عبدالمنصف البوري : مـاذا يحـدث فـي ليـبيـا؟

 

704622_520353401317301_1233515652_o

من المفترض أن يؤدى التحول التاريخي الجاري في ليبيا بعد سقوط الدكتاتورية والاستبداد إلى حالة من الرضا العام والقبول بنتائج الأوضاع التي افرزها التغيير إذا أحسنت إدارة هذه المرحلة الانتقالية إلى مستقبل أكثر امنا واستقراراً ورخاءا للشعب الليبي مع الإقرار أن العام والعشرة أشهر الماضية كانت فترة صعبة جداً في تاريخ ليبيا، حافلة بمعوقات وصعوبات وتجاذبات سياسية ومشكلات ونزاعات قبلية ودعاوى جهوية ومطلبية وعليه فأي جهة مسئولة أنيط بها تحمل مسؤولية إدارة شؤون الدولة في هذه المرحلة أصبحت تواجه ضغوطاً متعددة في ظل سعيها لإدارة التغيير السياسي وتلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية الملحة مما افرز احتقانات متعددة ومتنوعة في معظم المدن والمناطق الليبية ولكن للأسف الجهات المسؤولة بمختلف مستوياتها ومسمياتها لم تستطيع التعامل مع الخيارات الصعبة بحكمة متناهية ومرونة معقولة يراعى فيها عدم استفزاز المواطنين وتتلمس فيها تحقيق بعض المطالب الشعبية.

وفى هذه المرحلة بالذات لابد من الانصات الى مطالب الشارع ايا كانت هذه المطالب والتى تبدوغير مقبولة من البعض وعلى وجه الخصوص ضرورة تفكيك المركزية المقيته، فالامر لم يعد يحتمل القبول ولا الانتظار للمواطن الليبي لاستمرارجولات اخرى من المماطلة والتأخير وما يمكن ان يقود اليه من نتائج ونما يمكن ان يترتب عليه من نتائج وخيمة فى المستقبل .
إن حل هذه التحديات والمعضلات القائمة لن يتم إلا من خلال المصارحة التامة بضرورات أي تحرك سياسي أو الإقدام على أي شأن اقتصادي، ففي ظل التحديات التي يعيشها المواطنين والموارد والإمكانيات المتاحة ومتطلبات الأولويات الداخلية مع التأكيد على وجود ملفات لا يمكن تحقيقها على المدى القصير يصبح هذا الأمر ضرورة ملحة، ومع معرفتنا سياسيا وتنظيما وحتى اقتصاديا بصعوبة القبول بمثل هذا الأمر (أي اطلاع الرأي العام على كل كبيرة وصغيرة) في جميع الدول والأنظمة المستقرة ولكننا في ليبيا نواجه ظروف وحالة غير طبيعية ومرحلة استثنائية بكل ما تعنى هذه الكلمة من معنى.
هذه الفترة بالذات تتسم بعدم الثقة وفقدان المصداقية التي تشكلت منذ زمن الدكتاتورية والاستبداد التي غيب فيها المواطن الليبي بالكامل عن الشأن العام والمال العام وحرية الرأي والتعبير (حرية الكلمة وحق الاعتراض والرفض وحق التظاهر) فخلقت بذلك فجوة من عدم الثقة استمرت أثارها حتى ألان ومن هنا يتطلب الأمر وجود قنوات عديدة مفتوحة باستمرار بين الجهات المسئولة وبقية قطاعات المجتمع الليبي المنظمة والمستقلة جماعات وأفراد لان ذلك من شأنه أن يساعد في الحد من حالة انعدام الثقة ويخفف من درجة الاحتقان ويجعل المواطن من خلال التواصل شريكا في القرار والإصلاح والبناء.
إن ما يحدث في ليبيا حتى اليوم هو استمرار تعطل الانتقال للبدء في الانجاز المادي ولو في أضيق نطاق بعد الغرق في مستنقع مجريات الأحداث وبروز الاحتقانات في العديد من المدن والمناطق الليبية وها نحن نقترب رويدا رويدا من الذكرى الثانية للتحرير أي بعد مضى نحو سنتين بالتمام والمواطن الليبي لم يرى شيئا واحد ملموس على ارض الواقع، شيء يؤكد له أننا على الطريق الصحيح، مهما كان صغيرا أو ضئيلا،أي بمعنى انه لا يوجد شيء ملموس تم ضخ بعض الأموال من اجله أو جري الإنفاق عليه لكي يصبح أفضل مما كان عليه وعلى سبيل المثال لا الحصر لم يتم إصلاح طريق عام، أو بناء مدرسة، أو ترميم مبنى عام أو حكومي،أو استكمال المشاريع الإسكانية والاقتصادية، أو حل مشكلة الكهرباء والاتصالات، أو الاهتمام بمستشفيات ومصحات تعانق الفوضى والإهمال وغياب الإدارة الصحيحة، أو الالتفات إلى مطارات لا تتمتع بأدنى مستويات الخدمات المتعارف عليها في أنحاء العالم، والأدهى والأمرّ عدم استتباب الأمن والاستقرار في عدد من المدن والمناطق الليبية، ومازال السلاح ومن يملكون السلاح هم أسياد الموقف، وحدود مستباحة رغم جهود المخلصين في هذا الشأن.
هناك أيضا حالة من التسيب والفوضى العامة التي شملت الكثير من مظاهر الحياة في ليبيا وكأننا لم نعرف طوال حياتنا في هذا البلد أي شكل من أشكال الانضباط والالتزام بحيث أصبح كل فرد أو مجموعة في ظل هذه الحالة تتصرف بما تراه ويخدم مصلحتها.
الأمر إذن يتعلق بتحقيق وبرؤية أي انجاز مادي على ارض الواقع ولم يعد المواطن الليبي يحتمل الانتظار والمزيد من التعطيل والمماطلة والدخول مجددا في دوامة استكمال الدولة لدستورها ومؤسساتها وما سوف يستتبعه هذا من جولة أخرى من التجاذبات بكل أشكالها وألوانها وأطيافها، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التوقف عن أداء هذه المهمة ولكن وبخط متوازي في نفس الوقت لابد من إيجاد آليات مستعجلة (قانونية تخطيطية مالية اقتصادية) قادرة على التنفيذ تسرع في الانتشار في ربوع البلاد لكي تحقق بعض الانجازات الملموسة على ارض الواقع يراها ويلمسها المواطن الذي ينتظر بفارغ الصبر رؤية شئ تم تحقيقه بعد ثورة 17 فبراير و الإسراع في إعطاء أولوية لتوظيف الشباب في المشروعات والإصلاحات وخلق فرص عمل حقيقية لأن هذا وحده هو الضمانة الوحيدة للاستقرار والتنمية المستدامة والديمقراطية..
إلى جانب الانجاز المادي المطلوب لابد من ضبط حالة التسيب والفوضى التي تعطل الحياة في مساراتها الطبيعية وتؤجل عملية استكمال الدولة لمؤسساتها الرسمية مما يتطلب قرارات تتسم بالحسم والحزم لوقف حالة الانفلات الذي أصبحت تهدد الاستقرار العام للبلاد.
وعلى الجانب الاجتماعي وهو الأهم في منظومة التغيير حيث يتعامل هذا الجانب مع القيم الإنسانية والسلوكيات المختلفة ويشمل النظرة العامة للواقع والكثير من الخلط والفهم المشوش الذي مازال مستمرا بعد ثورة 17 فبراير، نعم الأشخاص والأسماء والوجوه تغيرت بعد هذه الثورة ولكن الأفكار والعديد من السلوكيات مازالت قائمة حول المحسوبية والواسطة ومتطلبات العمل والانضباط والأداء وأنماط التعامل مع الأخرين وقيمة الجودة والدقة والشفافية وتحمل المسؤولية عن أي خلل، وهى قيم ومفاهيم وسلوكيات لابد من تغييرها بمنهجية تعليمية وإعلامية وثقافية مستمرة ومكثفة بحيث تشمل كافة قطاعات المجتمع وأوجه حياته وهذه هي الأساسيات التي لا يمكن بدونها أن يتم التغيير الحقيقي الذي يسعى لتحقيق أهداف الثورة في الأمن والاستقرار والعدل والمساواة والتنمية والتطور.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: