قيس قاسم : «المنشقون» عن الأنظمة هل يمكن الوثوق بهم ؟

 

هل يمكن الوثوق بشخص بَدَّل موقعه في نظام ما وانتقل الى صفوف المعارضة؟ وهل يمكن تفسير تبدله بأنه صحوة ضمير مجردة من حسابات شخصية وانتهازية؟ وهل صفة «خائن» التي ينعته بها من كان يعمل معهم صحيحة؟ ثم هل يمكن من دونهم إحداث تغييرات في بنية أنظمة تحتاج حقاً الى تغيير؟ كل هذة الأسئلة جاءت في البرنامج التلفزيوني المثير للجدل «المنشقون» وحاولت فيه مجموعة من المراسلين السويديين الاجابة عن بعضها من خلال مقابلات مع أشخاص انشَقوا أو تركوا مراكزهم السابقة في مؤسسات عسكرية واقتصادية فعالة وانتقلوا الى صفوف المعارضة.

الملازم عبدالرزاق طلاس واحد من المنشقين عن المؤسسة العسكرية السورية. مقابلته في موقعه السري أجبرت فريق العمل الصحافي على الانتقال، خلال يومين متتاليين، بين أكثر من مكان والسير في طرق ملتوية خوفاً من كشف أمره، ومع هذا سقطت قنابل قرب سيارته أثناء دخوله الى أحد المواقع التي يديرها القائد السوري، والذي وصف بأنه من أوائل الضباط المنشقين من الجيش النظامي. تحدث طلاس عن أسباب انتقاله الى صفوف المعارضة، وقال إن ما شاهده من مجازر ضد المتظاهرين العزل في درعا، حين كان يخدم فيها برتبة ضابط، دفعه للتفكير في ترك الجيش الذي كان يعاني أصلاً من فساد مستشر.

وفي مقابلة أخرى شرح ضابط سلاح الطيران قاسم سعد الدين تبعات قراره ترك موقعه والذهاب الى الطرف المعارض وكيف يدفع أهله ثمن موقفه غالياً. فخلال فترة قصيرة تعرض بيتهم لقصف بالطيران لأكثر من مرة، وعلى رغم كل شيء فإنه على قناعة بأن انتقال المرء من موقع الى آخر يستلزم تضحيات جسيمة.

كشف الحقيقة

يعود البرنامج الى حالات كثيرة برهنت أنه لولا تبدل مواقع المقربين من الديكتاتوريين لما انتهت سلطاتهم. ويقدم تجربة سقوط معمر القذافي مثالاً. ولتقويم فعل التَبدُل من موقع الى آخر، أجرى البرنامج مراجعة تاريخية أظهرت أن الأفراد الذين انشقوا عن أولياء نعمتهم عبّروا عن شجاعة في موقفهم، فقول كلمة لا لأي سلطة أو طاغية يترتب عليها الكثير، ونعتهم بصفة خائن لوحدها تكفي أن تضع المرء في دوامة من الإضطراب والقلق، كما في حالة الأثيوبي عبدالله حسين علي الذي قرر كشف أكاذيب سلطته السابقة وممارساتها الوحشية ضد المعارضين لها وأيضاً التهم الملفقة التي «تفبركها» ضد الصحافيين الغربيين ومن بينهم السويديان اللذان وجهت اليهما سلطة أديس أبابا تهمة المشاركة في أعمال الشغب، وزجتهما بعدها في غياهب السجون. عملية انتقاله السرية الى نيروبي واتصاله بمراسل البرنامج في أحد فنادقها الرخيصة كانا يشبهان فيلماً بوليسياً، اذ اتصل بمعد البرنامج رجل مجهول وأخبره ان لديه تسجيلات فيديو حَيّة تثبت تلفيق الاستخبارات الأثيوبية التهمة الموجهة الى الصحافيّين. كان الحصول على الوثائق أشبه بقنبلة سياسية موجهة ضد السلطات الاثيوبية، لهذا بادرت الى الإسراع بإطلاق سراحهما قبل وصول التسجيلات الى استوكهولم. اما موقف المنشق الأثيوبي فثمنته الدولة السويدية حين سمحت له تقديم طلب اللجوء السياسي فيها.

انشقاق اقتصادي

ليس الإنشقاق محصوراً بالسياسيين وضباط الجيش، بل يصل أحياناً الى أشخاص يعملون في حقول مختلفة منها مؤسسات اقتصادية مؤثرة، ينتقلون منها الى صفوف المتضررين من سياساتها ويبدو تنازلهم عما كانوا يحصلون عليه، وهم في داخلها، أمر لا يصدق، ولهذا عَلقت المراسلة السويدية على ترك مبرمجة النظم الحاسوبية في احدى أكبر المؤسسات المالية الأميركية في «وول ستريت» بأنه مثال للجرأة وتحفيز لسؤال عن قيمة هؤلاء الحقيقية وكيف سيبدو العالم من دونهم؟ تركت ألكس غولدشتاين وظيفتها التي كانت تَدُر عليها الملايين من الدولارات، وقررت الانضمام الى حركة «احتلال وول ستريت» المناهضة للعولمة المالية وجشع كبار أصحاب البنوك الأميركية المتسببين في أزمة عالمية ضحاياها غالبيتهم من فقراء الأرض. تحدثت ألكس عن العالم الداخلي للبنوك وروح الطمع السائدة بين العاملين فيها. «انهم لا يفكرون إلا بالمال، ولا هَمَ لهم سواه. لا يقارنون أنفسهم ببقية العالم المحتاج وعلاقاتهم في ما بينهم تسودها الغيرة والرغبة في كسب أكثر مما يكسب غيرهم». ومن خبرتها كمهندسة ومبرمجة أنظمة حسابية عرفت سبب الأزمة، وأرادت كشف الحقيقة للمتضررين منها ولهذا تركت العمل وانخرطت في التظاهرات اليومية التي تخرج أمام المؤسسات المالية في محاولة للضغط على الدولة من أجل اقرار قوانيين تَحدُ من حرية البنوك في تدمير حياة الناس العاديين. وتشعر بالسعادة بمشاركتها وتنظيمها دورات مجانية تشرح للمشاركين فيها آلية عمل البنوك وسبب الأزمة المالية، ولا تشعر بالندم على قرارها ترك العمل في بنوك وول ستريت وانتقالها الى الجهة الآخرى.

 

المصدر :الحياة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: