلك إلى تقديم أيـّة مساعدة فنية لهم كلما احتاجوا إليها، ومن هنا ترى أنّه ليس من اختصاصاتي أو صلاحياتي أن أضع أو أكتب دستور ليبَيا، فسوف لا أمنح ليبَيا دستوراً لأن ذلك ليس من صلاحيـاتي فأن الدستور هو اختصاصـات كلّ شعب يحرص على حريتـه ويقدر إستقلالـه، وهو الشرعيَّـة الوطنيّة التي يختارها كلّ شعب ليكون كنبراس يهتدي بنوره في حياتـه السـّياسيّة، أن وثيقـةَ هذه قيمتها وهذه مفعولاتـها وآفاقهـا وآثارها لا يمكن لأيّ فرد أنّ يضعها لأيّ شعب مستقل حرَّ، بل إنّ ذلك الشّعب هو الذي يتولى وضع دستور بلاده، وعلى هذا الأساس فمن شأن ومن حق الشّعب اللّـيبيّ نفسه ممثلاً في جمعيّة وطنيّة أو تأسيسيّة أو تشريعيّة – سمها ما شئت – أن يضع دستور بلاده، وستكون مهمتي مقتصرة على أن أقدم النصح والمشورة إلى اللّـيبيين إذا ما احتاجوا إلى ذلك بالإشتراك مع المجلس والسّلطات الإداريّة الحاليّة في ليبَيا..”. (انتهى كلام أدريان بلت)
وفي جانب آخر.. وصل المستر أدريان بلت إلى ليبَيا في شهر يناير/ كانون الثّاني 1950م، وكان أوّل عمل قام به هو التشرف بمقابلة سمو الأمير إدرْيس السُّنوُسي، ثمّ أخذ يباشر إتصالاته برجال حكومة برقة الذاتية وأعيانها وبالزّعماء الطرابلسيين وأعيانهم وأحزابهم، وكذلك بأعيان فزَّان، وباشر المجلس الاستشاري أعماله، وتكّونت اللجنة التحضيرية (لجنة الواحد والعشرين) ومهمتها تنظيم تكوين الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة التأسيسيّة ودعوتها للاجتماع…}م5.
وباختصار.. وصل السّيّد أدريان بلت المندوب الدّوليّ لليبَيا..{.. إلى القطر اللّـيبيّ في 18 يناير/ كانون الثّاني 1950م وشرع في مباحثات ومحادثات مع زعماء البلاد والهيئات والأفراد في طرابلس ومع سمو الأمير محَمّد إدرْيس السُّنوُسي والهيئات في برقة ومع أحمد سيف النصر والأعيان في فزَّان وغادر بلت ليبَيا للاستمرار في مباحثات مع الحكومات ذات الشّأن بعد أخذ فكرة واضحة عن الحالة في ليبَيا وبعد أن فهم جيداً رغبة الشّعب اللّـيبيّ والزّعماء والأحزاب، استخلص منها أمرين جوهرين:
أولاً: إجماع الشّعب اللّـيبيّ كله على مبايعة السّيّد محَمّد إدرْيس السُّنوُسي ملكاً على البلاد.
ثانياً: ضرورة إقـامة نظام اتحادي بين الأقاليم الثلاثة لأنه يتمشى مع الأوضـاع المختلفة الموجودة في البلاد ولأنه بدونه لا يمكن التفكير في جمع ليبَيا في دولـة واحدة..}م6.
ويذكر أن هيئة الأمم المتّحدة كانت قد اشترطت تكوين جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة، تُوكل إليها مهمّة وضع دستور لليبيا قبل الشّروع في تنفيذ قرار الإستقلال الصادر عنها. وجاء نصّ التوصيّة كمَا جاء في كتاب: (ليبَيا الحديثة) للدّكتور/ مجيد خدوري الذي ترجمه الدّكتور/ نقولا زيادة، ما يلي:..(.. أنّ يوضع دستور ليبَيا بما فيه شكل نظام الحكم والحكومة بواسطة ممثلي السكّان في برقة وطرابلس وفزّان الذين يجتمعون ويتشاورون في هيئة جمعيّة وطنيّة..).
والشاهد.. أن هيئة الأمم المتّحدة لم تشترط الأسلوب والطريقة التي يتمّ بها اختيار اللجنة التحضيرية وأعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة تاركه ذلك للشّعب اللّـيبيّ وقادته دون تدخل منها، شرط أن يحظى الأعضاء المختارون بثقة الشّعب وموافقتهم.

ولعلي انتقل من هنا لأصل إلى نقطة شرعيّة الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة التي دار جدال حولها من عناصر محدودة كان أغلبها على صلة بمصر والسّيّد عبدالرَّحمن عزّام (2) أمين الجامعة العربيّة آنذاك والذي استخدم منبر الأمانة العامّة لجامعة الدّول العربيّة للطعن في كافة إجراءات الجمعيّة التأسيسيّة والتشكيك في شرعيتها ومصداقيتها. وطعن عزّام وتشكيكه لم يكن بريئاً أو يخلو من “الهوى” فقد وصف الدّكتور نقولا زيادة في كتابه: “ليبيا في العصور الحديثة” موقف عبدالرَّحمن باشا عزّام بالنابع من هوى النفسٍ والبعد عن العدل، فقال..(.. إنّ موقف جامعة الدّول العربيّة – ممثلاً بأمينها العام يومئذ – لم يكن دوماً موقفاً عادلاً بعيداً عن الهوى كمَا يبدو في القرار الذي اتخذ بتاريخ 17 آذار/ مارس 1951 بخصوص لجنة الستين أيّ الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة..).

وصحيح أن السّيّد أدريان بلت كان قد اقترح على المجلس الاستشاري تشكيل المجالس (اللجنة التحضيرية والجمعيّة الوطنيّة) بأسلوب الانتخاب لا الاختيار ولكنه تنازل في النهاية عن اقتراحه بعد أن لاقى معارضة شديدة..{.. من ممثل طرابلس في المجلس السّيّد مصطفى ميزران الذي أعلن في المجلس الاستشاري مـا يلـي:
1 – أن إجراء انتخابات في الظروف الحالية من شأنـه أن يؤدي إلى اضطرابـات في البـلاد من جهة ولأن قرار الجمعيّة العامـّة لم يعين طريقة تأليف الجمعيّة الوطنيّة من جهة أخرى وقد أيد ممثلا مصر وباكستان وممثل طرابلس هذا الرأي في نفس الجلسة. (راجع تقرير المستر بلت المقدم إلى هيئة الأمم بند 138 – 139)  وقد رضخ المندوب لرأي مندوبي طرابلس ومصر وباكستان والسّيّد بشير السّعداوي وذلك بالعدول عن إجراء انتخابات والاقتصار على الاختيار محذراً أنّه..”يترك لهم مسئوليّة مـا ينتج عن قرارهم هذا..”. (راجع تقرير المستر بلت بند 144)  وقد برر مندوبو مصر وباكستان وطرابلس ومعهم والسّيّد بشير السّعداوي ضرورة العدول عن الانتخابات في طرابلس لأن الوقت ضيق وأن وضع قانون انتخابات ثمّ إجراء انتخابات فيه مضيعة كبيرة للوقت وقد يحل الزمن المحدد لإستقلال ليبَيا دون أن تكون الجمعيّة قد وصلت إلى نتيجة. وتبعاً لذلك تقدم مندوب باكستان عبدالرَّحيم خان بمشروع يقضي بتشكيل لجنة تحضيريّة قوامها سبعة أشخاص من كلّ إقليم من أقاليم ليبَيا الثلاثة يختار سمو الأمير أعضاء برقة ويختار أحمد بك سيف النصر أعضاء فزَّان ويترك للمندوب الدّولـي البحث مع الهيئات والأحزاب في طرابلس عن طريقة اختيار الأعضاء الطرابلسيين، وقد أقر المجلس الاستشاري هذا المشروع وبالتالي الأسماء التي قدمت إليه لتمثيل ليبَيا بأقطارها الثلاثة على قدم المساواة في اللجنة التحضيريّة المذكورة التي عرفت فيما بعد باسم لجنة الواحد والعشرين.

وقد اجتمعت لجنة الواحد والعشرين المكلفة من المجلس الاستشاري الدّولـيّ لإيجاز الطريقة التي بموجبها تجتمع الجمعيّة التأسيسيّة الوطنيّة. وتناقشت حول أقرب الطرق وأفيدها لاجتماع الجمعيّة الوطنيّة، واحتدم النقاش حول نقطة اختيار أعضاء الجمعيّة أم انتخابهم وقد تمسك الوفد الفزَّاني بضرورة الانتخاب بينما نزل الوفد البرقاوي عند رغبـة الوفد الطرابلسي الذي كان يصر على ضرورة الاختيار ونظراً لنفس الاعتبارات التي أدّت إلى اختيار أعضاء لجنة الواحد والعشرين بدلاً من انتخابهم، وأدى تمسك وفد فزَّان إلى تدخل المندوب الدّولـي لمراجعة أحمد بك سيف النصر في فزَّان (3) وإقناعه بضرورة الموافقة على مبدأ الاختيار طبقاً لقرار الأغلبيّة وقد انتهت لجنة الواحد والعشرين من أعمالها يوم 27 أكتوبر/ تشرين الثّاني وتوصلت إلى الاتفاق بالإجماع على قرار يتخلص فيما يلـي:
أولاً: أن تكون الجمعيّة الوطنيّة من ستين عضواً بنسبة عشرين عضواً عن برقة وعشرين عن طرابلس وعشرين عن فزَّان.
ثانياً: أن يكون التمثيل في الجمعيّة الوطنيّة بطريقة الاختيار على أن يراعى فيه بخصوص إقليم طرابلس تمثيل الأحزاب العربيّة الوطنيّة والمحايدين وأهل الحل والعقد بطريقة عادلة.
وبعد أن أعلنت لجنة الواحد والعشرين قراراتها لم يظهر أيّ اعتراض عليها من قبل المجلس الدّولـيّ أو من أيّ حزب أو هيئة في البلاد.
ومـا كادت لجنة الواحد والعشرين تتوصل إلى قراراتها المشروعة المذكورة حتَّى تقدمت بعض الدّول العربيّة إلى هيئة الأمم المتّحدة بالمشروع المعارض لطريقة التمثيل في الجمعيّة الوطنيّة على قدم المساواة وبالاختيار كما قررتها لجنة الواحد والعشرين وقد دافعت الوفود العربيّة في ليك سكسس عن وجهة النظر هذه وهي أن تقوم الجمعيّة الوطنيّة على أسس ديمقراطيّة صحيحة لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار الوضع القائم في ليبَيا والأسباب التي أدَّت إلى العدول عن الانتخاب والاكتفاء بالاختيار وجعل الجمعيّة الوطنيّة على قدم المساواة بين الأقطار اللّـيبيّة الثلاثة المجتمعة وفقاً لما قررته هيئة الأمم. ولكن المشروع رُفِضَ وكانت نتيجة هذه المناقشة إصدار قرار من الجمعيّة العامـّة لهيئة الأمم بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثّاني سنة 1950م ضمنته توصيات جديدة تأييداً لقرارها الأوّل الصادر في 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني سنة 1949م، وفي استطاعتنا أن نؤكـد أن المشروع العربـيّ المذكور لو نجح لا سمح الله لأدى ذلك إلى عرقلة حقيقية غير مقصودة لجميع التطورات الدستوريّة الرامية إلى توحيد ليبَيا حسب قرار هيئة الأمم ولعرض القضيّة لخطر الفشل المحقق..}م7.
والغريب في الأمر أن الطرف الخارجي الذي سوّق داخلياً لتبني طريقة التعيين بدلاً من الانتخاب بحجة الخوف من أن تؤدي الانتخابات في ظل الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد إلى اضطرابـات قد تهدد القضيّة وتعرضها للفشل المحقق، هو نفس الطرف الذي اشتكى للخارج وكان وراء المشروع الذي تقدمت به بعض الدّول العربيّة إلى هيئة الأمم المتّحدة وهو المشروع الذي رفض التمثيل في الجمعيّة الوطنيّة على قدم المساواة وبالاختيار وطالب بتأسيس الجمعيّة الوطنيّة وقيامها على أسس ديمقراطيّة صحيحة !!. وهذا الاستغراب – وكمَا وصفه وفد الهيئة التأسيسيّة اللّـيبيّة لـدى رؤساء وفود الدّول العربيّة في يناير/ فبراير سنة 1950م – لا يخلو من هوى النفس وتحركه..”.. أطماع خاصّة ومحاولة لنفع قضايا شخصيّة حزبيّة..”.
وحقيقة.. لو أطلقنا لأنفسنا العنان وحاولنا تفسير هذه المسألة لأجملناها في نقطتين نراهما الأقرب لفك طلاسم هذا الموقف، وهما:
النقطة الأولى: خلق مشكلة حول طريقة التمثيل في اللجنة التحضيريّة والجمعيّة الوطنيّة، فإذا رُفِضَ اقترح الاختيار بدلاً من الانتخاب وأصر الوفدين الباقيين (البرقاوي والفزَّاني) أو أحداهما على ذلك يتفرق جمع الصّف الوطنيّ وبالتالي يضطر المجتمع الدّوليّ إلى التدخل وربّما إلى إعادة النظر في قراراته الصادرة حيال المسألة اللّـيبيّة الأمر الذي يحقق بالضرورة أهداف القوى المتربصة بليبَيا أو جزء منها على الأقل كذلك يعيد الأمل في نفوس أصحاب المآرب الشخصيّة والأجندات الخاصّة.
النقطة الثّانيّة: إذا ما تمّ تبني اقتراح الاختيار بدلاً من الانتخاب يسهل بعدئذ الطعن في شرعيّة الإجراءات المتبعة في ليبَيا والتقدم بمشروع إلى هيئة الأمم المتّحدة يعارض التمثيل في الجمعيّة الوطنيّة على قدم المساواة وبالاختيار كما قررتها لجنة الواحد والعشرين ويطالب باتخاذ إجراءات تقوم على أسس ديمقراطيّة صحيحة. وبهذا يسهل الوصول إلى الهدف وبالتالي تعود المسألة اللّـيبيّة مجدّداً إلى مربعها الأوّل.
وحقيقة.. يمكن أن تقرأ المسألة على هذا النحو، ومؤكدا أن وفد الهيئة التأسيسيّة اللّـيبيّة لـدى رؤساء وفود الدّول العربيّة قرائها بهذا الشكل، وهذا ما ظهر في المذكرة التي قدمها الوفد إلى جامعة الدّول العربيّة ثمّ بيانه اللاحق الذي بعثه إلى اللجنة السياسيّة في الجامعة ووزعوه على الصحف ووكالات الأنباء والمهتمين بالقضيّة اللّـيبيّة. ويذكر أن الجمعيّة التأسيسيّة اللّـيبيّة اتخذت في يوم 17 يناير/ كانون الثّاني 1951م قراراً بالإجماع يقضي بإيفاد وفد إلى جامعة الدّول العربيّة لتوضيح وجهة نظر الجمعيّة ومحاولة كسب تأييد الجامعة أو على الأقل إيقاف محاولاتها المتكررة المعادية لأعمال الجمعيّة والمشككة في نتائجها. (أنظر إلى ملحق الوثائق – غلاف تقرير وفد الهيئة التأسيسيّة لدى رؤساء وفود الدول العربيّة)
وربّما استطرد هنا لأقول أن الجمعيّة التأسيسيّة اللّـيبيّة قررت إرسال وفداً إلى جامعة الدّول العربيّة بعد تراكم مواقف الجامعة المضادة لنتائج أعمالها والمشككة في شرعيتها، ولتسجل كذلك موقفها من الأشخاص الذين يُنصبون أنفسهم أوصياء على المسألـة اللّـيبيّة، ومن التقارير التي تنسب ما توصل اللّـيبيّون إليه بجهدهم وجهادهم إلى غيرهم !!. حيث يذكر أن جامعة الدول العربيّة، كانت قد أصدرت كتيباً عن إدارتها السّياسيّة عام 1950م تحت عنوان: (المسالـة اللّـيبيّة)، وهو الكتيب الذي استفز اللّـيبيّين لما احتواه من تجاوز لدور الأمير إدرْيس السُّنوُسي والحركة السُّنوُسيّة علاوة على نسبه للنجاحات التي توصلوا إليها إلى مؤسسات وأشخاص غيرهم !!. (أنظر إلى ملحق الوثائق – غلاف الكتيب الصّادر عن الإدارة السّياسيّة لجامعة الدول العربيّة)
لم يشر تقرير الإدارة السّياسيّة إلى جهود اللّـيبيّين في مجال التحرك السّياسيّ – وجهودهم كانت هي الأساس في كلّ شيء وربّما لم يكن جهداً لغيرهم يذكر إذا ما استثنينا جهد الأمم المتّحدة ومندوبها إلى ليبَيا السّيّد أدريان بلت، وموقف السّيّد/ سان لو (سفير دولـة هايتي). فقد أشاد الملك إدرْيس في خطاب العرش يوم 25 مارس/ آذار 1952م بفضل الأمم المتَّحدة ومندوبها في ليبَيا، وأشاد رئيس الوزراء بدور أدريان بلت واعتبره صديقاً لليبَيا وشعبها. وقد ذكر الدّكتور مجيد خدوري في كتابه: (ليبَيا الحديثة) مدى تقدير اللّـيبيّين للدور الذي قام به أدريان بلت، شعباً ورسميين، فنقل رسالة رئيس الوزراء وما سمعه شخصياً من عامـّة النَّاس.
فقد جاء في رسالة بعثها السّيِّد محمود المنتصر رئيس الوزراء إلى رئيس الجمعيّة العامـّة للأمم المتَّحدة، ما يلي:..”..أن شكرنا إلى الجمعيّة العامـّة يجب أن يوجه أوَّلاً إلى وكيلها، المستر أدريان بلت، مندوب الأمم المتحَّدة في ليبَيا. أننا نرى فيه صديقاً حبيباً ومشيراً نصوحاً، ورجلاً أرهق نفسه لمصلحتنا، دون أن يحسب للراحة الشخصيّة أو الصّحة أيّ حساب..”.
ثمّ يستأنف خدوري، قائلاً:..”.. قد سمعت كثيرين من اللّـيبيّين يتحدثون عن أدريان بلت بكثير من الحبّ، وقلما كان يذكر اسمه بدون الثناء عليه. وفضلاً عن ذلك فإن اللّـيبيّين اعترفوا بالتقدير للعمل الذي قام به جميع ممثلي الأمم المتَّحدة خلال المرحلة الشّاقة التي كانت بلادهم أثناءها تسعى لتصبح دولة. واعترافاً بعمل أدريان بلت أطلق اسمه على غير مكان واحد عام في البلاد..”.
أمـّا عن موقف السّيّد/ سان لو (سفير دولـة هايتي)، فصوته هو الذي اسقط مشروع (بيفن سفروزا) القاضي بتقسيم ليبَيا حينما عُرض المشروع على الجمعيّة العامـّة للأمم المتّحدة في 17 مايو/ أيار 1949م في مقرها الكائن في ليك سكسس (Lake Success) قرب نيويورك، فقد سقط المشروع بفارق صوت واحد، وكان ذلك الصوت هو صوت السّيّد/ سان لو الذي خالف تعليمات بلاده، وصوت ضدّ المشروع.
انحاز سان لو في تصويته لصالح ليبَيا بفضل إقناع اللّـيبيّين له على ضرورة أن يصوت ضدَّ المشروع، ومن بين أؤلئك اللّـيبيّين وفي مقدمتهم الدّكتور علي نور الدين العنيزي والأستاذ/ عبدالرازق شقلوف.
ويذكر أن مشروع التقسيم (بيفن سفروزا) أو الانتداب الاستعماري على ليبَيا كاد أن يتحقق لولا الجهد العظيم الذي بذله الدّكتور علي نور الدين العنيزي (1904م – 1983م) والأستاذ/ عبدالرازق شقلوف (1914م – 2004م) في إقناع سان لو ليصوت ضدَّ المشروع مخالفاً تعليمات بلاده، لنجح المشروع وأخذت القضيّة الليبيّة مساراً آخراً. وغنَّاوْة العَلمْ التي قالها شقلوف حينما جاءه شخص ليحدثه قبيل التصويت على أن التصويت سيكون في صالح المشروع نظراً لقناعة الحاضرين المشككة على قدرة اللّـيبيّين في إدارة بلـدهم، فقال غنَّاوْة العَلمْ التالية: (يبقى العقل ماو صياد … أن كان ما لعب في ريشهن)، وهي غنَّاوْة تحمل دلالة واضحة على مدى قناعة الوفد اللّـيبيّ بقدراته وإمكانياته ومدى تصميمه على انتزاع الإستقلال من مخالب المستعمر وإفشال مشروع بيفن سفروزا. وهذا ما تمّ بالفعلِ.
ومن جديد.. أشار التقرير في سياق حديثه عن جهود الجامعة ومساعيها إلى رحلات أمين الجامعة العربيّة إلى أوربا والدّول العربيّة.. ولقاءاته في جده في سبتمبر/ أيلول 1945م بوزير أمريكا المفوض، وزيارته إلى المفوضيّة الإنجليزيّة.. وحديثه إلى المسئولين العرب كمقابلته للملك آل سعود في السّعوديّة العربيّة، ولقائه بالمسئولين العراقيين أثناء زيارته لبغداد، ومقابلته في الأردن لمليكها الملك عبدالله.. واجتماعه في سوريـا بفخامـة السّيّد شكري القوتلـي والشّيخ بشارة الخوري. كمَا أشار التقرير إلى اللقاءات الصحفيّة التي أجراهـا الأمين العام لجامعة الدّول العربيّة فيما يخص المسألـة اللّـيبيّة وحضوره إلى مؤتمرات عديدة بالخصوص والمذكرات التي قدمها باسم الجامعة العربيّة إلى الجهات الدّوليّة ومنها المذكرة التي وجهها إلى وزراء خارجيّة الدّول الكبرى في لندن بتاريخ سبتمبر/ أيلول 1945م.
هكذا نظرت الجامعة وأمينها العام إلى التحرك السّياسي بخصوص المسألة اللّـيبيّة ونسبت ما توصل اللّـيبيّون إليه بجهدهم وحكمتهم وحنكة قيادتهم السّياسيّة إلى مؤسستها وشخص أمينها العام.
والأكثر من ذلك، حديث الأمين العام للجامعة باسم الشّعب اللّـيبيّ في أكثر من مناسبة وتوجيهه لنداءات مباشرة للّـيبيّين متجاهلاً قيادتهم التّاريخيّة وأميرهم المبايع من الأمـّة والمفوض للحديث باسمهم. فحينما قررت الإرادة الدّوليّة عام 1946م إرسال لجنة تحقيق رباعيّة للتّوثّق من رغبات اللّـيبيّين واستطلاع آرائهم حول مستقبل بلادهم، قام عبدالرَّحمن باشا عزّام في مارس/ آذار بتأليف هيئة ليبيّة سميّت (هيئة تحرير ليبّيا). وخاطب بعد تأليفه لهذه الهيئة مباشرة الشّعب اللّـيبيّ في نداء أسدى فيه النصائح والإشادات متجاهلاً مرَّة أخرى الأمير إدرْيس السُّنوسي التي أجمعت عليه الأمـّة وبايعته بيعات مشهورة معروفة. (أنظر إلى ملحق الوثائق – بيان عبدالرَّحمن باشا عزَّام بشأن تأليف هيئة تحرير ليبَيا)
وبعد صدور قرار الأمم المتّحدة في 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني سنة 1949م القاضي بإستقلال ليبَيا، أصدر عبدالرَّحمن باشا عزّام في 12 ديسمبر/ كانون الأوّل 1949م بياناً إلى الشّعب اللّـيبيّ، أكد فيه على أن قرار الإستقلال تحقق بفضل الجهود التي قامت بها الدّول العربيّة وجامعتها، وأنّ اللّـيبيّين كلفوه باسمهم ليقدم الشكر الفياض إلى ملوك العرب ورؤسائهم وحكوماتهم، وختم بيانه بتقديم توجيهاته ونصائحه إلى الشّعب اللّـيبيّ !. (أنظر إلى ملحق الوثائق – بيان الشكر والتهنئة الصّادر عن عبدالرَّحمن باشا عزَّام بمناسبة صدور قرار الأمم المتّحدة القاضي بإستقلال ليبَيا)
وعودة إلى وفد الجمعيّة التأسيسيّة اللّـيبيّة إلى القاهرة، فأن الجمعيّة انتدبت كلاً من رئيسها الشّيخ محَمّد أبوالإسعاد العّالم ونائبي الرئيس السّيّد عمر بك شنيب والسّيّد أبوبكر أحمد والعضو السّيّد خليل القلال لأداء مهمّة توضيح وجهة نظرها لرؤساء وفود الدّول العربيّة في الجامعة. وانضم إلى الوفد الأستاذ عوني الدّجاني كمستشار قـانوني، والسّيّد صالح مسعود بويصير كمستشار صحفي، والدّكتور وهبي أحمد البّوري كمستشار عام. وصل الوفد المكون من السّادة المذكورين إلى القاهرة يوم 22 يناير/ كانون الثّاني 1951م، وعرض مذكرته على جامعة الدّول العربيّة يوم 27 يناير/ كانون الثّاني 1951م، وبيّن في المذكرة المقدمة كافة الظروف والملابسات التي تحيط بالقضيّة باللّـيبيّة.. والعراقيل التي تقف في طريق رغبة أغلبيّة الشّعب اللّـيبيّ ومصلحته.. ووجهة نظر الجمعيّة الوطنيّة ومشروعية تكوينها وصحة قراراتها وحذروا..{.. من تكرار موقف مماثل لموقف بعض الدّول العربيّة في ليك سكسس (Lake Success) في الدّورة الأخيرة الناجم عن عدم إدراك حقيقة الوضع في ليبَيا. وجلس الوفد مساء اليوم التالي (28 يناير/ كانون الثّاني 1951م) مع أعضاء اللجنة السّياسيّة في جلسة استغرقت أكثر من ساعتين، وكانت حجج الوفد قوية ومنطقية صادفت ارتياحاً عاماً من أعضاء الوفود العربيّة حتَّى أن أشد المعارضين لفكرة الوفد معالي صلاح الدّين بك وزير الخارجيّة المصريّة لم يبرر موقفه بأكثر من أنـّه يتمسك بالتحفظ.
وإزاء نجاح الوفد في إيضاح آرائـه ومشروعية هيئته بصورة لا تقبل جدلاً فقد وجدت الأمانـة العامـّة للجامعة العربيّة أن الطريق الوحيد للإقلال من أهميّة بيانات الوفد هو أن تقنع اللجنة السّياسيّة بالاستماع إلى وجهات نظر العناصر المعارضة المقيمين في القطر المصري والذين يعيشون من أموال الجامعة التي تصرف لتشجيع آراء خاصـّة تهدف لغايات شخصيّة.. وإزاء هذا التحيز الظاهر من الأمـانة العامـّة التي لم تدخر وسعاً في مناصرة فكرة على أخرى ومحاربة الـوفد بكلّ الطرق.. وإزاء هذا كلـه لم يسع الوفد إلاّ أن يصدر بيانـه التالـي:
يـود وفد الجمعيّة التأسيسيّة اللّـيبيّة أن يبين للرأي العام العربيّ أن الغرض من مجيئه إلى القاهرة هو إيضاح وجهة نظر هذه الجمعيّة ومشروعية تكوينها وصحة قراراتها وذلك لكي لا يتكرر موقف مماثل لموقف بعض الدّول العربيّة في ليك سكسس (Lake Success) في الدّورة الأخيرة الناجم عن عدم إدراك حقيقة الوضع في ليبَيا.
هذا، وقد أدّى الوفد واجبه بشرح الوضع القائم في ليبَيا والتطورات الدستورية الأولى التي اتخذت في سبيل تنفيذ قرار هيئة الأمم المتّحدة وبمشورة مجلسها ومندوبها في ليبَيا لرؤساء الوفود العربيّة وبتقديم مذكرتـه إلى اللجنة السّياسيّة ومناقشته في هذه اللجنة.

وأنـّه ليسره أن يبدي خالص ارتياحه لكرام رجال العرب الذين عاونوه وساعدوه بعد أن أدركـوا حقيقة الوضع واقتنعوا بمشروعيّة الخطّوات التي قامت بها الجمعيّة التأسيسيّة تلك.. الجمعيّة التي تشكلت بناء على اقتراح المندوب المصري والباكستاني والطرابلسي في المجلس الدّولـيّ اللّـيبيّ، وهم الـذين يعارضـون الآن هذه الجمعيّة لأغراض واتجاهات لا تمت إلى مصلحة البلاد بصلة متناسين الأسباب التي كانوا ينادون بها حين تقدموا بمشروعهم ضدَّ إجراء انتخابات في طرابلس معللين ذلك بالتشكك في نتائجها.. والخوف من الاضطرابات.. والتدخل الأجنبي.. وضيق الوقت.

ولسنا ندري كيف تغير رأي مندوب مصر الآن !؟.. وهل اتسع الوقت، ولم يبق على ميعاد تأسيس الدولـة إلاّ شهران وكان في نظرهم ضيقاً قبل نحـو عـام !؟. وهؤلاء أنفسهم كانوا يريدون المساواة بين الأقالـيم الثلاثـة ولهم في ذلك خطابات ومواقف رسمـيّة ثابتة في محاضر مجلس ليبَيا الـدّولي على أن مسألة المساواة هذه لا يمكن التخلي عنها لأنها ضروريّة في مرحلة اتفاق ممثلي الأقالـيم الثلاثـة على نظام الحكم الذي يرونه صالحاً للبلاد وعلى الدستور الذي عليهم وضعه للدولة اللّـيبيّة إذ لـو لم تـكن مساواة لا يـكون اتفاق بل سيطرة الأكثرية على رأي الأقليّة في موضوع يتحتم فيه الاتفاق بحرية. (أنظر إلى ملحق الوثائق – كتاب مندوب مصر وباكستان إلى الأمير، الخاصّ بطلبهما بعدم إجراء انتخابات في طرابلس)
أن الشّعب اللّـيبيّ قرر ممثلوا مناطقه الثلاثة السّير في الجمعيّة التأسيسيّة على أساس النّظام الذي اختاروه لأنفسهم، وتحت تاج الملك إدرْيس الأوّل الذي بويع ملكاً على ليبَيا، وسوف لا يثنيه عن عزمـه شيء، ولا تقف في طريقه عراقيل قد تحركها أطماع خاصّة ومحاولـة لنفع قضايـا شخصيّة وحزبيّة. (أنظر إلى ملحق الوثائق – صورة وثيقة البيعة التي قدمتها الجمعية للملك إدرْيس يوم 17/12/ 1950م)

وأنـّه ليحز في النفس أن تصرف أموال الدّول العربيّة على تشجيع حركات هدامة في داخل ليبَيا وخلق أشخاص وهيئات وهميّة لإظهار البلاد في مظهر الخلاف والتفرقة.
إن الشّعب اللّـيبيّ ليس مستعداً أن يكون كبش الفداء ولا ألعوبة في أيدي سياسة تتغير آراؤها بين وقت ووقت دون النظر إلى الأخطار المحدقة بمستقبل البلاد وضيق الوقت وتصميم الشّعب على إقامة دولته في الميعاد المحدد.
ولهذا، فليحذر اللاعبون بالـنّار وليدركوا أن دولة ليبَيا قائمة لا ريب فيها، وأنّ اللّـيبيّين الذين دفعوا نصف عددهم في سبيل حريتهم هم أسمى من أن يكونوا موضع تشكك أو مساومة وهم ليسوا مستعدين لأن يسمحوا بالتدخل في شئونهم الدّاخليّة التي من حقهم وحدهم وضعها وتكييفها حسب مصلحتهم ورغبتهم ولا أنّ يضحوا بشعبهم وبلادهم ويضيعون وقتهم في وسط هذا الجو الدّولـيّ الخطير في مناقشات لا تجدي نفعاً لأن عبرة فلسطين الدّاميّة لم تغب بعد عن الأذهان. وهم سيقيمون دولتهم رغم العراقيل والأغراض والآراء الارتجاليّة التي لن يكون من شأنها في المستقبل إلاّ النّدم والحسرة على الوقوف في وجه هذا الشّعب المجاهد وعرقلـة سيره وإستقلالـه.
وأخيراً.. الحياة لليبَيا الحرَّة المستقلة ولمليكها إدرْيس الأوّل المعظم…}م8.

وبعد هذا النقل والسّرد لابًدَّ أن نؤكد مجدّداً بأن هيئة الأمم المتّحدة أقرت كل النتائج التي اتفق عليها اللّـيبيّون ورفضت المشروع المعارض لطريقة التمثيل في الجمعيّة الذي تقدمت به بعض الدّول العربيّة وأصدرت قراراً بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثّاني سنة 1950م ضمنته توصيات جديدة تأييداً لقرارها الصّادر في 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني سنة 1949م.. وأن أعضاء الجمعيّة الوطنية التأسيسيّة نالوا رضا الشّعب ومباركته.
أيضاً، أن الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة التأسيسيّة لم تقص اسماً واحداً كان يجب أن يكون بين أعضائها، كذلك، فأن أعضاء الجمعيّة الذين تمّ اختيارهم لم يسجل ضدّهم أيّ شكل من أشكال الاعتراض أو الاحتجاج من أيّ جهة كانت أفراداً كانوا أو مؤسسات.

وبعد إعلان الإستقلال، احتكم الجميع للدستور والتزموا به وحتَّى المعارضين الذين كانوا في البرلمان أو في مواقع أخرى غيره، لم يسجل عنهم أنهم طعنوا في الدستور أو طالبوا باستبداله بل أنّهم استندوا عليه واتخذوه حجة في العرائض التي قدموها إلى المحاكم ودوائر فض النزاع بينهم وبين الحكومة من جهة أو الملك من جهة أخرى، ومن أشهر تلك القضايا عريضة الدعوى المؤرّخة في 31 يناير/ كانون الثّاني 1954م التي رفعها السّيّد علي محَمّد الديب (رئيس المجلس التشريعي بولاية طرابلس) إلى المحكمة الإتحاديّة العليا طالباً إصدار حكمها في دستورية المرسوم الملكي القاضي بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب (4) . استند السّيّد علي الديب في عريضته على الدستور والقانون الأساسي لولاية طرابلس، فقد رأى أن قرار حل المجلس صدر بأمر ملكي وليس بمرسوم ملكي كمَا يظن البعض، وأن الأمر الملكي خالف المادة (36) من القانون الأساسي لولاية طرابلس والمادة (85) من الدستور، وبناءاً على ذلك، طالب من المحكمة إبطال الأمر الملكي القاضي بحل المجلس. نظرت المحكمة العليا في الدعوى المقدَّمة إليها، وأصدرت بتاريخ يوم الإثنين الموافق 5 أبريل/ نيسان 1954م قرارها المؤيد لموقف السّيّد علي الديب، وحكمها القاضي ببطلان الأمر الملكي القاضي بحل المجلس التشريعي للولاية.

وعود على ذي بدء.. شارك ممثلوا مناطق البلاد الثلاث في جلسات المجلس الاستشاري الدّولـيّ الذي ترأسه أدريان بلت، واتفق هؤلاء الممثلون الذين كانوا يحظون باحترام الشّعب وثقته على تكوين لجنة تحضيريّة مكّونة من (21) واحد وعشرين عضواً(لجنة الواحد والعشرين)، يكون نصيب كلّ إقليم (7) سبعة من المندوبين، وبأسلوب الاختيار لا الانتخاب. وأسندت إلى هذه اللجنة (5)، إتخاذ الترتيبات اللازمة والضروريّة لتكوين جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة يناط إليها مهمّة وضع دستور الدولة المستقلة.

كانت المهمّة الأساسيّة الأولى بالنسبّة للجنة (21) الواحد والعشرين، هي تشكيل الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة. وعقدت اللجنة أوّل اجتماعاتها في 27 يوليو/ تموز 1950م، وأقرّت نظامهـا الدّاخلي، وانتخبت الشّيخ/ محَمّد أبو الإسعاد العالم مفتي طرابلس رئيساً لها، والسيّد/ محَمّد عثمان الصّيد، والسيّد/ خليل القلال، سكرتيرين. وقد دارت في أولى اجتماعات اللجنة نقاشات حادة حول: عدد أعضاء الجمعيّة، ونصيب كلّ إقليم من الأعضاء.. والكيفيّة التي سيتم بها اختيار أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، أهو عن طريق الانتخاب أم التعيين !؟. واتفق المجتمعون في النهايّة على أنّ…{.. تتألف الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من (60) ستين عضواً يمثلون المناطق الثلاث على أساس التساوي العددي بمعدلِ (20) عشرين ممثلاً لكلّ منطقة، على أنّ يتولى الأمير إدرْيس السُّنوُسي اختيار ممثلي برقة، والشيخ/ أحمد سيف النصر ممثلي فزَّان، وعلى أنَّ يعهد إلى الشّيخ/ محَمّد أبو الإسعاد العالم (المفتي) اختيار ممثلي طرابلس بعد التشاور مع الأحزاب والزَّعامات القائمة بالمنطقة. كمَا أجمعت اللجنة على ألا يسمح للأقليات غير الوطنيّة أنّ تشترك في الجمعيّة الوطنيّة أو تمثل فيها. واتفقت اللجنة على أنّ تعقد الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة أولى جلساتها في طرابلس في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1950م، ويترك لها بعد ذلك أنّ تقرَّر جلساتها التاليّة حيثما شاءت….}م9.

تشكّلت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من (60) ستّين عضواً برئاسة الشّيخ محَمّد أبو الإسعاد العالم، واتفقت على النَّظام الإتحادي للدولة الجديدة قبل الشروعِ في إعدادِ الدستور.
عقدت الجمعيّة الوطنيّة اجتماعها التّاريخي في الثّاني من ديسمبر/ كانون الأوَّل 1950م، وكان..{.. جدول أعمالها مكوناً من:
1 – تقرير شكل الدولة ونوع الحكومة.
2 – إعلان ملكية السّيّد محَمّد إدرْيس السُّنوُسي على ليبَيا.
3 – انتخاب لجنة لوضع دستور ليبَيا على هذين الأساسين، وتمّ الإتفاق بإجماع الآراء على أن يكون شكل الحكم في ليبَيا اتحادياً عادلاً. وأن يكون سمو أمير برقة المعظم محَمّد إدرْيس المهدي السُّنوُسي ملكاً دستورياً على ليبَيا بأقاليمها الثلاث، كمَا وافقت الجمعيّة بالإجماع على انتخاب لجنة خاصّة لوضع دستور ليبَيا على أن تكون ليبَيا دولة مستقلة وذات سيادة، ذات اتحاد حكم فيدرالي عادل، وتحت ملكية السّيّد/ محَمّد إدرْيس السُّنوُسي، وطيرت الجمعيّة بالبرقية التاليّة:
صاحب الجلالة محَمّد إدرْيس المهدي السُّنوُسي ملك ليبَيا الأوَّل. (بنغـازي)

تتشرف الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة بأن ترفع إلى جلالتكم قرارها التَّاريخي المتخذ بالإجماع في يوم السبت الساعة (10:30) العاشرة والنصف من يوم 22 صفر سنة 1370 هجري الموافق الثّاني من ديسمبر/ كانون الأوَّل 1950م بالمناداة بجلالتكم ملكاً شرعياً على ليبَيا بحدودها الطبيعيّة فاقبلوا ولاءها وإخلاصها مع تهانيها القلبيّة، ودمتم لشعبكم الوفـي الأمـين ودام لليبَيـا ملكها المحـبوب.
” توقيعات جميـع أعضاء الجمعـيّة”
وفيما يلي ردّ جلالـة الملك:
سماحـة رئيـس الجمعـيّة الوطـنيّة:

لـقد تسلمنا برقيتكم الكريمة المؤرخـة في 2 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1950م الـتي قدمتم فيها قراركم التّاريخي الـذي تدعونـا به جمعيتكم الموقرة لنرتقي عرش الدولة اللّـيبيّة المتحدة. ورداً على ذلك يسرنا أن نبدي خالـص شكرنـا وعظيم امتنانـا على برهان الثقة الشعـبيّة الـذي قدم لنا من جانب هيئتكم المحترمة.
وإنـا نصرح بأننا على أتم استعداد لـقبول دعـوة جمعيتكم هـذه بأن نتبوأ عرش الدولة اللّـيبيّة المبـارك، غير أننا نرى من المستحسن أن نرجئ الآن من طرفنا الإعلان رسمياً باعتلائنا عرش الدولة الميمون ريثما تصل الخطّوات السّياسيّة والإداريّة والدستوريّة إلى مرحلة يمكننا معها ممارسة سلطاتنا الملكية وبهذه المناسبة السّارة من تاريخ أمتنا المجيدة يسرنـا أن نـؤكد لشعبنا النبيل بأننـا سنكون – كمَا كنا دائماً – خادمـاً مخلصـاً لبلادنـا عـاملاً على إسعاد ورفـاهية أبنائها الأعزاء، وأن نبعث إلى جمعيتكم الموقرة بخـالص تمنياتنا وأصـدق تهنئتنا، داعياً المولـى تعالـى أن يسدد خطاكم ويوفق مسعاكم وأن يهىء لنا من أمرنا رشدا.

إدريس السّنوسي….}م10.
على كلّ حال.. لم يكن جو عمل الجمعيّة الوطنيّة خالياً من التشويش والمنافسات ووجهات النظر المتباينة، وحول أجواء عمل الجمعيّة الوطنيّة وشخص رئيسها الشّيخ محَمّد أبو الإسعاد العالم، جاء في كتاب: “ليبَيا الحديثة” للدّكتور مجيد خدوري، ما يلي..{.. عندما يلقي المرء نظرة عامـّة على عمل الجمعيّة الوطنيّة، يستطيع أن يرى فيه تجربة ناجحة، إذ أن النتيجة كانت إعداد إطار دستوري للدولـة اللّـيبيّة الحديثة النشأة. لقد كادت وجهات النظر التي تقدمت بها الولايات الثلاث المكونة منها الدولة الحديثة تتباين حول كلّ نقطة أسياسيّة، وكانت الجماعات المخالفة من الكثرة بحيث لم يكن الجو خالياً من التشويش والمنافسات الشخصيّة، وكاد ذلك يعوق الجمعيّة الوطنيّة عن العمل. ولكن أعضاء الجمعيّة أظهروا الكثير من كبح جماح نفوسهم في المسائل التي كانت تثير الكثير من الشعور المؤلم: فلم يسجل احتجاج عضو على آخر، ولم يكن ثمـة أيّ تذمر من تطبيق النَّظام الدّاخلـي. وقد أدار رئيس الجمعيّة الاجتماعات بأسلوب عملـي منظم. وتأثر الجميع بحنكته ومنزلته، فكان بذلك عاملاً في الاتجاه نحو الاعتدال، إذ كان يوقف الجلسة بضع دقائق للراحة كلما شعر بأن المناقشة تتجه نحو خصومـة عنيفة أو عاطفية مشبوبة، يعمل خلالها على إزالـة الخلافات الشخصيّة وتقريب وجهات النظر.

.. كمَا أخذت الجمعيّة الوطنيّة آراء الخبراء بعين الاعتبار، وخاصّة مقترحات مندوب الأمم المتَّحدة وقبلت كثيراً منها بالرضى. وغالباَ ما كان للملك المقبل، مع أنـّه آثر عدم التدخل في مناقشات الجمعيّة، اثر في توجيه الأمور توجيهاً معتدلاً عند اشتداد الأزمة.
وقد سجل أدريان بلت، في تقريره إلى الجمعيّة العامـّة رضاه عن عمل الجمعيّة واستعدادها لأن تتقبل نصحه ونصح مجلس ليبَيا (المجلس الاستشاري). ولاحظ بلت أن الجمعيّة الوطنيّة سارت بموجب نصائحه “روحاً إن لم يكن نصّاً”. وأضاف أن الجمعيّة الوطنيّة لم تقبل رأيه في قضيّة واحدة هي قضيّة مراجعة الدستور… أمـّا فيما عدا ذلك، وخاصـّة فيما يتعلق بتكوين البرلمان، والمسئوليّة الوزاريّة، والإشراف على إيرادات الدولـة ومصروفاتها، فقد قبلت الجمعيّة الوطنيّة توصيات المجلس ومندوب الأمم المتَّحدة المقدمة في 13 مارس/ آذار 1951م..}م11.

وفي جانب إعداد إطار دستوري للدولـة اللّـيبيّة، فقد كلّف السّيّد/ أدريان بلت..{.. لجنة خبراء لصياغة الدستور تتألّف من 18 عضواً، (ترأسّها عمر شنّيب وقام بأمانتها سليمان الجربي، واعتمدت على الإستشارات القانونيّة لعمر لطفي – وكان مندوب مصر لدى الأمم المتحدة التي خاض فيها معركة إستقلال ليبَيا – وعوني الدجّاني الذي كان مندوب السّعوديّة). وقد انبثق عنها فريق للصياغة، عقد ما مجموعه 96 جلسة عمل كان يقدّم خلالها ما يصيغه فصلاً فصلاً إلى لجنة الـ (18) التي عقدت 25 إجتماعاً. وأحيل مشروع الدستور كاملاً إلى الجمعيّة الوطنيّة، التي وافقت على الفصول المتعلّقة بتوزيع السّلطات بين الولايات والحكومة الإتحاديّة، ثمّ انتقلت الجمعيّة بكامل هيئتها إلى بنغازي لتقرّ بقيّة الفصول بالتشاور مع الملك (وهو لم يُعلن بعد كملك بطلب منه حتى تتمّ صياغة الدستور)..}م12.
تبادل صاحب السّمو الأمير إدرْيس السُّنوُسي الرسائل والبرقيات أولاً مع لجنة الواحد والعشرين ثمّ مع الشيخ محَمّد أبوالإسعاد العالم بصفته رئيس الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، وعقد عدة مشاورات مع لجان العمل وهيئات التنسيق إلى جانب حضوره لبعض جلسات نقاش الجمعيّة الوطنيّة كلما احتد النقاش والخلاف حول بعض المسائل، ومن تلك: زيارته في شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل 1950م بصحبة مدير خاصته السّيّد إبراهيم الشّلحي لمقر جلسات النقاش المنعقدة في بنغازي بعد انتقالها من طرابلس، والذي قدم فيه حلاً لإشكال مسألة العاصمة القائم آنذاك باقتراح عاصمتين للبلاد (شرقيّة وغربيّة).. وحلاً بخصوص التنازع الذي كان قائماً حول اختصاصات الملك فتنازل عن بعض المواد ونقل صلاحياتها إلى الأمـّة ممثلة في برلمانها. وحول نقل جزء كبير من سلطات الملك التي خصصها له الدستور إلى الأمـّة ممثلة في برلمانها، قال أحمد رفيق المهدوي شاعر الوطن، الأبيات التاليّة:
يـا أيها الملك الذي مـن جـوده *** لبـلاده ولـشعبه اسـتقـلال
وفـقت للـدسـتور ثـمّ منـحته *** من بعض حقك فاحتواه جلال
حق سمحت به لـشعبك راضـياً *** إن الـملوك بمـثلـه بخـال
قـد جـاد فضلك بالحـياة لأمـّة*** إذ كان من جود الملوك المال
على أية حال.. عقد السّيّد/ أدريان بلت مندوب هيئة الأمم المتحدة مشاورات عدة مع الأمير إدرْيس السُّنوُسي، وقد تحدث عن تلك المشاورات بصورة إيجابيّة في أكثر من مكان، فصرح أكثر من مرَّة بمدى إعجابه بحكمة الأمير إدرْيس وبعد نظره، ومن بين..{.. ما صرح به المندوب الأممي قوله: ” تتأزم الأمور في مجلسنا وتتعقد المشاكل بفعل الآراء الكثيرة المختلفة، فلأعضاء المجلس الأممي آراء قد تكون متفاوتة بعض الشيء، وللطرابلسي رأي لا يتفق أبداً مع رأي البرقاوي، وللفزَّاني رأي يخالف رأي زميليه اللّـيبيين واحتار أنا في إيجاد الحلول، وكلّ من الأعضاء يصر على رأيه ولا يقبل سواه فأمتطي طيارتي وأذهب إلى برقة وأقابل سمو الأمير وأحدثه عن مختلف الآراء المتضاربة والتي وقفت في طريق عملنا فيسكت قليلاً، وهو يداعب لحيته الوقورة ثمّ يكون جوابه الهادئ المتزن في صيغة السّؤال قائلاً: أليس من الممكن أن يكون كذا وكذا أو كذا وكذا لنتلافى تلك الخلافات ونقرب وجهات النظر المتضاربة، وأجد في هذه الإجابة المقتضبة فصل الخطاب واقترحها في المجلس الاستشاري باعتبارها من عندياتي وإذا بأغلب أصحاب الآراء المتضاربة يتلاقون متفقين لا سيما الأعضاء اللّـيبيين..}م13.
إذن، ومن جديد.. لم تكن مهمـّة وضع دستور الدولة المستقلة التي كُلفت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة بإنجازه بالمهمـّة السهلة واليسيرة خصوصاً وأن قرار الأمم المتحدة نصّ على إنجاز الدستور قبل الاعتراف بالاستقلال والذي حدد موعد لإعلانه في مدة أقصاها أوّل يناير/ كانون الثّاني 1952م. تجاوز أعضاء الجمعيّة خلافاتهم والصّراعات التي كانت تنشب بينهم أحياناً فوضعوا ليبَيا نصب أعينهم وقدروا المسئوليّة الملقاة على عاتقهم، وعوضوا النقص التي كانت البلاد تعاني منه وقتئذ في جوانب التأهيل العلمي التخصصي والخبرات الفنيّة بالاستعانة بخيرة القانونيين العرب وخبراء من بينهم فقهاء قانون دوليّون، وشكلوا (لجنة الدستور) مكَّونة من ثمانيّة عشر (18) عضواً لإنجاز مهمـّة إعداد فصول الدستور على أن تحيل اللجنة لهم كلّ فصل من فصول الدستور (12) الاثنى عشر فور الانتهاء منه بغرض طرح الأسئلة حول ما جاء في مواده ومناقشتها ثمّ الاتفاق على الصياغة النهائيّة وإقرارها بشكل مبدئي. وقد استخلصت اللجنة مواد الدستور اللّـيبيّ من أرقي دساتير العالم، كمَا اعتمدت على ميثاق حقوق الإنسان العالمي الذي اعتمدته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة وأصدرته في 10 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1948م.
انطلق أعضاء الجمعيّة في عملهم من التقدير الكامل للواجب ومراعاتهم لمقتضيات مسئوليتهم، فلم ينقلوا عمل الجمعيّة من دائرة التكليف بمهام الإشراف والتخويل بإنجاز ما يراه أعضائها مناسباً من المقدّم إليهم من أهل العلم والاختصاص، إلى دوائر الاعتداء على تخصصات أهل الفتوى وأصحاب التخصص، وخطف القرار إلى ما يتفق مع مصالحهم تكبراً عن قبول الحق وتعصباً لمزاجهم وأهوائهم. فقد كان أعضاء الجمعيّة بعيدين كلّ البعد عن الإفتاء بغير علم، مقتدين بقول ابن مسعود (6) رضي الله عنه ( يا أيها النَّاس من سئل عن علم يعلمه فليقل به.. ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: “الله أعلم”).. ومقتدين بما قيل قديماً: (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب).
وصحيح، أن أعضاء الجمعيّة لم يكونوا من حملة الشهادات العليا وأنّ بعضهم كان تعليمه متواضعاً وربّماً دون ذلك ولكنهم امتازوا بالإخلاص والفراسة والحكمة وحسن التصرف وحتّى (الدهاء) إن صحّ أن نصفهم بذلك، فانتزعوا الاستقلال من مخاطر كثيرة كانت تحاصره وتهدده، وأنجزوا دستوراً متزناً متكاملاً لم تنجز المنطقة حتَّى الآن مثيلاً له فقد كان الدستور..”..فوق المستوى السّياسي لأيِّ قطر عربيّ (7)..”، على حد وصف الدّكتور محمود عزمـي أحد أعمدة القانون في العالم العربيّ حينما عرضـت عليه لجنة العمل المجتمعة في جنيف عام 1951م نسخة من الدستور لأبدأ الرأي حولها.
وربّما نستطرد هنا، لنقف قليلاً عند (لجنة الدستور)، ونرى كيف عملت ؟، وعلى ماذا استندت في إنجاز مهمتها ؟، لنتعرف أكثر على رجال الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة وأسلوب عملهم الذي امتاز بالدّقة والمتابعة واعتماد أفضل المنهاج العلميّة لإنجاز المهام وتحقيق الأهداف، ولعل في دراسة أكثر من عشرين دستوراً وترجمة دساتير اثنتي عشرة (12) دولة فيدرالية إلى العربيّة، لمثال واضح ودليل يؤكد صحة ما ذهبنا إليه. فقد جاء بخصوص (لجنة الدستور) و (لجنة العمل) في كتابيي للدّكتور محَمّد يوسُف المقريَف، ما يلي:..{.. قامت الجمعيّة في الـرّابع من ديسمبر/ كانون الأوّل 1950م بتعيين لجنة سمـيِّت (لجنة الدستور) مكَّونة من (18) عضواً أناطـت بها مهمـّة إعداد مشروع الدستور. ورغبـة من الأخيرة في التـسريع بعملها قامت بتأليف لجنة فرعـية من ستِّـة أعضاء (اثنان من كلّ ولايّة) باسم (جماعة العمل) لإعداد أجزاء مختلفة من الدستور وتقديمها إلى اللجنة أوَّلاً بأوَّل. وقد عقدت لجنة الدستور أوَّل اجتماع لها 6 يناير/ كانون الثَّاني 1951م، كمَا اجتمعت جماعـة العمـل أوَّل مرَّة في 11 يناير/ كانون الثَّاني من العام نفـسه..}م14.
{.. عقدت (لجنة العمل) التابعة إلى (لجنة الدستور)، أوَّل اجتماعاتها، ويذكر أنّ (لجنة العمل) شرعت في إنجاز التالي:
1 – قامت (لجنة العمل) بترجمة ودارسة دساتير (12) اثنتي عشر دولة اتحاديّة.
2 – شرعت (لجنة العمل) في إعداد فصول الدستور الاثنى عشر، وكلما فرغت من إعداد أحد الفصول أحالته على (لجنة الدستور) لمناقشته ولإقراره بشكل مبدئي قبل عرضه على الجمعية الوطنيّة التأسيسيّة.
3 – بعد تمام (96) اجتماعاً عقدتها (لجنة العمل)، و (25) عقدتها لجنة الدستور كانت مسودة الدستور [موادها التي بلغت (213) مادة ٍ] جاهزة أمام الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة…  
تدارست الجمعيّة الوطنيّة في يوم السّابع من أكتوبر/ تشرين 1951م الدستور في صيغته النهائيّة، ومرت على مواده مادة مادة فوافقت على كل منها منفصلة ثمّ عرضت الدستور بجميع مواده للتصويت فتمّ التصويت عليه بالإجماع. وعَهِدَت إلى رئيس الجمعيّة الشيخ محَمّد أبو الإسعاد العالم ونائبيه السّيّدين عمر فائق شنيب وأبى بكر بن أحمد سلطة إصداره بالتوقيع عليه وإبلاغه إلى الملك إدرْيس ونشره في الجريدة الرسميّة. وقد نُشِرَ في عدد خاصّ من الجريدة الرسميّة في اليوم التالي الموافق 8 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1951م…}م15.
ومن هنا، وبكلّ صدق وأمانة.. فإن ما قامت به الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة كان شرعياً صحيحاً لم يطعن اللّـيبيّون في صحة إجراءاته أو أمانة أشخاصه، كذلك لم تطعن هيئة الأمم المتّحدة في سلامته وصحته بل أكدت جمعيتها العامـّة عليه وأقرّته. ولا شك، أن الجمعية الوطنيّة مثلت آنذاك كامل الطيف السياسي اللّـيبيّ، وشملت كافة العناصر التي تمتعت بالرَّصيد النّضاليّ والمركز الاجتماعي والثقل القبلي وقتئذ، فلم تقص أيّ شخصيّة بارزة أو رمزاً أو تياراً سياسياً كان سائداً حينئذ، علاوة على ذلك لم يسجل ضدَّ أشخاص أعضائها أيّ طعونات أو اعتراضات تنتقص من وطنيتهم وأمانتهم ونزاهتهم. فقد كانت كلمة أعضاء الجمعيّة مسموعة معظمة كلًُ في إقليمه، وكانوا يحظون باحترام وثقة سكّان الأقاليم الثلاثة كافة، ولذا، كان تمثيلهم للسكّان تمثيلاً حقيقياً لا شبهة فيه ولا مغمز، ولولا حسن تصرفهم وحكمتهم وتقديرهم للمسئوليّة التي وضعت على كاهلهم لما وصلت ليبيَا إلى إستقلالها، ولربّما ظلّت مشتتة عاجزة عن تخطي الألاعيب الخفيّة وأطماع المستعمر ومخططاته لعقود طويلة بعد ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م.
لم تكن الأسماء التي مثلت سكّان ليبَيا نكرة أو لا تملك رصيد نضالي ولا مركز إجتماعي، بل كانت أسماء شهيرة معروفة من وزن ثقيل ومعدن نقي يندر وجود درجة نقاوته وصفائه في عيار رجال غيرهم. فلو نظرنا إلى الأسماء التي اُختيرت كممثلين في المجلس الاستشاري.. وأسماء اللجنة التحضيريّة (لجنة الواحد والعشرين) ثمّ أسماء الأعضاء في الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين) كذلك أعضاء اللجان والهيئات المنبثقة عن الجمعيّة، لوجدناها من كبّار المجاهدين الذين قادوا معارك الجهاد، أو رؤساء “الأدوار” ونوّابهم حينما نُظِمت صفوف الجهاد في المنطقة الشرقيّة على أسس التمركز السكاني للقبائل، أو من الجنود الذين قاتلوا إلى جانب كبّار المجاهدين وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، أو من الشخصيّات البارزة التي قادت العمل السّياسي حينما قرّر المجاهدون خوض معركة الإستقلال داخل أروقة الأمم المتحدة. هذا التّاريخ لهذه الأسماء، شرعيّة في حد ذاته، وما كان أمام اللّـيبيّين إلاّ احترام هؤلاء الرجال وتقديرهم ومنحهم الثقة الكاملة لأنّهم أصحاب خلق وأصل كريم ورصيد عظيم علاوة على حكمتهم واتزانهم، فهم من دافعوا عنهم وصدوا هجمات المستعمر واستقبلوا بصدورهم رصاص العدو ونيران مدافعه.. وهم من وفر لهم لقمة العيش والدواء حينما عصفت بالبلاد مجاعات وأمراض كانت الأخطر على مستوى العالم.. وهم من خاضوا المعركة السّياسيّة واستماتوا في صراعهم حتَّى انتزعوا في أواخر عام 1949م قرار رقم (289) الصادر عن الأمم المتحدة والقاضي بمنح ليبَيا إستقلالها.
لهذا نال هؤلاء الرجال ثقة النَّاس ورضاهم، ومن هذا استمد هؤلاء شرعيتهم وحرصهم على صون الثقة الممنوحة لهم وراعوا الأمانة التي وضعت في أعناقهم.. ولذا كانوا استثنائيين في كلّ شيء، وأنجزوا ما كان استثنائياً بكلّ المقاييس وعلى مختلف الأوجه…
وصحيح، أن أدريان بلت مندوب الأمم المتّحدة بليبَيا كان يفضّـل أسلوب الانتخاب عن الاختيار والتعيين، إلاّ أنـّه راعى الظرف التّاريخي التي كانت البلاد تعيشه آنذاك وعوامل الجغرافيا وندرة المتعلمين الذين بالإمكان الاعتماد عليهم في تسيير العمليّة الانتخابيّة والتنافس على مقاعد الجمعيّة التأسيسيّة والهيئات واللجان المنبثقة عنها. وقد أكد على ذلك في التقرير الذي قدَّمه للجمعيّة العامـّة للأمم المتحدة خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثّاني 1950م.
ورغم تفضيل دريان بلت لأسلوب الانتخاب عن الاختيار، إلاّ أنّه قَـبِلَ في نهاية المطاف – وعن قناعة واقتناع – ما تقدّمت به اللجنة التحضيريّة بأن يكون تمثيل الأقاليم الثّلاثة بالتساوي، وأن يتمّ ذلك وفق آلية التعيين التي وضعوها على عاتق أشخاص بعينهم منعاً لانفرط العقد والغرق في متاهة الخلافات والنزاعات.. وسيطرةً على (عنصر الوقت) بتغليب الأولويات على المسائل الإجرائيّة بحيث تتحقق الأهداف الكبرى في أوقاتها المحددة خصوصاً وأن الوقت كان مضغوطاً ولا يسمح باستنفاده في إجراءات كانت محاطة بصعاب وعوائق جـمة.. وحرصاً على تحقيق (الإستقلال) الذي كان قاب قوسين أو أدنى بسبب مخاطر كثيرة كانت تهدده، والذي اشترطت الأمم المتحدة قبل الاعتراف به إنجاز دستور للبلاد. وما يؤكد على شرعيّة الجمعيّة أيضاً إقرار الهيئة الدّوليّة بذلك، فقد أقرَّت الأمم المتحدة صحة عمل الجمعيّة وسلامة إجراءاتها كمَا أقرَّت كلّ الخطّوات التي اتخذها مندوبها أدريان بلت تنفيذاً لما قررته.  
ويضاف إلى ذلك، وربّما يأتي في مقدمتها، أن السّيّد/ إدرْيس السُّنوُسي قبل بالاختيار بدلاً من الانتخاب لا حباً في هذا الأسلوب أو تفضيله إنّما رغبة في تحقيق الوفاق الوطنيّ.. ومصارعة الأخطار التي كانت تهدد البلاد.. والتغلب على عنصر الوقت الذي كان ضيقاً للغايّة حتَّى لا يستهلك الوقت في إجراءات قد تأتي على حساب رغبة الشّعب وتصميمه على إقامة دولته في الميعاد المحدد. فالسّيّد/ إدرْيس هو الأب المؤسس لأوّل برلمان عربيّ على الإطلاق إيماناً منه بالحكم المدني والاحتكام إلى صناديق الاقتراع. وذلك حينما أجريت أوّل انتخابات حرَّة في برقة عام 1921م بعد تكوين أول مجلس نّوّاب (حكومات إجدابيا)، وقد افتتح برلمان حكومة برقة (8) ومقره مدينة بنغازي يوم 28 أبريل/ نيسان 1921م. وبعد إستقلال برقة في الأوّل من يونيه/ حزيران 1949م واستلام الأمير إدرْيس السّنوُسي لشئون إمارة برقة، أجريت في الإمارة انتخابات عامـَّة حرَّة في 5 يونيه/ حزيران 1950م.
كذلك.. لم يتوّج السّيّد/ إدرْيس السُّنوُسي ملكاً على ليبَيا بالاستيلاء على السّلطة أو سرقة العرش أو السّيطرة على مبنى الإذاعة وبث البيان الأوّل، إنّما توّج ملكاً على ليبَيا بعد تاريخ أمتد قرابة أربعين عاماً قاد فيه معركة التحرير عسكرياً وسياسياً، وهو أوّل شخص في التّاريخ اللّـيبيّ يبايعه النَّاس ويفوضونه للحديث باسمهم في بيعات مشهورة معروفة فتمت البيعة الأولى في 28 يوليو/ تموز 1922م، والبيعة الثانيّة تمّت في مؤتمر عُقد بمدينة الإسكندريّة في أكتوبر/ تشرين الأوّل 1939م، أمّا البيعة الثالثة رفعتها إليه جميع الأحزاب السياسيّة في 16 يونيو/ حزيران 1944م ويضاف إلى البيعات الثلاث، تأكيد الثقة وتجديدها في اجتماع 9 أغسطس/ أب 1940م بالقاهرة.. ثمّ بيعة الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين) عقب وضع الدستور والمناداة بالأمير إدرْيس ملكاً في أكتوبر/ تشرين أوّل 1951م.. وفي عهده الميمون تمّ تجديد الثقة والبيعة له مرَّة أخرى وذلك عقب تقديمه لإستقالته المشهورة في مارس/ آذار 1964م فجاءته الوفود من كلّ حدب وصوب وتجمعوا أمام قصره في ساحة (دار السّلام) بمدينة طبرق بهدف أن يعدل عن إستقالته، وقد عدل سموه عن استقالته تلك.
وما يمكن إضافته أيضاً فيما يخص الانتخابات، أن أعضاء اللجنة التحضيرية (لجنة الواحد والعشرين) بشكل خاصّ ورجال العهد الملكي بشكل عام، لم يكن موقفهم من الانتخابات حينما استقروا على خيار تعيين أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة بدلاً من انتخابهم موقفاً من العمليّة الانتخابيّة أو رفضاً لها إنّما الظرف العام – وكمَا سبق وأن أشرنا – هو الذي فرض عليهم ذلك الخيار، وكدليل على هذا إقرار الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة لقانون الانتخاب في اجتماعها الثّالث والأربعين في 6 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1951م، أيّ قبل إعلان إستقلال البلاد الذي تمّ الإعلان عنه في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م.
وحول هذه المسألة جاء في كتاب: “ليبَيا الحديثة” للدّكتور مجيد خدوري، ما يلي:..{.. استغرقت الجمعيّة الوطنيّة سبعة اجتماعات، من 1 إلى 6 نوفمبر/ تشرين الثّاني1951م في مناقشة مشروع قانون الانتخابات، الذي كان أساسه المشروع الذي تقدمت به الحكومة المؤقتة. وعلى كل، فقد أدخلت عليه بضعة تعديلات، بنيت على اقتراحات أدريان بلت، مثل إنشاء لجـان يكون من اختصاصها إتخاذ القرارات النهائيّة التي كانت أصلاًَ في أيدي المراقبين.
وكان ثمة تعديلات أخرى مبنية على القانون العراقي. لكن التمييز بين المناطق الحضرية والريفية ظلّ في القانـون، مع أنـّه أثار كثيراً من الانتقاد فيما بعد. أمـّا سّلطة المراقب في إبطال الانتخاب فإنّ المادة الثّالثة من الدستور هي التي تطبق. وقد نصّ قانون الانتخاب على أنـّه يمكن تقديم طعون في صحة الانتخابات إلى مجلس النّوّاب خلال (10) عشرة أيـام من بدء اجتماعات المجلس. وقد وافقت الجمعيّة الوطنيّة على قانون الانتخاب في اجتماعها الثّالث والأربعين في 6 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1951م. وقد اعتبرت الجمعيّة جلستها مفتوحة حتَّى إعلان الإستقلال، ولكنها لم تعقد قط جلسة عمل في تلك الفترة..}م16.
أيضاً.. رأينا أولئـك الرجال بعد أن اطمئنوا على وحدة الصّف الوطنيّ وإعلان الإستقلال، يتغلبون مباشرة على كلّ الصعاب والعوائق ويقدمون بجسارة على (الانتخابات) في أوّل انتخابات برلمانيّة عامـّة تشهدها البلاد، وكان ذلك في فبراير/ شباط 1952م. ثمّ يواصلون بعدئذ إجراء الانتخابات حفاظاً على الحياة البرلمانيّة كمَا جاءت في الدستور، فأجريت الانتخابات التشريعيّة في السنوات التالية: 1956م، 1960م، 1964م، 1965م.
وقبل إلغاء النَّظام الإتحادي عام 1963م، أجريت انتخابات لاختيار المجالس التشريعيّة في ولايات البلاد الثلاثة آنذاك (طرابلس، وبرقة، وفزَّان).
ولا يفوتني في هذا السّياق أن أذكر بنقطتين، أرى في ذكرهما أهميّة وبيان، وهما:
النقطة الأولى: “ليبَيا هي الابن البكر لمنظمة الأمم المتحدة”، وهي نقطة كثيراً ما رددها الأستاذ/ منصور رشيد الكيخيا رحمه الله حياً كان أو ميتاً، بمعنى أن ليبَيا هي أوَّل دولة تصدر الأمم المتحدة قراراً بشأن إستقلالها، وتعمل بجد من أجل تنفيذه وينفذ قبل الموعد الأقصى الذي حددته. كذلك، أن الدستور جاء كمطلب أو اشتراط من الأمم المتحدة الأمر الذي يحمل هيئة الأمم مسئوليّة خاصّة تجاهه وتجاه ليبَيا والتي ربّما لا تكون على القدر نفسه مع غيرها من الدول.
النقطة الثّانية: “صدور الدستور اللّـيبيّ قبل إنشاء الدولة”، وهذه الحالة تجعل من ليبَيا ودستورها حالة خاصّة مميزة عن غيرها، ففي العادة الدول هي التي تنشئ دساتيرها، أمـّا في ليبَيا فقد صنعت إرادة الأمـّة الدستور قبل إنشاء الدولة والإعلان عن استقلالها حيث تمّ الإعلان عن الدستور في السّابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 1951م، والإستقلال تمّ الإعلان عنه في 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م. لم يضع دستور 1951م..{.. فرد أو فئة متسلطة، وإنّما وضعته جمعيّة وطنيّة يمثل أعضائها نخبة الأمّة وعقلائها، الدستور وضع قبل أن تنشأ الدولة وقبل أن يعتلي الملك إدرْيس السُّنوُسي رحمه الله عرش المملكة اللّـيبيّة، وهذا ما يميزه عن بعض الدساتير الأخرى. فلا يد للسّلطة فيه وإنّما هو من وضع المشرّع المؤسّس للدولة..}م17. ويضاف إلى ذلك توأمة الدستور لشرعيتين، الشرعيّة الوطنيّة المحليّة من جهة، ومن جهة أخرى الشرعيّة الدّوليّة المتمثلة في مباركة الأمم المتحدة لأعمال مندوبها والإقرار بما أنجزته الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة وعلى رأس ذلك الدستور الصادر عنها.
وربّما أضَفْتُ أن (التجربة الملكيّة بليبَيا) كان ينقصها ممارسة النشاط الحزبي حيث ألغيت الحزبيّة في غضون شهرين من الإستقلال، ففي 19 فبراير/ شباط 1952م اتخذت حكومة السّيّد محمود المنتصر قراراً يقضي بإلغاء النشاط الحزبي لأنها رأت بأن فتح المجال لنشاط الأحزاب في ذلك الوقت المبكر من عمر الإستقلال ووفق الظروف التي كانت تمر بها، ربّما يؤدي إلى فتح ثغرات وإحداث انقسامات قد يتسرب منها النفوذ الأجنبي فتتشتّت كلمة الأمّة وينفرط عقد وحدة الصّف الوطنيّ. وربّما كانت هناك أسباب أدَّت إلى قرار إلغاء النشاط الحزبي ولكن من المؤكد أن تلك الأسباب زالت بعد مرور أربعة أو خمسة سنوات من زمن إتخاذ القرار، ولذا فإن استمرار القرار طيلة سنوات العهد الملكي (18 عاماً) لا يستطيع كائن ما كان الدّفاع عنه.
وما يجب أن نؤكده في هذا السّياق، أن دستور 1951م لم ينص في مادة من مواده على تحريم النشاط الحزبي إنّما ألغيت الأحزاب بقرار أصدرته حكومة السّيّد محمود المنتصر، وهو قرار – وكمَا قلنا في مقالة سابقة – كان..”.. بالإمكان الطعن فيه كمَا حدث وأن طعن البرلمانيون في قرارات مشابهة رفضوها أو كان بالإمكان إلغاءه من قبل أي رئيس حكومة جاء إلى كرسي الرئاسة بعد ولاية المنتصر..”.
ومادام دستور 1951م لم يحرم النشاط الحزبي، فلابدّ أن نأتي بنص يؤكد على حق إنشاء وتكوين الأحزاب وتصدر قوانين منظمة لممارسة هذا النشاط، فلا مستقبل للديمقراطيّة في بلادنا إذا ما غُيبت الأحزاب أو أُصدرت قرارات الإلغاء والمصادرة بحقها.
وبعد هذا السّرد المستطرد الذي أرجو ألا يكون مملاً أو طال أكثر ممّا يجب، نصل إلى نقطة المطالبة بالعودة إلى الشرعيّة الدستورية المتمثلة في دستور 1951م، وهو المطلب الذي دعت إليه قوى المعارضة الوطنيّة في الخارج واعتبرته منهجاً لعملها ونقطة التمركز في تحركها. فقد دعا (الإتحاد الدستوري) للعودة إلى الشرعيّة الدستورية منذ انطلاقة تأسيسه في أكتوبر/ تشرين الأوّل 1981م. وهذا المطلب لاشك أنه مطلب يؤكد على الانطلاق من نقطة التراكم بحيث لا يأتي حاكم وكأن شيئاً قبله لم يكن، فيبدأ من نقطة الصفر ويحكم كمَا يريد ويشاء فتتكرر نقطة الصفر بعد غدوه وزواله، ويصبح الصفر عبئاً شديد الوطأة ينقطع به حبل التواصل وتتوقف عنده الاستمرارية التي هي ضرورة لا غنى عنها لأيّ عملية بناء أو تشييد.كذلك، هو مطلب يرفض السّطو والاستيلاء على السّلطة بقوة السّلاح ويؤكد على إعادة بناء الدولة اللّـيبيّة على أسس الشرعيّة المتمثلة في دستور 1951م، فالشرعيّة تتواصل ولا تنقطع، والدساتير تُعدل وتُطور وفق ما تمليه المصلحة الوطنيّة وتفرضه تطورات العصر ولا تلغى بمزاجية أو بجرة قلم.
وفي السّياق ذاته.. حينما رفعت قوى المعارضة الوطنيّة في الخارج (علم الإستقلال) في مظاهراتها واعتصاماتها.. وزينت به صفحات مطبوعاتها ومواقعها الإلكترونيّة وصالات مؤتمراتها وقاعات ملتقياتها، إنّما كانت تعبر من خلاله عن هويتها ومدى تمسكها بمبدأ الشرعيَّة الدستورية، فعلم ليبَيا لا يمثل أسرة أو شخص أو عهد إنّما يمثل لحظة الانتصار والشرعيَّة الدستوريّة. فقد أصدرته الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة وصدقت عليه وهو بالتالي يمثل ليبَيا ويرمز إلى تاريخ جهادها الطويل المرير من أجل الحريّة والذود عن حياض الوطن، كذلك إلى مستقبلها حيث يرمز اللون الأخضر إلى الخير والأمن والرخاء…
وعن قصّة العلم اللّـيبيّ يقول الدّكتور/ ممدوح حقي مؤلف كتاب (ليبَيا العربيّة)..{.. أنّه أوّل من اقترح جعل العلم اللّـيبيّ مربع الألوان ليشترك مع سائر الدول العربيّة الشقيقة في المظهر الخارجي، وقال:..”.. رسمت علماً حريرياً بيدي قبل إعلان الإستقلال وجعلته صورة فنيّة ضمن إطار ليعلق على جدار بهو رفيع. يضاء هلاله بالكهرباء. وقد قدمته لرئيس الديوان عمر منصور باشا الكيخيا الذي كان رئيساً للديوان الملكي يوم ذلك، ثمّ رئيساً للوزارة (حكومة برقة) فرئيساً لمجلس الشّيوخ بعد الإستقلال. وكانت رئاسته هذه آخر وظيفة شغلها قبل إقالته..”.
وقد حدد الدستور اللّـيبيّ شكل علم البلاد إذ نصّت مادته السّابعة على ما يلي:
“.. يكون العلم اللّـيبيّ على الشكل والأبعاد التاليّة: –
طوله ضعف عرضه ويقسم إلى ثلاثة ألوان متوازية أعلاها الأحمر فالأسود والأخضر على أن تكون مساحة اللون الأسود تساوي مساحة اللونين الآخرين وأن يحتوي وسطه على هلال أبيض بين طرفيه كوكب أبيض خماسي الأشعة.
كمَا يجب أن يكون الهلال في ناحية اليسار من النجمة. كمَا يجب أن يكون مركز الدائرة التي يكون الهلال جزءاً منها وسط العلم، على أن تقع النجمة في طرف الهلال المفتوح، بينما يكون رأس من رؤوس النجمة مصوباً نحو مركز الدائرة.
ويجب أن يساوي أقصى عرض للهلال ذي 270 درجة سدس قطره الخارجي الذي يساوي بدوره ربع عرض العلم، ويجب أن تساوي المسافة التي بين رأس الهلال نفس المسافة التي تقع أعلى وأسفل رأس النجمة..”.
أن العلم هو رمز الدولة وشعار عزتها ودليل منعتها، يرفرف خفاقاً في سمائها، مرفوع الهامة على سفاراتها في الخارج، وفي أروقة الأمم المتحدة والمؤتمرات الدّوليّة.
اعتادت الشّعوب الحيّة أن تحيط أعلامها بهالات من أساطير وقصص تعكس في الواقع الأحداث والتطورات التي اجتازها علم تلك الدولة.
وليبَيا الفتية لا تختلف عن الدّول في شيء، فهي تفخر بعلمها وتربطه بقصص البطولة والفداء.. متمثلة بقول الشّاعر الكبير صفي الدين:
بيـض صنائعـنا سود وقائعـنا *** خضر مرابعـنا حـمر مواضـينا
قصّة العلم اللّـيبيّ هي قصّة الدماء الحمراء البريئة التـي أريقت على مذبح الحرية من أجل تحرير البلاد والذود عن حياض الوطن. أنّها قصّة المستقبل الأخضر الذي يضمن الخير والأمن والرخاء…
قصّة الهلال، التي هي قصّة الحياة، قصّة التجديد، قصّة الغد المشرق والغايات النبيلة…
قصّة النجمة، التي قي قصّة الأمل البسام والهدف المشرق والنور الذي ينبعث من إيمان الشّعب العربيّ اللّـيبيّ بالله والوَطن والعزة والكرامة…}م18.
ومن جديد، وبكلّ يقين.. مطلب العودة إلى الشرعيّة الدستوريّة – دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة – هو مشروع سياسي تبنته المعارضة اللّـيبيّة وأكدت عليه في دورتي المؤتمر الوطنيّ للمعارضة اللّـيبيّة: الأولى (25 – 26 يونيه/ حزيران 2005م) والثانية ( 29 – 30 مارس/ آذار 2008م)، وهو مطلب عقلاني ينم عن وعي شديد لا كمَا يظن البعض ويفسره على أنّه موقف عاطفي ينم عن حنين جامح إلى الماضي، وأن العودة إليه تكاد تكون من سابع المستحيلات، والحقيقة إن تحقيقه ليس ضرباً من الخيال أو بمستحيل المنال بل هو ممكن إذا ما تمسكنا به وأصررنا عليه، وقدمنا ما يخدمه من أسانيد قانونيّة.. ورؤى.. وأفكار.. ومنطقاً يفهمه العالم الحرَّ ولا يملك حياله إلاّ الدَّفاع عنه والإقرار بمشروعيته.
وكلّ من يعارض نظام معمّر القذّافي ولا يقبل العودة إلى شرعيّة دستور 1951م، عليه، أن يجيب على السّؤال التالي: ما هو رأيه وموقفه من يوم 1 سبتمبر/ أيلول 1969م ؟. فإذا كانت إجابته بأن ما حدث هو إنقلاب وعملية سطو على السّلطة، فهذا يعني إقراره بشرعيّة ما كان سائداً قبل يوم 1 سبتمبر/ أيلول 1969م، وبالتالي، لابُدَّ أن يقبل بالعودة إلى دستور 1951م ويعضدها وينتصر لها لأنّ ذلك ينسجم مع موقفه والمبدأ الذي أنطلق منه أمـّا الموقف المعاكس لهذا يُوقعه في شباك التناقض والازدواج والاختلال في الفهم والتصور. وإذا كانت إجابته بأن ما حدث في الأوّل من سبتمبر/ أيلول كان تلبيةً لمطالب الشّعب اللّـيبيّ وطموحاته، وأن الموقف المتخذ ضدّه يرجع كنتيجة طبيعية لإنحراف السّلطة عن الأهداف والسّياسات التي أعلنتها في البيان الأوّل، فهذا يعنى منح صك شرعية لكلّ من أراد الإنقلاب، وإعطاء ضوء أخضر لكلّ من يسيطر على السّلطة بأيّ وسيلة كانت ليقلب موازين الحكم رأساً على عقب ويُعيد البلاد إلى نقطة الصفر وبالتالي تغيب المؤسسة ويحل حكم الفرد مكانها.
ومن يطالب بالعودة إلى شرعيّة دستور 1951م لا يقول أن أمر تعديل دستور 51 بدعة أو متعذر، بل، يقر بمبدأ التعديل لأن الدساتير لابُدَّ لها أنّ تتطور بالتعديل أو إلغاء بعض المواد وإضافة أخرى بغية الحفاظ الدائم على مصالح النَّاس ومواكبة مستجدات العصر. كمَا يقر بأنّ الأمـّة إذا ما قررت إدخال أيّ تعديل على دستورها فلها الحق المطلق في ذلك، بل، لها الحق حتَّى في تغيير الأحكام المتعلقة بشكل الدولة من الملكيّة مثلاً إلى الجمهوريّة أو العكس.
ومن هنا.. لا يقبل أن يقال في حق من يطالبون بالعودة إلى شرعيّة دستور 1951م إنّهم يرفضون تعديل الدستور، فدستور 1951م يقر بالتعديل ولا يحرم المساس بمواده وقد أجريت عليه بعض التعديلات خلال عهد الاحتكام إليه، أهمها التعديلات الصّادرة بتاريخ 25 أبريل/ نيسان 1963م في القانون رقم 1 لسنة 1963م، بموجب إلغاء النظام الإتحادي الفيدرالي ونقل سلطات الولايات إلى الحكومة المركزيّة أيّ إلى مجلس الوزراء (9). وليس هذا فحسب، بل أن الأمير محَمّد الحسن الرّضا الوريث الشّرعي للحكم، ذهب إلى أكثر من ذلك فأكد في مقابلاته الإعلاميّة (10) بأنّه..”.. يناضل ويسعى من أجل استرداد الشّرعيّة الدستوريّة التي هي رمز وحدة الأمـّة والدولة، وإزالة كلّ ما هو غير شرعي.. أمـّا بالنسبة لمسألة الحكم فهي شأن الأمـّة، فإذا اختار اللّـيبيّون مستقبلاً الملكيّة – فأنا هنا، أمـّا إذا اختاروا خياراً أخر فسوف أحترم اختيارهم..”. وأكد لفضائيّة (الحرَّة).. “.. بأنّه كمواطن ليبي سيعود لليبيا حينما ينتهي نظام الحكم الحالي وإذا قرر الشّعب اللّـيبيّ أو طلب واختار أيّ نظام آخر فنحن سنحترم هذا الرأي ونلتزم به..”.
وفي السّياق ذاته، لابُدَّ أن نذكر هنا، بأن..{.. مسألة الدستور اللّـيبيّ بالذات، فكما وضعته وأقرته في عام 1951 جمعيّة تأسيسيّة ليبيّة، لا يجوز أن تتولى تعديله أو إعادة صياغته بالكامل إلا جمعيّة وطنيّة مماثلة حائزة لثقة الشّعب اللّـيبيّ بحيث تمثله شرعاً لدى إجراء التعديل المرغوب فيه أو وضع الدستور الجديد. وهذا لا يتأتى، بطبيعة الحال، إلاّ بعد أن يستعيد الشّعب حريته لكي يختار بنفسه وبالوسائل الديمقراطيّة من يوليهم ثقته لهذا الغرض أو غيره..}م19.
أخيراً.. الملكية هي جزء من الدستور اللّـيبيّ وبالتالي هي جزء من الشرعيّة الدستوريّة فلا يجوز المساس بها إلاّ من خلال قنوات شرعيّة تمثل الشّعب تمثيلاً حقيقياً وتحوز على ثقته وبعد ذلك يصبح التعديل المرغوب فيه جائزاً، وحتّى الآتيان بدستور جديد مشروع إذا ما استقر رأي الأمـّة الحرَّ واختيارها على ذلك.

shukri120509P2

الملك إدرْيس مع المستر أدريان بلت خلال الاحتفال بيوم الاستقلال 24/12/1951م

shukri120509P3

الملك إدرْيس في خطاب الإستقلال..

shukri120509P4

(لجنة الستين – عام 1951م)

shukri120509P5

الملك إدرْيس يجلس على الكرسي، والسّيِّد محمود المنتصر يُلقي خطاب العّرش عام 1952م..

shukri120509P1

الملك إدرْيس يصلي في الأزهر الشّريف عند زيارته لمصر عام 1952م ويظهر إلى جانبه الرئيس محَمّد نجيب

shukri120509D1

shukri120509D2

shukri120509D3

shukri120509D4

shukri120509D5

shukri120509D6

shukri120509D7

مرفق الصور:
الصورة الأولى: الملك إدرْيس مع المستر أدريان بلت خلال الاحتفال بيوم الاستقلال 24/12/1951م، والصورة منقولة عن المجَلّد الأوَّل: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التّاريخ السّياسي) للدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف، الصّادر عن مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.
أمـّا الصور الأخرى: هي صور خاصّة تُنشر لأوّل مرَّة (من أرشيف العائلة السُّنوُسيّة)، يظهر في الصورة الأولى منها: الملك إدرْيس في خطاب الإستقلال.. والثانية: (لجنة الستين – عام 1951م) ويظهر فيها: السّيِّد مختار المنتصر، محَمّد السّاقزلي، الشّيخ محَمّد أبوالإسعاد العالم، الحاج عبدالكافي السّمين، الشّيخ محَمّد الهنقاري.. الثالثة: الملك إدرْيس يجلس على الكرسي، والسّيِّد محمود المنتصر يُلقي خطاب العّرش عام 1952م.. الرّابعة: الملك إدرْيس يصلي في الأزهر الشّريف عند زيارته لمصر عام 1952م ويظهر إلى جانبه الرئيس محَمّد نجيب.
مرفق الوثائق:
يرجى الإطلاع على الوثائق الهامـّة الملحقة أسفل المقالة.
ملاحظات وإشارات هامّة:
1) أبيات الشعر: الأبيات أعلى الصفحة هي أبيات لشاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي نقلناها عن كتاب: “إدرْيس السُّنوُسي” – الطبعة الثّانيّة الصادرة عن “دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة” عام 1957م للأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب.
2) عبدالرَّحمن باشا عزّام: لمعرفة المزيد عن مواقف عبدالرَّحمن باشا عزّام بخصوص المسألة اللّـيبيّة، يرجى الرجوع إلى مقالة المؤلف المنشورة تحت عنوان: “عبدالرَّحمن باشا والقضيّة اللّـيبيّة” في موقع “ليبَيا المستقبل” بتاريخ أبريل/ نسيان 2009م.
3) إقناع حاكم فزَّان بالاختيار بدلاً من الانتخاب: ذهب السّيّد أدريان بلت إلى فزَّان لإقناع أحمد بك سيف النصر بضرورة الموافقة على مبدأ الاختيار طبقاً لقرار الأغلبيّة كمَا ذهب السّيّد عمر شنيب، أحد ممثلي برقة، إلى فزَّان بأمر من أمير إدرْيس السُّنوُسي، وحاول أن يقنع رئيس فزَّان، أحمد بك سيف النصر، بوجوب تغيير موقفه. وقد أثمرت المساعي الحميدة البرقاوية ومشاورات أدريان بلت في أن يقبل ممثلو فزَّان بمبدأ الاختيار على شريطة: “..أن تمثل في الجمعيّة الأحزاب السّياسيّة الرئيسيّة في منطقة طرابلس وفئات الشّعب التي لم تنضم إلى أيّ حزب سياسي..”. أنظر إلى كتاب: “ليبَيا الحديثة” للدّكتور مجيد خدوري، الصّادر عام 1966م عن مؤسسة “فرنكلين” للطباعة والنشر (بيروت – نيويورك)، والذي ترجمه الدّكتور نقولا زيـَادة وراجع نصّه الدّكتور نـَاصر الدّين الأسـَد.
4) حل المجلس التشريعي لولاية طرابلس: لمزيد من التفصيل حول هذه القضيّة راجع فصل (الأزمة الدستورية) في المجلّد الثّاني من: (ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي) للدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف، والذي أصدره مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) في 1425 هجري الموافق 2004م.
5) ترتيبات اللجنة – لجنة الواحد والعشرين: الفقرة أعلى الصّفحة الخاصّة بمهام اللجنة والترتيبات التي قامت بها، هي فقرة منقولة عن ما كتبه المؤلف في الجزء الأوَّل من سلسلة: ” هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة اللّـيبيّة في الخارج” المنشورة في موقع (ليبَيا المستقبل) والموجودة في أرشيف الكاتب بالموقع.
6) حديث ابن مسعود: الحديث المنقول أعلى الصفحة لابن مسعود، أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب تفسير القرآن الكريم ( 4435 )، وأخرجه مسلم رحمه الله تعالى في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ( 5007 )، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه والترمذي ( 3177 ) وأخرجه أحمد في مسنده (3431) (3895)، والدارمي في كتاب المقدمة (175).
7) “فوق المستوى السّياسي لأي قطر عربي “: هذه الجملة قالها الدّكتور محمود عزمـي، وقد نٌقِلت عنه في كتاب: “من الأفق السُّنوُسي” للأستاذ/ يوسف عيسى البندك الذي أعاد مركز الدّراسات اللّـيبيّة/ أكسفورد إصداره في أبريل/ نسيان 2002م. والجملة نفسها نقلها الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف أيضاً في مجَلّده الأوَّل عن تاريخ ليبَيا السّياسي المعنون باسم: (ليبَيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التَّـاريخ السّياسي)، والصادر عن مركز الدّراسات اللّـيبيّة/ أكسفورد في 1425 هجري الموافق 2004م.
8) برلمان حكومة إجدابيا: يمكن تقسيم فترة برلمان برقة إلى فترتين، الأولى من أبريل/ نيسان 1921م إلى فبراير/ شباط 1923م، والثانيّة: من يونيه/ حزيران 1925م إلى 1926م.
وتُعد الفترة الأولى هي الفترة التي مارس النّوّاب فيها واجبهم الوطنيّ وحاولوا خدمة قضيتهم الوطنيّة عبر آلية ( خذ وطالب) وممارسة الضغط لرفع الظلم تدريجياً عن النَّاس وكسب المزيد من الحقوق والصلاحيّات. وكانت الفترة الثانيّة صوريّة شكلية لا قيمة لها أو أهميّة.
يقول الأستاذ/ سالم حسين الكبتي:..”.. وفي عام 1923م حدث الإنقلاب الفاشي في روما، فأوقفت إيطاليا المجلس وأغلقت أبوابه وأعادت احتلال إجدابيا، وطاردت بعض أعضائه السّابقين، وألغت تعهداتها مع الأمير إدرْيس السُّنوُسي وحكومته الذي غادر إلى مصر. وفي إطار (النفاق السّياسي) و (اللعب على الحبال) استدعت من بقى من الأعضاء السّابقين وافتتحت بهم المجلس في يونيه/ حزيران 1925م..”.
9) إلغاء النظام الإتحادي: لقد تمّ إلغاء النظام الإتحادي عام 1963م، وتم تعديل اسم الدولة إلى “المملكة المتّحدة” بالقانون رقم 1 لسنة 1963م، وتمّ إلغاء بموجب هذا القانون المواد التاليّة: 36، 37، 38، 39، 150، 151،152،153،154، 155،156، 157، 158، 173، 174، 175، 176، 177، 178، 179، 180، 181، 182، 183، 184، 185، 199، 205، 206، 207، 208، 209، 210، 211، 212 ، 213.
أنظر إلى مقالة: “الدستور مكسب شعبي وإنجاز حضاري.. لا ينبغي التفريط به” للأستاذ/ هشام بن غلبون، المنشورة في باب: “ملفات خاصّة” في موقع “ليبَيا المستقبل”.
10) مقابلات الأمير محَمّد الحسن الرَّضا الإعلاميّة: أنظر إلى حوار الأمير الذي أجرته معه صحيفة لافيغارو (الفرنسيّة)، وترجمه إلى العربيّة الأستاذ/ الباهي بن يدر بعد نشره بالفرنسيّة في لافيغارو بتاريخ 14 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2007م. وما ورد في رد الأمير عن سؤال طرحه عليه مراسل قناة (الحرَّة) الفضائيّة عند تغطية القناة لزيارة القذّافي إلى باريس ولقائه بالرئيس (ساركوزي) بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2007م، وإلى الحوار الذي أجرته الأستاذة/ ندا صبري عياد معه لصالح موقع (المؤتمر الوطنيّ للمعارضة اللّـيبيّة) المنشور في الموقع بتاريخ يوم الإثنين الموافق 23 مارس/ آذار 2009م.
مصادر ومراجع
م1) تقرير مفصل عن جهود ومهمّة وفد الهيئة التأسيسيّة اللّـيبيّة لـدى رؤساء وفود الدّول العربيّة ( يناير / فبراير سنة 1950م – القاهرة ) – تقرير صدر في كتيب، وجهة إصداره مطبعة التقدم بـالقاهرة.
م2) السّيّد/ محَمّد عثمان الصيّد (رئيس وزراء ليبَيا الأسبق) – مذكرات في كتاب تحت عنوان: “محطّات من تاريخ ليبيا”، أعده للنشر الصّحفي السّوداني الأستاذ/ طلحة جبريل – الرباط / الطبعة الأولى 1996م.
م3) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة ) – الصادرة طبعته من الأولى من القاهرة عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وهبَة) بتاريخ 1429 هجري الموافق 2007م.
م4) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجَلّد الأوَّل: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التّاريخ السّياسي) – مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.
م5) الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب – كتاب “إدرْيس السُّنوُسي” – الطبعة الثّانيّة الصادرة “دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة” عام 1957م.
م6) تقرير مفصل عن جهود ومهمّة وفد الهيئة التأسيسيّة اللّـيبيّة لـدى رؤساء وفود الدّول العربيّة ( يناير / فبراير سنة 1950م – القاهرة ) – تقرير صدر في كتيب، وجهة إصداره مطبعة التقدم بـالقاهرة.
م7) نفس المصدر السّابق.
م8) نفس المصدر السّابق.
م9) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجَلّد الأوَّل: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التّاريخ السّياسي) – مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.
م10) الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب – كتاب “إدرْيس السُّنوُسي” – الطبعة الثّانيّة الصادرة “دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة” عام 1957م.
م11) الدّكتور مجيد خدوري – كتاب: “ليبَيا الحديثة” – الصّادر عام 1966م عن مؤسسة “فرنكلين” للطباعة والنشر (بيروت – نيويورك)، الذي ترجمه الدّكتور نقولا زيـَادة وراجع نصّه الدّكتور نـَاصر الدّين الأسـَد.
م12) الأستاذ/ مفتاح السّيّد الشّريف – مقالة: ” العـوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها – 4 حلقات” – المنشورة في موقع (ليبيا وطننا) بتاريخ 10 يوليو/ تموز 2006م.
م13) الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب – كتاب ” إدرْيس السُّنوُسي” – الطبعة الثّانيّة الصادرة “دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة” عام 1957م.
م14) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجَلّد الأوَّل: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التّاريخ السّياسي) – مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.
م15) الدكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة) – الصادرة طبعته الأولى من القاهرة عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وهبَة) بتاريخ 1429 هجري الموافق 2007م.
م16) الدّكتور مجيد خدوري – كتاب: “ليبَيا الحديثة” – الصّادر عام 1966م عن مؤسسة “فرنكلين” للطباعة والنشر (بيروت – نيويورك)، الذي ترجمه الدّكتور نقولا زيـَادة وراجع نصّه الدّكتور نـَاصر الدّين الأسـَد.
م17) موقع (المؤتمر الوطنيّ للمعارضة اللّـيبيّة) – لقاء صحفي مع الأمير/ محَمّد الحسن الرَّضا السُّنوُسي أجرته الأستاذة/ ندا صبري عياد، ونُشِر بالموقع يوم الإثنين الموافق 23 مارس/ آذار 2009م.
م18) مجلة (اليوم) اللبنانيّة – قصّة العلم اللّـيبيّ، العدد رقم (7029) الصادر يوم الأحد 13 ربيع الثّاني 1386 هجري الموافق 13 يوليو/ تَمّـُوز 1966م.
م19) الكتيب الثّالث – كتيب نُشره (الاتحاد الدستوري) الذي يترأسه السّيّد/ محَمّد بن غلبون في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1981م إحياءً للذّكرى الثلاثين لعيد الإستقلال المجيد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: