جمال الجمل : خسر القذافى.. فمن ربح؟

 

فرحت بسقوط «خنوفة»، بلطجى مصر القديمة، الذى دوخ الشرطة لأكثر من شهرين، أكثر مما فرحت بسقوط القذافى «بلطجى ليبيا القديمة»، الذى دوخ بلاده لأكثر من 40 عاما، لأن «خنوفة» سقط نتيجة جهود «مطارده الطبيعى»، دون رصاص أو اقتحامات أو استعراضات للقوة، أما القذافى فقد سقط نتيجة جهود «بلطجى أخطر» دك ليبيا بآلاف القذائف ودمر بنيتها التحتية من خلال سلسلة غارات مشبوهة، ستكشف الأيام أنها كانت مخططة لتلائم ما يسميه الغرب مرحلة «إعادة الإعمار»، وهى المرحلة التى تتنافس فيها دول «الناتو» على أنصبة شركاتها من المقاولات، وعمليات البناء وتصدير الأسلحة والمستشارين وخلافه، وهكذا يستخدم الغرب نزيف الدم الليبى لتنشيط اقتصادياته المنهارة تحت وطأة الركود الاقتصادى والأزمة المالية العنيفة، بالإضافة إلى الاستخدام السياسى لمثل هذه الحروب كأوراق انتخابية أو ملطفات للاحتقانات السياسية فى دول الاستعمار الخبيث.

نعم، خسر القذافى، لكن من الذى ربح؟ (من سيربح المليارات؟) ذلك هو السؤال الذى أفسد فرحتى بسقوط نظام كاليجولا، وهو نظام كاريكاتورى طالما انتقدته، حتى إن القذافى كان صاحب القضية الوحيدة التى رفعها ضدى شخص بتهمة السب والقذف، وذلك ردا على مقال كتبته فى صحيفة الدستور عام 2005 بعنوان «كاليجولا.. مفكر أخضر»، والمضحك أن السفارة الليبية أرسلت بعد أيام من إعلانى القضية إعلانا آخر بسحبها والتنازل عن الدعوى، لكننى الآن لم أشعر بأى شماتة فى سقوط القذافى، بل لا أخفى عليكم أننى شعرت ببعض الألم والعار، لأن سقوطه لم يكن بيد شعبه، ولم يكن انتصارا للأسلوب السلمى الديمقراطى الذى أفضله فى التغيير، لكنه سقوط غير مشرف يقدم نموذجا مؤسفا للتحالف مع الشيطان لتحقيق غاية نبيلة، وهى وسيلة تسىء إلى الغاية، وأعتبرها خطيئة عادة ما تجر اللعنات كما أخبرنا الأدب والواقع على مدى التاريخ،

وبصراحة أنا لم أستطع أن أقف فى صف واحد مع طائرات الناتو وأموال الطابور الخامس العربى، ولم أستطع أن أفرح لفرحة حكام قطر والسعودية، وسعيهم المفضوح للانتقام والتشفى من العقيد الهذيانى، الخارج على النص فى مؤتمرات القمة وسواها، أنا أعرف مثلكم أن «نظام الخيمة» ليس إلا ديكتاتورية عائلية هزلية شعبية اشتراكية عظمى، لكن الثورة على هذه الديكتاتورية لم تختلف كثيرا عن ذلك النظام، وكانت إدارتها للثورة الشعبية مهزلة أكثر سوءاً، فقد حولت المظاهرات السلمية إلى حرب أهلية مسلحة، ثم سمحت لقوى أجنبية باستباحة سماء وأراضى الوطن،

وأكاد أرى بعينى بنود صفقات مريبة وعقود إذعان مستقبلية، للتفريط فى النفط الليبى لصالح الدول المرتزقة، التى تستخدم شعارات الديمقراطية والتحرر كحصان طروادة لتتسلل من خلاله إلى غرف صناعة القرار فى بلداننا، وتعيد تشكيلها بما يخدم استراتيجية الغرب، ويحل أزماته، ولهذا أذكركم مجددا بالسؤال عن الرابح من هذه الحرب، لقد كانت ليبيا «خيمة ديكتاتورية هزلية»، فصارت الآن «خيمة شعبية دموية».. تفكك جيشها إلى ميليشيات بدائية وصار السلاح فى كل يد، وإذا استمر الأداء بالأسلوب نفسه، فسوف نتحسر على تناحر شعبها بتركيبته القبلية وجغرافيته الشاسعة، التى يصعب أن تتحكم فيها سلطة مركزية من النوع السابق، أو المنتظر، فمن يتحكم فى هذه البلاد مستقبلا؟.. السؤال يطرح أسئلة أخرى عن سر تدخل قوات درع الجزيرة لقمع تظاهرات المعارضة فى البحرين؟..

وأسباب تحرك السعودية ومجلسها الخليجى فى الاتجاه المعاكس لدعم النظام البحرينى فى مواجهة شعبه، وسعيها لاحتواء الصراع اليمنى قرب حدودها، واستضافتها رأس النظام التونسى الهارب، ودعمها مبارك وفلوله، فلماذا يا ترى تغيرت سياستها فى حالتى ليبيا وسوريا فقط؟، وهل يعنى هذا تطبيق التجربة الليبية فى سوريا لتفكيك محور (طهران/دمشق) بما يخدم استراتيجية الغرب، وميول خادم الحرمين.. فكروا معايا فى إجابة.

                                              Untitled20121109140439

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: