أبوبكر الشكري : علمانيون ضد العلمانية…

 

ScanImage019

سوف ينتفض أحدهم غضباً إذا وصف بأنه علماني وقد يصفع من وصفه بتلك الصفة بما في يده ، بل ربما يصل الأمر في وقتنا هذا إلى حد أن يطلق عليه الرصاص حيث أن لغة الرصاص كثيراً ما غدت هي لغة التفاهم بيننا في هذه الأيام ، وقد يبدوا سبب هذا الغضب منطقياً فنحن لا نكاد نعرف عن هذه العلمانية إلا أنها ضد الإسلام وحيث إننا مسلمون فمن الطبيعي أن نبغض ونرفض ما هو ضد ألإسلام ولكن هذا الحكم على العلمانية – من وجهة نظري – هو حكمٌ ظني ، لأننا في الغالب لا نعرف إلا اليسير جداً عن هذه العلمانية إذاً فحكمنا عليها بأنها ضد ألإسلام وموقفنا منها بناء على ذلك يبقى مبنياً على الظن، فإذا كان هذا هو موقفنا من شيء نظن أنه ضد الإسلام وبالتالي فالإسلام ضده فلماذا لا يكون لنا موقف مشابه من أشياء ومفاهيم كثيرة نعلم قطعياً إنها ضد الإسلام والإسلام ضدها فقبل أن نعرف أو حتى نسمع بهذه العلمانية نعلم أن الإسلام ضد الظلم ضد الطغيان ضد النفاق ضد الكذب ضد الفساد ضد التزوير ضد الغش ضد الاحتكار ضد السرقة بما فيها سرقة السلاح ضد خيانة الأمانة ضد أكل أموال الناس بالباطل ضد نهب المال العام أو إهداره – والمال العام يشمل كما هو معلوم بالإضافة للنقود كل ما يخص الدولة وتعود ملكيته لبيت المال من السيارات والمعدات والآلات والأثاث والمباني وحتى الأراضي الفضاء والشوارع وأعمدة الإنارة وصناديق الهاتف وأغطية غرف المجاري – ضد الغـُلول وهو لمن لا يعرفه (نهب الغنائم من المعارك وإخفاؤها عن القيادة ) – قال في لسان العرب ( وهو الخيانة في المَغْنم والسرقة من الغَنيمة ) ضد استغلال المنصب والوظيفة لأغراض خاصة ضد الاعتداء على حرمات الناس في أنفسهم وأموالهم ومساكنهم وقبورهم أيضاً ضد ترويع الآمنين وغيرها من الأعمال والتصرفات التي نعلم يقيناً بأن الإسلام ضدها وإنها بالتالي ضد الإسلام فلماذا لا نقف ضدها ونرفضها ونمقتها كما نرفض ونمقت العلمانية التي يبقى علمنا بها ظنياً إلى حد كبير.

إن هذه على الإطلاق ليست دعوة للعلمانية بل هي دعوة للمصداقية إنها دعوة ( للإسلامية الحقيقية ) فما أريد قوله – و لن أتي فيه بجديد – هو أن الإسلام عقيدة وتطبيق قول وفعل وليس كلاماً للاستهلاك المحلي أو الخارجي أو للدعاية الانتخابية المبكرة أو فرض الأجندة الخاصة وأن الدول والحضارات لا تبنى بالكلام والشعارات فالإسلام الذي نقول إنه ضد العلمانية هو من يقول إن الله سبحانه وتعالى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ويقول ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) فهل يكفي أن نقول إننا مسلمون أو (إسلاميون ) لنكون كذلك بغض النظر عما نفعله؟ وهل يعقل أن نطلق على كل من نريد تشويهه – بسب أو بدون سبب – صفة العلمانية ؟ مستغلين عداء عامة الناس لهذا الوصف الذي لا نعرف عنه شيئاً تقريباً . وفي هذا الصدد نرى البعض يصفون من يذمونهم بأنهم علمانيون وفي الوقت نفسه يفخرون بصداقتهم للسيد رجب طيب اردوغان ، رئيس وزراء تركيا ،الذي لا يظهر إلا ومن خلفه صورة كمال أتاتورك مؤسس العلمانية في تلك البلاد فكيف يستقيم ذلك ؟ كما أذكر إنني في الأشهر الأولى للثورة حضرت ندوة أقامتها الأوقاف عن شرعية الثورة و مدى شرعية نظام الطاغية من وجهة نظر الدين الإسلامي وعند الحديث عن الدستور الذي انتهكه الطاغية بانقلابه المشؤوم قام أحد الحاضرين – دون أن يؤذن له بالكلام – وقال بازدراء وغضب : إن الدستور السابق كان علمانياً ( ويقصد الدستور الليبي الصادر في 1951 ) وبرغم علمي بأن ذلك الدستور نص في مادته الخامسة على أن الإسلام دين الدولة فقد قلت في نفسي إذا صح ذلك أي إننا منذ عام 1951 إلى عام 1969 كنا نعيش في دولة علمانية ، فيا ليتها تعود لنا تلك العلمانية حيث الأمان والصدق والحياء والبركة وحيث كان الكذب عاراً والرشوة فضيحة و حيث كان طلبة المعاهد الدينية والمدارس القرآنية المنتشرة في كل مناطق ليبيا يتقاضون ( مرتبات شهرية ) و كانت جامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية تضاهى الأزهر الشريف ويأتيها الطلاب من كل بقاع الدنيا فهل كانت تلك هي العلمانية التي يتحدثون عنها ؟

إننا في الحقيقة كثيراً ما نقول بألسنتنا فقط بأننا نسير على منهج الإسلام بينما أفعالنا في أغلبها بعيدة عن ذلك كل البعد بل إننا أكثر بعداً عن الدين من العلمانيين (هذا إذا كانت العلمانية تنادي بالابتعاد عن الدين ) وقد شاهدنا الناس في دول علمانية بامتياز بل عشنا معهم سنين ومنا من عاش معهم عقوداً من الزمن و لستم في حاجة أن أحدثكم عنهم وعن معاملتهم وصدقهم وأمانتهم وإخلاصهم لأوطانهم واحترامهم لغيرهم ونرى جميعاً إن مئات الآلاف أو الملايين من المسلمين يهربون من أوطانهم ليعيشوا في تلك الدول العلمانية كراماً معززين.

إن ما أراه – حسب وجهة نظري – إننا كليبيين خاصةً في هذه المرحلة الصعبة من تاريخنا لن تفيدنا الشعارات – وإن كانت رائعة ونحبها جميعاً- بل إن ما نحتاجه هو الصدق والإخلاص في القول والعمل ، فشخص يفعل (ما يمكنه فعله ) من الأعمال التي لا خلاف في أنها ضد الإسلام ثم يأتي ليكتب على الجدران ( الشعب يريد تطبيق الشريعة الإسلامية ) كيف يُقبل منه ذلك ؟ ولماذا لم يبدأ بتطبيق هذه الشريعة على نفسه أولاً قبل أن ينادي بتطبيقها على غيره ؟ كما كان منهج الرسول المعصوم عند بدء الدعوة وفي كل سلوكياته صلى الله عليه وسلم فالشريعة ليست مجرد الحدود التي يطبقها الحاكم فقط بل إنها قبل ذلك والاهم من ذلك سلوكيات وأعمال على الفرد المسلم الالتزام بها في كل زمان ومكان ، فهل ننتظر أن يصدر لنا مجلساً أو حكومةً تشريعاً حتى نمتنع عن الغش والاحتكار واستغلال حاجة الناس والكذب والنفاق والرشوة والتزوير وترويع الآمنين بإطلاق الرصاص هدراً ونهب المال العام والخاص والاعتداء على الحرمات ونبش قبور الأموات ، أليست هذه كلها وغيرها من الأعمال المنكرة مما تحرمه الشريعة الإسلامية ؟ فلماذا لا ننتهي عنها ؟ بل إن العلمانية كذلك تحرمها إلا أن الفرق هو أن العلمانيون أو الذين يعيشون في الدول العلمانية يلتزمون بذلك فعلا أما نحن فنكتفي فقط برفع الشعارات .

إنني أيها السادة لا أدعو هنا إلى العلمانية لأنني ببساطة لا اعرف عنها إلا القليل من المعلومات ومن أهمها أنها فصل الدين عن الدولة فإذا كانت العلمانية كذلك فإن هذا ما نراه بأعيننا في حياتنا اليومية فالدين لا علاقة له في الغالب بأعمالنا وتصرفاتنا ، وعلاقتنا بالدين تنتهي عند باب المسجد حال خروجنا من الصلاة ، تماماً كما تنتهي علاقة المسيحي بالمسيحية عند خروجه من باب الكنيسة إذا فنحن علمانيون بالفعل وإن كنا ضد العلمانية بالقول.

[نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم (42 ) الصادر بتاريخ 26 فبراير 2012 ]

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: