سمير السعداوي : من أجل دولة عصرية..

 

ما أشبه اليوم بالبارحة! خرجت ليبيا من الحرب العالمية الثانية منهكة…خراب ودمار في المرافق نقص في المؤن والخدمات، اقتلاع لأسر وجماعات، الوف من البسطاء بنظراتهم الحائرة والباحثين عن طعام ومأوى…وايضاً حالة من الفوضى وانعدام الامن، لصوص ومتاجرين بالمواد الغذائية وطوابير من العاطلين عن العمل، وانقسامات وخلافات بين القوى السياسية. أليس هذا بعض من حالنا اليوم؟ مع اضافة آلاف الأسر التي فقدت معيلها وآلاف الجرحى والمصابين، وهي فئات اجتماعية يجب ان تكون رعايتها في ذروة اولويات الدولة العتيدة.

لم يجترح اسلافنا معجزات لمعالجة مشكلات وويلات البلد بعد الحرب العالمية الثانية بل توافقوا على كلمة سر وهي الوحدة الوطنية التي انتزعوها انتزاعاً من براثن الاطماع الخارجية. وبالوحدة الوطنية ونبذ النزعات الجهوية والحرص على الانتماء لمحيطنا العربي، نجحت الدولة في نيل استقلال ناجز في 24 ديسمبر 1952. والليبيون مدعوون اليوم الى التمسك بالمبادىء ذاتها، والسعي الى تحقيق اقصى درجات ممكنة من التكامل الاقتصادي والسياسي مع محيطهم العربي، من اجل العبور الى الدولة العصرية في زمن التكتلات الدولية الكبرى، وخصوصاً الاتحاد الاوروبي المحاذي لشواطئنا والذي يتعين علينا مد يد التعاون اليه عبر مبادرات التواصل بين ضفتي البحر الابيض المتوسط.

داخلياً، لا مناص من تثقيف الشبان والشابات وتأهيلهم لان يكونوا اعضاء فاعلين في المجتمع، مع العناية خصوصاً بتمكين المرأة، قضايا يجب ان تشكل صمام امان للمجتمع، الى جانب توفير فرص العمل وصون الامن الاجتماعي برعاية المسنين والأسر المحتاجة، وذلك في اطار حقوق جميع المواطنين في السكن والتعليم والطبابة والعيش الكريم.
كما ان مكافحة الفساد اصبحت هماً اساسياً يؤرق اكثر الدول تقدماً، ما يشكل حافزاً لليبيا الجديدة لكي تستفيد من تجارب الدول الأخرى في وضع أسس علمية وعملية لوقف الهد في المال العام والتصدي للراشين والمرتشين ومحاسبتهم تحت طائلة القانون.

ان دولة القانون والمؤسسات وحدها كفيلة بحماية مواطنيها والوافدين اليها، ما يشجع على قيام مناخ مؤات للاستثمار كفيل بضخ موارد كافية لتحريك الركود الاقتصادي الذي تعاني منه الدول بعد الازمات والحروب.

لذا وجب وضع تصور لشكل الدولة التي نريد الدولة التي يتم فيها تداول السلطة على اساس انتخابات حرة تعتمد قاعدة التمثيل النسبي ومبدأ فصل السلطات، لتتأمن المشاركة والحقوق لكافة الاعراق والفئات الاجتماعية.

هذه الدولة التي تلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الانسان وتحرص على منح الاقليات حقوقها الثقافية، وتعمل على تمكين المرأة والطفل وحماية الفئات الاكثر عرضة في المجتمع.

ان التشريع في ليبيا المستقبلية يجب ان يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الانسان ولا يتعارض مع المواثيق الدولية ولا يمس حرمة الاديان والمعتقدات. كما يراعي حقوق كل الاعراق في ممارسة تقاليدها واعرافها.

خطوط عريضة:

انطلاقاً من تجارب الحكم في عالمنا العربي وفي معظم دول العالم الثالث، نقترح تحصين الدولة الليبية المستقبلية بنظام جمهوري برلماني يرأسه رئيس يكون رمزا للسيادة والوحدة الوطنية (ينتخب الرئيس من قبل الهيئة الاشتراعية على اساس توافقي). يصدر رأس الدولة مراسيم تتعلق بالمهام المنسجمة مع خطاب القسم، بما في ذلك اعلان الحرب والسلم. ويقوم بمهام تكليف رئيس السلطة التنفيذية (الحكومة) وابرام المعاهدات الخارجية وذلك بطلب من السلطتين الاشتراعية والتنفيذية.

– يقود السلطة التنفيذية مجلس وزراء مجتمعاً ويرأسه رئيس منتخب من قبل الهيئة الاشتراعية ويعاونه نائبان لرئيس مجلس الوزراء يراعى في اختيارهما توازن التمثيل المناطقي

– تتألف السلطة الاشتراعية من مجلسي نواب وشيوخ يرأسهما رئيسان منتخبان، كل من قبل اعضاء مجلسهما

– تراعى في تمثيل مجلس النواب قاعدة التمثيل الحزبي على اساس وطني بمعنى ان الاحزاب تراعي التمثيل المناطقي التعددي وتتنافس في ما بينها على اساس برامج وطنية شاملة، كالتعليم والصحة والدفاع والمال الخ. ويمكن للمرشح لمقعد نيابي ان يقدم ترشيحه في أي مكان يريد، سواء في مكان اقامته او عمله او في مسقط رأسه او في مكان ولادته. كما يمكن له الترشح مستقلاً على ان يدعم ترشيحه في البداية عدد محدد من الناخبين، وهذا الامر يعفى منه مرشحو الاحزاب على اساس ان احزابهم تنال تاييداً مبدئيا من عدد من الناخبين لدى تأسيسها وهي بذلك تجيّر جزءاً من مشروعيتها المبدئية الى مرشحيها، وتفقد مشروعيتها في حال خسارتها عدد الاصوات الذي استندت اليه لدى تقديم طلب التأسيس.

– تتمثل المراجع الجهوية في مجلس الشيوخ (اصغر حجما من مجلس النواب) كما تتمثل قواها المناطقية في مجالس محلية على اساس برامج تنموية مطلبية خاصة بها وتشكل اتحاداً مركزياً للمجالس المحلية تابعاً ادارياً للسلطة المركزية

– تسن القوانين في مجلس النواب بعد اقتراح مجلس الوزراء وتنال موافقة مجلسي النواب والشيوخ لتصبح نافذة، وذلك على اساس الغالبية البسيطة الا في ما يتعلق بقوانين سيادية دستورية فهي تتطلب غالبية الثلثين. ويمكن للجان برلمانية متخصصة رفع مشاريع قوانين الى الحكومة لطلب اقتراحها على مجلس النواب

– تتشكل الهيئة القضائية من مجلس للقضاء الاعلى مستقل المرجعية وله سيادة على نفسه ولا سيادة لاحد عليه. ويتم اختيار مجلس القضاء في انتخابات داخلية تراعى فيها التعددية وتمثيل المناطق كافة ومن ابرز مهماته صيانة الدستور والقوانين وحماية الحقوق والحريات العامة

– الى جانب الاحزاب، تتشكل نقابات وجمعيات مهنية مستقلة عن طريق الانتخاب الداخلي ويكون لها دور فاعل في الوزارات المعنية بنطاق اختصاصها ولدى اللجان النيابية التي تتشكل لاقتراح قوانين خاصة بكل من هذه التجمعات

– تمول الحكومة الاحزاب والنقابات على اساس المساواة والحضور على الصعيد الوطني

– تمول الحكومة وسائل اعلام وطنية مرئية ومسموعة ومكتوبة الى ان تتمكن هذه الوسائل من تمويل نفسها بنفسها من خلال مردود الاعلانات. ويقرر مجلس وطني للاعلام تتمثل فيه نقابة الصحافة (تمثيلاً وازناً)، عدد الوسائل الاعلامية (الممولة رسمياً) المطلوبة ونوعيتها ويرفع توصيته في هذا الشأن الى وزارة الاعلام او اللجنة البرلمانية للاعلام. ولا يعني ذلك الحد من حرية انشاء وسائل اعلام مستقلة، شرط ان تلتزم بالمعايير الوطنية العامة التي يتولى مراقبتها المجلس الوطني للاعلام.

الثقافة السياسية والتربية الوطنية :

إن اسوأ المجتمعات وأكثرها استبداداً هي تلك التي تعلمنا الاتكالية والكراهية، تلك التي تفرض علينا لوناً واحداً ونغماً واحداً، رتيباً مملاً، وتسلبنا حقنا في العيش، بمصادرتها خياراتنا وفرصنا في العلم والعمل.

اننا نرى ان ثورة الشعب الليبي المجيدة، ليست سوى بداية طريق طويل شائك ومتعرج نحو استرداد الكرامة الوطنية والمشاركة الفعلية في الحقوق والواجبات، هي بداية الرحلة نحو استرداد المقدرات والثروات الوطنية المنهوبة، لنعمل على استثمارها في تثقيف المواطن وتمكين شبابنا من قدرات يخدمون بها مجتمعاتهم وتحقق لهم العيش برخاء وبحبوحة.

في سبيل ذلك، لا بد من ترسيخ مفهوم “المشاركة في الوطن” في وقت مبكر، وذلك عبر تنشئة الشباب فكراً وممارسة منذ الصغر وفي اطار النشاط المدرسي والجامعي وفي كل مراحل التربية والتعليم، على مبدأ المطالبة بحقوقهم ومعرفة واجباتهم. ويتم ذلك عبر تشجيع الناشئين على تأسيس جمعيات طلابية يتمرسون فيها على الحوار والاستماع للرأي الآخر وتقبله، وتدريبهم كذلك على تداول المراكز وتبادل الادوار في العمل الجماعي، وغير ذلك من النشاطات التي تجعل من مبادئ الديموقراطية منهج حياة، ليكون لهم وطن بحجم احلامهم وتطلعاتهم، وطن لا يضطرون فيه للمعاناة مجدداً في سبيل استرداد حريتهم، كما عانى اباؤهم واجدادهم من قبلهم.

لا توجد وصفة مثالية جاهزة ومعلبة لديموقراطية خالية من العيوب والشوائب. وعلى الشعوب نسج ديموقراطيتها كل على مقاسه، شرط ان تراعي المبادىء الانسانية الاساسية في ضمان الحقوق والتوزيع العادل للموارد والفرص. لكن من المفيد ايضاً الاطلاع على تجارب الدول الأخرى في الديموقراطية لتفادي اخطائها والاستفادة من حسناتها.
اختارت أميركا نظاماً ديموقراطياً رئاسياً، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة، لكن هذا الرئيس المنتخب من الشعب، لا يتحول إلى حاكم لا يزول إلا بقوة الموت.

في الوقت ذاته، تسير بريطانيا في ملكية دستورية، سلطة العرش فيها معنوية رمزية، تقتصر على الرسميات والإحتفالات، في حين ترتكز الهند إلى نظام برلماني تعددي، ينتخب فيه الرئيس من البرلمان، لكن السلطة تدار بيد رئيس الوزراء. في أميركا وبريطانيا والهند، ديموقراطيات عريقة، تراكمت تجربتها وثقافتها على مدى عقود بل قرون، كما تبلورت أدواتها الممثلة فعلياً للشعب، خصوصاً النظام الحزبي التعددي.

كذلك لا تختزل الديموقراطية بآلياتها، مثل صناديق الاقتراع والتصويت المباشر فهذه الآليات متوفرة في كثير من بلدان العرب والعالم الثالث، من دون أن تنال تلك البلدان نصيبها من الديموقراطية فعلاً.

تفيد تجارب الشعوب أن الديموقراطية هي أساساً ممارسة وتجربة وثقافة. وكما بات معروفاً منذ نشوء نظرية فصل السلطات على يد الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو (القرن الثامن عشر)، ترتكز الديموقراطية على المواطن الحرّ الإرادة أولاً، بمعنى أن يكون المواطن كائناً سياسياً وحقوقياً حراً وقوياً، يستند إليه النظام الديموقراطي، وأيضاً بمعنى التساوي دستورياً وتشريعياً وقانونياً، بين المواطنين جميعاً. وفي أساس الديموقراطية، الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والتوازن بينها.

ويعني التوازن بين السلطات الحيلولة دون طغيان أحدها على الآخر، كي تضمن للمواطن الحصول على حقوقه من السلطات، وأن تحميه إحداها إذا ظلمته البقية.
لخّص مونتيسكيو فكرة التوازن، التي لا يناقشها العرب كثيراً، بعبارة شهيرة مفادها: “يجب أن تلجم كل سلطة السلطة الآخرى”.

وفي الثقافة، لخص المفكر السياسي جان جاك روسو الموقف الديموقراطي بعبارات ذائعة الصيت وهي: “أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أضحي برقبتي دفاعاً عن حقك في حرية الرأي” وقوله ايضاً ان “حرية أي فرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين”.

وثمة قلق مشروع حالياً بشأن الأسس الفعلية للثقافة في ليبيا حيث غابت الممارسة الديموقراطية، وغابت الأدوات السياسية للديموقراطية، بداية من الأحزاب ووصولاً إلى هيئات المجتمع المدني، وغاب المواطن الحرّ الإرادة، وغاب النقاش الديموقراطي، ولا مجال للحديث عن ثقافة ديموقراطية في ظل هيمنة نص “الكتاب الأخضر” واحتكار “اللجان الثورية” للحراك السياسي.

واذا كان الحكم البائد قد اختار رمي تجارب الشعوب الأخرى في سلة المهملات والشروع في تجارب عقيمة ادت الى الفوضى وانهيار أسس المؤسسات، فان الفراغ الحالي في الساحة السياسية يجب ان يشكل مدخلاً للبناء من جديد لبنة لبنة ومن الصفر، للدولة العصرية الراقية القائمة على مفاهيم العدل والمساواة، ليليق الوطن بمواطنيه ويتسع لحجم طموحاتهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: