شكري السنّكي : العهد الملكي–رجال حول الملك "2 "

 

” الحلقة الثانية “

clip_image001

الشاعر المصري: محَمّد أحمد – مدرس بالمدرسة الثانوية
من كتاب: “إدرْيس السُّنوُسي” للأستاذ/ الطيب الأشهب

حري بنا أن..{.. نذكر القرَّاء بأن الملكيّة اللّـيبيّة اخذ بها قبل إعلان الدستور. والذي جعلها قضيّة مفروغاً منها هو الدّور الذي قام به البيت السُّنوُسي في التاريخ اللّـيبيّ، وخاصّة في برقة، والتأييد الذي لقيه الملك إدرْيس السُّنوُسي من الدول الكبرى. فالملك إدرْيس كان قد اعتبر زعيماً للبرقاويين الطرابلسيين في سنتي 1920م و1921م قبل إعلانـه أميراً على برقة في سنة 1949م بمدة طويلة.

ومفاوضاته مع السّلطات البريطانيّة أثناء الحرب العالميّة الثانيّة، والدّور الذي قام به لتحرير بلاده، جعلاه المرشح الطبيعي لعرش بلاده..}م20.

وقبل صدور الدستور اللّـيبيّ في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1951م، عرضت لجنة الدستور في فترة وجودها في سويسرا، نسخة من الدستور على الخبير القانوني المصري الدّكتور محمود عزمـي، وبعد إطلاع عزمـي على النسخة المقدّمة له، قال جملـته الشهيرة:..”..هذا الدستور فوق المستوى السّياسي لأيّ قطر عربيّ..”.
ويوم أن صدر الدستور في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1951م، قال الشّاعر أحمد فؤاد شنيب بعض الأبيات عن الدستور وعن زعماء ليبَيا الذين وضعوه، وهي:

clip_image002

وفي الذّكرى الخمسين لإستقلال ليبَيا ودستورها كذلك، قال الأستاذ/ يوسُف بشير المجريسي، ما يلي:..”.. لا أظنُ أن دولـة عربيّة واحدة عدا لبنان تستمتع اليوم أو استمتعت بالأمس بالحريّة التي استمتع اللّـيبيّون بها في العهد الملكي..”.

لقد كان دستورنا علامة فارقة في حياة اللّـيبيّين، وكان دستور المملكة اللّـيبيّة مميزاً عن باقي دساتير الدول العربيّة، بل في مستوى أعلى منها جمعياً وأرقى. واستمتع اللّـيبيّون في عهد دستور 1951م بحقوقهم كاملة دون نقصان.

ومع هذا، هناك في دستور 1951م تفاصيل لا شكّ أنها لا تناسب واقعنا المعاصر وحال اللّــيبيّين اليوم.. وهناك من المواد ما يجب إلغائها أو تعديلها أو الإضافة عليها، وبالرَّغم من ذلك، يظلّ دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة مفخرة لكل اللّـيبيّين من حيث كونه الجذور السّياسيّة للدولـة اللّـيبيّة وتراثها الدستوري، ونظراً لما جاء فيه من قيم عظيمة ساميّة ستبقى أبد الدهر أساساً قوياً يعتمد اللّـيبيّون عليه في توجيه الدّفة إلى حيث يشاءون.

وبالطبع، العودة إلى الإرث الدستوري هو تعبير عن إدانة عمليات السّطو على السّلطة وهجمة العسكر على الحياة المدنيّة، وهذا لا يعني مطلقاً..{.. أنّ وضع الدساتير الجديدة هو أمر مغالِ فيه! لكنّ المغالاة حقاً هي إلغاء الدساتير القديمة. فالإلغاء يعبر عن غياب التراث الدستوري، وشرخ لتواصل الإرث النيابي. كمَا ينذر باعتماد الظاهرة مستقبلاً كلما غصب جديد السّلطة. فالدساتير تعدّل لكنها لا تلغى..}م21.

ودساتير الدّول المتقدمة المتحضرة في عالمنا اليوم هي دساتير قديمة تجاوز عمر بعضها المائتين أو الثلاثمائة عام، وقد أدخلت عليها عبر السنوات الطويلة تعديلات عديدة بغيّة أن تظل دوماً مواكبة للعصر ولا تتخلف على ركب التقدم ولكنها ظلت في نفس الوقت تحمل نفس الرّوح والقيم العظيمة التي قامت عليها دولها.

ودستورنا – دستور 1951م – فيه من الأسس والقيم التي لن تموت أبداً.. وفيه من التفاصيل والمواد القابلة للتعديل والإضافة أو حتّى الإلغاء شأنه في ذلك شأن كلّ الدساتير المرنة في الدّول المتحضرة التي فسحت لشعوبها مجال التطوير والعصرنة والتكيف مع متغيرات الزمان.

وفي التاريخ أيضاً، قصص العودة إلى التراث الدستوري بمجرّد اختفاء العسكر من الحياة السّياسيّة، وفي دولـة تشيلي خير مثال.

ورغمّ أنّ تاريخ العالم..{.. مليئ بالتدخّلات العسّكريّة إلاّ أنّه مليئ أيضاً بالعودة إلى الجذور السّياسيّة للدولـة وتراثها الدستوري السّائد، قبل تدخّل العسكر فبمجرَّد اختفاء العسكر من الحياة السّياسيّة، تعود الحياة إلى ما كانت عليه. فتشيلي مثلاً، وهي صاحبة أكبر إرث دستوري ديمقراطي، بين دول أمريكا اللاتينيّة، تدخّل العسكر فيها مرّتين، خلال (90) تسعين عاماً من الحياة النيابة، مرَّة في عام 1932م ومرَّة أخرى عام 1973م، ولكنّ في كلّ مرَّة يُخِلي العسكر السّاحة السّياسيّة، تعود تشيلي لنفس دستورها القديم بعد تعديلـه، وهو الدستور الذي كُتِبَ عام 1833م.

إنّ العودة إلى دستور 1951م تعني ترسيخ الاحترام لكفاح وجهاد الشّعب اللّـيبيّ ضدَّ الغاصب المحتل حيث تُوّج جهاد الأجداد بالإستقلال، وأضيء بوثيقة رائعة هي الدستور. فالعودة إلى لهذه الوثيقة، هي عودة إلى تراث الاستقرار السّياسيّ والمدني الذي ساهم في بدايات ليبَيا الحديثة ووضع قدميها الناعمتين، على طريق الحياة النيابيّة، لكن القدر لم يشأ لخطاها أن تستمر، فقد توقفت مسيرتها، مع بداية هجمة العسكر في سبتمبر/ أيلول 1969م على الحياة المدنيّة..}م22.

إذن، مسألة العودة إلى وثيقتنا الدستوريّة بتعديلاتها اللاحقة أمر ممكن وليست بشيء عُجاب أو مستغرب، ومؤكداً هي عودة محمودة لأنها عودة إلى الجذور السّياسيّة للدولـة اللّـيبيّة، وإلى تراثها الدستوري..

تألف دستور 1951م من ديباجة (مقدمة) وأثنى عشر (12) فصلاً تضم (213) مادة. وقام الدستور على أسس العدالـة والمساواة والإخاء.. ومبادئ الحرية والانفتاح، بهدف إحقاق سعادة المواطن ورفاهيته وضمان الرقى الإقتصادي والاجتماعي والخير العام.

وحدد دستور المملكة اللّـيبيّة، حقوق المواطنين وواجباتهم. فاللّيبيّون وفقاً للدستور متساوون وسواء أمام القانون. وهم متساوون لا تفريق وتمييز بينهم بسبب الدّين أو المذهب أو العنصر أو اللغة أو الثروة أو النسب أو الآراء السّياسيّة والاجتماعيّة.

وجاء في فصل (الحقوق والحريات الأساسيّة) في البند الثالث المسمّى (حقوق المرأة) في المادة (11) المساواة بين الرجل والمرأة، وظهر النصّ على النحو التالي:..”.. اللّـيبيّون لـدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة وفي تكافؤ الفرص وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامـّة لا تميز بينهم في ذلك بسبب الدّين أو المذهب أو العنصر أو اللغة أو الثروة أو النسب أو الآراء السّياسيّة والاجتماعيّة..”.

وفي جانب الحريات.. كفل الدستور الحرية الشخصيّة، فالمساكن لا يجوز دخولها وتفتيشها إلاّ في الأحوال المبنية في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه (مادة 19).

وكفل سرية الخطابات والبرقيات والمواصلات التليفونية وجميع المراسلات على اختلف صورها ووسائلها، ولا يجوز مراقبتها أو تأخيرها إلاّ الحالات التي ينص عليها القانون (مادة 20).

وأكد الدستور في المادة رقم (14) على حق كلّ شخص في الالتجاء إلى المحاكم. ونصّت مواده المتعلقة بالحريات: احترام الدّولة لجميع الأديان وحق ممارسة الشعائر الدينيّة لكلّ صاحب دين.. حرية الاعتقاد مكفولة ومطلقة.. حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل ولكن لا يجوز إساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافي الآداب.. حق الاجتماع السلمي مكفولة في حدود القانون.

وفي جانب آخر.. حرم الدستور التعذيب وإنزال عقاب مهين على أيّ متهم، كمَا أكد على حرمة القبض على أيّ إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه إلاّ في الحالات أو الأحوال المنصوص عليها قانوناً ونص على أن كلّ متهم بريء حتّى تثبت إدانته.

واستطراداً لهذا السّياق.. أقرّ الدستور حرية العمل النقابي واستقلاليته، وكفل حرية الصحافة كذلك حرية الرأي والتعبير فنصت المادة رقم: (33) بأن..”حرية الصحافة والطباعة مكفولـة في حدود القانون”.. وجعل من التعليم في مرحلته الأولى إلزامياً.. وصان الملكية فنصت المادة رقم (31) على ذلك:..”.. للملكية حرمة، فلا يمنع المالك من التصرف في ملكه إلاّ في حدود القانون ولا ينتزع من أحد ملكه إلاّ بسبب المنفعة العامـّة في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه وبشرط تعويضه تعويضاُ عادلاً..”.

ونصّت المادة رقم (32) على تحريم عقوبة المصادرة العامـّة للأموال، وجاء نص المادة المذكورة كمَا يلي: “عقوبة المصادرة العامـّة للأموال محظورة.”.

فيما يخص السّلطات.. نصّ دستور المملكة على أنّ الأمـّة مصدر السّلطات معتبراً السّيادة أصلاً لله سبحانه وتعالى ولكنها أودعت إلى الأمـّة لممارستها، ونصّت المادة الخاصّة بذلك على ما يلي: “السّيادة لله وهي بإرادته تعالى وديعة للأمـّة، والأمـّة مصدر السّلطات”. كمَا نص الدستور على الفصل بين السّلطات الثلاث (التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة) في مواده أرقام:( 41 و42 و 43 ).

وفي المادتين (93 و 140) منح الدستور السّلطة التشريعيّة حق محاسبة ومساءلة السّلطة التنفيذيّة، وحق مناقشة وإقرار كافة القوانين والتشريعات وسياسات الدولـة الدّاخليّة والخّارجيّة كذلك الميزانيّة.

وأقرّ الدستور..{.. استقلال السّلطة القضائيّة في المادة رقم: (142) وأعطاها صلاحيات مراقبة تطبيق الدستور وسلامة القوانين والإجراءات الإداريّة وفقاُ لنص الدستور وروحه في المادتين (151) و(152). وقد أحاط الدستور المال العام، جبايةً وإنفاقاً، بسياج من الضمانات التي كفلت سلامة وحسن التصرف فيه.

وفي المادة رقم (166) منح الدستور لديوان المحاسبة حق مراقبة ومراجعة حسابات الحكومة، وتقديم تقريراً بنتيجة المراقبة إلى مجلس الأمـّة..}م23.

ونصّ الدستور على أن يتولى الملك السّلطة التشريعيّة بالاشتراك مع مجلس الأمـّة أمّا السّلطة التنفيذيّة يتولاها بواسطة وزرائه، فوزرائه هم المسؤولون أمام مجلس النّوّاب ولكنه في نفس الوقت هو الذي يصدق على القوانين ويصدرها.

ورئيس الوزراء والوزراء..{.. مسؤولون أمام مجلس النّوّاب مسئوليّة مشتركة عن سياسة الدولة العامـّة. ويجوز لمجلس النّوّاب حجب الثقة عن الوزارة. ولا يجوز للوزراء أن يتولوا أيّ وظيفة عامـّة أخـرى أثناء توليهم الحكم. كمَا لا يجوز لهم أن يكونوا أعضاء في مجلس إدارة أيّ شركة أو أن يشتركوا اشتراكاً فعلياً في عمل تجاري أو مالـي..}م24.

ونصّ شطر من المادة رقم (86) على أن كلّ وزير..”مسئول عن أعمال وزارته”. وفيما يخص مجلس الأمّة، فالمجلس يتألف من مجلسين، هما: النّوّاب والشّيوخ. ويتولى مجلس الأمّة السّلطة التشريعيّة. ويتولى الملك سلطته بواسطة وزرائه، ووزرائه هم السّلطة التنفيذيّة في البلاد فالملك هو الرئيس الأعلى للدولة، وهو الذي يصدق على القوانين ويصدرها ولكنه مصون غير مسئول فوزرائه وهم المسئولون. ويوجد إلى جانب هاتين السّلطتين (التنفيذيّة والتشريعيّة)، السّلطة القضائيّة. ونصّ دستور المملكة بخصوص السّلطة القضائيّة: على تشكيل المحكمة العليا، فرئيس المحكمة العليا والقضاة يعينون بمرسوم ملكي، ويؤدون القسم (اليمين) أمام الملك قبل توليهم مسئوليتهم أو مناصبهم. وجاء في الفصل الثّامن من الدستور، المواد التاليّة:

المادة 141: يعين القانون الإتحادي النظام العام للدولة وفقاً لأحكام هذا الدستور.
المادة 142: القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم لغير القانون.
المادة 143: تؤلف المحكمة العليا من رئيس ومن قضاة يعينهم الملك.
المادة 144: يحلف الرئيس وأعضاء المحكمة العليا قبل توليهم مناصبهم اليمين أمام الملك.
المادة 145: إذا خلا قاض يعين الملك قاضياً آخر بعد استشارة رئيس المحكمة.

المادة 146: يحال رئيس المحكمة وقضاتها إلى المعاش عند إتمامهم خمساً وستين سنة من العمر بحساب التقويم الميلادي.

المادة 147: رئيس المحكمة وقضاتها غير قابلين للعزل، ومع ذلك إذا اتضح أن أحدهم غير قادر على أداء عمله لأسباب صحيّة أو فقد الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما الوظيفة فيعفيه الملك من منصبه بعد موافقة أغلبية أعضاء المحكمة باستثناء القاضي الذي يعنيه الأمر.

ومجلس الأمـّة يتولـى..{.. السّلطة التشريعيّة، ويتألف من مجلس الشّيوخ (24 عضواً يعينهم الملك) ومجلس النّوّاب الذي يتألف من أعضاء يجرى انتخابهم عن طريق الاقتراع السّري على أساس نائب عن كلّ 20 ألفاً من السّكان. والملك يعين مجلس الشّيوخ لمدة سنتين – ومدة العضويّة 8 سنوات. يجتمع مجلس الشّيوخ عند اجتماع مجلس النّوّاب وتتوقف جلساته معه. ومدة مجلس النّوّاب 4 سنوات ما لم يحل قبل ذلك. الانتخاب حق الـلّـيبيين البالغـين 21 سنةً. للمرأة أن تمارس هذا الحق أيضاً. وعضو مجلس الأمـّة يمثل الـشّعب كله. الملك يدعو المجلس سنوياً إلى عقد جلساته العادية خلال الأسبوع الأوّل من شهر نوفمبر/ تشرين الثّاني وتدوم دورة انعقاده 5 خمسة أشهر على الأقل. وللملك حق حل مجلس النّوّاب. وله أن يدعوه إلى جلسات غير عاديّة. ولكلّ عضو من أعضاء مجلس الأمـّة أن يوجه للوزارة أسئلة واستجوابات وإجراء المناقشة حول السّياسة العامـّة أو حول مسالة معينـة. لا يجوز مؤاخذة أعضاء مجلس الأمـّة فيما يبدونـه من آراء في المجلـسين أو لـجانهما. الملك يصدق على القوانين التي يقرها مجلس الأمـّة ويصدرها. وله أن يطلـب إلى مجلس الأمـّة إعادة النظر فيها. فإذا أقرها المجلس بموافقة ثلثي أعضائه صدق عليه الملك وأقرها.

وفي أبريل/ نسيان 1963م عُـدِل الدستور لناحية إلغاء نظام الحكومة الاتحادية وأقر نظام الحكومة الموحدة مع تقسيم المملكة إلى 10 عشر مناطق إداريّة يُشرف على كلّ منها حاكم محافظ مسؤول مباشرة أمام وزير الدّاخليّة. وقد منح رجال الإدارة المحليّة من الصلاحيّات والاختصاصات ما يمكنهم مـن تصريف شؤون المواطنين وحسم مشاكلهم دونما حاجة إلى الإدارة المركزيّة. وقد اتخذ الكثير من الخطّـوات في الاتجاه إلى النظام اللامركزي، منها إشراك القـاعدة الشّعبيّة في إدارة الشؤون الدّاخليّة وإبداء وجهات نظرها حول حاجياتها ومستلزماتها عن طريق الخطّوات التـي ستنفذ لإبراز المجـالس الاستشاريّة. وممّا لا شك فيه أن وزارة الدّاخليّة بإشرافها على البلديات وشملها بالرعاية التّامّة وتوفير سبل العمل الصّـالح لها إنّما حققت بذلك ما يبعث على الاطمئنان إلى أن كلّ شيء يسير في السبيل الصحيح..}م25. والشاهِد.. عرفت حقبة العهد الملكي..{.. التي امتدت ثمانيّة عشر عاماً إحدى عشر حكومة شارك فيها (120) وزيراً.

ويمكن القول بأن جميع شئون الدولـة اللّـيبيّة الخاّرجيّة والدّاخليّة جرى تصريفها على امتداد سنوات العهد الملكي، عبر المؤسسات الحكوميّة وبالأدوات القانونيّة (قرارات ولوائح…) التي حددها الدستور اللّـيبيّ والقوانين الصّادرة بموجبه. ونحن لا نناقش هنا، صواب سياسات العهد الملكي على الصعيدين الدّاخلي والخارجي، ولكن الذي يعنينا مدى دستورية وشرعيّة الكيفيّة التي تمّ بها إقرار واتخاذ هذه السّياسات.

وبكلّ تأكيد.. سوف لن يغيّر من هذه الحقيقة وقوع حالة أو حالتين جرتا في السنوات الأولى لانطلاقة مسيرة دولـة الإستقلال، أو بعض الحالات القليلة التي تجاوز فيها أحد رجال الحكم حدود السّلطة المخولة له قانوناً أو أساء استخدامها ويكفي أن معظم هذه الحالات الأخيرة كانت موضع مساءلة قانونيّة أو برلمانيّة وفي القليل موضع استياء واحتجاج شعبي عام..}م26.

ونصل بعد هذا العرض إلى خطاب العرش عام 1953م عنوان هذه الوقفة. حضر الملك إدرْيس السُّنوُسي دورة (مجلس الأمّة) الأولى في يناير/ كانون الثّاني 1952م والدّورة الثالثة التي انعقدت في بنغازي بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1953م وكليهما كانت برئاسة السّيّد عمر منصور الكيخيا (رئيس مجلس الشّيوخ) وفي عهد رئاسة السّيّد محمود المنتصر للحكومة. وحضر الدّورة التي انعقدت بقصر (الزهور) في مدينة (درنة) عام 1956م في عهد رئاسة السّيّد مصطفى أحمد بن حليم للحكومة. وحضر الدّورة التي انعقدت عام 1964م في مدينة (البيضاء) في عهد الرئاسة الثّانية للسّيّد محمود أحمد ضياء الدّين المنتصر للحكومة بعد انتقال مجلس الأمّة إلى (البيضاء). وحضر الدّورة التي انعقدت عام 1965م في مدينة (البيضاء) في عهد رئاسة السّيّد حسين يوسُف مازق للحكومة.

هذه هي الدّورات التي حضرها الملك إدرْيس السُّنوُسي أمّا باقي الدّورات التي لم يحضرها فيما بين عامي 1953م و1955م حضرها بنيابة عنه الأمير محّمّد الرَّضا السّنوسي (أخو الملك الأصغر الذي عًُيِن وليّاً للعهد في 21/ 12/ 1953م).. والدّورات الأخرى التي انعقدت فيما بين عامي 1956م و1969م حضرها وليّ العهد الحسن الرَّضا الذي تولى ولاية العهد في نوفمبر/ تشرين الثّاني 1956م، عقب وفاة والده في 29 يوليو/ تموز 1955م إثر مرض قصير.

وفي 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1953م.. افتتح الملك إدرْيس السُّنوُسي الدّورة الثالثة لـمجلس الأمـّة (الشّيوخ والنّوّاب) التي انعقدت في بنغازي، وحضرها الدّكتور فتحي عمر الكيخيا نيابة عن السّيِّد محمود أحمد المنتصر (رئيس الوزراء) الذي كان يمر يومئذ بأزمة صحيّة حادة.

ويذكر أن الملك إدرْيس السُّنوُسي مر في أواخر صيف عام 1953م بظـروف صحية سيئة، وحينما اشتدت به وطأة الألم من المرض قرر السّفر إلى سويسرا لتلقي العلاج. سافر الملك يوم27 سبتمبر/ أيلول 1953م من طرابلس إلى تونس عن طريق البر ثمّ غادرها بحراً إلى سويسرا بغرض العلاج، وقد زاره في سويسرا الملك الرّاحل حسين وألتمس من سموه أن يزور بلاده الأردن، ووعده الملك إدرْيس بتلبية الدعوة أن سخر المولى ذلك في الأمـد القـريب. وبعد إتمام الملك لعلاجه اغتنمها فرصة فعرج في طريق عودته على المملكة المغربيّة حيث..{.. قام بزيارة (فاس) عاصمة جده مولاي إدرْيس مؤسس دولة الأدارسة بعد أن زار المدن الأسبانيّة مستعرضاً ذكريـات أمجـاد السّلف الصّالح الذي أوجد هناك الحضارة الإسلاميّة العربيّة ونشر ألـوية السّلام والعدل خفاقة في تلك الربوع، وقد استقبله رسميّاً رئيس دولة أسبانيـا كمَا قام بزيارة مراكش والجزائـر الحبيبة..}م27.

واستمرت رحلة الملك إدرْيس هذه حوالي شهرين حيث عاد إلى أرض الوطن يوم 24 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1953م. وبعد وصوله إلى أرض الوطن كانت هناك أقل من ثلاث (3) أسابيع تفصل مجيئه عن انعقاد الدّورة الثالثة لـمجلس الأمـّة، وخلال هذه المدة لم يسترد سموه عافيته وحيويته على الوجه التام وكان التعب والإرهاق ظاهراً عليه يوم أن استقبل السّلك الدبلوماسي الأجنبي قبل أيام فقط من مراسم افتتاح دورة مجلس الأمـّة الثالثة.

التقى الملك إدرْيس السُّنوُسي مساء يوم 9 ديسمبر/ كانون الثّاني 1953م..{.. في الدّيوان الملكي بالمسئولين وبحضور نائب رئيس الوزراء فتحي الكيخيا، وتحدث معهم عن الوضع الدستوري القائم.

وأضاف التقرير الأمريكي رقم (64) المؤرخ في 17 ديسمبر/ كانون الثّاني 1953م (الملف المركزي – 773.000)، أنـَّه عند افتتاح البرلمان يوم 10 ديسمبر/ كانون الثّاني 1953م، ظهر الملك في حالة صحية جـيّدة، وبدا مسترداً لحيويته، على عكس ما كـانت عليه حاله عندمـا استقبل السّلك الدبلوماسي الأجنبي قبل أيام فقط (يوم 6/ ديسمبر/ كانون الثّاني)، كمَا أنَّ مراسم الافتتاح جرت بطريقـة جـيّدة، إذ تولى فتحي الكيخيا رئيس الوزراء بالنيـابة إلقاء خطاب العرش..}م28.

على العموم.. جرت العادة أن يُلِقي رئيس الوزراء خطاب العرش باسم الحكومة ونيابة عن الملك، وبحكم أن السّيِّد/ محمود المنتصر رئيس الحكومة (رئيس الوزراء) أصابته نوبة مفاجئة من نوبات ارتفاع ضغط الدّم فاضطر صباح يوم 9 ديسمبر/ كانون الثّاني مغادرة بنغازي إلى طرابلس لأخذ قسطاً من الراحة ومتابعة العلاج، فأناب الدّكتور فتحي الكيخيا عنه بصفته رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة بالنيابة، وتلا خطاب العرش في اليوم التالي الموافق 10 ديسمبر/ كانون الثّاني عند افتتاح الدّورة الثالثة لـمجلس الأمـّة (البرلمان).

وقبل استئناف الحديث وإعادة نشر نصّ خِطاب العرش لعام 1953م، رأينا أن الفرصة تمنحنا مجالاً للتوقف عند الشخصيّة التي قرأت نصّ الخطاب نيابة عن الملك ورئيس الوزراء – شخصيّة الدّكتور فتحي عمر الكيخيا، لنعرض محطّات من سيرته وتاريخه..

الدّكتور فتحي عمر الكيخيا.. سيرة وتاريخ (11):

والده هو عمر باشا منصور الذي ترأس مجلس الشّيوخ من 23 مارس/ آذار 1952م إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1954م أبّان عهد الملك إدرْيس السُّنوُسي. والدته من آل بن زبلح أحدى عائلات بنغازي المعروفة، وله أختان شقيقتان، وأخ واحد غير شقيق هو (الدّكتور منصور) والدته من آل المرتضي، والمولود في 24 أغسطس/ أب 1951م، والأستاذ الجامعي بجامعة تكساس في مدينة سانت أنطونيو، والذي يشغل – منذ عدة سنوات، وإلى الآن (2009م) – منصب رئيس قسم علومها السّياسيّة.

ولد فتحي عمر باشا منصور الكيخيا عام 1901م بمدينة بنغازي. درس المرحلة الابتدائيّة والثانويّة في مدرسة (سانت كاترين) الفرنسيّة بمدينة الإسكندرية، و(مدرسة الفرير) حيث تحصل عام 1919م على الشهادة الثانويّة. بين عامي 1924م/ 1925م، تحصل على ليسانس في القانون من كلية الحقوق بجامعة السربون في فرنسا. واصل دراساته العليا بفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة حتّى تحصل على شهادة الدكتوراه.

بعد عودته إلى مدينة بنغازي في منتصف العشرينات بفترة قليلة، تمّ إعتقاله لمدّة ثلاثين (30) شهراً في معتقل (برج شويليك) في منطقة بنينة بقرب من مدينة بنغازي، مع عدد من أعيان المدينة من أمثال: علي باشا العبيدي، السُّنوُسي جبر، صالح جعودة، محَمّد منصور الكيخيا… وآخرين.

هاجر السّيّد/ فتحي عمر الكيخيا إلى مصر في النصف الثّاني من الثلاثينيات بعد خروجه من الإعتقال، فتزوج من هناك، وعمل محامياً في المحاكم المخصصة لغير المصريين (الأجانب) والمسماة آنذاك باسم (المحاكم المختلطة). تزوج مرتين، زواجه الأوّل كان في عام 1938م، من السّيّدة فتحية (مصريّة الجنسيّة) كريمة محمود خيري باشا. (أنظر إلى ملحق الوثائق – خبر عقد قران الدكتور فتحي في جريدة “بريد برقة”) وتزوج في المرَّة الثّانيّة من عائلة مقدسية عريقة بعد انفصاله عن زوجته الأولى في عام 1952م، ولم يُرزقه الله سبحانه وتعالى ذرية من الزيجتين.

كان مكتب الدّكتور فتحي من أفضل مكاتب المحاماة في الإسكندرية فقد صنفه بعض أبناء الإسكندرية وقتئذ على أنّه..”.. أشطر المحامين العرب بالمدينة..”. وعلاوة على كونه محامي شاطر ومثقف من طراز رفيع، فقد كان يتقن إلى جانب لغته العربيّة الأم، اللغة الفرنسيّة والإيطالية والإنجليزية.

عاد الدّكتور فتحي إلي ليبيا في نهاية الأربعينيات، وساهم منذ عودته مساهمة كبيرة في الضغوط التي مارستها الشخصيّات الوطنيّة والمؤسسات السّياسيّة المختلفة بالإضافة إلى ضغط الشّارع، على بريطانيا من أجل الوفاء بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها قبل انضمام اللّيبيّين إلى مساعدتها في حربها ضدّ قوّات المحور، وذلك الإلتزام هو تحقيق (الإستقلال) الذي من أجله أسهم اللّـيبيّون في الحرب.

ويذكر أن اللّـيبيّين اشتدت مطالبتهم بحقوقهم المشروعة من بريطانيا بعد هزيمة إيطاليا في أوّل سنة 1943م، واستلام البريطانيين لإدارة شئون ولاية برقة. صدرت في ولاية برقة صحيفة..{.. (الفجر) التي أصدرها (صالح بويصير) وذلك إلى جانب صحيفة (الوطن) التي سبق نشرها. وبدأت الصحيفتان تهتمان بالوضع السّياسي وبمستقبل البلاد، وقررت السّلطات البريطانيّة بتسليم البلاد لأهلها لتولى إدارتها. ونشطت الثقافة وانتشر الشعر وبرز شعراء جُدد، وكان التعليم منتشراً في جميع نواحي برقة، وقد جُلب أكثر من خمسين مدرساً من مصر علاوة على المدرسين الفلسطينيين والأردنيين واللّـيبيّين. وسار التعليم في طريقه بخُطاً ثابتة و بتقدم مستمر. وكانت خدمات الصّحة لا بأس بها فقد أسُتعمل المستشفى الكبير الإيطالي الواقع بالصابري، وزُد بالأطباء والأخصائيين، وكان يقوم بخدماته بصورة مرضية.

وأصبحت برقة تحت إدارة مزدوجة ما بين الإدارة الوطنيّة والإدارة البريطانيّة، وكان البريطانيون يغضون النظر عن كلّ ما يرتكبه الوطنيّون من منافسة لهم في إدارتهم، لأنهم كانوا واثقين أنه لن يطول الوقت الذي تصدر فيه الأوامر بتسليم السّلطة للوطنيين. وكانت الإدارة تحترم الأمير إدرْيس السُّنوُسي وتُنفذ قراراته إلاّ فيما يتعارض مع قراراتها. وكان رئيس الإدارة البريطانية (دي كاندول) رجلٌ دمث الأخلاق ذو مرونة ورغبة في عدم إغضاب الوطنيين.

واشتدت مطالبة اللّـيبيّين بحقوقهم المشروعة من بريطانيا، والمطالبة بتشكيل حكومة وطنيّة وفقاً للاتفاقيات المبرمة ما بين الجانب اللّـيبيّ والجانب البريطاني قبل انضمام اللّيبيّين إلى مساعدة بريطانيا في حربها، وكانت رسائل الجانب اللّـيبيّ في ذلك الوقت إلى القيادة البريطانيّة تطلب معاملة برقة بعد احتلالها من البريطانيين كمعاملتها للأردن، وفي رسائل أخرى كان الجانب اللّـيبيّ يُطالب باستقلال ذاتي تحت الوصاية البريطانيّة.

وقد أرسلت (لجنة المحاربين اللّـيبيّين) رسالة إلى الإدارة بتاريخ 31 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1946م، وكان فحوى الرسالة المطالبة بالاستقلال الذي من أجله أسهم شعبنا في الحرب، وقدم خدمات طيبة لمصلحة الحلفاء. كما أرسلت (الجبهة الوطنية) في برقة بتاريخ 30 نوفمبر/ تشرين الثَّاني 1946م، رسالة مماثلة إلى القائد العام لقوَّات الشرق الأوسط. واستمر ضغط الشّعب ومؤسساته السّياسيّة على بريطانيا من أجل الوفاء بالتزاماتها حتَّى عام 1948م. وفى عام 1948م تقرر إرسال عمر باشا الكيخيا إلى لندن للتباحث مع الحكومة البريطانيّة في أمر منح الاستقلال الذّاتي إلى برقة، وقد عرج على باريس واتصل بالمسئولين فيها وحدثهم عن إستقلال ليبيا بكاملها، وإذا لم يتم هذا الاستقلال فإنّ برقة ستستقل لوحدها.

في عام 1949م قررت الحكومة البريطانيّة منح برقة الاستقلال الذّاتي رغم أن القضيّة لا تزال معروضة على الأمم المتحدة، ولم تبت فيها بعد. ففي يوم 1 يونيه/ حزيران 1949م، أجتمع المؤتمر الوطني ( الجبهة الوطنيّة البرقاوية) في مدينة بنغازي في قصر المنار، بدعوة من الأمير إدرٍْيس وتجمع النَّاس حول القصر للاستماع إلى إعلان إستقلال برقة الذّاتي، وقد أطل الأمير عليهم، وأعلن إستقلال برقة الذّاتي، وزف البُشرى إلى الشعب البرقاوي، وطالب الحكومة البريطانيّة قائلاً:- “… أطلب من الحكومة البريطانيّة الاعتراف بالوضع السّياسي الجديد، لكي تسدى لنا يداً بيضاء أخرى لتكون أول دولة اعترفت بوجودنا، كما عاونتنا على تحرير بلادنا، واعترافا بالجميل أقر بأن حكومتي ستتعاون مع بريطانيا على قدم المساواة في كلّ ما يعود بالصّالح العام على الشعبين لتوثيق عرى الصداقة الدائمة”.

ثمّ ردّ عليه المعتمد البريطاني بكلمة في نفس المكان والزمان قائلاً: “… وقد تمحصت الوزارة البريطانيّة هذه الأمور تمحصاً دقيقاً، وخولتني أن أدلى بالبيان التالي: “.. أن حكومة صاحب الجلالة تعترف اعترافا رسمياً برغبة البرقاويين في الحكم الذاتي، وأن حكومة صاحب الجلالة ستشكل حكومة برقاوية تتولى أعباء المسؤوليّة في الشؤون الدّاخليّة..”.

وبعد أن قرأت منشور الأمير الذي يُعلن إستقلال برقة ارتفعت أصوات من جانب أنصار جمعيّة عمر المختار قائلين (لا للاستقلال بدون طرابلس، ولا نهلل للاستقلال ما دامت طرابلس تبكى). وقد قال الأمير: “..أنّه يتمنى لأخوته في طرابلس الحصول على ما تحصلت عليه برقة من إستقلال، وإذا أرادوا الانضمام إلى برقة تحت رئاسة واحدة فنحن نرحب بذلك..”.

وعندما غادر الأمير القصر، قال لزعماء جمعيّة عمر المختار:..”..بأن الأمور بخصوص الوحدة ستتم بالصبر والحكمة..”. وبعد ذلك، أرسل المجلس الوطنيّ، بأمر الأمير، برقية إلى الطرابلسيين لتطمينهم بأن الأمير ساعِ إلى الوحدة التّامة. وتلقى الرّد من الجبهة الوطنيّة الطرابلسيّة بإرسال وفد لتهنئة الأمير ومطالبتهم بالسعي لتوحيد الولايتين…}م29. وهذا ما تمّ بالفعلِ في ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م حيث أعلن الملك إدرْيس من شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي رسميّاً أن ليبَيا بأقاليمها الثلاثة (برقة طرابلس وفزّان) منذ اليوم الموافق 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة.

وعودة إلى سيرة الدّكتور فتحي عمر الكيخيا، فقد انتخب الدّكتور فتحي في ربيع عام 1949م، مع آخرين لمهمّة الدّفاع عن القضيّة اللّـيبيّة في المحافل الدّوليّة، وأرسل مجلس الإدارة المؤتمر الوطنيّ برقية إلى سمو الأمير إدرْيس السُّنوُسي تحمل أسماء الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار. وجاء نصّ البرقيّة (12) كمَا يلي:

سمو الأمير المعظم

تتشرف هذه الهيئة بخطاب سموكم المشرف المتعلق بانتخاب وفد للدّفاع عن قضية وطننا المحبوب ‏وقد اتفقت أكثرية مجلس الإدارة على انتخاب حضرات الشّيخ عبدالحميد العبّار، وعمر بك شنيب، ‏وخليل بك القلال، وفتحي بك الكيخيا. هذا وتفضلوا بقبول أسمى إخلاصنا ووافر احتراماتنا وعاطر ‏السّلام ورحمة الله وبركاته‏.

محَمّد الرَّضا المهدي السُّنوُسي.

وبعد إعلان استقلال برقة في الأوّل من يونيه/ حزيران 1949م، كلّف الأمير محَمّد إدرْيس المهدي السُّنوُسي أمير برقة آنذاك، الدّكتور فتحي عمر الكيخيا برئاسة أوّل حكومة لبرقة. اختار الأمير، الدكتور فتحي الذي كان يدير مكتبه الخاصّ بالمحاماة في الإسكندرية، لهذا المنصب نظراً لتأهيله العلمي وتجربته وتاريخ عائلته الواسع العريق بالإضافة إلى أنه شخص محايد سيتجنب مؤكداً دوائر الصراع والتنافس الحزبي التي كانت سائدة آنذاك. وقد أُعلن رسميّاً عن اسم الدكتور فتحي مرشحاً لمنصب رئاسة حكومة برقة في 5 يوليو/ تموز 1949م، ولم يكن يدور في خلد الدكتور فتحي آنذاك بأن الأمير إدرْيس السُّنوُسي سيدعوه لزيارة بنغازي ويكلفه بتأليف الحكومة وأن والده يشجعه على قبول المنصب ويؤكد له بأن الأمير يرغب في أن يتولى هذه المهمّة الشاقة في هذا الوقت العصيب. قبل الدكتور فتحي المنصب، وسافر مع الأمير إدرْيس في زيارته الأولي للندن التي انطلقت من طرابلس في 9 يوليو/ تموز 1949م ودام زمنها حوالي شهرين، وكان من بين مرافقي الأمير إلى جانب الكيخيا: السّيّد/ إبراهيم الشلحي، السّيّد/ دي كاندول.

شارك الدّكتور فتحي عمر الكيخيا في المشاورات التي عقدها الأمير في لندن مع الحكومة البريطانية، وساهم مساهمةً كبيرةً فيها حيث كان للدّكتور فتحي موقفاً متصلباً مع البريطانيين الأمر الذي منح الأمير إدرْيس فرصة لانتزاع أفضل ما يمكنه الحصول عليه من البريطانيين وقتئذ. ويذكر أن الدّكتور فتحي الكيخيا كان قد اختلف مع البريطانيين في عدّة نقاط عند مناقشة وثيقة الدستور البرقاوي أثناء زيارة الأمير للندن، أيضاً، على الصلاحيّات الممنوحة له كرئيس وزراء والتي رآها مقيدة بشكل يصعب عليه قبولها. وتضيف وثائق الخارجيّة البريطانيّة، سبباً آخر إلى جملة الأسباب التي أدّت إلى استقالته ألا وهو استيائه من عدم استقباله كرئيس وزراء لدولة مستقلة أثناء زيارته إلى لندن مع الأمير. وبعد انتهاء المشاورات مع الحكومة البريطانيّة، غادر الأمير إلى فرنسا برفقة وفده ليقضي وقتاً يستشفي فيه هناك، وبعد وصول الأمير إلى مصر عن طريق باريس، غادرها مباشرة إلى برقة. بقى الدّكتور فتحي الكيخيا في باريس ولم يغادرها مع الأمير والوفد المرافق له، وقرّر في باريس الاستقالة من الحكومة والاستقرار في مصر، وأرسل استقالته من باريس إلي الأمير في برقة التي وصلها صباح يوم الأربعاء الموافق 7 سبتمبر/ أيلول 1949م.

أرسل الدّكتور فتحي الكيخيا استقالته من باريس إلي الأمير، وقبل الأمير استقالته وعين والده عمر باشا منصور خلفاً له. وتجدر الإشارة في هذا السّياق، إلى أن رئيس الإدارة السّيّد دي كاندول (الوالي) كان قد صدر بتاريخ 16 سبتمبر/ أيلول 1949م قراراً يقضي بنقل السّلطات إلى الحكومة الذّاتيّة ومحدداً سلطات حكومة برقة والسّلطات التي سيحتفظ بها لنفسه باعتباره الوالي الذي صار اسمه المعتمد البريطاني. وأصدر الأمير إدرْيس السُّنوُسي من جهته مرسوماً أميرياً أعلن فيه صدور دستور برقة والشروع في تطبيقه والعمل به من تاريخ صدوره في ذلك اليوم. ولهذا، يعتبر السّيّد عمر باشا منصور رسميّاً هو أوّل رئيس لحكومة برقة حيث أن الدّكتور فتحي كان قد استقال من منصبه قبل أنّ يستلمه رسمياً ويحلف اليمين الدستوري.

عاد الدّكتور فتحي من باريس إلى الإسكندرية لمتابعة عمل المحاماة في مكتبه، وفي مقابلة أجراها معه الدّكتور مجيد خدوري صاحب كتاب: “ليبَيا الحديثة” بعد سنوات من إستقالته، قال الكيخيا..”..بأنه أقدم على تلك الاستقالة لأنـه وجد أن سلطته ستكون محددة جداً فتمنع عن أن يكون رئيس وزارة اسماً فقط. لذا قرر الاستقالة..”. ويستطرد خدوري قائلاً: “.. أدعى الكيخيا بأن زوجته المصرية لم ترض بالسكني في بنغازي..”.

وبعد وصول الدّكتور فتحي الكيخيا إلى الإسكندرية، قرّر الاستقرار في مصر ومتابعة عمل المحاماة في مكتبه، وتمكن والده فيما بعد من إقناعه للعدول عن قراره، والعودة إلى أرض الوطن. عاد الدّكتور فتحي إلى الوطن، وعند تشكيل أوّل وزارة اتحادية بعد إعلان استقلال ليبَيا في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م اختاره السّيّد محمود أحمد المنتصر رئيس أوّل حكومة ليبيّة ليشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير العدل والمعارف في حكومته.

وبعد الإستقلال مباشرة، وبعدما وافقت الأمم المتّحدة على قرار يدعو إلى قبول ليبَيا في منظمة الأمم المتّحدة، رد الوفد اللّـيبيّ بكلمة ألقاها الدّكتور فتحي عمر الكيخيا. وجاء بخصوص هذه الواقعة في كتاب: “إدرْيس السّنوُسي” للأستاذ الطيب الأشهب ما يلي: (.. وبعدما وافقت الأمم المتّحدة على قرار يدعو إلى قبول ليبَيا في منظمة الأمم المتّحدة، ويدعو أيضاً إلى مواصلة المساعدة الفنيّة إلى ليبَيا، كمَا أوصت اللجنة السّياسيّة الإضافيّة أيضاً بأن تقدم المساعدة المذكورة بواسطة الأمم المتَّحدة، وقد وافق على هذا القرار سبعة وأربعين صوتاً ضدَّ لا شيء وامتنعت الأقطار الشّيوعيّة عن التصويت، وهذا وقد ردّ الوفد اللّـيبيّ بكلمة جامعة محكمة على اعتراضات بعض الوفود ألقاها الدّكتور فتحي الكيخيا وزير العدل اللّـيبيّ عبر فيها عن شكر ليبَيا للجمعيّة وأعضاء اللجنة لترحيبهم بليبَيا وتمنياتهم لشعبها ولمليكها، ثمّ عبر عن أسفه لأن بعض الوفود تعرضت لمسائل داخليّة تخص اللّـيبيّين وحكومتهم وبرلمانهم، ثمّ تحدث عن إدعاء مندوب مصر وقال: “.. بالرَّغم من موقف مصر غير المنتظر فلن يتغير شعور ليبَيا الأخوي نحو جارتها العزيزة مصر ونحو أعضاء الوفد المصري..”. وقد كان لكلمة ليبَيا المعتدلة الرصينة رنة استحسان بين جميع الوفود، وقد ازداد أثرها في نفوس الجميع عندما تكلم مندوب مصر عبدالمنعم مصطفى ورد على كلمة ليبَيا قائلاً..”..إن الضغط الإنجليزي لحق بممثلي ليبَيا في هيئة الأمم، وإنّ الكلمة التي ألقاها مندوب ليبَيا هي من وضع الممثل البريطاني..”. هذا ما أوحته عبقرية الدّكتور عبدالمنعم، وفي هذه المرَّة خانه الذكاء وجانبه التوفيق..). (انتهى النقل عن كتاب الأشهب).

واستمراراً في رصد سيرة الدّكتور فتحي الكيخيا، فقد ساهم الكيخيا مساهمة كبيرة بصفته رجل قانون في إعداد الكثير من القوانين، وترك بصماته في العديد منها التي شرعت في السّنوات الأولي للاستقلال. وفي أوّل تعديل وزراي بتاريخ 14 مايو/ أيار 1952م أدخله المنتصر على حكومته، سُلِمت حقيبة وزارة المعارف إلى السّيّد محَمّد السُّنوُسي السّاقزلي ليحتفظ الدّكتور فتحي بحقيبة وزارة العدل إلى جانب منصبه نائباً لرئيس الوزراء. وفي الدّورة الثالثة لـمجلس الأمـّة (الشّيوخ والنّوّاب) المنعقدة في بنغازي بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1953م، تولى الدّكتور فتحي الكيخيا إلقاء كلمة العرش نيابة عن الملك إدرْيس السُّنوُسي، ونيابة عن رئيس الوزراء الذي كان يمر بظروف صحيّة مضطربة. وبعد استلام السّيّد محَمّد السّنوسي السّاقزلي لرئاسة الحكومة في 18 فبراير/ شباط 1954م، عُيِنَ الدّكتور فتحي – ولفترة قصيرة جداً – سفيراً بالعاصمة الإيطاليّة روما، وأشرف وقتذاك على معالجة الكثير من القضايا العالقة والشائكة بين البلدين. وعُيِن يوم 21 مارس/ آذار 1954م وزيراً مفوضاً وسفيراً بالولايات المتحدة الأمريكيّة حيث ظلّ في واشنطن إلى أن وافته المنية يوم 9 أغسطس/ أب 1958م إثر مرض قصير. أحضر جثمانه الطاهر في طائرة خاصّة من واشنطن إلى مدينة بنغازي مسقط رأسه، ليُرفع من منزل والده الكائن بشارع (العقيب) وسط مدينة بنغازي (قصر الثقافة حالياً) في موكب جنائزي مهيب ضاقت شوارع المدينة عن استيعابه، وتقدم ذلك الموكب والده عمر باشا الذي كان صابراً محتسباً أجره عند المولى عز وجل، ومن حوله كوكبة من أعيان مدينة بنغازي ورجالات الدولة ومشايخ ليبَيا ورموزها، ليدفن بمقبرة (سيدي داود) التي اكتظت بالمشيعين. رحم الله الدّكتور فتحي الكيخيا السّياسي الألمع والمثقف الرفيع.. والذي أحب ليبيا وأخلص لها فاحترامه الجميع وأحبه كلّ النَّاس.. والذي ألم بأوضاع بلاده، وقدم لوطنه ومواطني بلاده كلّ ما امتلكه من علم ومعرفة وجهد.

clip_image004

الأمير إدرْيس السُّنوُسي والدّكتور فتحي الكيخيا في زيارة إقليم طرابلس 1949م

clip_image006

الملك إدرْيس وبجانبه الجنرال فرنـكو عند زيارة الملك لأسبانيا عام 1953م

clip_image008

مجموعة من طلبة مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية عام 1918م

clip_image010

الأمير محَمّد الرّضا السُّنوُسي، السّيِّد صفي الدّين السُّنوُسي، الدّكتور فتحي عمر الكيخيا، السّيِّد أحمد بن إدرْيس السُّنوُسي، السّيِّد عمر باشا منصور الكيخيا، السّيِّد إبراهيم بن شعبان، السّيِّد علي مبارك اليمني

clip_image012

مدينة بنغازي تستقبل الملك إدرْيس في يوم الإستقلال

clip_image014

الملك إدرْيس يجلس في سيارةِ المراسم المكشوفة وإلى جانبه الرئيس المصري محَمّد نجيب خلال زيارة الملك لمصر عام 1952م

clip_image016

مرفق الصور:

الصورتان: صورة الأمير إدرْيس السُّنوُسي والدّكتور فتحي الكيخيا في زيارة إقليم طرابلس 1949م.. وصورة الملك إدرْيس وبجانبه الجنرال فرنـكو عند زيارة الملك لأسبانيا عام 1953م، والصورتان مصدرهما شبكة الإنترنت الدّوليّة وقد سبق نشرهما.. والصورة التي تضم مجموعة من طلبة مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية عام 1918م، والتي يظهر فيها فتحي عمر باشا الكيخيا (الأوّل من اليمين وقوفاً) هي صورة سبق للأستاذ سالم الكبتي أن نشرها في مقالته: “من تاريخ الجامعة اللّـيبيّة (1955م – 1973م)” المنشورة بتاريخ 12/9/ 2008م في موقع (منتدى ليبَيا). أمـّا الصور الأخرى: هي صور خاصـّة تُنشر لأوَّل مرَّة (من أرشيف العائلـة السُّنوُسيّة)، يظهر في الصورة الأولى منها: الأمير محَمّد الرّضا السُّنوُسي، السّيِّد صفي الدّين السُّنوُسي، الدّكتور فتحي عمر الكيخيا، السّيِّد أحمد بن إدرْيس السُّنوُسي، السّيِّد عمر باشا منصور الكيخيا، السّيِّد إبراهيم بن شعبان، السّيِّد علي مبارك اليمني.. الثانية: مدينة بنغازي تستقبل الملك إدرْيس في يوم الإستقلال، ويظهر الحشد الجماهيري على جانبي شارع عمر المختار والقوس الذي يفصل بين الشّارع وميدان البلدية (البياصة).. الثالثة: الملك إدرْيس يجلس في سيارةِ المراسم المكشوفة وإلى جانبه الرئيس المصري محَمّد نجيب خلال زيارة الملك لمصر عام 1952م.

مرفق الوثائق:

يرجى الإطلاع على الوثائق الهامـّة الملحقة أسفل المقالة. يلاحظ أن الوثيقة الخاصّة بخبر عقد قران الدّكتور فتحي الكيخيا، هو خبر كانت جريدة (بريد برقة) قد نقلته في باب (الأخبار المحلية) عام 1938م، ومن جهتنا نقلنا هذه الوثيقة عن موقع (الباكور) الإلكتروني.

ملاحظات وإشارات هامّة:

11) الدّكتور فتحي عمر الكيخيا.. سيرة وتاريخ : مجمل تفاصيل هذه السّيرة أخذتها من السّيِّد/ نوري رمضان الكيخيا (ابن اخت الفقيد) عبر مراسلات وإتصالات أجريتها معه بالخصوص. ومن مقالة للأستاذ/ مفتاح السّيِّد الشّريف المعنونة باسم:” العـوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها – 4 حلقات”، والمنشورة في موقع (ليبيا وطننا) بتاريخ 10 يوليو/ تموز 2006م.
12) نصّ البرقيّة: أنظر إلى محاضر جلسات المؤتمر الوطنيّ البرقاوي 1948م – 1950م، محضر الجلسة المنعقدة يوم 8 أبريل/ نيسان 1949م في التسلسل الوثائقي المسجل تحت رقم (31).
مصادر ومراجع
م20) الدّكتور مجيد خدوري – كتاب: “ليبَيا الحديثة” – الصّادر عام 1966م عن مؤسسة “فرنكلين” للطباعة والنشر (بيروت – نيويورك)، الذي ترجمه الدّكتور نقولا زيـَادة وراجع نصّه الدّكتور نـَاصر الدّين الأسـَد.
م21) الأستاذ/ بوزيد الهّلالي – مقالة: قراءة مستقلة في بيان “الإتحاد الدستوري اللّـيبيّ” – موقع أخبار ليبّيا” يوم الأربعاء الموافق 1 يونيه/ حزيران 2005م.
م22) نفس المصدر السّابق.
م23) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – مجَلّد: (ليبَيا.. من الشرعيّة الدستوريّة إلى الشرعيّة الثوريّة) – الصادر عن (مكتبة وَهـبَـة) و (دار الإستقلال) الطبعة الأولى 1429 هجري الموافق 2008م.
م24) اليوم (جريدة يومية أسبوعيّة) تصدر من بيروت – مقالة (ليبَيا اليوم) في العدد الخاصّ رقم (7029) الصادر يوم الأحد 13 ربيع الثّاني 1386 هجري الموافق 13 يوليو/ تَمّـُوز 1966م.
م25) نفس المصدر السّابق.
م26) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – مجَلّد: (ليبَيا.. من الشرعيّة الدستوريّة إلى الشرعيّة الثوريّة) – الصادر عن (مكتبة وَهـبَـة) و (دار الإستقلال) الطبعة الأولى 1429 هجري الموافق 2008م.
م27) الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب – كتاب ” إدرْيس السُّنوُسي” – الطبعة الثّانيّة الصادرة “دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة” عام 1957م.
م28) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجَلّد الثَّاني: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التّاريخ السّياسي) – مركز الدّراسات اللّـيبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.
م29) الدّكتور/ وهبي أحمد البوري – مقالة على حلقات تحت عنوان: ” الإدارة البريطانيّة في برقة (2-4) – نُشرت في موقع (ليبَيا اليوم) بتاريخ 31 يناير/ كانون الثّاني 2008م.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: