الدسـتــور اللـيـبــي: النـفــق المظـلــم …

 

ألقت حوادث العنف التي وقعت الصيف الماضي في الشرق الليبي بظلالها على انتخابات «المؤتمر الوطني العام»، وكشفت الانقسامات العميقة في البلاد والأخطار الأمنية الجسيمة التي تتهددها.
وكان أنصار الفيدرالية في بنغازي (كبرى مدن برقة) قد أحرقوا صناديق الاقتراع ودعوا إلى مقاطعة الانتخابات، لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يطالبون به من تخصيص أكثر من ستين مقعداً لمنطقة برقة (الشرق الليبي) في «المؤتمر الوطني العام»، في مقابل المئة مقعد المخصصة لمنطقة طرابلس (الغرب الليبي)، والأربعين مقعداً المخصصة لمنطقة فزان (الجنوب الليبي).


كما يطالب أنصار الفيدرالية بتمثيل متساو في «لجنة الستين»، المولجة كتابة مسودة الدستور، بواقع عشرين عضواً لكل واحدة من المناطق الثلاث، على أن ينتخبوا بشكل مباشر، لا أن يعينهم «المؤتمر الوطني العام».
وسيكون من أصعب مهمات هذه اللجنة إقامة توافق على نظام الحكم في ليبيا، والاختيار بين النظام الوحدوي والنظام الفيدرالي، الذي عاشت ليبيا في ظله في مرحلة (1951 ـ 1964)، حيث كانت البلاد مقسّمة إلى ثلاث مناطق فيدرالية: طرابلس وبرقة وفزان.
وتُعدّ هذه المسألة من أكثر المواضيع إثارة للخلاف، لكونها ذات تأثير على مستقبل الاستقرار السياسي، الرخاء الاقتصادي والوحدة المجتمعية.
وفي الواقع، فإن الخلافات بشأن صلاحيات «لجنة الستين» وآليات عملها تعود في جذورها إلى الانشقاقات العميقة والقديمة في البلاد.
ويكشف التأخر في تشكيل لجنة الدستور عن الطريق المسدود الذي وصلت إليه البلاد. وبمجرد أن تتشكل اللجنة، فلن يكون أمامها سوى ستين يوماً لكتابة مسودة الدستور وتقديمها إلى «المؤتمر الوطني العام»، الذي يجب عليه أن ينظم استفتاءً عاماً عليها، خلال ثلاثين يوماً فقط.
وينبغي أن يراعي النظام المقترح في المسودة أولويات المصلحة الوطنية الليبية، أو أن يجري التوافق على نظام هجين يرضي الطرفين.
ولن يكون باستطاعة الاستفتاء على الدستور وحده أن يؤمن شرعيته، بل سيكون من اللازم أن تراعى المحاصصة المناطقية والقبلية والإثنية، تماماً كما يجري حالياً في خضم النقاشات المتصلة بتوزيع الحقائب في الحكومة الجديدة، وسيستمر الأمر كذلك ما دامت مؤسسات الحكم الحالية في ضعف شديد.
وفي الوقت الذي فرض فيه الأفرقاء المناطقيون حضورهم، فإن الأقليات، من قبيل الأمازيغ والطوارق والتبو، ما زالت خارج المعادلة. وقد شهدت طرابلس خلال أغسطس وأيلول الماضيين احتجاجات مطالبة بتمثيل الأقليات، إلا أن الإعلام المحلي والدولي قام بالتعتيم عليها. ويبدو أن الأمازيغ أكثر تنظيماً من غيرهم.
ومن جهة أخرى، حاول المثقفون والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان الانخراط في جهود مشتركة للمطالبة بتمثيلهم، لكن العوامل المناطقية والصراع بين نموذجي الوحدة والفيدرالية تهيمن على الجدال الدائر، ولا يترك مجالاً لنقاش موضوع الأقليات أو الناشطين المدنيين، فاستمرار التوترات المناطقية، خصوصاً بين طرابلس وبنغازي (عاصمتي البلاد خلال مرحلة الفيدرالية)، يثير المزيد من الخلافات حول تمثيل كل منطقة في ظل أي نظام وحدوي مقترح، ويحمل سكان بنغازي مخاوف أكبر بهذا الشأن.
ولهذا الاستقطاب المناطقي جذور اقتصادية أيضاً، فتوزع الموارد الطبيعية، لا سيما النفط، له تأثير بالغ على الدخل المستقبلي لمناطق البلاد، التي يعيش ثلث سكانها عند خط الفقر أو تحته.
ويرفع سكان بنغازي الصوت عالياً في هذا الصدد، إذ يتهمون نظام القذافي، الشديد المركزية، بتركهم متخلفين عن ركب التنمية، مقارنةً مع الغرب الليبي، حيث ملأ جيوب مناصريه. ويستشهد هؤلاء بمصدر أميركي ليؤكدوا أن «ثلثي الإنتاج الليبي من النفط مصدره حقول الشرق الليبي»، ويجادلون أن أي نظام حكم وحدوي سيعزز التوزيع الظالم لمداخيل البلاد.
عامل محوري آخر تدور حوله الانقسامات، وهو موقع الشريعة في نظام الحكم: ففي الوقت الذي يتوافق فيه الليبيون على حفظ موقعها في النظام الجديد، فإنهم يتوزعون بين من ينادي بجعلها المصدر الوحيد للتشريع، ومن ينادي باعتبارها مصدراً أساسياً له، ومن يكتفي بالتعامل معها كمصدر «إلهام». هذا بالإضافة إلى المجموعات الأكثر تطرفاً، مثل «القاعدة» و«أنصار الشريعة»، التي ترغب في إحلال إمارة دينية صرفة محل الديموقراطية. وبالرغم من محدودية عدد أعضاء هذه المجموعات، إلا أنها تتمتع بدعم كبير، وشعبية واسعة، وتملك الكثير من السلاح، وقد شاركت هذه المجموعات بفعالية في العمل المسلح ضد النظام السابق، وقامت إحداها بقتل السفير الأميركي في ليبيا كريستوفر ستيفنز. ويكتفي حالياً الكثير من الليبيين بمعارضة نشاطها المسلح فقط. ولا توجد مؤشرات على أن هذه المجموعات ستخسر نفوذها في المستقبل القريب، بل ستسعى إلى تعزيز مواقعها في ظل الانفلات الأمني والضعف الاقتصادي اللذين يلعبان لمصلحتها.
(«كارنيغي» بتصرف)

                           Untitled20121108100040

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: