أنيك كوجين : " الفرائس – من داخل حريم القذافي " – الحلقة الثالثة

str-ly.com45163b7352

شهر رمضان

وأخيرا جاء شهر رمضان، بالنسبة إلى أسرتي كان شهراً مقدساً. وكانت والدتي صارمة، حيث يمنع الأكل في المنزل منذ الفجر وحتى مغيب الشمس. كنا نحترم مواعيد الصلاة، وكانت والدتي أحيانا تأخذنا إلى المغرب أو تونس لنقضي شهر الصوم مع جدتي وجدتها. منذ طفولتي لم أكن أتخيل انه بمقدور أحد عدم احترام الصوم والصلاة.

عشية بداية شهر رمضان، حيث يتعين على المسلمين أن يستعدوا روحانياً لبدء هذه المرحلة الخاصة، من خلال ضبط ولجم الشهوات، فتك القذافي بي طيلة ساعات طويلة، كنت أقول له إن هذا ممنوع واننا في شهر رمضان، وعادة كان يكيل لي الشتائم، وبين تأوهاته قال لي “إن الطعام فقط ممنوع”. تولدني شعور بأنني كافرة.

لم يكن يحترم شيئاً، كان يخرق كل تعاليم ديننا، نزلت إلى غرفتي مصدومة، كنت بحاجة إلى التحدث مع أحد، لأمل أو لأي فتاة أخرى، كنت مصدومة للغاية، ولكنني لم أجد أحدا. كان محيط تحركاتي محدوداً، غرفتي، غرفته، المطبخ والكافيتيريا، وأحياناً صالونات الاستقبال القريبة من مكتبه، والملاصقة لقاعة الرياضة الخاصة به، سمعت خطوات فوق رأسي، وفهمت ان أمل وفتيات أخريات قد دخلن إلى غرفته، في أول أيام رمضان. وعندما ألتقيت بهن في المساء عبرت لهن عن ذهولي وصدمتي وقلت لهن إن ما قمن به حرام وخطير، فانفجرن بالضحك، وقالت الفتيات «إنه رمضان القذافي».

لقد أمرني بالصعود إلى غرفته طيلة الشهر المبارك، في النهار والليل. كان يدخن (..) يضربني (..).

الغيرة والانتقام

في الليلة السابعة والعشرين، علمت أن القذافي يستعد لاستقبال شخصيات من علياء القوم. استدعتنا مبروكة وطلبت منا أن نقوم بخدمة الضيوف. عجت الصالونات بالضيوف، أفريقيات رائعات الجمال ورجال بالزيين العسكري والمدني مع ربطات عنق، لا أعرف منهم أحدا، سوى نوري مسماري المدير العام للبروتوكول، والغريب فيه أن لحيته وشعره شقراوان وعيناه خضراوان.

وكنت قد شاهدته في وقت سابق على التلفزيون وكان الأمر طريفا بالنسبة لي أن أراه يتنقل بين الضيوف. وصل سعد الفالح، وكان يبدو أنه يعرف الفتيات جيدا، حيث راح يوزع عليهن مغلفات بداخلها 500 دينار كمصروف جيب، كما قيل لي. شعرت عدة مرات أنه ينظر إلي واقترب مني قائلا: «أنت الأخيرة، كم أنت جميلة»، ضحك ولمس خدي. مبروكة التي كانت تراقب المشهد نادته قائلا «سعد تعال!». لحظتها همست أمل في أذني بأن أذهب وبسرعة إلى غرفتي “لأن الأمر بغاية الخطورة».

غادرت الصالون بسرعة وقلبي يخفق خوفا. وبعد حوالي ساعتين دفعت مبروكة باب غرفتي. كان ممنوع علي أن أقفله. وأمرتني بأن أصعد إلى غرفة القذافي. ذهبت وسارت مبروكة خلفي. كان باب غرفته مفتوحا وكان يهم بارتداء ملابسه الرياضية. نظر الي بشرر وقال «تعالي يا (…)، تتسلين مع شعرك الجميل لإغراء الجميع؟ تلعبين دور الجميلة وتتبرجين لتفتنيهم. هذا أمر لا أستغربه فأمك تونسية».

– سيدي أؤكد لك انني لم أفعل أي شيء.

– يا (…) تتجرئين على القول إنك لم تفعلي شيئا؟

– لا لم أفعل شيئا. وماذا بمقدوري أن افعل؟

– شيء لن تتمكني من القيام به مرة ثانية يا (…).

أمسك بشعري بقوة اركعتني. وطلب من مبروكة أن تحضر له سكينا. ظننت أنه سيقتلني. كان الشرر يتطاير من عينيه. وكنت أعرف انه قادر على كل شيء.

مدت مبروكة له السكين. وكان يمسك دائما بشعري، وصرخ وهو يقطعه أتظنين انك ستتمكني من التلاعب بهذا. انتهى الأمر.

كانت خصل الشعر الأسود تسقط إلى جانبي وهو يواصل التقطيع. وفجأة أدار ظهره وقال لمبروكة «واصلي العمل!».

كنت أجهش بالبكاء، أرتعش من الخوف. ظننت أنه في كل مرة يرفع فيها السكين كان يستعد لنحري. شعرت أنه قطع شعري حتى كتفي.. وأحيانا أكثر، لأنني لم أعد أشعر بوجود شيء على رقبتي. كانت مجزرة حقيقية. «كم صرت بشعة»، قالت لي فريدة، من دون أن تبالي بالسبب. ولم أر العقيد بعد ذلك عدة أيام. ولكنني تمكنت من رؤية زوجته.

كان يوم العيد. بالنسبة إليّ تعودت أن اشهد عيدا عائليا جميلا. ولكن ما الذي يمكنني انتظاره في يوم العيد في باب العزيزية؟

جاءت مبروكة في الصباح. جمعتنا وطلبت منا ارتداء ملابس أنيقة ومحتشمة، لأن زوجة القائد ستأتي لزيارتنا. كنت قد شاهدت صورها في الماضي. ولكن لم يسبق لي ان التقيتها أو صادفتها. وفهمت ان لها منزلاً خاصا بها في باب العزيزية. ولكن القذافي لا يبات فيه على الإطلاق، ولا يلتقي بها إلا نادرا في المناسبات الرسمية. القائد «عدو تعدد الزوجات» يعيش مع عدد من النساء، ولكن ليس مع زوجته. وكل ما نعرفه انه يلتقي ببناته كل يوم جمعة في فيلا غابة المرابط الواقعة على طريق المطار.

كان لإعلان قدوم زوجة العقيد وقع الصاعقة عليّ. عبيدات الجنس يتحولن إلى خادمات. عندما دخلت صفية إلى المنزل الفخم متعالية، وتوجهت إلى غرفة القائد، كنت في المطبخ مع بقية الفتيات نجلي الأواني. ونمسح الأرض.
وما إن غادرت ساندريلا المنزل حتى جاءت مبروكة، لتقول لنا أن الأمور عادت إلى طبيعتها.

وبالفعل فور مغادرة زوجته استدعاني سيدي وأمرني بالرقص. كما استدعى عدنان، أحد العناصر السابقة للوحدات الخاصة، وهو متزوج من إحدى عشيقات العقيد ووالد لطفلين، وصرخ به: دورك الآن يا (…)!

clip_image002

القذافي كان متعلقاً بالشعوذة .. ويحضر السحرة من أفريقيا

ممرضة القذافي الاوكرانية غالينا دائماً كانت تحقن القذافي لتجعله غير قادر على الإنجاب

قذافي طحنني

انتشر خبر أن القائد سيذهب إلى تشاد في زيارة تستغرق ستة أيام. مبروكة، فايزة وسلمى كنّ في عداد الوفد الذي سيرافقه، إضافة إلى عدة فتيات. وجدتها مناسبة لأحاول رؤية والدتي من جديد. حاولت أن أقنع مبروكة بأن تسمح لي بزيارتها أثناء غياب القائد، ولكنها رفضت، قائلة: «تبقين في غرفتك، على استعداد للالتحاق بنا في أي لحظة إذا رغب سيدك برؤيتك.. ارسل لك طائرة لإحضارك».

قررت أن أريح جسدي. هذا الجسد المزرق والمدمى بجروح (…) لا تندمل. هذا الجسد التعب الذي لم يكن سوى آلام ولم أعد أحبه.

كنت أدخن، أغفو، وأتسلى بمشاهدة كليبات الأغاني على التلفزيون. لم أكن أفكر في شيء.

نصف ساعة للتسوّق

عشية عودة القائد حصلت لي مفاجأة سارة، إذ تلقى أحد سائقي باب العزيزية أوامر باصطحابي، ولمدة نصف ساعة فقط، إلى المدينة لأنفق الـ500 دينار التي تلقيتها في شهر رمضان. كان ذلك مذهلا، اكتشفت من جديد دفء الربيع. كانت الشمس تبهر عيني، كنت مثل أعمى يبصر النور لأول مرة في حياته، ففي غرفتي الواقعة تحت الأرض، والخالية من النوافذ، كان الجو دائما رطباً إلى درجة أن مبروكة كانت تحرق فيه الأعشاب لطرد رائحة العفونة.

السائق قادني إلى حي راقٍ، واشتريت بيجاما رياضية وأحذية وقميصا، ندمت عليها فيما بعد، فأنا لم أكن أعرف ماذا اشتري. لم أحصل في حياتي على مال خاص بي. كنت تائهة كلياً، كيف ألبس؟

بين غرفته وغرفتي لم أكن بحاجة إلى شيء. كم كنت حمقاء، كان الأجدر بي أن أفكر بشراء كتاب أتسلى به، شراء شيء يساعدني على الحلم، حتى أستطيع الهروب ولو في الأحلام، كتاب يعلمني الحياة، أو قلم وأوراق لأرسم أو أكتب مذكراتي. وكل هذه الأشياء كانت ممنوعة عنا في باب العزيزية.

لم أفكر في أي شيء مهم أو مفيد. كنت أنظر حولي وكلي رغبة في أن أبتلع كل شيء بعيني. كنت كمن أصيب بدوار، دمي يغلي، شعرت بنفسي وكأنني هيكلا عظميا تُرك في المدينة لعدة دقائق ولا أحد يعرف عني شيئا، ولا أحد يدري شيئاً عن قصتي، لا المارة انتبهوا لي.. البائع أعطاني كيس مشتريات وهو يبتسم لزبونة عادية.

مرت بالقرب مني مجموعة من الفتيات في المرحلة الثانوية يضحكن ويتحادثن، لا يفكرن إلا بالدراسة والضحك. مبروكة لم تكن خلفي، السائق كان لطيفا. ولكنني كنت أشعر أنني مراقبة، الهرب ليس الحل. ولكن الثلاثين دقيقة التي قضيتها في التسوق وعشت خلالها ما يشبه الحرية مرت كثلاثين ثانية.

كنت أُعامَل كعبدة

في اليوم التالي عادت الزمرة. سمعت جلبة في الطابق تحت الأرض، وقع خطوات، أبوابا تفتح وتوصد، وأصواتا ترتفع، تجنبت الخروج من غرفتي، ولكن سرعان ما ظهرت مبروكة عند عتبة الباب لتقول لي: «الى فوق!». لم تعد تقل لي يجب أن تصعدي، أو سيدك يريد أن يراك. باتت تتواصل معي بأقل ما يمكن من كلمات وبأكثر ما يمكن من الإزدراء. نعم كنت أُعَامل كعبدة.

خلال صعودي الدرج إلى غرفة المعلم شعرت وكأن كهرباء تسري في جسدي.

«آه يا حبيبتي.. تعالي إلى جانبي»، قال لي عندما رآني. وسرعان ما انقض علي وهو يصرخ يا (…) ويتأوه. كنت بالنسبة له الـ(…) التي يفعل بها ما يشاء، ويشبعها ضربا.

لم أكن إنسانة بالنسبة له.

قاطعه صوت يقول «سيدي، إننا بحاجة إليك، الأمر ملحّ».

أبعدني بيده، وأمرني بأن أخلي الغرفة. نزلت إلى غرفتي الرطبة.. وتعمدت ولأول مرة مشاهدة فيلم إباحي. كانت تجربتي معه كلها تعذيب… كان الأمر بالنسبة لي محيرا وغريبا.

صوت أمي

بعد يومين جاءت فايزة إلى غرفتي مع ورقة صغيرة «هذا رقم والدتك، بمقدورك أن تتصلي بها من المكتب». ردت والدتي على الهاتف: «آه ثـريا ، كيف أنت يا ابنتي الصغيرة. يا الله كم أنا سعيدة بسماع صوتك! أين انت؟ متى سأتمكن من رؤيتك؟ هل أنت بصحة جيدة؟»..

كان يحق لي بدقيقة واحدة، مثل السجينات. قالت فايزة كفى. وبيدها ضغطت على الهاتف وأقفلت الخط.

مكايد نجاح

ذات يوم حصل شيء غريب. الشرطية نجاح جاءت كعادتها لقضاء يومين مع العقيد، كما يحصل من وقت لآخر. ومن جديد تقاسمت الغرفة معي، وأنا دائما أتوخى الحذر معها، خاصة عندما تسرّ لي بأشياء. ولكن جرأتها كانت تسليني.

«لدي خطة لأخرجك قليلا من باب العزيزية»، هذا ما قالته لي، مضيفة: «أعتقد أنك بحاجة إلى ذلك».

ـ هل تمزحين؟

ـ لا، على الإطلاق. يكفي أن تكوني حذقة. هل تحبين أن تذهبي معي برحلة صغيرة بكل حرية؟

ـ ولكن يستحيل أن يسمحوا لي بالخروج!

ـ كم أنت انهزامية! يكفي أن تدعي أنك مريضة، وأنا أتكفل بالباقي.

ـ هذا لا معنى له. الممرضات الأوكرانيات سيعتنين بي.

ـ دعي الأمر لي. فأنا سأعد سيناريو، ويكفي أن توافقي.

ذهبت لرؤية مبروكة. لا أدري ماذا قالت لها، وعادت لتقول لي لدينا الضوء الأخضر. لم أصدق ذلك.

جاء سائق يدعى عمار ليخرجنا من باب العزيزية.

ـ ماذا قلت لمبروكة؟

ـ اصمتي! في البداية سنذهب إلى منزلي، وبعد ذلك سنذهب لنرى أحد الأشخاص.

– هذا شيء لا يصدق! كيف فعلت ذلك؟

– هيه!! إن اسمي نجاح ليس عن عبث!

– ولكن لا يوجد لدي ملابس!

– لا تقلقي! سنتقاسم ملابسي.

ذهبنا إلى منزلها. غيرنا هدومنا. وقادتنا شقيقتها بسيارتها إلى فيلا جميلة في ضاحية النظارة.

«أنت حرة هنا»

بدا صاحب الفيلا سعيدا باستقبالنا.

قالت له نجاح هذه ثـريا التي حدثتك عنها. تأملني الرجل مطولا، وادعى أنه مهتم بي، وسألني «اخبريني هل هذا الكلب يؤذيك؟».

صعقت من جرأته. من هو هذا الرجل؟ وهل بمقدوري أن أثق به. انتابني شعور غير مريح. ولم أجاوب على سؤاله.

كان هاتف نجاح يرن من دون انقطاع، وعرفت أن مبروكة على الطرف الآخر من الخط، لكن نجاح لم تكن تجيب، بل اكتفت بوضع جهاز الهاتف جانبا. سألتها باستغراب ألا تردين عليها؟ لم تجاوب، واكتفت بمد كأسها إلى الرجل الذي ملأه بالخمر. كنت لا أصدق ما أرى، في هذا البلد الذي يمنع فيه شرب الكحول هناك من يشربونه- مثل القذافي- وبكثرة وينتقدون القائد؟!

مد الرجل بكأس إلي، وبدا عليه الانزعاج من رفضي. وراح يلح «إشربي.. إشربي.. أنت حرة هنا!». كانت نجاح وشقيقتها تشربان وترقصان في الوقت نفسه، والرجل يراقبهما بنهم. وكانتا في حالة سكر تام..

الفـــخ

وصل رجل آخر، فشعرت بالفخ، لم تنجدني منه نجاح. ادعيت أنني متعبة. فأشار إلى غرفة. وكنت حذرة. وبسرعة صعدت نجاح مع الرجلين إلى الطابق الأعلى وكان هاتفها يرن. لم يتعرض لي أحد. ولكنني استيقظت والخوف يسيطر علي. أيقظت نجاح وكانت في سبات. لم تتذكر أي شيء. رن الهاتف، وكان صوت مبروكة على الطرف الآخر من الخط. سمعتها تصرخ بأعلى صوتها «السائق يبحث عنكما منذ يوم أمس. ستريان ماذا سيفعل بكما سيدكما!».

نجاح اضطربت وارتعبت. لقد كذبت علي وخانتني. ونصبت لي فخا بشعا لترميني كفريسة للرجال. كانت تثير اشمئزازي، فبعد أن خطفني القذافي أرادت أن تجعل مني (….).

العودة كانت عنيفة للغاية. مبروكة لم تكن موجودة. وطلبت منا سلمى أن نصعد فورا إلى غرفة القائد. كان الغضب يتطاير شررا من عينيه، صفع نجاح بقوة وهو يصرخ «اخرجي الآن، لا أريد أن أراك ثانية على الإطلاق!».

أما أنا فرماني على السرير وصبّ كل غضبه على جسدي. وعندما انتهى ردد بصوت منخفض: «كل النساء (..). حتى (..) كانت كذلك». اعتقد أنه كان يتحدث عن أمه.

فتاة لكل يوم

مر شهر من دون أن يمسني. فقد جاءت فتاتان جديدتان من مدن الشرق. الأولى كانت في الثالثة عشر من عمرها من البيضاء والثانية من درنة وعمرها 15 سنة.

شاهدتهما تصعدان إلى غرفته: جميلتان، والبراءة على وجهيهما كما كنت قبل سنة. كنت أعرف ماذا ينتظرهما، ولكنني لم أجرؤ على التحدث معهما ولا حتى بالإشارة.

لم تبقيا فترة طويلة. كان يريد الفتيات كل يوم. كل الأيام. كان يجربهن ويلفظهن أو يعيد استخدامهن، ولم أكن أعرف ماذا يعني ذلك.

كانت الأيام تتوالى، الفصول، الأعياد الوطنية، الأعياد الدينية، أشهر رمضان، فقدت معنى الوقت، في الليل كما في النهار، كانت الإضاءة هي ذاتها تحت الأرض. وحياتي كانت في محيط ضيق وفق أهواء ورغبات ومزاج العقيد.

عندما كنا نتحدث عنه فيما بيننا، لم نكن نلفظ اسمه أبدا، كنا نقول إن حياتنا تدور حوله. ولم يكن هناك خلط بينهما. لم أكن أعلم شيئا عن أحوال البلاد ولا ما يجري في العالم. أحيانا كانت إشاعات تتحدث عن قمة أفريقية، أو زيارة رئيس دولة مهمة. معظم اللقاءات كانت تتم في الخيمة الرسمية، حيث كان يذهب إليها بسيارة غولف صغيرة. وقبل كل لقاء أو مقابلة صحفية، كان يدخّن الحشيش أو يستنشق الكوكايين. كان دائما تحت تأثير المخدرات.

ضيوف كبار

كانت تنظم الحفلات والكوكتيل في صالون المنزل، وكان يدعى إليها كبار مسؤولي النظام والوفود الأجنبية. كنا نراقب النساء لأنهن كن وحدهن يثرن اهتمامه. وكانت مهمة مبروكة تكمن في جذبهن إلى غرفته: طالبات، فنانات، صحافيات، عارضات أزياء، زوجات كبار المسؤولين والضباط. وكلما كان الأب أو الزوج مهماً، كانت الهدايا قيّمة. كانت الغرف الملاصقة لمكتبه تشبه مغارة علي بابا. شاهدت حقائب نسائية من أفخر الماركات، وحقائب سامسونيات مليئة بالدولارات، وأحجار ألماس، وعلب مجوهرات، وعقوداً ذهبية كانت تهدى في مناسبات الزواج.

كانت معظم النساء يخضعن لفحص الدم، وكانت الممرضات الأوكرانيات يقمن بذلك بتكتم تام في مكتب مقابل لمكتبه. لا أدري إذا كانت نساء قادة الدول نجين من ذلك أم لا. وكنت أتسلى برؤيتهن وشعرهن مسرّح. ولكن عندما تنزل يكون الوضع مغايرا. ويحل الشعر المنكوش مكان التسريحات.

ليلى الطرابلسي، زوجة دكتاتور تونس زين العابدين بن علي، كانت من أكثر المقربات للعقيد. جاءت لرؤيته عدة مرات، مبروكة كانت تعبدها، وتقول لها عندما تراها حبيبتي ليلى.. وكانت في غاية السعادة عندما تتصل لتعلن عن قدومها.

مع مرور الوقت رأيت زوجات قادة أفارقة جئن إلى منزل القذافي ولا أعرف أسماءهن. سيسيليا ساركوزي، زوجة الرئيس الفرنسي، جميلة، ممشوقة، نظراتها متعالية، قالت لي بقية الفتيات إنها خرجت من مقطورة القذافي في سرت. رأيت مرة طوني بلير ولوح بيده وعلى وجهه ابتسامة فرحة.

الصيد في صحراء سرت

انطلاقاً من سرت، كنا نتوجه أحيانا إلى الصحراء. كان القذافي يحب أن يضرب خيمته وتحيط به الجمال، كان يقيم في الخيمة لشرب الشاي والحديث مع شيوخ القبائل لساعات طويلة، لكنه لم يكن يقضي الليل في الخيمة، كان يفضل الراحة في المقطورة، حيث كان يدعونا للالتحاق به. وفي الصباح كان يجب علينا مرافقته إلى الصيد. وكان يتعيّن علينا أن نرتدي أزياءنا العسكرية، للإبقاء على أسطورة حارسات القذافي.

زهرة، وهي المجندة الوحيدة الحقيقية، كانت تحرص على أن نبدو وكأننا مثلها، وقد طلب منها العقيد أن تعلمني كيف أستخدم سلاح الكلاشينكوف، كيف أفككه، وأعيد تركيبه، وتنظيفه وحتى إطلاق النار. ولكنني رفضت أن أطلق النار ولم أطلق طلقة واحدة في حياتي.

اكتشفت أيضا تعلق القذافي بالشعوذة، وكان ذلك تحت تأثير مبروكة مباشرة، التي كانت تذهب لاستشارة السحرة والمشعوذين في كل أفريقيا، وأحيانا كانت تأتي ببعضهم لرؤية العقيد.

لم يكن يحمل تعويذات، ولكنه كان يضع دهانا غريبا على جسمه، الذي كان مدهونا دائما، وكان يردد باستمرار كلاما مبهما، غير مفهوم، ويضع إلى جانبه باستمرار المنشفة الحمراء.

وأينما ذهب كانت الممرضات إلى جانبه، غالينا، آلينا، وكلوديا.. وكن يرتدين زي الممرضات الأبيض والأزرق، وكن يعملن في المستشفى في باب العزيزية، ويشرفن على صحته بشكل يومي ويراقبن غذاءه. وعندما كنت أعبر عن خشيتي من أن أحمل منه، قيل لي إن غالينا تحضّر له حقنا تجعله غير قادر على الإنجاب.

واشتكت لي منه غالينا ذات مرة، ولكن هل هناك امرأة لم يحاول امتلاكها ولو لمرة واحدة ؟

clip_image003

هربت مع هشام لنتزوج فأعادوني بالقوة إلى باب العزيزية
كان للقذافي مجموعة عُرفت بـ{مكتشفي المواهب} وكانت مهمتها اختطاف فتيات .

ذات يوم اُغرمَ جلال بي، أو على الأقل هكذا ظننت. صدقت أنه يحبني، لأنه كان ينظر إليّ باستمرار، ويبتسم لي عندما يلتقيني بالقرب من المطبخ، ويُسمعني كلمات الإطراء. كل هذا أدى إلى إصابتي باضطراب نفسي.

كنت أرغب في أن يهتم بي أحد. لم أكن أعلم أنه من المثليين. كنت جاهلة حتى اكتشفت ان مجون القذافي لا يقتصر على النساء، بل شمل الرجال أيضاً، وبعضهم كانوا من كبار ضباط الجيش. كنت بحاجة إلى الحنان. والتهبت مشاعري عندما شعرت بأن رجلا ناعماً يظهر لطفه نحوي.

كان جلال يبحث باستمرار عن مناسبة للقائي وملامسة يدي. كان يهمس لي بأنه يحبني، وأنه يفكر في الاقتران بي. مرة قال لي «ألم تلاحظي أنني أنظر إليك باستمرار، ومنذ اليوم الأول لوصولك إلى هنا»؟

جلال تخطى المحظور، وقال للقائد إنه يرغب في الزواج مني. فاستدعانا نحن الاثنين، وراح يسخر منا، قائلا «هكذا إذن.. تدّعيان أنكما تتبادلان الحب… ولديكما الجرأة لقول هذا لي.. أنا سيدكما! كيف تتجرئين يا (…) على حب رجل آخر غيري؟ وأنت أيها الحقير، كيف تتجرأ على النظر إليها؟».

جلال كان ينظر إلى الأرض، ولم يجرؤ على رفع نظره. وأنا أيضا كنت مثله.

طردنا القائد من غرفته. ومنع جلال، الذي كان من الحرس، من الدخول إلى المنزل لمدة شهرين.

جاءت مبروكة إلى غرفتي لتقول لي بدورها: «يا حقيرة، لم يمض على وجودك هنا سوى ثلاث سنوات وبدأت في التفكير بالزواج».

إلى أفريقيـــا

بعد عدة أشهر تم الإعلان عن عزم القائد على القيام بجولة كبيرة في أفريقيا. قيل لي إنه سيزور خمس دول أفريقية في أسبوعين. الجميع رافق العقيد. بنات القذافي ارتدين ملابسهن العسكرية. في الساعة الخامسة من صباح يوم 22 يونيو 2007، كنت في عداد الموكب للتوجه إلى المطار. قادتنا السيارات إلى سلم الطائرة. وعندما دخلت إلى الطائرة لمحت جلال، وكان القائد على متن طائرة أخرى.

حطت بنا الطائرة في باماكو عاصمة مالي، ولم أكن قادرة على تخيل مثل ذلك الاستقبال الذي كان بانتظارنا، لقد كان جنونيا: مد السجاد الأحمر للعقيد، الذي ارتدى بزته البيضاء.. رئيس مالي ووزراؤه وكبار ضباط جيشه كانوا في استقباله، ويحارون كيف يمكنهم إرضاء ملك ملوك أفريقيا.

والأهم من ذلك كان الاستقبال الشعبي: الحشود ترقص وتغني، وتهتف بأعلى صوتها «أهلاً بمعمر». لم أستطع أن أصدق ما كنت أرى وأسمع، وسرعان ما سيطرت مبروكة على سير العمليات. أشارت إلينا بالتجمع جانبا والصعود بالسيارات الرباعية الدفع التي كانت تنتظرنا ويقودها ليبيون.

من شمال غينيا إلى جنوبها

وصلنا إلى فندق ليبيا، حيث طلبت منا امرأة من البروتوكول، اسمها سناء، الانتظار في الصالون. بعد ذلك انطلق الموكب المؤلف من أكثر من مائة سيارة.

كانت بداية الرحلة قاسية، فقد قطعنا حوالي ألف كلم من شمال غينيا إلى جنوبها لنصل إلى كوناكري العاصمة.

ما كان يشغل الفتيات هو موضوع الفندق الذي سينزلن فيه. كن يأملن بأن تكون الإقامة في فندق فاخر، حيث توجد المسابح وعلب الليل والمراقص.

وهذا ما حصل لهن. أما أنا فلم تتح لي فرصة الانضمام إليهن، إذا أمرتني مبروكة بالذهاب إلى مقر إقامة القذافي، حيث تقرر أن تكون إقامتي ايضا، وكان ذلك في مبنى كبير أشبه بقصر. تقاسمت غرفتي مع فتاة أخرى اسمها عفاف. وفي منتصف الليل جاءني الأمر بالالتحاق بالقائد. وجدته جالسا في منتصف الغرفة، كان عاريا تماما وفي يده منشفته الحمراء يمسح بها وجهه باستمرار.. ثم وقف، وراح يقطع الغرفة في الطول والعرض. كانت ملامح وجهه مهمومة، حتى خيل إلي أنه لم ينتبه لوجودي.. ظل على تلك الحال حتى ساعات الفجر الأولى، ثم انقض عليّ.

في اليوم التالي، انضممت إلى الشلة، أمل وجلال والآخرين. كان الفندق حيث ينزلون رائعا للغاية، والأجواء كانت جميلة، لم يسبق لي ان رأيت أو عشت مثلها. وبعد ساعات قليلة أمرتني مبروكة بأن أعود إلى مقر العقيد في المساء، لكنها سرعان ما غيرت رأيها وسمحت لي بالبقاء مع المجموعة. لا أعرف من طلب منها ذلك وأقنعها بالموافقة.

التحقت بالمجموعة في مرقص الفندق. كان الجميع يشرب الكحول ويرقص مع الأفارقة. بدأت لي عائلتي وكل القيم التي تربيت عليها بعيدة للغاية. شعرت وكأنني على كوكب آخر. كان جلال يراقبني من بعيد، التقت نظراتنا، وكنت سعيدة جدا. اقترب مني وهمس بأذني: «لا تشربي الكحول»! وقد أثر ذلك في نفسي كثيرا. لقد كان لطيفا، وطيبا. كانت الموسيقى تصدح والمرقص ممتلئا وتتصاعد منه حمى الحلبة. قضيت الليلة في الفندق مع البقية.

أمضينا يومين في ساحل العاج، وبعدها انطلق الموكب باتجاه غانا، قضينا ساعات وساعات في السيارات باتجاه أكرا، حيث كانت تُعقد القمة الأفريقية.
لم تشكل جولة القذافي الأفريقية نهاية آلامي، بل على العكس، كانت بداية تقهقري.

ففي اليوم التالي لعودتنا من أفريقيا، استدعاني، بحضور مبروكة، وقال لي باشمئزاز «لم أعد أرغب فيك يا (…)». وفي أحد الأيام فاجأتني مبروكة بقولها إن بإمكان أمي أن تزورني في باب العزيزية. وهذا ما حصل. وحدها أمل كانت لطيفة معها فيما عاملها الباقون بازدراء.

لم تمض أيام قليلة حتى عاود طلبي إلى غرفته واعتدى عليّ بطريقة وحشية.

اللقــاء بهشام

أمل، واحدة من فتيات القذافي، استطاعت إقناع مبروكة بالسماح لها باصطحابي إلى منزل والديها. وهذا ما حصل. وكدنا نتعرض لمشكل كبير عندما اصطدمت سيارة أمل بسيارة رجل في الطريق، وكان الرجل في قمة اللطف والأخلاق. تبادلنا الابتسامات، ولم أقاوم سحر عينيه السوداوين ونظرته الثاقبة. كان وسيماً، ورياضياً مشبعاً بالطاقة والحيوية. شعرت أنني وقعت في حبه منذ اللحظة الأولى، لكن أمل لم تترك لي مجالا لأتحدث معه.
في اليوم التالي، التقيت به صدفة في مدينة الملاهي، حيث كان يعمل. تبادلنا النظرات من جديد، وبادر بالتعريف عن نفسه. كان اسمه هشام، وتبادلنا أرقام هواتفنا. وكان ما فعلت يصب في خانة المحظورات في قاموس باب العزيزية.

اليوم عمري 18 سنة، ورفيقاتي حصلن على شهادة الثانوية العامة، بعضهن تزوج، والبعض الآخر دخل الجامعة، كنت أحلم أن أكون طبيبة أسنان، لأن الأسنان هي أول ما يظهر عندما يبتسم الإنسان. لكن القذافي وحاشيته حطموا أحلامي وسرقوا حياتي.

لقائي بهشام جعلني أشعر بالقوة. وها أنا أعُبِّر عن غضبي بوجه القائد شخصياً. فعندما أمرني – كعادته – بأن أتعرى، وناداني يا (…). صرخت بوجهه وسألته بتحد «لماذا تنعتني بـ (..)؟ أنا لست (..)».

استشاط القذافي غضبا «اخرسي يا (..)!» صرخ بي، ثم اعتدى عليّ بعنف شديد، ثم أجبرني على تنشق الكوكايين.. حتى أغمي عليّ.

بقيت حبيسة الفراش يومين، وكانت صورة هشام في ذهني وحدها تجعلني أتمسك بالحياة. وعندما علم القذافي بأن الآخرين عرفوا بما حصل عاقبني بشدة.

في منزل أمل

أمل كانت تحبه كثيرا ومعجبة به، لأنها كما قالت لي «مدينة له بأشياء كثيرة.. المنزل الذي يسكن فيه والداها، والسيارة، ونمط الحياة المريح». كانت قوية جدا، وتقول للقذافي كل ما تريده، حتى أنها نعتت سعد الفالح بـ(…) عندما وصفها بـ(…). ومع ذلك كانت دائما فرحة وكريمة ومضيافة.

ولأنها قوية استطاعت إقناع مبروكة بالسماح لنا بالذهاب إلى منزل والديها مرة ثانية.

خلال إقامتي في منزل أمل، اكتشفت الحياة التي تعيشها خارج باب العزيزية. كان لديها شبكة علاقات واسعة تشمل رجال أمن وشرطة، ورجال أعمال ومسؤولين في السلطة، وتقبض منهم عمولات لقاء خدمات تقدمها لهم.

اكتشفت أنها تحاول استخدامي أنا شخصيا لاستمالة رجال أثرياء، فعلاقتي بباب العزيزية تجعل تسعيرتي باهظة للغاية. وفي إحدى السهرات التي حضرتها شخصيات ليبية بارزة ومعروفة، عرض أحدهم، وكان من أقارب القذافي المعروفين، مبلغ 5000 دينار لقاء قضاء ليلة معي. أمل أخذت المبلغ كله ولم أتجرأ على مطالبتها بشيء.

الهروب مع هشام

ذات يوم أخبرتني والدتي- عبر الهاتف – أن إيناس، صديقة طفولتي، موجودة في طرابلس، وتريد رؤيتي. ذهبت لزيارة إيناس. التفّت كل الأسرة حولي. كان الجميع ينظر إليّ بصمت واستغراب. سألني أحدهم عن علاقتي بباب العزيزية، وكنت أشعر من نظراتهم انهم يعرفون ما يحدث معي.
انتبهت لنفسي بأنني بدأت أتصرف بشيء من التهور والجنون: الإقامة في منزل أمل، وزيارة منزل إيناس، ومكالماتي مع هشام، وردي في وجه القذافي… وقلت في نفسي ولِمَ لا؟! وسارعت للاتصال بهشام وطلبت منه أن يأتي ويصطحبني معه. وبعد دقائق كنت مع هشام نجوب شوارع طرابلس. أخذني إلى منزل صغير يملكه في الضواحي، وفوجئت عندما قال لي «ارتاحي! أنا أعرف قصتك، ولن أدع أحدا يمسك بسوء بعد اليوم». كانت أمل هي من أخبرت هشام بقصتي.

أنت لا تعرفني يا هشام، ستدفع ثمن ذلك غالياًَ. سأتسبب بدخولك السجن.
قضيت ثلاثة أيام سعيدة مع هشام. قضيت اليوم الأول كله أبكي، واعتقد انني كنت أفرغ دموعاً تراكمت خمس سنوات. كان هشام في غاية الرقة، تمكن من تهدئتي، كان يطبخ، ينظف ويمسح دموعي، لم أكن وحيدة.
الإعلان عن هروبي فجّر قنبلة في باب العزيزية.

– جاء رجال الأمن وفتشوا منزل أهل هشام: «أين ابنكم؟ يجب أن يعيد الفتاة التي خطفها». اتصل به أشقاؤه والهلع يسيطر عليهم. بعد ثلاثة أيام استسلمنا، ذهبت إلى منزل أمل التي خيرتني بين أن تأخذني إلى منزل أهلي أو إلى باب العزيزية. اخترت الذهاب إلى أهلي.

في منزل أهلي

كان لقائي بهم محرجا ومؤلما. لقد فقدوا ثقتهم بي كليا. كان الجو ثقيلا في المنزل، ولم يكن هناك ما نتحدث به. أمي، التي منعتني من الخروج، كانت تنظر إليّ وكأنها تريد قتلي، وكأنني ساقطة. ونظرات والدي كانت مملوءة بالشك. سألني عن هشام، وأخبرته أننا اتفقنا على الزواج.

ذات صباح طرق باب المنزل سائق جاء من باب العزيزية، وقال إنهم يطلبون حضوري إلى هناك.

عدت إلى باب العزيزية، كانت مبروكة مثل لوح الثلج، قادتني إلى المختبر لإجراء فحوصات الدم. انتظرت حوالي الساعة في صالون مع سلمى،

وبعدها أمرتني بالصعود إلى غرفة القائد. كان في ملابسه الرياضية: «يا لك من (…)، أعرف أنك عاشرت رجالا آخرين». ثم بصق في وجهي، وقال «لم يعد لديك سوى خيار واحد.. ستنامين عند أهلك، وعند الساعة التاسعة صباحا تكونين هنا. ستتعلمين انضباط الحرس الثوري».

في اليوم التالي، عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً، طرق سائق من باب العزيزية باب منزل أهلي.

إذاً سأذهب لأعمل، ولا أدري ما هي طبيعة العمل، كل ما كنت أرغب فيه هو ألا أرى القائد. ماذا يمكن أن تفعل حارسة الثورة؟ وكيف سأدافع عن الثورة؟

وجاءني الرد على تساؤلاتي بسرعة. كان عليّ أن اقدم المشروبات لضيوف القائد الأفارقة.

كنت في المنزل نفسه. مع الأشخاص أنفسهم. وكانت مبروكة تراقبني باستمرار، وكنت أعمل حتى الساعة الثالثة فجراً، ولم يعد لدي غرفة خاصة بي لأن فتاة جديدة أخذت مكاني. ومع ذلك طلبني القائد إلى غرفته. لقد أوقع بي.

في اليوم التالي اتصل بي والدي في السر، كانت المكالمة سريعة، قال لي: « ثـريا الموضوع مهم، تعالي وبسرعة مع جواز سفرك!».ولحسن حظي أن مبروكة نسيت أن تصادر جواز سفري بعد عودتنا من أفريقيا. نجحت في اختلاق عذر واهٍ وخرجت من باب العزيزية وذهبت إلى حيث كان والدي بانتظاري، وذهبنا سويا إلى السفارة الفرنسية لطلب تأشيرة. وبفضل علاقة والدي مع إحدى موظفات السفارة قيل لي انني سأحصل على التأشيرة في غضون أسبوع. عدت بعد ذلك إلى باب العزيزية، ولم يعرف أحد أين كنت. تابعت عملي كخادمة. كان منزل القذافي دائما يعج بضيوف من الشخصيات البارزة، ومن نجوم الفن وبينهم مصريون ولبنانيون، وكانت هناك دائما حقيبة يد «سامسونايت» ممتلئة بالدولارات تنتظر أحدهم قبل مغادرته.

وفي منزل أهلي كنت غريبة، كنت المثال السيئ للجميع: أمي راحت تقضي معظم وقتها في سرت مع شقيقي وأخي الصغير. لم تكن الأمور على ما يرام. كان والدي يقول لي «ما هذه الحياة؟ وأي نموذج تعطيه لأخويك ولبقية أفراد الأسرة؟»، ففضلت العودة إلى باب العزيزية والإقامة هناك.

مختبر تحليل الدم من جديد. خادمة في النهار، بانتظار استدعائي خلال الليل. وفي أحد الأيام تشجعت وطلبت إجازة من القذافي، بحجة أن والدتي مريضة جداً. أعطاني عشرة أيام. وفي الوقت نفسه كذبت على أهلي وذهبت لقضاء عدة أيام مع هشام في منزل ريفي استعاره من أحد أصدقائه. أخبرت هشام بأنني أخطط للذهاب إلى فرنسا، صارحني بحبه مرة ثانية وقال «أحبك ولا يمكنك أن تغادري». لكن بالنسبة لي كان الذهاب إلى فرنسا الحل الوحيد فحاشية القذافي في باب العزيزية لا يدعوني وشأني، وعائلتي تنبذني. في ليبيا أنا دائما مراقبة وملاحقة وقد أعرض حياة هشام للخطر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: