أبوبكر الشكري : من صالح النوال إلى أحمد بورحيل (هنا كانوا وكان العسكر) ..

 

ScanImage019

في الثالث والعشرين من شهر أكتوبر الماضي مرت الذكرى التاسعة والعشرون لاستشهاد المناضل صالح النوال أحد الذين قاموا في وجه طغيان وجبروت زمرة العسكر الانقلابيين وزعيمهم الملازم أبو منيار منذ السنوات الأولى لانقلابهم المشؤوم وكان لذلك من أوائل من اكتووا بنار ظلمهم و طغيانهم وتنكيلهم حيث اعتقل و أودع في غياهب سجونهم الرهيبة وأذاقوه أصناف العذاب إلى أن قٌاموا بإعدامه ليلقى وجه ربه شهيداً في 23 أكتوبر 1983 .

bu-na

وبهذه المناسبة ننشر هنا ( لأول مرة ) هذه القصيدة التي كتبها الشهيد صالح النوال بتاريخ 18/11/1976 وهي موجهة لرفيقه في السجن المناضل أحمد بو رحيل – رحمة الله عليهما – عندما كانا معتقلين في السجن الرئيسي ( سجن الكويفية ) بمدينة بنغازي في ذلك الحين وهي بعنوان (هنا كانوا وكان العسكر)

يقول فيها :

نقل من سجنه تحرسه العسكر

ليشيع جنازة أخ له أكبر

وعلى مشارف الربع تذكر

فقال يخاطب العسكر … !

قفوا نبكي على ربع به آثار ماضينا            وفكوا القيد كي أعدوا بربع كان يأوينا

به الغدران والبئر به كانت مواضينا            حقول الربع خضراء بها ترعى مواشينا

شذى النوار بالربع يعيد الروح يحيينا               بنات العم والخال يردن الماء يسقينا

يردن البئر أفواجاً كأسراب القطا جئنا               إذا ما لاح مجهولاً ثياب الستر يدنينا

ليالي الصيف نقضيها بقاع الربع نادينا              ليالي القر تجمعنا بقرب النار تدفينا

حكايا النار أجملها حكايا عز ماضينا              لأجل الحق قد ماتوا كثير من أهلينا

فقد كرّت جحافلهم تهد الربع تردينا         تبيد الحرث والنسل وتقضي بالعصا فينا

وكم مرت بنا إحن بها طالت ليالينا           وطال البعد والبين وليل السجن يطوينا

” غراب البين ” ظالمنا بقعر السجن يخفينا     فلا عشنا ولا عاشت بلادٌ ملك باغينا

ولا عيش بها طاب ولا جفت مآقينا          فذكرى الموت والربع تعيد الجرح تدمينا

فشدوا الرحل يا عسكر فموت الحر يبكينا       وداعاً أهلنا صبراً غداً حتماً تلاقينا .

bu-na00

فمن هو ( صالح النوال ) قائل هذه القصيدة ؟ و ما هي المناسبة التي قيلت فيها ؟
هو صالح علي الزروق النوال من مواليد عام 1936 م بمدينة بنغازي بمنطقة البركة ، تحصل على دبلوم من المركز الدولي للتربية الأساسية بمصر عام 1956.

عمل مدرساً وموظفاً في الإذاعة ثم موظفاً في مكتبة الجامعة الليبية ببنغازي إلى أن ترك الوظيفة واتجه إلى العمل الحر.

سافر إلى سوريا والتقى هناك عدة قيادات إسلامية كان نتاجها انتمائه إلى حزب التحرير الإسلامي ثم عاد إلى ليبيا سنة 1963 .

عقب الانقلاب العسكري المشؤوم في سبتمبر 1969 قام النوال بمخاطبة ما سمي بمجلس قيادة ( الثورة ) في ذلك الحين ورئيسه الملازم أبومنيار عدة مرات بخصوص إنشاء دستور للبلاد يستند على تعاليم الشريعة الإسلامية.

تم اعتقله بتاريخ 17 /4/1973 م – فيما سمّي بالثورة الشعبية – بتهمة التحزّب والتحريض ضد ( الثورة ) ، وتمت مصادرة أمواله وممتلكاته ومن أثمنها مكتبة تحوي قرابة 1000 كتاب من أمهات الكتب.

وقضى في السجن عشر سنوات كان منها ست سنوات تقريباً في السجن الرئيسي في بنغازي ثم نقل إلى السجن العسكري بطرابلس والذي كان معروفاً بسجن ” الحصان الأسود ” ومكث فيه قرابة أربع سنوات. ، قـُدّم خلالها للمحاكمة ثلاث مرات، حيث حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن ست سنوات لكن الطاغية أبومنيار قام بتغيير الحكم بنفسه إلى المؤبد . وفي سنة 1983 حوكم أمام محكمة استثنائية خاصة هي محكمة اللجان الثورية أصدرت في حقه وآخرين حكما بالإعدام(1) ، وتم تنفيذ ذلك الحكم الجائر في الحــال. داخل السجن (2) بتاريخ 23 أكتوبر 1983 ونقل جثمانه إلى مكان غير معروف.

ومن الغريب أن صالح النوال قد ترك حزب التحرير الإسلامي منذ بداية السبعينيات ( كما يذكر في مذكراته ) و إنه حين اعتقل لم يكن ينتمي لذلك الحزب لكنه لم يشأ أن يخذل أصحابه في الحزب . وكان الشهيد النوال يلقب الطاغية معمر القذافي داخل السجن بـ ( الفرعون).

ويذكر إنه قال حين قرأت عليه المحكمة الثورية حكم الإعدام :

(قولوا لمعمر مش أنت اللي يقرر أمتى أنموت إنما الله سبحانه وتعالى هو من يقرر ذلك)

كما يذكر أنه عرضت عليه تدبير عملية هروب له من السجن – كانت ناجحة في ذلك الوقت -لكنه رفض وفضل المواجهة.(3)

هذه بعض ومضات من حياة المناضل الشهيد صالح على النوال رحمه الله برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته.

أما عن هذه القصيدة التي ذكرناها أعلاه وذكرنا أنه ( لم يسبق نشرها من قبل ) وظل السيد مرعي نجل المناضل الأستاذ أحمد بورحيل يحتفظ بها .

فهي تتلخص في أن الحاج محمد يوسف بورحيل النجل الأكبر للشهيد يوسف بورحيل قد جاء لزيارة شقيقة احمد – الذي كان هو ورفيقه الأستاذ عبد المولى دغمان معتقلين بالسجن الرئيسي بمدينة بنغازي(الكويفية ) وكان معتقلا معهما كذلك السيد صالح النول وعدد من الوطنيين الشرفاء – وقبل أن يتمكن السيد محمد بورحيل من زيارة شقيقه دهسته سيارة أمام باب السجن ففارق الحياة – رحمة الله عليه .

فسمح للأستاذ احمد بورحيل بالخروج من السجن – تحت الحراسة – ليحضر مراسم دفن شقيقه الأكبر وقد تأثر رفيقه بالسجن صالح النوال بتلك الحادثة وكتب تلك الأبيات .

رحم الله صالح النوال ومحمد وأحمد بورحيل وعبد المولى دغمان وكل من وقف وسيقف في وجه الظلم والطغيان على مر العصور.

أبوبكر فرج الشكري

31 / 10/ 2012

هوامش :

(1) ممن اعدم مع صالح النوال من مدينة بنغازي كل الشهيد: عبد الله المسلاتي و الشهيد: عبد الله حمودة ( شقيق شهيد ثورة فبراير عبد القادر حمودة ) رحمة الله عليهم جميعاً.

(2) هذا التاريخ أخبرني به السيد مرعي بو رحيل نقلا عن السيد علاء الدين نجل الشهيد صالح النوال .

(3 ) كان للشهيد صالح النوال أربعة أبناء هم : أيمن ، مالك ، علاء الدين و إسلام وابنة واحدة

هي إيمان ، وقد جرى اعتقالهم و تعذيبهم و التنكيل بهم على أيدي زبانية الطاغية ولجانه الثورية – رغم أن منهم من لم يتجاوز في ذلك الوقت الثامنة عشر من عمره – وأودعوا السجن لفترات متعددة ثم أفرج عنهم بعد أن حكمت عليهم المحكمة الثورية بالحرمان من حقوقهم المدنية. كما تم اعتقال المواطن فتح الله أحمد العريبي أبن أخت الشهيد صالح النـوال سنة 1982 بتهمة محاولة اغتيال الدجال أبو منيار وتم قتله داخل السجن بطرابلس.

المصادر :

كتاب : التاريخ السياسي ومستقبل المجتمع المدني في ليبيا ـ  إبراهيم عمّيش .

http://saleh-elnawal.blogspot.com مواقع على شبكة الانترنت منها

القصيدة ( النسخة الأصلية والوحيدة ) من محفوظات الأستاذ : مرعي أحمد بورحيل .


 

[ نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم ( 77/ 78) الصادر بتاريخ 4 نوفمبر 2012 م ].

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: