سمير احمد الشارف : بين الشرعية الدستورية ودستورية الدولة

524445_441152769262007_1686077125_n

” هذه المقالة كتبتها في وقت مبكر بتاريخ 1 /9 / 2007 م حول الشرعية الدستورية كانت بمناسبة طرحها من قبل المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية الأول المنعقد سنة 2005 م وكمساهمة مني في اثراء الحوار حولها ، وقعتها باسمي الذي اعتز به ( محمد أمين ابن لجنة الستين ) قبل ان أضيف اليه اللقب الوهمي العيساوي ، اعيد نشرها الآن بمناسبة العودة لنفس المفهوم . علها تثري الحوار الان ببعض الفائدة .”

تابعت باهتمام الحوار القيم الذي اتسمت به الندوة التي إقامتها غرفة ليبيا المستقبل حول “الشرعيّة الدستورية”, وللأهمية البالغة التي يتميز بها موضوع الندوة, فأن المرء بجد نفسه مدفوعا للكتابة حوله إثراءًا منه للحوار ومساهمة في توضيح بعض المفاهيم التي تتعلق بهذا المبدأ الدستوري . ذلك أن ما طرح في الندوة من آراء واجتهادات حول هذا المفهوم مع الاحترام والتقدير لأصحابها قد جانبت في بعضها الصواب وفى بعضها الآخر حاولت الاقتراب باحتشام من المدلول الفقهي الذي يعنيه هذا المبدأ.

فالعودة إلى الشرعية الدستورية شيء والمطالبة بدستورية الدولة والنظام الحاكم شيء آخر. فما الذي تعنيه عبارة (العودة إلى الشرعية الدستورية) من الناحية الفقهية ؟ وماذا نعنى بقولنا العودة إلى شرعية دستور 1951م ؟.

إن مصطلح الشرعية الدستورية هو مصطلح فقهي يتعلق بشرعية سلطة قائمة في ظل دستور قائم وبمعنى آخر هي شرعية الحكم أو الحكام. فالفرد أو المجموعة الحاكمة تقوم بمهامها استناداً إلى الصفة التي تحصل عليها من الدستور. فالدستور هو الذي يؤسس سلطة الحكام وينشى مؤسسات الدولة فالمبدأ الذي تم طرحه وبالشكل الذي تناولته الندوة وقبلها المؤتمر الوطني للمعارضة لا يخرج في حقيقته عن هذا الفهم أما ما طرح من آراء حول فهي تأويل قسري لا يمت إلى هذا المبدأ بأية صلة وإنما صادر عن رغبات ورؤى شخصية ليس إلا. إذ كيف يستقيم القول بالعودة إلى شرعية دستورية وتعنى الاحتكام إلى دستور قائم لمعرفة مدى شرعية السلطة القائمة الآن مع الرأي الذي يذهب إلى أن هذه العودة ليست بالضرورة تعنى العودة إلى النظام الملكي.

فالدولة الليبية لا تعرف في تاريخها الحديث سوى دستور واحد هو دستور 1951م فهو الذي يعد المعيار والحكم في شرعية أي سلطة قائمة في الدولة. ذلك أن هذا الدستور يتميز بكونه:

1- قد وضع وصدر عن جمعية تأسيسية تشكلت بموجب آلية توافقت مع معطيات الواقع والظروف التي عاشها الشعب في تلك الفترة وأن تلك الآلية ليست بمنقصة بالنسبة لها في ظل ذلك الواقع الذي لا يسمح المقام للتطرق إليه. ومن ثم فإن دستور المملكة الليبية هو ليس بدستور منحة من ملك مطلق قد منحه بإرادته ولم يأت بطريق العقد كما هو الحال في دستور المملكة المصرية لسنة 1923م إذ وحسبما جاء في مقدمة الدستور التي تعتبر جزء لا يتجزأ منه أن تصديره جاء بعبارة “نحن ممثلي شعب ليبيا من برقة وطرابلس الغرب وفزان ” ولم تتصدره عبارة ( نحن إدريس الأول ملك المملكة الليبية ) ومن ثم فهو قد صدر عن جمعية وطنية تأسيسية وهي أرقى آليات الإصدار بل تفوق ديمقراطيا آلية الاستفتاء ألشعبيي التي كما هو معلوم لا تتاح فيها فرصة مناقشة أحكام ونصوص الدستور وإنما تكون في شكل إجابة بنعم أولا لكل الدستور.

2- أن دستور سنة 1951 م – وهو أهم شئ فيه ويرقى إلى مستوى المقدس – قد أنشأ وكون الدولة الليبية كوحدة سياسية لأول مرة في تاريخها بجغرافيتها التي نعرفها الآن وهذا ماورد في الفقرة الثالثة من مقدمة الدستور والتي جاء نصها ( وعلى تكوين دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة تؤمِن الوحدة القومية وتصون الطمأنينة الداخلية وتهيئ وسائل الدفاع المشتركة وتكفل إقامة العدالة وتضمن مبادئ الحرية والمساواة والإخاء وترعى الرقي الاقتصادي والاجتماعي والخير العام.).

3- أنه وبإرادة مطلقة من الجمعية الممثلة للشعب الليبي واحتراما لمبايعات سابقة لا ينكرها التاريخ نادت هذه الجمعية بالسيد محمد إدريس المهدي السنوسي ملكا دستوريا على ليبيا (أي على الدولة التي أنشأتها) كما ورد في الفقرة الثانية من مقدمة الدستور.

وبناء على ذلك فإننا إذا طرحنا هذا المبدأ فسوف لن يعني إلا ما تضمنه من مفهوم بالعودة إلى شرعية السلطات التي ولدها ذلك الدستور وهي سلطة الملك المقيدة بأحكام الدستور والسلطة التشريعية المحددة في المجلسين والسلطة التنفيذية والقضائية وهي السلطات التي أنشأها الدستور وفقا لآليات حددها في صلب المتن والقول بغير ذلك هو قول مجانب للصواب ويدخل في إطار المزاج السياسي ويعد بالتالي وجهة نظر سياسية تعبر عن صاحبها وفقا لرؤيته وإديولجيته التي يحملها أي لا يطلق من نظرة موضوعية مجردة وهو الذي نعنيه.

إن القول بأن العودة إلى الشرعية الدستورية تعني العودة إلى المبدأ أي إلى مبدأ إنشاء الدستور أي الجمعية التأسيسية قول يجانبه الصواب وفيه شطط على مفهوم المبدأ فهذا الرأي يعني وبكل صراحة ووضوح البحث عن دستور للدولة واعتراف ضمني بسقوط دستور 1951 ومن ثم يقتضي ذلك صياغة دستور جديد للدولة وهذا يعني:

1- إننا نريد أن ننشئ دولة جديدة بموجب دستور جديد ومن ثم ألغينا ليس دستور 1951 فحسب ولكن الدولة التي تكونت بموجب هذا الدستور وهذه مسألة يجب أن ننتبه إليها فلا ينبغي أن تحجبها علينا رغباتنا الشخصية.

2- إن حكومة الأمر لواقع التي قامت صبيحة 1/9/1969 م هي حكومة نالت شرعيتها بمدفع دبابة وان ليس لها لأن تكسب الشرعية الدستورية إلا بطرح دستور يؤسس الدولة الليبية الثانية بعد الاستقلال ومن ثم تفقد المعارضة شرعيتها في المطالبة بأي دستور متى مالجأت السلطة في تقنين نظامها القائم بوثيقة دستورية تطرح على المؤتمرات الشعبية وتنال القبول بشكل من الأشكال تماما كما هو الحال في جمهورية مصر حيث قنن الأمر الواقع بدستور دائم صدر سنة 1971م عن طريق استفتاء شعبي علما بأن هذا الدستور القائم إلى حد الآن قد عبث به الرئيس الراحل أنور السادات بشهادة أستاذنا الفاضل رئيس لجنة الصياغة في الجانب التشريعي د. عبد الحميد متولي وأيضا تلميذه الأستاذ الفاضل د. إبراهيم درويش وهكذا هي الحال في ثقافة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت وطننا العربي والعلم الثالث عموما بأكذوبة الثورة الشعبية استعارة فى غير محلها ولا تترجم الواقع من الثورة الفرنسية فانساق خلفها إما بعاطفة أو بدون دراية ونتيجة لوهم خادع بعض أساتذة وفقهاء القانون الدستوري العرب فقننوا لنا حكومات الأمر الواقع وليدة شرعية الدبابات العسكرية وأوهمونا بسقوط دساتيرنا التي نبتت في مناخ المجتمعات المدنية المتمدنة.

إن القول بقدم دستور سنة1951م وأنه لم يعد يواكب الواقع المعاش قول لا يقدح فيه ولا ينقص منه ولا يدفعنا للمطالبة بدستور جديد. فدستور الولايات المتحدة الأمريكية الصادر في 17-9-1787م قد مضى عليه الآن220عاما ورغم مضى هذه السنوات فقد تناوله ما يربو عن 25 تعديلا وحينما يشار إلى دستور الولايات المتحدة فإن الإشارة تنصرف إلى دستور 1787م ولا تنصرف إلى آخر وثيقة تعديل بل إن شرعة الاستقلال الصادرة في 4 يوليو1776م وهى الشرعة التي حررها توماس جفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة) لم تزل الأساس في دستور الولايات المتحدة. لماذا…؟ ذلك لأن تلك الشرعة قد أسست الدولة المستقلة وأن ذلك الدستور قد أسس اتحاد تلك الدول التي نعرفها الآن بالولايات المتحدة ولا أظن أن المواطن الأمريكي عن كيف تمت صياغة تلك الوثيقة الدستورية وإنما يقدسها لأنها شهادة ميلاد دولته . وهكذا فإن دستور المملكة الليبية الصادر في 7-أكتوبر- 1951م هو الشهادة الرسمية لميلاد الدولة الليبية دولة الاستقلال.وهو ما ينبغي لنا أن نتمسك به وان نعود إلى شرعيته وان كان هناك ما يستوجب لتعديله فيتم تعديله وفقا للآلية التي نص عليها والتي يجب علينا احترامها.

أما ما يتعلق بالمادة 197 منه والتي تحظر تعديل شكل الحكم الملكي والحكم النيابي والحرية والمساواة التي يكفلها الدستور فهو أمر طبيعي وليس شادا في الدساتير المكتوبة التي تهدف إلى استقرار القواعد الدستورية التي أنشأها الدستور وعدم العبث بأنظمة الحكم ومبادئ الحرية والمساواة والعدالة والتي لا يحظر النص سالف الذكر من تطويرها واستيعابها للحقوق والحريات التي تنشأ عقب تاريخ صدوره.

محمد أمين “ ابن لجنة الستين “

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: