أنيك كوجين : " الفرائس – من داخل حريم القذافي " – الحلقة الأولى

str-ly.com45163b7352

عُرف عن العقيد معمر القذافي انه كان ماجناً، وكلما تقدم به العمر، كان يحيط نفسه بمزيد من الفتيات، يتحرش بهن، ويعاشرهن، ويعتدي عليهن، وكأنه كان يريد أن يثبت «رجولته الدائمة»، كما كان يُخضع شعبه، رجالاً ونساء، لآلة القمع التي استخدمها بلا رحمة ليحصل على ما يريد ومن يريد.

ثـريا، التي ولدت في المغرب، كانت أيقونة أبوها، كانت لديها أحلام هائلة، تحطمت جميعاً، بعدما انتقلت إلى سرت، وأصبحت هدفاً للقذافي، ثم غنيمة له وجارية!

وفي كتاب «الفرائس في حرم القذافي»، الذي تنشره القبس، تروي قصتها.

«اللمسة السحرية».. كلمة سر القائد لحرسه الشخصي {القذافي} كان يخطط لاغتصاب كل فتاة يضع يده على رأسها في السادس عشر من نوفمبر من عام 2011، نشرت أنيك كوجين في صحيفة لوموند الفرنسية تحقيقاً مطولاً بعنوان «الانتهاكات الجنسية للقذافي»، روت فيه قصة ثـريا ذات الاثنين وعشرين ربيعا، التي اختطفتها عصابة القذافي وعزلتها عن العالم منذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها. صحافية «لوموند» عادت إلى ليبيا هذه السنة، وبحثت عن قصص اغتصاب مشابهة، كان بطلها القذافي في كتابها «الفرائس.. في حرم القذافي» الذي صدر قبل أيام في باريس عن دار غراسيت.

عادت الصحافية إلى المدرسة التي اختطفت منها ثـريا ، التي تقع في مدينة سرت، لكن مديرها أُصيب بفورة غضب، حين حدثته عن قصة الفتاة، ونفى نفيا قاطعا أن يكون القذافي قد زار المدرسة من قبل.

كنت أستعد لمغادرة المدرسة، حين لمحت فجأة مجموعة من المدرسات في غرفة صغيرة في الطابق الأول.. ذهبت إليهن للاستماع إلى قصصهن، كنّ يتحدثن جميعهن في الوقت ذاته، وتتنافسن في سرد القصص والذكريات.. كانت الواحدة تبدأ قصة ما، فتقاطعها الأخرى لإثرائها بالمزيد من المعطيات، قبل أن تتدخل ثالثة وتصرخ في وجههما «انتظرا، لدي ما هو أسوأ».. وأما أنا فلم أستطع مجاراتهن ولا تدوين كل ما كنّ يقلنه…

هل يتعلق الأمر باختطاف للفتيات؟

كل سرت على علم بالقضية، نعم سرت القذافية.. شرحت لي إحدى المدرسات وقد زيّن الكحل عينيها، ذلك في قولها «كان القذافي يُحكم قبضته على الجميع في مدينته وفي قبيلته وفي عائلته، فيما كانت المدرسة تربينا على دينه، لكن الجميع كان يعرف أن القذافي ليس سوى حقير ودنيء وكاذب، من يقول غير ذلك؟ أو يقول إنه يجهل هذه الحقيقة؟».

تؤكد خمس من زميلات هذه المدرسة أنهن شعرن بالاشمئزاز من الكلام الذي وجهه لي مدير المدرسة، «لقد هرب المدير السابق، وكان من حاشية القذافي، لكن للأسف المسئولون الجدد يتبعون في الغالب المسار القديم، مثلما هو الأمر بالنسبة لنا، قبل أن نشترط على الوزارة رحيله بالقول إنه لا يزال يواصل انتقاد التدخل الغربي في ليبيا، ويسمم عقول الصغار بذلك». إحدى المدرسات أكدت لي أنها درست في الثانوية التي درست فيها ثـريا ، وأنها شاهدت القذافي وهو يتجوّل في قاعة الجمباز، لكنها لا تتذكر ثـريا ، لكن المؤكد بالنسبة لها هو أن القذافي مر من هنا.

تؤكد النساء أن كل الظروف كانت مناسبة جدا للقذافي للقاء فتيات شابات، حيث كان يدعو نفسه في آخر لحظة لحفلات الزفاف، وتقول إحدى الفتيات «غالبية أصحاب الدعوات كانوا متملقين، غير أن أخوالي وهم من عائلة القذافي، كانوا يمنعونني من الظهور في المناسبات العامة».

يتمارض كي تزوره التلميذات

لقد كان يدعو التلميذات لزيارة كتيبة الساعدي، حيث مقر إقامته من أجل مهرجان للأغاني «لقد ذهبت مرتين مع المدرسة، ثم منعني والداي من العودة، لقد قال لي أخي إن هذا المكان، هو مرتع كل الأخطار والمشاكل، وإن لم نعاني من سهام القذافي، فمن المؤكد أن سهام عصابته من الحراس والعسكريين من مختلف الرتب لن تخطئنا أبدا، لأن سلوكياته معدية».

«لقد كان يتمارض ويتعمّد الظهور شاحب الوجه، حتى تذهب الطالبات لعيادته «…» كنت في السادسة عشرة من عمري وطالبة في ثانوية الفكر الطليعي، حين أبلغنا أحد الأساتذة بمرض «أبي القذافي».. لقد أحضروا لنا حافلة لنقلنا إلى الثكنة، وهناك استقبلنا في خيمته.. كان يرتدي جلابة بيضاء (العباءة الرجالية الطويلة التي يرتديها أهل المغرب العربي)، وقبعة قطنية، بنية اللون ولقد احتضننا الواحدة تلو الأخرى، شعرنا برهبة كبيرة ورعب، لكن لم يبد عليه أبداً المرض».

وأما أخرى، فتتذكر أن مدرستها هي من نقلها إلى الكتيبة نفسها لتحية الرئيس الجزائري الكولونيل الشاذلي بن جديد «كان القذافي بحاجة دوماً إلى أن يحيط به عدد من الشابات، وكنا نساهم في ذلك ونغذي ولعه المرضي هذا». وتقول إحدى المدرسات «في أحد الأيام، نظّمت مجموعة تنحدر من مدينة مصراتة حفلة ولاء رسمية وكبيرة للقائد معمر القذافي. لقد كان يحب هذا النوع من الحفلات، وكان يشعر بالقلق دوماً من مسألة ولاء ودعم مختلف القبائل له».

هناك في تلك الحفلة، لاحظ فتاة شابة، هي صديقة هذه المُدرّسة، وفي اليوم التالي جاء أفراد من الحرس للبحث عنها في مدرستها، فرفض المدير ورد بأن الوقت غير مناسب لأنها تجري امتحاناً، لكنها اختُطفت في ذلك المساء خلال حضورها حفل زواج.

غابت هذه البنت ثلاثة أيام، اغتصبها خلالها القذافي، وبعد أن عادت إلى بيت والديها، تزوجت من أحد حراس القذافي «لقد روى لي والدها وهو أستاذ القصة وترجّاني أن أنتبه، حتى لا أقع فريسة القذافي أنا الأخرى».

طلبت جميع من التقيتهن من اللواتي وقعن في فخ القذافي ألا أذكر أسماءهن، لا شيء بسيطاً في سرت، فالعديد من السكان يتأملون في صمت تلك المرارة وذلك العار والتشاؤم الذي بات لصيقاً بمدينتهم، لكنهم باتوا مقتنعين بأن النظام الجديد سيُدفّعهم، طويلاً، ثمن علاقتهم الوطيدة مع من كان القائد.

لمسة القذافي السحرية

لم يتصور د. كريكشي، أبداً، «اللمسة السحرية» التي اكتشفها في أغسطس من عام 2011، برفقة مجموعة من الثوار أثناء تفتيشهم جامعة طرابلس. فطبيب النساء هذا (55 عاماً) الذي تكوّن في إيطاليا ورويال كوليج في لندن، يعرف جيداً أن المنظومة الجامعية كانت فاسدة جداً في ليبيا، وكان يعلم، أيضاً، بوجود شبكات مراقبة، أنشأتها اللجان الثورية كوسيلة للدعاية للقذافي في كل الكليات، ويعرف، أيضاً، أن الشعب الليبي لم يمح أبداً من ذاكرته تلك الإعدامات العلنية، التي أقرها القذافي في حق عدد من الطلبة المعارضين له في عامي 1977 و1984، لذلك لم يفاجأ حين اكتشف في إحدى الليالي، وبعد معركة عنيفة في الجامعة، سجناً هو عبارة عن مجموعة من الحاويات، ومكتباً لرئيس جهاز المخابرات عبد السنوسي.

كانت أدراج هذا المكتب ممتلئة بملفات تتضمن معلومات عن عشرات الطلبة والأساتذة وقائمة بأولئك الذين تقرر التخلص منهم، لكن ما اكتشفه صدفة، وهو يحاول استطلاع أركان الجامعة، بحثاً عن قناصين محتملين داخل الجامعة، هي تلك الشقة السرية التي تقع تحت القاعة الخضراء التي كان يحاضر فيها، وكانت عبارة عن غرفة نوم وصالون وجاكوزي وحمام، بالإضافة إلى غرفة أخرى مجهزة لإجراء مختلف الفحوصات الخاصة النساء.

كان د. كريكشي يتحدث بصوت عميق ورزين، وكان يزن كلماته، ويعي قيمة ما اكتشفه، ولقد أسر لي بأنه كان طبيب النساء الذي يتابع ابنتي القذافي، عائشة وهناء، «كان هذا الأمر يضعني في وضعية حرجة جداً، كانت عائلة القذافي تعترف بكفاءتي، غير أني لم أكن أطلب منها شيئاً، لكن، أحياناً، كانت الشابتان تتحدثان عن دهشة والدهما مني، لقد كان يقول إني لا أطلب سيارة ولا بيتاً، وبالفعل لم أكن أطلب شيئاً».

كان د. فيصل كريكشي يعرف شهية معمر القذافي للفتيات الشابات، وقد سمع البعض يتحدث ذات مرة عما كان يسميه القذافي «اللمسة السحرية» وهي يده التي كان يضعها على رأس فرائسه، حتى يدرك أفراد حرسه مراده، فيكملون المهمة.

ويعترف هذا الدكتور الذي يُدرّس لطلبته مادة التخطيط العائلي، ويخصص درساً سنوياً عن هذا الطابو، يعترف بأن ممارسات القذافي الجنسية هي من أكثر الطابوهات في المجتمع الليبي.

لا أحد خاطر بنفسه وتطرق إلى الموضوع ولا أحد تحرك لحماية التلميذات، كان الجميع يفضلون عدم الإطلاع على ما يحدث أو الصمت، وأما بالنسبة لضحايا هذا الوحش، فلم يكن بوسعهن غير الصمت أو مغادرة مقاعد الجامعة بهدوء وبعيداً عن الأنظار.

لا أحد يستطيع تقدير عدد ضحايا القذافي من تلميذات المدارس وطالبات الجامعات، غير أن د. كريكشي أبلغني بأنه عثر على ثمانية أو تسعة أقراص مضغوطة في تلك الشقة الواقعة تحت القاعة الخضراء في جامعة طرابلس، وتتضمن تسجيلات للاعتداءات الجنسية الوحشية التي نفذها القائد في ذلك المكان، لكنه اعترف لي بأنه دمرها جميعها.

لكن، لماذا دمر هذا الدكتور هذه الفيديوهات؟ أليست دليلاً وإثباتاً، كان من الضروري الاحتفاظ بها؟

لقد رد الدكتور على سؤالي بالقول: «علينا أن نعود إلى سياق الأحداث، لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها بعد، ولم أكن استطيع أن أضمن ألا تقع هذه الفيديوهات في أيد غير أمينة، وإلا تقع الفتيات الضحايا، ضحية مرة أخرى للمساومة او الضغوطات، كان أهم ما يشغل بالي هو حماية الفتيات» إنه رد فعل غريب، لكن المسؤولية ثقيلة جدا.

الموضوع لا يزال من التابوهات

ألم يكن من واجب العدالة اتخاذ هكذا قرار ؟ لقد صدم اكتشاف شقة سرية للقذافي داخل الجامعة، الجميع بمن فيهم الطلبة والأساتذة وكل رواد الجامعة، لكن الصمت لا يزال يخيم ولا تزال الألسن أيضا تفضل أن تخرس أو تعبر عن اشمئزازها من الدكتاتور، دون الخوض في أي تفاصيل أو قضايا أخرى.

كنت أود استقراء رأي الطالبات المحجبات في الموضوع، لذلك كلفت احدهم بسؤالهن عن انتهاكات القذافي الجنسية، لكنه اعتذر واكتفى بإرسال رسالة هاتفية لي تضمنت «سأتخلى عن الفكرة، الموضوع من التابوهات».

من المؤكد أن هناك شهودا، وأناسا لاحظوا عناصر يشتبه في تورطها أو سمعوا عن فتيات تعرضن لاعتداءات القذافي، ألا يوجد أحد في ليبيا بمقدوره التنديد بهذا النظام والقضية؟

بدا لي أن رئيس تحرير أسبوعية ليبيا الجديدة وهو شاب، بدا لي الوحيد، الذي لا يزال مصرا على كسر جدار الصمت، حيث قال لي «كانت لي صديقة تنحدر من عائلة ريفية من منطقة عزيزية، وجاءت إلى طرابلس لدراسة الطب. وخلال زيارة للقذافي إلى الجامعة، وضع يده على رأسها، فجاء حرسه الشخصي في اليوم الموالي إلى بيتها لإخطارها بأن القائد اختارها لتنضم إلى مجموعة حارساته. رفضت العائلة، فبدأت التهديدات تطال شقيقها، ما دفعها في النهاية إلى قبول لقاء القذافي الذي اغتصبها وعزلها طيلة أسبوع كامل ثم تركها ومنحها مبلغا من المال. لم يستطع والدها استقبالها مرة أخرى بسبب الإذلال والمهانة اللذين يشعر بهما فيما تخلت هي تماما عن فكرة العودة إلى الجامعة…لقد ضاعت، لكنها اليوم تشتغل رسميا في بزنس السيارات.. في الواقع أنا أدرك تماما أنها تعيش من التجارة بجسدها».

clip_image001

ثريا تروي عذابها واغتصابها:

القذافي لم يترك الوقت لثريا كي تسمع أمها وعماتها

لقد ولدت في ماراغ- ربما المقصود مدينة المرج – في إحدى قرى الجبل الأخضر، بالقرب من الحدود المصرية، في السابع عشر من شهر فبراير عام 1989. نعم، في السابع عشر من هذا الشهر الذي يستحيل على الليبيين أن ينسوه من الآن فصاعدا. انه اليوم الذي بدأت فيه الثورة التي أطاحت بالقذافي في عام 2011. والذي يفترض أن يتحول إلى يوم عيد وطني.

لقد رزق والدي بثلاثة إخوة سبقوني وباثنين ولدا بعدي، إضافة إلى أختي الصغرى. وكنت أنا أول بنت تولد، وكان أبي مجنوناً بحبي. لأنه كان يريد ان تكون لديه ابنة، كان دائما يريد صوريا. كان يفكر في هذا الاسم حتى قبل ان يتزوج. وغالبا ما كان يروي مشاعره لحظة ولادتي. كان يقول باستمرار لي «أنت جميلة» جميلة للغاية.

كان سعيداً جداً بولادتي إلى درجة انه نظم وليمة تليق بحفل زواج. الضيوف، الموسيقى والعشاء.. كان يريد كل شيء لابنته. ذات الحقوق مثل اخوتها. وكان يحلم بان اصبح طبيبة. وقد شجعني عندما كنت في الثانوية على التسجيل في صف العلوم الطبيعية. ولو سارت الامور في حياتي بشكل طبيعي اعتقد انني كنت سأدرس الطب. من يدري؟ ولكن لا اريد ان يحدثني احد عن عدم المساواة مع اخوتي الصبيان، علماً بأنه لا توجد ليبية واحدة بمقدورها ان تحلم بهذه المساواة. يكفي النظر إلى أمي، وهي عصرية للغاية، كم كانت مضطرة للتخلي عن الكثير من احلامها.

كانت لديها احلام هائلة تحطمت جميعها. لقد ولدت في المغرب. في منزل جدتها التي كانت تحبها حباً جماً. ولكنها كانت من ابوين

تونسيين، كانت تتمتع بالكثير من الحرية، ذهبت إلى باريس عندما كانت شابة عزباء لتتعلم مهنة الحلاقة النسائية. وهناك تعرفت على والدي، الذي كان يعمل موظفا في السفارة الليبية. وكان يحب باريس كثيرا ويحب السهر، لقاؤهما الاول كان في سهرة رمضانية، وكان الجو لطيفاً جميلاً بعيداً عن القمع في ليبيا. كان بمقدوره تعلم اللغة الفرنسية، كما كان يُقترح عليه، ولكنه كان يفضل اللهو والتنزه والتمتع بالحرية في كل دقيقة، وهو اليوم نادم لانه لم يتعلم اللغة الفرنسية، لان ذلك بالتأكيد كان يمكن ان يغير مجرى حياتنا.

غرة داخل قفص

على أي حال ما إن وقع نظره على أمي حتى اتخذ قراره وطلب يدها وتزوجا في مدينة فاس في المغرب، حيث كان يقيم جدي (والد أمي)، وبعدها نقلها إلى ليبيا. وكانت الصدمة كبيرة بالنسبة لوالدتي. لم يخطر ببالها قط انها ستعيش في القرون الوسطى، وهي التي كانت مدللة وتتابع آخر صيحات الموضة، وكانت تتبرج وتسرح شعرها، اضطرت لوضع الغطاء الأبيض التقليدي، وتقييد تحركاتها خارج المنزل، وكانت أشبه بالنمرة داخل القفص. كانت تشعر بانها خدعت فهذه ليست الحياة التي وعدها والدي بانها ستعيشها، كان يحدثها عن السفر بين باريس وطرابلس وانه سيطور عمله بين البلدين.

وخلال ايام عدة وجدت نفسها في بلاد البدو، فانهارت، فاتخذ والدي الإجراءات اللازمة ونقل عائلته إلى بنغازي، ثاني المدن الليبية في الشرق، وكانت المدينة تعتبر دائما انها متمردة على السلطة المركزية في طرابلس. ولم يكن بمقدوره نقلها إلى باريس حيث كان يسافر إليها بانتظام، وهكذا فإنها عاشت في مدينة كبيرة وتخلصت من لبس الغطاء وحتى مارست نشاطها عبر إدارة صالون للنساء وكأن ذلك كان يخفف عنها.

بقيت تائهة في أحلام العودة إلى باريس. وكانت تقص علينا ونحن صغار النزهات في جادة الشانزلزيه وتناول الشاي مع صديقاتها في المقاهي الباريسية، والحرية التي تتمتع بها الفرنسيات، إضافة إلى نظام الضمان الاجتماعي، حقوق النقابات وجرأة الصحافة، باريس، باريس، باريس كانت تتردد دائما إلى ان سئمنا سماع كلمة باريس.

وكان تأنيب الضمير يعذب والدي، فقرر فتح مطعم في الدائرة الخامسة عشرة في العاصمة الفرنسية على ان تتولى والدتي إدارته. ولكن للأسف اختلف مع شريكه وطارت الفكرة. وكاد ان يشتري شقة في حي الديفانس بــ25 الف دولار يومها وتردد وهو نادم اليوم.

الذكريات الأولى

اذاً في بنغازي بدأت أولى ذكرياتي المدرسية، وهي غير واضحة في ذاكرتي، ولكني كنت اذكر انها أيام سعيدة. كان اسم المدرسة «أشبال الثورة»، وكان لدي أربع رفيقات وكن لا نفترق. وكان «اختصاصي» تقليد المعلمين ما إن يغادروا حصة الدرس. كما كنت أقلد وبسخرية مدير المدرسة. ويبدو ان الله وهبني القدرة على التقاط تعابير الناس وحركاتهم وطريقة سيرهم، وكنا نبكي من فرط الضحك. كنت احصل على علامة صفر بالرياضيات، وكنت متفوقة للغاية باللغة العربية.

لم يكن والدي يكسب كثيراً، وبات عمل والدتي لا بد منه، إلى درجة انها أصبحت تؤمن مدخول البيت، وكانت تعمل ليلاً ونهاراً، وكانت تأمل دائماً بحصول شيء ما يسمح لنا بمغادرة ليبيا، وكنت أعرف انها كانت تختلف عن بقية الامهات، وحتى كان البعض يعيرني بالمدرسة بانني ابنة التونسية، وكان ذلك يجرحني، وكانت سمعة التونسيين أنهم متحررون وعصريون، وفي بنغازي هذه الصفات لم تكن حميدة، وكنت من غبائي وغيظي احنق على والدي لأنه لم يقترن بامرأة ليبية، وكنت أتساءل عن الأسباب التي دفعته للزواج بأجنبية، وعما اذا كان قد فكر بأولاده؟ يا الهي كم كنت حمقاء‍.

الانتقال إلى سرت

وعندما بلغت الحادية عشرة من عمري أعلن والدي إننا سنغادر لنعيش في مدينة سرت، الواقعة على البحر الأبيض المتوسط بين بنغازي وطرابلس، وكان يريد الاقتراب من مسقط رأسه، من والده وهو رجل تقليدي، تزوج أربع مرات من أقاربه وأولاد عمومته، ان الحياة في ليبيا هكذا، حيث العائلة تحاول ان تبقى مجتمعة في عرينها الذي يعطيها القوة والدعم اللامشروط. في بنغازي لم تكن لنا جذور ولا علاقات كنا كالأيتام.

على الأقل هذا ما قاله والدي لنا، ولكن كان لخبر الانتقال إلى سرت وقع الكارثة بالنسبة لي، اهجر مدرستي؟ صديقاتي؟ انها مأساة، لقد مرضت حقاً، وبقيت في السرير لمدة أسبوعين غير قادرة على الذهاب إلى المدرسة.

وفي نهاية المطاف غادرت، ولم أكن سعيدة لانني كنت في المدينة التي شهدت مسقط رأس القذافي، وفي أحاديثنا في المنزل لم يتم التطرق اليه، كانت والدتي تكرهه، فقد كانت تغير قناة التلفزيون عندما ترى صورته، وكانت تسميه «منفوش الشعر»، وكانت تردد باستمرار، حقاً هل هذا الإنسان شكله شكل رئيس، واعتقد ان والدي كان يخاف ويفضل عدم التعليق. كان لدينا شعور بالفطرة انه كلما تجنبنا الحديث عنه كان ذلك أفضل، وأي كلام كان يمكن ان يصدر ويخرج عن نطاق العائلة كان يمكن ان يُنقل ويتسبب لنا بمشاكل كبيرة، ولم نعلق صور له في المنزل، ولم يناضل أحد من اخوتي في سبيله، وبشكل غريزي كنا حذرين.

أبي.. عمي معمر

وفي المدرسة كان الأمر مغايراً كلياً إلى درجة العبادة، صوره كانت موجودة دائما، وصباح كل يوم كنا ننشد النشيد الوطني أمام ملصق عملاق لصورته على العلم الأخضر، وكنا نهتف «انت قائدنا ونسير خلفك».. وفي الحصة أو في الملعب خلال الاستراحة كان التلاميذ يرددون «ابي.. عمي معمر»، «عمو معمر»، وكان الأساتذة يتحدثون عنه وكأنه نصف إله، لا بل حتى كأنه إله، وكان يتحين علينا ان نسميه «بابا معمر».

وكان الهدف من الانتقال إلى سرت الاقتراب من العائلة والاندماج بها، ولكن عملية الزراعة لم تنجح.

وكان سكان سرت «يفاخرون بقربهم من القذافي، يشعرون وكأنهم اسياد العالم، وكانوا يتصرفون كارستقراطيين في البلاط، وينظرون إلى سكان المدن الأخرى وكأنهم في الأرياف».

ثمن التقاليد

ان تكون من الزنتان فأنت مسخرة، أو موضع سخرية، ان تكون من بنغازي فأنت مهزأة، وان تكون من تونس فهذا عار، ومهما فعلت والدتي كانت مصدر الخزي، وعندما فتحت بالقرب من المنزل، في شارع دبي، صالوناً تهافتت عليه سيدات سرت، فان الاحتقار قد زاد، علماً انها كانت موهوبة، وكان الجميع يعترف بتسريحاتها الجميلة وبمكياجها الرائع، وأنا على قناعة ان الاحتقار كان نابعا من الغيرة، فليس بمقدوركم تخيل كم ان مدينة سرت كانت تقبع تحت وطأة التقاليد والحشمة، ويمكن لامرأة ان تُشتم في الشارع اذا سارت سافرة، حتى اذا كانت بمفردها متحجبة فانها كانت موضع شكوك، ما الذي تفعله خارج منزلها؟ الا تبحث عن مغامرة؟ أليس لها علاقة؟ والناس يتجسسون على بعضهم، يراقبون ما يحدث في المنزل الواقع مقابل منزلهم، العائلات تحمي بناتها وتتحدث عن بنات الاخرين بالقيل والقال، وآلة النميمة كانت تعمل باستمرار.

عقوبة مضاعفة

وفي المدرسة كانت عقوبتي مضاعفة. لم اكن فقط ابنة التونسية، بل ايضا ابنة الصالون، وكنت اوضع منفردة على طاولة واحدة. ولم اتمكن من مصادقة ليبية واحدة، لكن في وقت لاحق، ولحسن الحظ، تعرفت على فتاة ليبية الاب وفلسطينية الام، وبعدها على مغربية ومن ثم على فتاة ليبية الاب وام مصرية، وحتى عندما كنت اكذب واقول ان امي مغربية لم تكن الامور افضل. وهكذا فإن حياتي تمحورت حول صالون والدتي. الذي اصبح مملكتي، كنت اركض اليه عندما ينتهي دوام المدرسة، وفيه كنت احيا من جديد، كانت هناك متعة حقيقية. كنت اساعد والدتي، وكان هذا الامر يولد لدي سعادة لا توصف. فقد كانت تركض في الصالون من زبونة إلى اخرى، علما بان لديها اربع موظفات. كنا نصفف الشعر، نقوم بالماكياج والعناية بالبشرة، صدقوني عندما اقول لكم ان نساء سرت اللاتي يختبئن خلف الحجاب كن في غاية التعقيد ومتطلبات جدا. وكان اختصاصي الحواجب وتنقية البشرة بخيطان الحرير، لنتف الوبر من الوجوه. وكنت احضر الزبونات للماكياج وكانت هذه المسألة من اختصاص والدتي. وعندما كانت تنتهي من عملية الماكياج كانت تصرح بي «صوريا اللمسة الاخيرة» وكنت اضع احمر الشفاه والعطر.

صالون والدتي

تحول صالون والدتي بسرعة إلى مكان تتواعد فيه نساء سرت الصوريات، ومن بينهن نساء قبيلة القذافي.

عندما كانت المدينة تستقبل القمم الدولية كانت النساء الأعضاء في الوفود الاجنبية تزرن صالون والدتي، زوجات القادة الافارقة والرؤساء الاوروبيين والاميركيين، واذكر بشكل خاص زوجة رئيس نيكاراغوا، التي طلبت تسريحة ترفع شعرها إلى الاعلى وان ترسم الكحل على عينيها لتبدوان كبيرتين.

ذات يوم جاءت جوليا رئيسة بروتوكول زوجة القائد واصطحبت امي لكي تصفف شعرها، وهذا كان الدليل على ان شهرة والدتي قد ذاعت للغاية، وقد ذهبت لقضاء عدة ساعات للاهتمام بصفية فركاش وتلقت اجراً زهيداً اقل من التعرفة العادية في الصالون. وعادت في حالة من الغضب لانها شعرت بانها أهينت.

وعندما جاءت جوليا مرة ثانية لاصطحابها إلى منزل معلمتها رفضت ذلك متذرعة بانها غير قادرة على مغادرة الصالون لانه يعج بالزبائن. وفي المرات التالية كانت والدتي تختبئ وتطلب مني ان اقول لرئيسة بروتوكول زوجة القذافي انها غير موجودة.

شخصية أمي قوية وهي رفضت دائما الرضوخ.

نساء متعجرفات

كانت نساء قبيلة القذافي متعجرفات، فاذا ما اقتربت من أحداهن لأسألها عما اذا كانت تريد ان تصبغ شعرها او تقصه او تصففه كانت تنظر الي بازدراء، وتقول لي من انت لكي تتحدثي معي؟ ذات صباح وصلت امرأة من قبيلة القذافي وكانت في غاية الأناقة ورائعة الجمال فقلت لها بشكل عفوي «كم أنت جميلة» فإذا بها تصفعني على وجهي، تحجرت في مكاني وركضت نحو أمي وهمست قائلة اصمتي ان الزبونة دائما على حق. وبعد ثلاثة اشهر دخلت السيدة نفسها إلى الصالون وتقدمت باتجاهي وقالت لي إن ابنتها، التي هي من عمري، قد ماتت بمرض السرطان واعتذرت مني، وكان ذلك اغرب من الصفعة.

ذات مرة، حجزت عروس الصالون لها بمفردها يوم عرسها ودفعت دفعة على الحساب، وبعدها ألغت الحجز وعندما رفضت والدتي أن تعيد لها ما دفعته راحت تصرخ وتكسر كل ما استطاعت تحطيمه ولم تكتف بذلك، فاتصلت بقبيلة القذافي وجاءوا وحطموا الصالون، وعندما جاء احد إخوتي وحاول أن يمنعهم تعرض للضرب، وعندها جاءت الشرطة أوقفت شقيقي وأودعته السجن. ليخرج منه بعد ستة أشهر وآثار التعذيب على جسمه، وخرج من السجن بعد مفاوضات طويلة بين القبائل واتفاق أدى إلى الإفراج عنه، وعلى الرغم من الاتفاق أجبر القذاذفة الذين يسيطرون على كل المؤسسات والهيئات في سرت، والدتي على إقفال الصالون شهرا إضافيا، وجعلني هذا الأمر في غاية الغضب.

لم أعرف حب المراهقة

اخي الأكبر ناصر كان يخيفني ويمارس سلطته عليّ، ولكن العلاقة مع اخي عزيز، الذي يكبرني بسنة، كانت متواطئة، وعندما كنا نذهب إلى المدرسة ذاتها كان يحميني ويدافع عني ويغار عليّ وكنت مرسالا أو وسيطة غرامياته الصبيانية، أما أنا فلم أكن أفكر بالحب اطلاقاً، وقد أكون أنا منعت نفسي باللاوعي لانني كنت أعرف ان والدتي صارمة للغاية.

لم أحلم بفتى، واعتقد انني سأندم طيلة حياتي لانني لم أعرف حب المراهقة، كنت أعرف انني سأتزوج لان هذا مصير كل النساء، وكان يجب عليّ عندها ان أتبرج لزوجي، لم أكن أعرف شيئاً عن جسدي، ولا عن حياتي الجنسية، عندما جاءتني «العادة» للمرة الأولى سارعت لأعلم والدتي، التي لم تقل لي شيئاً.

كنت أشعر بالعار عندما أشاهد على شاشة التلفزة، مع صبيان العائلة الدعايات للفوط الصحية النسائية.

أذكر عندما كانت والدتي وعماتي يقلن لي انه عندما يصبح عمري 18 سنة فانهن سيحدثنني عن عدد من امور الحياة، ولكنهن لم يتمكن من ذلك لان معمر القذافي قد سبقهن إلى طحني

القذافي اعتدى عليَّ.. وطلب أن أناديه «بابا»!

في صباح يوم من أيام ابريل 2004 وكان عمري 15 سنة، قال مدير الثانوية لكل التلاميذ في الملعب «ان القائد سيمنحنا الشرف الكبير بزيارة المدرسة غداً، وهذه فرحة كبيرة وأنا اعتمد عليكم لكي تصلوا على الوقت وبانتظام، وان تكون ثيابكم المدرسية رائعة لانه يجب عليكم ان تعطوه الصورة الرائعة عن المدرسة كما يحبها وكما يستحقها».

يا له من خبر! يا لها من مفاجأة سارة، ليس بمقدوركم ان تعرفوا أي وقع لمشاهدة القذافي، صورته كان ترافقني كل حياتي، منذ ولادتي صورة كانت في كل مكان على جدار المدن، في الدوائر الحكومية في قاعات البلديات وغرف التجارة على دفاتر المدارس والأوراق النقدية، كنا نعيش دائماً تحت نظراته، وفي عبادته، وعلى الرغم من ملاحظات والدتي كنت أكن له عبادة تخوف، لم أحاول ان أتخيل حياته لانني كنت أضعه فوق البشر في نوع من جبل الأولمب حيث يحكم بنقاوة.

في اليوم التالي، ركضت إلى المدرسة بلباس المدرسة وعلى رأسي شريطة بيضاء وكنت أنتظر بفارغ الصبر كي يشرحوا لنا كيف سيتم النهار.
وما كادت الحصة الأولى تبدأ حتى جاء استاذ إلى الصف وقال لي انه تم اختياري لكي اسلم القائد الزهور والهدايا، أنا ابنة الصالون التي يرفض التلاميذ مخالطتها، يا لها من صدمة، لقد فتحت عيني كبيرتين ووقفت والفرح يشع منهما ولسان حالي يقول ان كل فتيات الصف يغرن مني، تم اقتيادي إلى قاعة كبيرة حيث كان يحتشد عدد كبير من التلاميذ الذين تم اختيارهم، وطلب منا ان نرتدي الملابس التقليدية الليبية، وغيرنا ملابسنا وساعدنا الأساتذة على وضع الأغطية التقليدية على رؤوسنا.

ورحت أطرح الأسئلة على الأساتذة، وأتوسلهم ان يشرحوا لي كيف يجب ان أتصرف، هل انحني أمامه؟ هل أقبل يده؟ هل يجب ان أردد شيئاً ما أمامه؟ كان قلبي يخفق بقوة فيما كان الجميع منهمكا بجعلنا رائعين.

وعندما استعيد بالذاكرة ذلك اليوم أفكر بأنني كنت النعجة التي تقاد إلى المذبح للتضحية.

كانت قاعة الاحتفالات مملوءة بالأساتذة والتلاميذ وبالهيئة الإدارية، والجميع كان ينتظر بعصبية، وكانت مجموعة من الفتيات تقف عند مدخل القاعة لاستقبال القائد، وكنا نلقي عليهن النظرات المتواطئة التي تقول كم انتن محظوظات، أو سنتذكر هذا اليوم طيلة حياتنا، وكنت امسك بباقة الورود وارتجف مثل الورقة.

كانت ساقاي كأنهما من القطن ووجه الي احد الأساتذة نظرات قاسية، وقال لي «قفي جيداً يا ثريا»، وفجأة وصل وسط حشد من الحارسات وأصوات فلاشات عدسات التصوير، كان يرتدي ثوباً أبيض والصدر مغطى بالنياشين وبالعلم، وعلى كتفيه شال «بيج» بلون الطاقية التي على رأسه، وحيث يظهر من تحتها الشعر الأسود.

عندما يبتسم القائد

مرت اللحظات بسرعة البرق ، قدمت له باقة الورود وأخذت بيده بيدي وقبلتها ثم انحنيت، وشعرت إنه يضغط على يدي بطريقة غريبة. وراح ينظر إلي من أعلى إلى أسفل، وضغط على كتفي، ووضع يده على رأسي وراح يداعب شعري، وكان ذلك نهاية حياتي، لان هذه الحركات، وكما علمت لاحقا، كانت تعني لحرّاسه انني أريد هذه الفتاة بعد انتهاء الزيارة. في تلك اللحظة كنت أطير من الفرح، راكضة إلى صالون والدتي لاروي لها الحدث. وقلت لها «بابا معمر ابتسم لي.. اقسم لك يا ماما انه داعب شعري». وكنت فرحة واريد ان يعرف الجميع ما حصل لي. وقالت والدتي، وهي تصفف شعر إحدى الزبونات، يجب الا تبالغي.

وقلت لها ولكن انه زعيم ليبيا والمسألة ليست بسيطة!

فقالت لي آه نعم، لقد اغرق البلاد وشعبه في القرون الوسطى وتتحدثين عن قائد.

اشمأززت من حديث والدتي وعدت إلى المنزل لانتشي بفرحي. والدي كان في طرابلس، اخوتي لم يبالوا كثيرا، باستثناء عزيز الذي لم يكن يصدق ما كنت اقوله له.

وفي اليوم التالي عندما عدت إلى المدرسة لاحظت ان الاساتذة قد غيروا طريقتهم بالتعامل معي، فقد كانوا عادة يزدرونني فإذا بهم يتعاطون معي بحنو. وذهلت عندما نادى الاول يا ثـريا الصغيرة، وقال لي الآخر قررت استئناف الدراسة؟ وعندها قلت في نفسي ان الامر غير طبيعي. ولكنني لم اقلق لان ذلك حصل غداة عيد قدوم القائد.

وعند انتهاء الدوام عند الساعة الواحدة بعد الظهر عدت إلى الصالون لاساعد والدتي. عند الساعة الثالثة بعد الظهر دخلت ثلاث من نساء القذافي إلى الصالون، وكانت فايزة في المقدمة بلباسها العسكري والمسدس على وسطها وتتبعها سلمى ومبروكة باللباس التقليدي الليبي، وسألن: أين والدة ثـريا ؟

وسرن باتجاه والدتي، والصالون ممتلئ بالزبائن، وقلن لها اننا من اللجان الثورية وكن مع معمر صباح امس عندما زار المدرسة، وكانت ثريا رائعة في اللباس التقليدي، وتصرفت بلباقة، ونحب ان تهدي باقة ورد جديدة لبابا معمر، ويجب ان تأتي معنا حالاً.

الوقت ليس مناسباً، كما ترين ان الصالون مزدحم بالزبونات وانا بحاجة إلى ابنتي.

المسألة لا تأخذ أكثر من ساعة.

ويمكنها ان تمكيج نساء من أوساط القائد.

والحالة هذه الأمر يختلف، انا سآتي معكن.

لا على ثريا ان تقدم باقة الورد.

كنت أتابع الحوار بذهول وفرح، والدتي كانت حقا منهمكة بالزبونات في ذلك اليوم، وكنت منزعجة قليلاً، لأنها كانت تتردد، فعندما يتعلق الأمر بالقائد لا يمكن ان يرفض الطلب.

وانتهى الامر بوالدتي ان وافقت، ولم يكن لديها خيار آخر، ولحقت بالنساء الثلاث إلى السيارة الرباعية الدفع التي كانت متوقفة امام الصالون، وقد ادار السائق المحرك قبل ان نستقر بالسيارة. مبروكة جلست إلى الامام وانا بين سلمى وفايزة. وقد لحقت بنا سيارتان من الحرس. وبمقدوري ان اقول وداعاً لطفولتي.

حضّروها!

سارت بنا السيارة مسافة طويلة. ولم أتمكن من تحديد الوقت، الذي بدا لي وكأنه يتطاول إلى ما لا نهاية، لقد تركنا مدينة سرت وسرنا في الصحراء. كنت انظر إمامي من دون التجرؤ على طرح الأسئلة. وأخيرا وصلنا إلى سداده، إلى نوع من المخيم. كانت هناك سيارة رباعية الدفع وخيم كثيرة ومقطورة فاخرة للغاية. توجهت مبروكة باتجاهها وطلبت مني اللحاق بها. وظننت انني شاهدت في سيارة كانت تعود إدراجها إلى سرت إحدى الفتيات اللاتي استقبلن القائد في المدرسة في اليوم السابق. وكان يفترض ان تطمئنني هذه المسألة. ولكنني أحسست بقلق لا يوصف عندما صعدت إلى المقطورة. وكأن كل أعماقي ترفض هذا الوضع. وكأنني شعرت تلقائيا وبغريزتي ان شيئاً سلبياً للغاية يخطط له.

كان معمر القذافي داخل المقطورة جالساً على مقعد تدليك احمر كالامبراطور بيده مفتاح التشغيل وريموت كونترول، تقدمت منه لأقبل يده التي مدها لي برخاوة وكان يشيح عني بنظره «اين فايزة وسلمى؟» سأل مبروكة بصوت منزعج. «إنهما على وصول». كنت مصدومة لانه لم يلتفت الي بنظرة وكأنني غير موجودة. مرت دقائق عدة من دون ان يلتفت الي وكنت لا ادري اني اخبئ وجهي، وانتهى به الامر ووقف وسألني «من أين جاءت أسرتك؟».

من الرنتان.

لم تتحرك على وجهة أي عضلة. «حضروها» قال قبل ان يترك الغرفة.

أشارت الي مبروكة إلى ان اجلس على مقعد في زاوية صالون المقطورة. ووصلت المرأتان وكأنهما في منزليهما. ابتسمت لي فايزة واقتربت مني وامسكتني من ذقني وقالت لي «لا تخافي يا ثريا يا صغيرتي». وغادرت وهي تقهقه بأعلى صوتها. وكانت مبروكة تتحدث عبر الهاتف وتعطي تعليمات وتفاصيل مفيدة لوصول شخص ما. وعلى الأرجح فتاة مثلي.
اقفلت الخط والتفتت الي قائلة «تعالي لنأخذ مقاساتك لنعطيك الملابس. ما هو مقاس صدريتك؟». كنت في غاية الصدمة وقلت لها «لا اعرف لان امي هي التي تشتري لي ملابسي».

ظهر الانزعاج على وجهها ونادت على فتيحة، وهي امرأة اخرى صوتها وجسمها اشبه بالرجال ولكن صدرها الكبير وحده يشير إلى انها امرأة. نظرت فتيحة الي وصافحت يدي وغمزتني قائلة «اذاً انت الجديدة؟». واضافت «من أين جاءت هذه؟». وأحاطت المازورة حول خصري وصدري، وبعد ان انتهت من أخذ المقاسات خرجت مع مبروكة من المقطورة. بقيت بمفردي بداخلها لا اجرؤ لا على الحركة ولا على النداء.

وحل المساء وانا لا أفهم شيئا. ماذا ستقول والدتي؟ هل اخبروها انني سأتأخر؟ ماذا سيحصل لي؟ وكيف سأعود إلى المنزل؟

وبعد مضي وقت طويل عادت مبروكة إلى المقطورة. وكنت مسرورة برؤيتها. اخذتني من ذراعي، من دون التحدث الي، إلى نوع من المختبر، حيث كانت توجد ممرضة شقراء، وسحبت مني كمية من الدم لاجراء فحوصات مخبرية.

وقادتني فتيحة إلى حمام وقالت لي انزعي ملابسك كم انك مشعرانية، يجب ان ننزع كل هذا الشعر ووضعت الكسحة السكر على رجلي وذراعي ثم استخدمت شفرة الحلاقة وقالت لا يجب ابقاء الشعر عند جنس المرأة، كنت مذهولة ومنزعجة. وظننت ان هذه الاجراءات الوقائية الصحية تتعلق بكل من يقترب من القائد.

وبعد الحمام قالت لي مبروكة وسلمى سنعطيك الملابس المناسبة، ويجب ان تتبرجي لرؤية البابا معمر.

كل هذا لالقاء التحية على البابا معمر؟!

أريد ان اعود إلى منزل اهلي.

«في ما بعد! ولكن يجب عليك قبل ذلك إلقاء التحية على معلمك».

اعطتني مبروكة سترينغ وانا لم ار شيئا مثل هذا في حياتي. ثم فستانا ابيض حريرا يلبس جسمي، يكشف عن صدري وعن ظهري.

وبعد ان عطرتني وقادتني في ممر إلى ان توقفت امام غرفة. فتحت الباب ودفعتني امامها كان القذافي مستلقياً على السرير، وعارياً كلياً، يا للرعب، لقد خبأت وجهي بيدي وتراجعت إلى الوراء مصدومة، لقد ظننت أن خطأ رهيباً حصل، وهذا ليس وقت ارتكابه، يا إلهي استدرت لكي أخرج من الغرفة، وكانت مبروكة تقف ورائي عند عتبة الباب، وتقاسيم وجهها قاسية، فهمست لها بأنه عار كلياً وكنت أظن أنها لم تنتبه إلى ذلك، فدفشتني قائلة: ادخلي، أخذتني من ذراعي وأجبرتني على الجلوس على السرير إلى جانبه، لم أتجرأ على النظر إليه، فقال لي استديري يا عاهرة.

لم أكن أعلم معنى هذه الكلمة، وقلت لنفسي إنها رهيبة مبتذلة تعني امرأة ساقطة، لم أتحرك حاول جذبي إليه، فقاومت شدني من ذراعي ومن كتفي فتمسمر جسمي.

فشدني إليه من شعري، وقال لي: لا تخافي أنا باباك، أليس هكذا تنادينني؟ ولكني، أيضاً، شقيقك، وأيضاً، عشيقك وصبيك، أريد أن أكون كل ذلك، لأنك، من الآن وصاعداً، ستعيشين معي دائماً.

اقترب وجهه من وجهي وشعرت بأنفاسه، بدأ بتقبيلي في رقبتي وعلى خدي وبقيت مثل المخشبة، أراد ضمي فابتعدت، اقترب مني فأدرت رأسي وبدأت بالبكاء أراد أن يحضن رأسي بين يديه فنهضت فأمسك بذراعي دفعته عني، فغضب وحاول أن يطرحني على السرير بقوة فقاومته، وتعاركنا راح يصرخ، فظهرت مبروكة «أنظري إلى هذه العاهره»، قال وهو يصرخ بأعلى صوته، «إنها ترفض ما أطلبه، علميها فهميها وأعيديها إليّ».

توجه إلى حمام إلى جانب غرفة النوم، فأخرجتني باتجاه المختبر ونهرتني قائلة: كيف تجرأت على التصرف هكذا مع سيدك، إن دورك يقوم على الانصياع له!

– أريد أن أعود إلى المنزل.

– لن تتحركي من هنا فمكانك هنا.

– أعطني أمتعتي أريد أن أعود لرؤية أمي.

كادت صفعتها ترميني أرضاً، حيث ترنحت من شدتها، أطيعي الأوامر وإلا بابا معمر سيدفعك الثمن غالياً جداً، لقد أدعيت أنك فتاة صغيرة أيتها المنافقة، بينما أنت تعرفين جيداً ما الذي ينتظرك، من الآن وصاعداً، ستصغين إلى ما نقوله لك أنا ومعمر، ستنفذين الأوامر من دون نقاش، واختفت لتتركني بمفردي في هذا الفستان الساقط وشعري على وجهي، فبكيت لساعات طويلة، وأنا متقوقعة على نفسي في الصالون.

وأنا لا أفهم شيئاً، ذهني محير، ماذا أفعل هنا؟ ماذا يريدون مني؟ أمي ماتت من شدة القلق ويمكن أنها اتصلت بوالدي الذي عاد إلى سرت وأخذ عليها كيف أنها تركتني أرحل، وهو الذي لم يكن يوافق على أن أغادر المنزل، كيف بمقدوري أن أخبرهم بما حصل مع بابا معمر، والدي سيجن، وكنت لا أزال أجهش بالبكاء، عندما جاءت الممرضة الشقراء ولن أنسى في حياتي أنها جلست إلى جانبي ومررت يدها على وجهي بحنان، وقالت لي: ما الذي حصل؟ أخبريني. كانت تتحدث بلهجة أجنبية، وعلمت فيما بعد أنها أوكرانية تعمل في خدمة القائد واسمها غالينا. لم أتمكن من أقول لها أي كلمة.

غلبني النعاس، أيقظتني مبروكة صباح اليوم التالي عند الساعة التاسعة، أعطتني ملابس رياضية فأملت أنني سأعود إلى منزل أهلي، وسألتها هل سأغادر إلى المنزل الآن؟ قلت لك لا! هل أنت صماء؟ لقد شرحنا لك إن حياتك باتت نهائياً هنا، وحياتك السابقة قد انتهت وقلنا ذلك لأهلك، وقد تفهموا الوضع بشكل جيد.

– لقد اتصلت بأهلي!

اقتربت مني سلمى: أريد أن أقول لك المسائل بوضوح: معمر يريد مضاجعتك، يريد أن يفض بكارتك، أن يأخذك، من الآن فصاعداً أنت ملكه، ولن تتركيه من الآن فصاعداً. توقفي عن نزوتك فالمقاومة لا تجدي نفعاً معنا.

جاءت فتيحة وقالت لي لا تقاومي فهكذا تكون الامور ابسط. اذا وافقت فإن الامور ستكون جيدة بالنسبة لك. ويجب عليك ان تطيعيه.

بكيت وبقيت منبطحة وقلت لنفسي اذاً انا سجينة ما هو ذنبي؟

 

….. يتبع الحلقة الثانية

Advertisements

One response to “أنيك كوجين : " الفرائس – من داخل حريم القذافي " – الحلقة الأولى

  1. عبد الرحمن قندره الأسيف أغسطس 15, 2013 عند 11:26 م

    بارك الله في مجهوداتكم وعلى المعلومات (الله المستعان) أسأل الله أن يكن مع الفتيات المغتصَبات وأن يهديهن ويسهل لهن .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: