أنيك كوجين : " الفرائس – من داخل حريم القذافي " – الحلقة الرابعة

str-ly.com45163b7352

يـوم السفـر

أيقظني والدي باكرا، كان وجهه شاحبا، الرعب يسيطر عليه، كان يرتدي بدلة قاتمة اللون ونظارات شمسية سوداء، ليبدو مثل الجواسيس أو رجال عصابات المافيا. وأنا ارتديت «جينز»، ووضعت غطاء كبيراً أسود اللون ونظارات شمسية تأكل وجهي.

اتصلت بأمي في سرت لأودعها، كانت المكالمة سريعة وباردة، وانطلقنا إلى المطار.

– ما بالك يا صوريا أراك غير مبالية؟

– لست بغير مبالية، ولكنني أشعر بالهدوء، فماذا يمكن أن يحدث لي أخطر مما حدث معي حتى الآن؟ أن يقتلوني؟! سيكون ذلك خلاصي.

في المطار كان والدي شديد التوتر. طلب من أحد اصدقائه الا يظهر اسمي على قائمة المسافرين. وفي قاعة الانتظار كان يشيح بنظره يمنة ويسرة، وكان يخال أي مسافر جاسوسا للقذافي سينقض علينا بين لحظة وأخرى.

حتى لحظة اقلاع الطائرة لم يكن قادراً على النطق بكلمة واحدة. وكانت يداه تقبضان على حافتي المقعد بقوة، حتى حطت الطائرة في مطار روما، فضحك، وقال لي إنها المرة الأولى التي يضحك فيها منذ سنوات عدة.

لقد اختار التوقف في روما لتمويه وجهة سيرنا.

دخلت إلى دورة مياه النساء، نزعت عني الغطاء الأسود، تكحلت ووضعت أحمر الشفاه وتعطرت، فنحن سنسافر إلى باريس.. وسأبتعد عن حياة العذاب.

في بــاريس

وصلنا باريس، وركبنا مترو الضواحي السريع باتجاه ضاحية كرملين – بيستر، التي تسكنها غالبية من العرب، وذهبنا للقاء صديق والدي، كان الطقس بارداً جداً، أمضينا الليلة في فندق صغير عند مدخل الدائرة الثالثة عشرة لجهة بورت ديتالي (بوابة إيطاليا)، القريبة من الطريق الدائري حول العاصمة.

استيقظت في وسط الليل، وأنا بحاجة إلى سيجارة، لقد أصبحت مدمنة على التدخين، كنا على موعد مع صديق والدي في مقهى قريب من الفندق. كانت مجموعة من الفتيات يدخن على الرصيف بشكل طبيعي. شرب والدي فنجان القهوة. وخرج بعدها ليدخن سيجارة خارج المقهى، ودخلت أنا إلى مرحاض المقهى ودخنت سيجارة. دعانا حبيب إلى منزله الواقع عند بوابة شوازي. وبينما كنا عنده اتصلت والدتي لتقول إن سائقاً من باب العزيزية قد جاء يسأل عني. كان صوت والدتي يرتجف على الهاتف. امتقع وجه والدي وأنهار، نقله حبيب إلى المستشفى ولم يخرج إلا في المساء، بعد ذلك قرر العودة إلى طرابلس فورا، أعطاني ألف يورو واشترى لي خطاً للهاتف النقال، ذهبت مع حبيب لوداعه في المطار، حيث قال لي: «إذا كتب الله لي الحياة، فسأرسل لك المزيد من المال»، كنت أعلم أنه يريد أن يقول إذا لم يقتلوني، لم يقبّلني.. اكتفى بالتلويح بيده، فبكيت.

بداية الضياع

استأجر لي حبيب غرفة بالقرب من منزله. ذهبت لزيارة الحي اللاتيني وأماكن أخرى. كنت أشعر بأنني حرة، وكنت أردد ذلك في داخلي من دون أن أكون مقتنعة كلياً.

في اليوم التالي، تحدثت مع والدتي عبر الهاتف وقلت لها: أنا في مقهى دوفيك، ووجدته كما وصفته لي تماما. كنت اعلم انني بذلك اضرب على وترها الحساس، فقالت لي: «التاريخ يعيد نفسه. انك تسيرين على اثر خطواتي قبل عشرين سنة».

كنت يقظة في مصروفي، فوالدي ترك لي ألف يورو والغرفة تكلفني 25 يورو، اضافة إلى التنقلات والاكل، كنت اكتفي بالتفرج على واجهات المحلات.

تعرفت على مجموعة من الأشخاص، قادني ذلك إلى ضياعي في باريس، وتركت الفرصة تفلت مني لأعيد بناء حياتي. فقد وضعت ثقتي بأشخاص غير جديرين بها. كنت في العشرين من العمر، ولم أعرف من الحياة سوى ما أجبرني عليه القذافي من فسق وانحراف، وصحبة أمل وما رافقها من علاقات ساقطة. لم يكن لي أي خبرة في الحياة المهنية، ولا في العلاقات الاجتماعية، وكيفية استغلال الوقت وإدارة المال، ولا في العلاقات المتوازنة بين الرجل والمرأة، لم أقرأ صحيفة في حياتي.

في أحد الأيام التقيت بوردة، كانت من أصل جزائري، ولم يمض على وجودها في باريس زمن طويل. وعندما عرفت أنني من ليبيا فرحت كثيرا إلى درجة أنها راحت تصرخ بأعلى صوتها:

– ليبيا، القذافي يا للروعة. انه من الشخصيات التي اقدرها. انه بطل. ليس بمقدورك ان تتخيلي كم انني معجبة به.

– تعجبين بالقذافي. ولكنه نصاب.

– لا شك انك تمزحين. ألا ترين كيف يتحدى الأميركيين؟ ألم تسمعي خطاباته؟ انه عربي حقيقي. وهو شخصية فذة.

استمر النقاش إلى ان وصل صديقها، ماركيز، وهو يعمل حارسا في ملهى ليلي في ضاحية مونتري. عرضا عليّ ان أذهب لقضاء السهرة معهما. أعجبتني الفكرة. ذهبنا إلى مطعم لبناني يتحول إلى ملهى ليلي بعد منتصف الليل، مع فرقة موسيقية وراقصة شرقية.

الجميع كان يتحدث باللغة العربية. «انظري إلى يمينك!»، قالت لي وردة، «هناك رجال ينظرون إليك. كوني لطيفة معهم، فهم يدفعون ثمن العشاء والمشروب. تعالي ارقصي معي!». لحقت بها عل مضض، وأنا أتساءل إلى أين يا ترى تريد جرّي؟ تحرش بنا رجال بإلحاح وجرأة، حتى أن بعضهم وضع نقودا في جيوبنا كما كانوا يفعلون مع الراقصة.

لاحظ مدير الملهى توتري. فجاء إلي وقال لي: حقا انك ليبية؟ اخذ المايك وقال: «أريد أن أحيي ليبيا القذافي»، ثم راح يردد أغنية ليبية تمجد الزعيم.

وددت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني، هل يمكن أن يلحق بي إلى هنا؟!

بقيت في غرفتي لمدة أسبوع، لا أخرج منها سوى لشراء السجائر، وشحن الهاتف النقال برصيد للمكالمات.

ظل القذافي يلاحقني في كل مكان، شعرت وكأن لباب العزيزية عيوناً في باريس، فجواسيس القذافي سبق أن قتلوا معارضين في كل أنحاء العالم. وشعرت بأنني في نفق بلا مخرج.

في إحدى الليالي عبر جرذ غرفتي فتملكني الرعب. دفعت أجرة غرفتي واتصلت بحبيب، الذي استضافني في منزله، ووعدني بتدبير غرفة أفضل في مكان أفضل. ولكنني فوجئت به وهو يتسلل إلى غرفتي عند الفجر. صرخت، حملت حقيبة يدي وخرجت إلى الشارع البارد والخالي من المارّة. فكرت بوردة، اتصلت بها، لكنها لم تجب. سرت حتى مدخل مترو الأنفاق وانتظرت أن يفتتح أبوابه. جلست على مقعد، فجاءني متشرد سكير يزعجني، اتصلت بهشام لم يردّ بدوره. جلست في أحد المقاهي، وفجأة وصلت مجموعة من رجال الأمن، اضطربت، ظننت أن مذكرة توقيف دولية أصدرها القذافي بحقي، كنت أرتعد من الخوف، تقدّم مني شرطي من أصل مغربي وطلب أوراقي. شاهد جواز سفري وقال لي: «مم تخافين؟ لديك تأشيرة وأنت في فرنسا بصورة شرعية». أعطاني رقم هاتفه وغمزني بطريقة فيها الكثير من الإيحاء، الأمر الذي أثار اشمئزازي.
دخلت مجموعة من الفتيات المقهى، كنّ في غاية الأناقة، لحقت نظراتي بهن بإعجاب، حتى أن إحداهن لاحظت أنني أحدق بهن فنهرتني باحتقار وحقد.

تعلم الفرنسية

النادل خلف بار المقهى كان يتكلم العربية. قلت له إنه يتعين عليّ أن أتعلم اللغة الفرنسية. لقد بات الأمر ملحّاً. فنصحني بأن أسجّل في مدرسة الاليانس فرانسيس، قرب المونبارناس. كتب لي العنوان على ورقة، ولكني ضعت في الطريق. دخلت مقهى لأستريح، وهناك وقع نظري على حبيب، صديق والدي. ومن كثرة ما ألحّ قبلت بأن يساعدني في الحصول على عمل ومكان للإقامة. وكان أول ما ساعدني به أن أوصلني إلى مدرسة اللغة.

في مدرسة الاليانس فرانسيس التقيت بفتيات جزائريات نصحنني بأن أذهب إلى مدارس البلديات، لأنها مجانية. إحداهن اقترحت عليّ أن تقودني بسيارتها إلى بلدية الدائرة السادسة، قاعة الانتظار كانت مليئة بالعرب والأفارقة.

كان الدرس الأول «الأحرف الأبجدية» التي درستها في المدرسة في سرت. صدمتني هذه المسألة، وجعلت تحمسي لتعلم اللغة الفرنسية يتراجع، لانه يلزمني الكثير من الوقت، على الأقل عدة أشهر، ولم أكن أعرف كيف سأتدبر أموري. اتصلت بوردة، وقلت لها إنني في الشارع، فاقترحت عليّ أن أسكن عندها، بشكل عفوي، قالت لي إنها تسكن بمفردها مع ابنها الصغير. وهكذا وجدت سكناً مؤقتاً. مع رفيقة تحاول جذبي إلى الرجال.

اللقاء بعادل

طلبت مني مرافقتها إلى عند صديقها ماركيز، وخفت إذا رفضت أن أجد نفسي مجدداً في الشارع.

في المطعم – الملهى عرّفتني على رجل تونسي أنيق ولطيف، اسمه عادل. وقع في حبي، كنت واضحة معه، قلت له إنني أحب رجلاً آخر، وأريد أن أبقى وفية له، لم يضغط عليّ، كان لطيفاً. وتصرّف بطريقة لائقة معي. كان يكتفي بالقدوم إلى المطعم ويدعوني مع وردة إلى العشاء. وهكذا قضيت اول ثلاثة اشهر في باريس، انتهت بعدها صلاحية تأشيرتي وبدأ الخوف يسيطر عليّ. وعرفت من وردة أن جميع الفتيات العاملات عند ماركيز وضعهن مثل وضعي. بدأت العلاقة مع وردة تتدهور، ووصلت بها الأمور إلى منعي من فتح الثلاجة بحجة أن محتوياتها تخص ابنها الصغير، وكنت قد صرفت كل النقود التي أرسلها لي والدي، الذي نصحني بأن أجد عملا حتى لو كان ذلك في غسل الصحون. اقترح عليّ عادل أن يستقبلني في شقته، وان نتعايش كصديقين. كانت شقته فسيحة، وهكذا قضيت ستة أشهر في ضاحية بانيو الباريسية. كان عادل لطيفاً جدا، وكان يسعى جهده ليكون رقيقا معي ولا يزعجني. كان يدير مؤسسة بناء، يغادر في الصباح ويترك لي 50 يورو. وكنت أثق به. وعندما اخبرته بقصتي في باب العزيزية صدقني، فقد حدثه أصدقاء ليبيون عن خطف البنات من المدارس، بينما لم تصدقني وردة اطلاقا، وكنت كالحمقاء عندما اخبرتها حكايتي، لأنها كانت تدافع عن القذافي بشراسة. وكانت تقول لي «انه شرف العرب، الوحيد الذي يرفع رأسه، ويحمل المشعل، انه قائد بالمعنى المُشرف للكلمة، ولا يمكنه ان يتصرف بهذه الدناءة. ومن العار عليك ان تتفوهي بهذا الكلام ضده للفت الاهتمام إليك!».

لكن ذات مساء، جاء عادل إلى غرفتي وألحّ عليّ أن أضاجعه. فوافقت، لأنه كان حساساً وصادقاً في مشاعره، حتى أنه قال لأصدقائه إنه يريد الزواج بي. صدقته. ولكني بقيت صارمة، فأنا بانتظار هشام. بدأت الغيرة تأكل صدره، خصوصاً أن عادل رد على مكالمة هاتفية بينما كنت استحم، وتوتر الجو بينهما. وسمعت عادل يقول لهشام يا (..). لم أتحمل هذه الخيانة من قبله. بأي حق يرد على مكالماتي الهاتفية؟ اتصلت بهشام الذي رفض أن يرد عليّ.

نادلة وجلاية صحون

قررت مغادرة شقة عادل. كنت قد تعرفت على فتاة مغربية، اسمها منار، عن طريق رجل مصري. عرفتني على صاحب مقهى رضي أن أعمل لديه كنادلة، وكنت أتقاسم الغرفة التي تعلو المقهى مع منار، ولكن بعد فترة بدأت منار تغازلني بإلحاح. كما أن صاحب المقهى كان يقفل الباب الحديدي الجرار ليحول المكان إلى ملهى ليلي ترقص فيه الفتيات وهن عاريات كلياً. غادرت المقهى من دون أن آخذ أمتعتي.

لم تنقطع العلاقة مع وردة. التي عرفتني على فتاة تونسية تملك مقهى. بدأت أعمل في جلي الصحون، وتعلمت تسجيل الطلبيات والخدمة في القاعة. وقدمت لي صاحبة المقهى مكانا للسكن مع فتاة مغربية.

بدأ الزبائن يترددون على المطعم لرؤيتي.. البعض اعتقاداً منهم بأنني سأستسلم لرغباتهم، والبعض الآخر لمعاملتي مثل خادمتهم في منازلهم. والمسؤول عن المقهى بات يلح لكي أبقى في القاعة وسط هذه الأجواء التي تضغط عليّ.

وذات يوم رأيت الفتاة المغربية، التي تتقاسم معي غرفتي، تسرق أمتعتي فطفح الكيل.

من جديد، لا أدري إلى أين أذهب، اتصلت بالرجل المصري استقبلني في شقته الكبيرة، ولم يكن يعيش بمفرده فيها، كان يتقاسمها مع مجموعة من الرجال.

لم يزعجني أحد منهم، ولكنني لم أكن مرتاحة، وكنت اتساءل عن معنى وجودي في باريس، وأي مستقبل ينتظرني، فأنا لا أتكلم الفرنسية، وأقيم في البلاد بشكل غير شرعي، ويمكن للشرطة أن تعتقلني في اي لحظة من اللحظات. في هذا الوقت القاتم اتصل هشام فولد الامل.. انه يفكر بي في الوقت الذي انا بحاجة اليه.

قلت له: انا بحاجة اليك متى ستأتي،؟ وكان رده: لن آتي اتسمعينني؟ ظننت انك قادرة على ان تكوني وفية ولكنك غير قادرة على ذلك.

العودة إلى ليبيا

اتصلت بوالدتي ورحت أعاتبها وألومها على كل ما جرى ويجري معي. أهاجم والدتي بينما المسؤول عن المصائب التي حلت وتحل بي هو القذافي.
أمي كانت حنونة جدا معي، وقالت لي: «صوريا.. يا ابنتي لا تقولي حماقات، عودي إلى المنزل، فرنسا لا تناسبك، عودي إلينا. سنخبئك، ولن ندع أحدا يعثر عليك.. والدك تعرض لبعض المضايقات عندما عاد وانتهى الأمر. لا أريد أن تكوني حزينة في باريس!».

قررت العودة. اتخذت قراري في لحظات. وردة، ولأول مرة، ساعدتني بحق. اتصلت بأحد معارفها في شرطة المطار لتخفف من قيمة المبلغ المستحق عليّ جراء إقامتي كل هذه الاشهر بشكل غير شرعي. وهكذا اكتفى الشرطي بمبلغ 1500 يورو بعد ثلاثة أيام قضيتها في مطار شارل ديغول، وكانت والدتي بعثت لي ألفي يورو.

في 26 مايو 2010 عدت إلى ليبيا بحقيبة خفيفة للغاية.

clip_image002

القذافي اعتبرني متوحشة وقال {هذا ما أحبه بالضبط}

لم يكن أحد بانتظاري في مطار طرابلس، ولم أقل لأحد إنني سأعود إلى ليبيا.

اتصلت بهشام.. صُدم: «أنت هنا في ليبيا؟ إبقي في مكانك!»، وصل بسيارة رباعية الدفع مع اثنين من أصدقائه، أخذ حقيبتي بيده، نظرت إليه فاستعدت ثقتي بنفسي.

توجهنا إلى المنزل الريفي ذاته، وكانت المواجهة.. كانت كلماته قاسية للغاية، قال إنني خيبت أمله، خصوصا بعدما تقاسمت شقة مع رجل في باريس. كان رأيه أنه يستحيل أن تكون بين الرجل والمرأة علاقات صداقة مجردة من الشهوات.. عاتبني بقسوة شديدة، ثم بدأ يخبرني عن الضغوطات والمشاكل التي تعرض لها على يد أمن النظام.

أخبرني هشام كيف أن أمن باب العزيزية جاءوا يسألون عنه مرات عدة، وكيف سجنوا شقيقه، بينما كان هو متواريا عن الأنظار في تونس، وكيف تعرض لكل أنواع المضايقات، والتهديد بالقتل، كيف أن هاتفه كان مراقبا طوال الوقت. قال لي أيضا إن سمعته تعرضت للتشويه وإن الناس كانوا يعيرونه بي ويقولون له إنه أخطأ كثيرا بحق نفسه عندما عشق إحدى (..) القذافي. حتى أن أعز أصدقائه كانوا يقولون له الشيء نفسه وينصحونه بالابتعاد عني لأنني «ساقطة».

قلقت على أهلي.. ماذا حل بهم، الضغوط التي تعرضوا لها، والى أي عقاب؟

لقد أهملتهم كليا وكنت منشغلة بحياتي، أي ثمن سيدفعون أو دفعوا لقاء هروبي إلى فرنسا؟

طلبت من هشام أن يعيدني إلى المطار لكي اتصل بأهلي من هناك واتظاهر بأنني وصلت للتو. قادني إلى المطار بصمت وكنت غارقة بأفكاري، كيف يمكنني ان اتخيل ان باب العزيزية يتركنا نعيش بسلام؟

وبينما أنا بانتظار أهلي في المطار التقيت بأمل. كانت مسافرة إلى تونس مع شقيقتها الكبرى.

– صوريا، يا لها من مفاجأة! إلى أين أنت ذاهبة؟ سمعت انك كنت في باريس!

– هذا غير صحيح؟

– لا تكذبي علي! قمت بالتحقيقات اللازمة، التقيت بهشام، وأحد أصدقائي في المطار قال لي كيف غادرت مطار طرابلس. لكن لا تخافين.. لقد احتفظت بهذه المعلومات لنفسي، ولكن بمقدورك تخيل غضب العقيد معمر ومبروكة!.

وصل والدي مع شقيقتي الصغيرة، أكد لي أن أمن باب العزيزية بحث عني بإلحاح، ومارس كل أنواع الضغوط للعثور عليّ، ولم يقل لي أكثر من ذلك.
كان علي ألا أدع أختي الصغيرة تعرف أي شيء عن حياتي التي أهرب منها، حيث نبهها والدي، وأقنعها بأنني كنت في تونس عند أهل أمي.
وعندما أصبحنا أنا ووالدي بمفردنا، انفجر بي غضباً وبحرقة: «لماذا عدتِ يا صوريا؟، لماذا تريدين أن تلقي بنفسك في فم الذئب، لماذا يا صوريا؟ لقد ارتكبت كل المخاطر بفرح من أجلك، كنت مستعداً للموت في سبيل إنقاذك مما كنت فيه، ولكن هنا ليس بمقدوري أن أفعل أي شيء لأحميك، لا شيء على الإطلاق، وهذا ما يكاد يصيبني بالجنون، لقد نجحت بابعاد الخطر عنك في بلد حر، وها أنت تضيعين فرصتك، بارتكاب الجنون من خلال تعرضك لجنون باب العزيزية!».

إننا الدولة

وفي صباح اليوم التالي سافرنا إلى سرت، قطعنا من 4 إلى 5 ساعات بالسيارة، ولم نتحدث إلا قليلاً، لم يهدأ غضب أبي. ذهبنا إلى صالون أمي مباشرة. ضمتني إلى صدرها وقالت لي «أنت جميلة جدا». أخذت يدي بيديها، رجعت قليلاً إلى الوراء لتتأملني، لم أقل لها إن وردة دفعتني إلى هذا الاسمرار الاصطناعي قبل أن أعود إلى ليبيا.

هشام أيضاً لم يعجبه لوني الأسمر.

– تواصلين العمل يا أمي، لماذا لا تتوقفين؟ تبدين لي وكأنك متعبة؟

– يا صوريا.. يا ابنتي، بأي عالم أنت تعيشين؟! من يصرف على الأسرة؟! كيف كان يمكننا أن نرسل لك الأموال إلى باريس لولا هذا الصالون؟!

ما كدت أن اضع حقيبتي في غرفتي حتى رن هاتفي. كانت مبروكة على الخط. جاءت المكالمة كطعنة خنجر. تجاهلت الرد في البداية، فاتصلت مرة ثانية وثالثة، دخل الرعب إلى قلبي. تملكني شعور بانها معي في الغرفة.

وأخيراً اجبت على المكالمة، وجاءني صوتها مثل كابوس:

– صباح الخير يا أميرة.. لقد زرتِ فرنسا؟ كيف كانت الرحلة؟

– من قال لك انني كنت في فرنسا؟

– هل نسيت أننا الدولة، وأن أجهزتنا تعرف كل شيء عنك وعن غيرك؟ واننا نتدخل متى نشاء وحسب رغبتنا.. عرفنا بوصولك قبل أن تطأ قدماك أرض المطار.. وتركناك تذهبين بمشيئتنا.. تعالي فوراً إلى سيدك، إنه يطلبك!

– أنا في سرت.

– تكذبين، لقد بحثنا عنك في سرت.

– انا موجودة الآن في سرت.

– حسناً سنكون هناك الأسبوع المقبل مع سيدك، كوني على ثقة بأنه سيعثر عليك أينما كنت ومهما فعلت.. ومرة ثانية أقول لك إذا تركناك تسرحين على هواك فثقي بأنك تفعلين ذلك بمشيئتنا وليس لأننا لا نعرف.

بعد أيام عدة اتصلت بي مبروكة مرة ثانية:

– أين أنت؟

– في صالون والدتي.

– سأصل فوراً.

لم أكد أخبر أمي باتصال مبروكة حتى رنّ الهاتف مجدداً: اخرجي فوراً أنا أمام الصالون.

كانت سيارتها «مركونة» أمام صالون حلاقة والدتي، والباب مفتوحا، صعدت إلى السيارة وانطلق السائق بسرعة.

كنت أعرف إلى أين نتجه، وكنت أخشى من عواقب ما ينتظرني. ماذا بمقدوري أن أفعل. إذا لم أرد أن ألحق مكروهاً بعائلتي، أو يصابوا بأي أذى؟
فريدة ومبروكة وسلمى

استقبلتني سلمى بابتسامة ممتلئة بالازدراء، أخذتني فاتية من ذراعي، وقالت لي «تعالي بسرعة إلى المختبر، يجب أن تخضعي لفحوصات كاملة». لم أقاوم. اندفاعي نحو الحياة همد. أصبحت حركاتي آلية.

انتظرت نحو ثلاث ساعات، ثم جاءت سلمى وقالت لي: اصعدي إلى غرفة سيدك. كان يرتدي ملابس رياضية حمراء. ألقى عليّ نظرات شيطانية. وقال: تعالي يا (..). أمضيت ما تبقى من الليل في الغرفة إلى جانب فريدة. كان جسدي مُدمى، والحقد يعتمر نفسي، وكنت ألعن الساعة التي عدت فيها إلى ليبيا. لمت نفسي كثيراً لأنني فشلت في فرنسا ولم أستطع أن أجعل لحياتي بداية جديدة. لم أحسن التصرف، لأن الجميع نظر إليّ كفتاة «سهلة وساقطة»، كما يقول القذافي. وكأنه بما فعله معي كتب هذه العبارة على جبيني.

بدأت فريدة تلعب بأعصابي. فقالت لي «أعرف فتيات أخريات ذهبن إلى فرنسا لـ(…)، إنهن حقيرات! من دون شرف ولا إخلاص ومن دون قيم أو أخلاق. فتيات منحطات يعدن لرؤية بابا معمر مطأطآت الرؤوس».

فقدت أعصابي، انقضضت عليها. ضربتها. كنت في حالة هيجان لم أمر بها من قبل. لم أعد قادرة على ضبط نفسي. انفجرت. جاءت مبروكة وحاولت تفريقنا عن بعضنا، ولكنني كنت مثل اللبوة الهائجة التي لن تترك فريستها. أمسكت بفريدة التي كانت تبكي من الخوف، فصرخت مبروكة بوجهي وحاولت إبعادي. فقلت لها «اخرسي أنت!». صُدمت مبروكة وكذلك فريدة، لم يسبق أن تجرأ أحد على التحدث مع مبروكة بهذه الطريقة والجرأة، كان الجميع يخاف من «المعلمة الكبيرة»، حتى القذافي كان يحسب لها ألف حساب. كانت سلمى تسمع كل شيء، فهجمت عليّ وصفعتني بقوة، حتى أن علامات أصابعها الخمسة ظلت ظاهرة على خدي عدة أيام. قالت لي سلمى: «من أنت لكي تتجرئي على الحديث بهذا الشكل مع مبروكة؟!».

اقتدت عبر أروقة إلى غرفة مظلمة تفوح منها رائحة نتنة، خالية من النوافذ وغير مكيفة، وكانت الحرارة في الخارج تبلغ نحو 40 درجة، وكانت الحشرات في كل مكان. أجهشت بالبكاء ورحت أنتف شعري حتى خارت قواي وانهرت على الحصيرة.

في حضرة القذافي

بعد ساعات عدة جاءت فاتية لتقول لي سيدك ينتظرك. دخلت فرأيت رأس فريدة على صدر العقيد تقبله وهي تبكي:

– صوريا شريرة ومجنونة لو تعلم يا سيدي كيف ضربتني!

– مد اصبعه باتجاهي وقال: «يا (….) كيف لك أن تصفعيها؟». اقتربت مني فريدة وصفعتني مرتين، فنهرها العقيد، وقال لها «قلت لك صفعة واحدة»، وكان يتبعها بنظرات مجنونة، ثم التفت نحوي وقال: «آه إنك تعجبينني هكذا.. ما فعلته يعجبني حقا.. إنك متوحشة، وهذا ما أحبه بالضبط.. هذا الغضب في أعماقك.. هذه الجرأة.. هذا ما أعشقه» مزق ملابسي وطرحني على السرير.

– أرجوك لا تفعل شيئا! انني أتألم! أرجوك!

– النمرة تقاوم، أحب طبعك الجديد، إن فرنسا هي التي أعطتك هذه القوة وهذا الغضب.

– ولما رأى انني أنزف بكثافة أخذ منشفته الحمراء وراح يضغط لتجميع الدم، هذا طيب! آه كم هو طيب.

– أرجوك انني أتألم. توقف. انني أتألم كثيرا.

فصرخت من شدة الألم، ضغط على الجرس، فجاءت الممرضة الأوكرانية كلوديا، وهي ممتلئة الجسم، حمراء الشعر، ووجهها ملائكي، قادتني إلى المختبر وأعطتني دواء ضد الآلام، ومرهما لتخفيفها، كانت حركاتها واثقة، ويبدو انها معتادة على معالجة هذا النوع من الآلام.

كنت أهمّ بالعودة إلى غرفتي ولكنني عدت أدراجي لكي أتجنب وفداً افريقياً كبيراً جاء لمقابلة القائد في خيمته.

صباح اليوم التالي كان من المفترض أن يغادر الجميع إلى طرابلس، وقفت منتصبة أمام مبروكة، وقلت لها سأبقى هنا لأنني مريضة. فقالت لي: «لقد أصبحت عنيدة متكبرة وغير محمولة. لم تعودي تساوين شيئاً، عودي أدراجك!».

سلمى ألقت بوجهي ألف دينار كأنها تدفع أجرة (..) بعد اتمام عملها القذر، وأمرتني «اخرجي! السائق ينتظرك».

هشام يهجرني

أسرعت إلى السيارة، وكان هشام قد حاول الاتصال بي أكثر من عشر مرات. وترك رسالة «إذا لم تردي عليّ فهذا يعني انك مع الآخر، لأنه سينتصر دائماً. لم تعد لدي الرغبة في علاقة غريبة، أفضل أن نقطع علاقتنا». فتحت نافذة السيارة ورميت الهاتف.

عدت إلى المنزل، حيث كانت والدتي تكاد تموت من الرعب. وكانت قد حاولت الاتصال بي أكثر من مرة. قالت لي إنها لم تعد لديها القدرة على تحمل الوضع الذي وضعت العائلة فيه. قلت لها إنني بحاجة لتغيير حياتي، أن أبدأ من جديد، لقد انتهى باب العزيزية.. انتهى هشام.

– هشام. لقد التقيت بهذا الرجل مجدداً؟ لقد كذبت عليّ؟

– هذا الرجل يا أمي هو الذي أعطاني القدرة على البقاء على قيد الحياة، ولن أنساه أبداً.

نظرت إليّ والدتي نظرة اشمئزاز وكأنني كنت الجلاد ولست الضحية. وكأن هشام والقذافي ينتميان إلى العالم الفاسد والفاسق نفسه، وهذا ما لا قدرة لي على تحمله.

اضطربت الأجواء في المنزل من جديد، مجرد وجودي كان يثير حفيظة والدتي، لم أعد ابنتها، كنت امرأة لطخها الرجال وفقدت كل قيمة.

نظراتها، ملاحظاتها كانت تقتلني. كانت توجه إليّ أصابع الاتهام، ولكنها كانت تتماسك ولا تقول لي بما تفكر، لم أعد قادرة على التحمل.

– والدك وأشقاؤك لا يستحقون ما فعلته بنا.. لقد أصبحنا مسخرة عند الجميع.

– عمن تتحدثين يا أمي؟ إذا كان الناس يعرفون شيئاً، فأنت من أخبرهم!

– الناس ليسوا أغبياء.. الجميع لاحظ مسرحيات غيابك، وسيارات باب العزيزية أمام المنزل، يا للعار، بات علينا أن نسير إلى جانب الجدران، بينما كنا عائلة محترمة، يا للخسارة.

فضلت المغادرة إلى طرابلس مع والدي، المدينة كانت أكبر، وكان لدي متسع للتنفس. جاء هشام ذات يوم وركن سيارته أمام المنزل وحاول التحدث معي.. خفت من رد فعل الجيران، سارعت للاتصال به من هاتفي الجديد، واقنعته بالرحيل وعدم محاولة رؤيتي مرة ثانية. ما نفع رؤيته من جديد؟ كيف يمكن لي أن أعرّض حياته للخطر. أزلام القذافي وزبانيته لن يتركوه. كنت أعلم أن العقيد قادر على القتل لأقل من ذلك.

عندما جاءت والدتي لقضاء يوم الجمعة معنا في طرابلس، تجرأت لأحدثها عن أوجاع في صدري، وإن كان بشكل غير مباشر. فسبب (…) و(..) أصبح صدري مثل صدر امرأة عجوز، عندما رأته انشغل بالها وقالت لي إنني بحاجة إلى طبيب بكل تأكيد.

اعطتني أربعة آلاف دينار، واتخذت التدابير اللازمة، لكي أسافر إلى تونس لرؤية اختصاصي مع شقيقي الأصغر، فأي امرأة تحترم نفسها لا تسافر بمفردها.

حفل زواج أخي

عندما عدت إلى ليبيا كان هناك اختبار آخر ينتظرني، زواج اخي عزيز من فتاة من سرت. كان يفترض أن أكون سعيدة. فحفلات الزواج تشكل مناسبات للأفراح والتعارف واللقاءات. كل الفتيات في عمري يعشقن ذلك. نرتدي أجمل الفساتين، ونصفف احلى تسريحات الشعر ونراقب الأقارب، ولكن كيف لي الا اخشى النظرات، الاسئلة والاشاعات التي اثارها غيابي؟ كنت خائفة وغيورة. العروس كانت جميلة للغاية، عذراء ومحترمة، أما أنا فكان لدي الانطباع انني قد استهلكت.

حاولت ألا ألفت الأنظار. والدتي كانت مستاءة للغاية لأنني لم ارتد فستانا طويلا، ولأنني اخترت بدل ذلك ارتداء بلوزة وجينز. كنت أخدم الجميع.

وعندما كان أحد من الضيوف يطرح سؤالا عليّ كنت أجيب انني ذهبت إلى المدرسة في طرابلس، ومن ثم إلى كلية طب الأسنان. كنت أقول إن كل شيء كان طبيعيا في حياتي، وإنني سأتزوج بالطبع.. سأتزوج يوماً ما. كانت عماتي يقلن لي انه يوجد لديهن عرسان لي، انقذت الموقف.
عاد عزيز إلى المنزل ليعيش مع زوجته، أخليت الغرفة الكبيرة له ولعروسه. وبعد أيام بدأ يضايقني ويلعب دور رب العائلة. بدأ ينزعج من سجائري، ويهددني بالضرب.

عدة مرات، جاء سائق من باب العزيزية، وكان يغادر بمفرده باستمرار، وكان الجميع يتعاون لاقناعه بأنني غير موجودة.

في أحد الأيام ارتكبت الخطأ الذي أطاح بثقة أمي بي إلى غير رجعة. كان هذا في نهاية عام 2010، عندما تحججت بباب العزيزية كتغطية لقضاء عدة أيام مع هشام. ولدى عودتي إلى المنزل أعلنت الحرب، إذ اكتشفت أن باب العزيزية كان يبحث عني. وكان في ذلك ضياعي.

clip_image004

القذافي بدا للكثيرين {أبدياً} لكنه انتهى

في 15 فبراير خرج سكان بنغازي إلى الشوارع، أغلبهم من النساء، أمهات، شقيقات، وزوجات سجناء سياسيين اغتيلوا عام 1996 في سجن أبو سليم. كانت الجموع تحتج على اعتقال محاميهم. الخبر صدم الجميع. كان الأمر مثيراً. فهذا الغضب، ورغم أنني كنت قد بدأت أشعر به لدى الناس، إلا أنني لم أكن لأتخيل إلى أين يمكن أن يؤدي هذا الغضب.. إلى ثورة تطيح بالنظام؟!

كان معمر القذافي في ذهني وذهن كثيرين يبدو كأنه «أبدي» ولا يمكن زعزعة سلطته بأي شكل من الأشكال. من أين جاء المتظاهرون بكل تلك الجرأة والقوة لكي يشهروا كراهيتهم للعقيد. كانت مشاهدة هؤلاء الأبطال وهم يهتفون بسقوط النظام تنعش القلوب والآمال.

انكسر الخوف وذهبت الرهبة التي كانت تطغى على المشهد الليبي في كل مرة يكون فيها القذافي جزءا من الصورة. المتظاهرون قالوها بصراحة وعلناً بأنهم يكرهون القذافي. بدأ الناس يروون النكات ويؤلفون خبريات عن الزعيم.. بدأوا يسخرون منه انتقاما وتنفيسا عن القمع والكبت الذي سجنهم فيه لأكثر من أربعة عقود.. كانوا يعبرون إلى أي درجة هم يحتقرونه ويحقدون عليه.. كانوا يفعلون كل هذا وأكثر وهم يعرفون أنهم لو فشلوا في ثورتهم فسيتعرضون لأقصى أنواع العقاب. فلطالما كانت أرواحهم ومصائرهم ومستقبلهم بين أيدي العقيد.

ثورتي الخاصة

في السادس عشر من فبراير، وربما لأن الأجواء العامة من حولي أثرت بي، قمت بثورتي الخاصة. قلت في نفسي، هم (أهلي والناس) يعتبرونني ساقطة! فليكن إذن.. تركت عائلتي وصممت على الالتحاق بشباب الثورة، لكن أحدا لم يرحب بوجودي. فمشاركة النساء الرجال في أي عمل، حتى لو كان ثورة، هو بحسب التقاليد والأعراف الليبية تصرف ممنوع، وغير مقبول بتاتا، وغير أخلاقي، وفي مستوى العلاقة خارج إطار الزواج.

لكنني لم أكن أفكر هكذا.. فما همتني القوانين والأعراف والتقاليد بعد كل الذي عانيته من الرجل الذي يُفترض به أن أول من يطبقها! فكرت أن أذهب وأعيش مع هشام، غير مبالية بكل ما قد يحصل لي، وكنت أسأل نفسي: هل سيتجرأون على محاكمتي لأنني أريد العيش مع الرجل الذي أحبه، بينما سيد ليبيا سجنني واعتدى علي لسنوات طويلة وحطّم حياتي؟
استقررت مع هشام في منزل صغير في ضواحي طرابلس. كان قد بدأ يعمل لدى صياد سمك (غطاس يصطاد الأخطبوط)، وكنت سعيدة بالبقاء في المنزل أنتظره وأحضّر الطعام له.

رغبت جدا في أن أشارك في تظاهرة السابع عشر من فبراير، ولكن ذلك كان مستحيلاً، لأنني كنت بعيدة عن ميدان التظاهرات. جلست أمام شاشات التلفزة، حيث كانت قناة «الجزيرة» تغطي مباشرة أخبار الثورة. كنت أرتعش وأصرخ فرحة وأردد «يا لها من جرأة! يا لها من ثورة وأيام عظيمة نعيشها! الليبيون ينتفضون».

قررت أن أنسى باب العزيزية، ومحوت من ذاكرة هاتفي كل الأرقام المتعلقة بأفراد الجماعة هناك. كنت مطمئنة لأنني كنت واثقة بأنهم كانوا منشغلين عني الآن بأشياء أكثر إلحاحاً، عوضا عن البحث عني وبأنهم سيظلون هكذا إلى الأبد.

تمكّن هشام بفضل بعض العلاقات في محكمة طرابلس أن يعقد قراننا بالسر. لم نعلن ذلك لأهلنا، لأنهم ما كانوا ليوافقوا بأي حال من الأحوال. عقد الزواج طمأنني حتى ولو أنني علمت لاحقاً أن لا قيمة له.

إيمان العبيدي

ذات يوم بثت «الجزيرة» صورة إيمان العبيدي التي دخلت إلى فندق فخم، حيث كان ينزل الصحافيون الأجانب وصرحت بأن رجال القذافي قد اعتدوا عليها. بُث المشهد على شاشات التلفزة، لم يكن ليصدق قبل الثورة. كانت إيمان تصرخ بأعلى صوتها وهي تروي ما حدث لها، بينما كان رجال القذافي يحاولون منعها من الكلام. حاول الصحافيون الدفاع عنها، إلا أنها تعرّضت للخطف بالقوة، وحاول رجال القذافي الترويج بأنها مجنونة أو (..)، ولكنها كشفت ما تعرضت له آلاف النساء الليبيات، لأنني لم أشك في روايتها، وصدقتها لأنني كنت أكثر من يعرف أن رجال العقيد يعتدون على النساء على غرار سيدهم.

أصدقاء هشام أخبروه بأن باب العزيزية يقوم بحملة تنظيف ويريد تصفية الفتيات اللاتي بتن شاهدات على أعماله، ولم يعد بمقدورهم السيطرة عليهن.

علمت أن رجال كتائب القذافي قد بحثوا عني في منزل أهلي وهددوهم. وأن والدتي خافت وغادرت إلى المغرب. وأنهم أخضعوا والدي للتحقيق أكثر من مرة، وكانوا يضغطون عليه كي يسلمني لهم، بالرغم من أنه كان يقول لهم في كل مرة إنني مع والدتي في المغرب.

كانوا يفعلون الشيء نفسه مع أهل هشام. يسألون عني وعنه ويهددون إخوته ووالده وأقاربه.

إلى تونس

وفي أحد الأيام جاء هشام والرعب والقلق يسيطران عليه:

– يجب أن أبعدك عن هنا.. سأعمل بكل الطرق حتى أرسلك إلى تونس.. ليس لدينا يوم واحد نضيعه!

– طلب من أحد الأصدقاء، يقود سيارة إسعاف، أن يقلني إلى الحدود التونسية، ومن هناك لجأت إلى أقاربي.

– كنت أتابع التطورات يوميا، ضربات الأطلسي، تقدّم الثوار، وحشية الحرب، كنت أعيش في حالة اضطراب دائم. أردت العودة إلى ليبيا، إلا أن هشام رفض. كان يخاف أن يظن المتمردون أنني متواطئة مع جماعة القذافي، ومن المقربين منه.

– وكانت هذه الفكرة تجعلني أُجَن، أنا متواطئة مع القذافي؟ أنا التي خُطفت وعُوملت كالعبيد؟ أنا التي ليس لها أمل في الحياة سوى أن ترى القذافي يتنحى ويحاكَم ليدفع ثمن ما فعله بي؟ كنت أقول له إن مخاوفه هي شتائم لي، سمعت إشاعات تقول إن نجاح وفريدة قد قتلتا فانتابني الخوف.

– في شهر أغسطس، ومع بداية رمضان، سمعت في البداية أن عرّافة توقعت موت القذافي وتحرير طرابلس في العشرين منه. فعدت إلى طرابلس، وتحديدا إلى منزل هشام الريفي. ولم يكن بمقدورنا البقاء، لا ماء، لا غاز، ولا كهرباء ولا بنزين. ضربات الأطلسي تتواصل، وكانت الفوضى عارمة.

هشام في عداد المفقودين

في الثامن من أغسطس، جاء رجال القذافي يطلبون منه ومن شقيقه المشاركة في عملية ليلية بالقرب من الزاوية، فهمت أنهم يريدون إخلاء عائلة عبر المركب، ولم أفهم التفاصيل، أو أنه لم يرد أن يطلعني على كل شيء، لكي لا أقلق، وكان القلق على وجهه، لم يكن لديه أي خيار، غادر في المساء ولم يعد.

تلقيت اتصالا هاتفيا، وقيل لي إن غارة للأطلسي أصابت المركب، ركضت إلى منزل والدة هشام، كانت تنتحب، أخذتني بذراعيها وضمتني، الله يشهد كم أنها كانت تعارض زواجنا. رحت أطرح عليها الأسئلة، ولكنها لم تكن تعرف شيئا. كانت المعلومات مجتزأة ومتناقضة، تمكن شقيقه من السباحة تسع ساعات ليصل إلى الشاطئ. وكان مصابا في ساقه، أما هشام فلا أحد يعرف عنه شيئا، اعتُبر ميتا، ولم نتمكن من دفنه لقد دُمرت.

التحــرير

تحررت طرابلس في 27 أغسطس، نزل الناس إلى الشوارع، كانت الفرحة عامرة. كانت النساء تخرج إلى الشوارع مع الأطفال، ويحملن علمنا الجديد. الرجال كانوا يرقصون ويطلقون النار من رشاشاتهم، ويصرخون «الله أكبر». وكانت مكبرات الصوت تبث أغاني الثورة. استقبل الثوار كأبطال حقيقيين. فتحوا السجون احتلوا باب العزيزية، كان المشهد خياليا، زغردت وصفقت للمقاتلين. وشكرت الله الذي منحنا أكبر يوم في تاريخ ليبيا. وكنت في قرارة نفسي أبكي في الوقت ذاته. لم يعد موجودا.

كان التلفزيون يبث صورا مذهلة للثوار في باب العزيزية. يعرضون أمتعة للقذافي. كنا نسخر من ذوقه وذوق أولاده.

كانت الأقدام تدوس على صوره. عرضت التلفزة صور منزله العائلي، حيث غرفته مجاورة لغرفة زوجته. لم يكن لدى أحد أي فكرة عما كان يحدث خلف جدران باب العزيزية.

لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل أن مجموعة من الفتيات البائسات كن يعشن في قبو منزله. سكنت مؤقتا لدى صديقة لهشام. ولكن والدي كان قلقا.
في 28 أغسطس وافقت على السفر معه إلى تونس، ثم عدت إلى طرابلس في نهاية سبتمبر. ولكن ماذا أفعل بحياتي؟ عمري 22 عاما، لكنني أشعر كأنني أعيش منذ دهر. جسمي ضعيف، ليس لديّ أي أمل، لا أموال، لا دراسة ولا مهنة، البقاء مع عائلتي أصبح مستحيلا، إخوتي يعرفون الحقيقة.
بالمقابل لا يسمح لامرأة بأن تنزل في فندق بمفردها. كما لا يوجد صاحب شقة يوافق على تأجير فتاة عزباء للعيش بمفردها. ابنة خالتي وافقت على مرافقتي من تونس إلى طرابلس، ولكن ماذا أفعل لاحقا!

سمعت أن المحكمة الجنائية الدولية قد رفعت شكوى ضد القذافي بتهمة الجرائم ضد الإنسانية، ووضعت كل آمالي بقوة شهادتي، يجب أن يُصغى إليّ، لأنني كنت أريد أن أراه خلف القضبان، ولأنني كنت أريد مواجهته وأضع عيني في عينيه وأسأله: لماذا؟ لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا اعتديت عليّ؟ لماذا سجنتني؟ لماذا أجبرتني على تعاطي المخدرات؟ لماذا علّمتني التدخين وشرب الكحول؟ لماذا سرقت حياتي؟.. لماذا؟

مات مثل جرذ

ولكنه مات، تم إعدامه في 20 أكتوبر من قبل الثوار، بعد خروجه من مجرور، إنها مهزلة القدر. كان يصف الليبيين بالجرذان، شاهدت صوره على التلفزيون وهو مدمى الوجه وجسمه ممدد كلحم فاسد، وكنت غاضبة لأنه نجا من المحاكمة، قضى دون أي حساب من الليبيين الذين داسهم لمدة 42 سنة، دون أن يَمْثُل أمام العدالة الدولية والعالم أجمع وأمامي أنا شخصياً.

أخبرت قصتي لعدد من الثوار الذين اقتادوني إلى أكاديمية النساء العسكرية، وتم الاستماع إليّ مطولاً، كما تم التأكيد أن هناك فتيات كثيرات مثلي. تم منحي مؤقتاً شقة من الشقق المصادرة من أنصار القذافي، شعرت أنني في أمان، وكان شعوراً خاطفاً، لأن أحد الثوار اعتدى عليّ، ففتاة مثلي صاحبة ماض حافل.

هذه المرة رفعت شكوى قضائية، ولم أتراجع عنها رغم التهديدات، فليبيا اليوم يجب أن تكون دولة القانون، اضطررت لأن أنتقل من الشقة، وأن أعيش متخفية، وأتجاهل الشتائم التي أتلقاها على هاتفي النقال، والتي تزداد عنفاً.

أعتقد أنني قلت كل شيء. لم يكن الأمر سهلاً. عليّ أن أواصل حياتي وأتأقلم مع الاضطرابات التي تعتصر داخلي، والمشاعر المتناقضة التي تنتابني ولا تتركني أعيش بسلام. مشاعر الخوف، والعار، والحزن، والندم تقضّ مضجعي. وأظن أنني لن أتمكن من تخطي كل هذا، ولن أنسى يوما ما تعرّضت له وكيف دُمرت حياتي قبل أن أعيشها.

بالنسبة لأهلي أنا فتاة ضائعة، فتاة للقتل، يفكر إخوتي بقتلي لـ«غسل العار»، كما يقولون. الجريمة تغسل العار وتنتقم للشرف، وأنا ملطخة وألطخهم وأبكي موتي.

أريد أن أعيد بناء حياتي في ليبيا الجديدة، وأتساءل عما إذا كان ذلك ممكناً.

clip_image006

صوريّا رَوَت قصتها بـ «العربي المشبرح»

صوريا لا تغش. إنها تخبر ما عاشته، ولا تخجل مما تعرفه ولا تردد بالقول إنها لا تفهم. لم ألمس أي رغبة لديها بالمبالغة في رواية قصتها، أو بتسليط الأضواء على دورها. عندما كنت أطلب منها تفاصيل إضافية أو مزيد من الدقة كانت تقول «آسفة لا أعرف أكثر. لم أكن موجودة». إنها تريد أن يصدقها الناس. وهي تريد أن تكون روايتها ذات مصداقية.

كان هناك اتفاق بيننا يقضي بأن تلزم الصمت عوضا عن أن تحدثني بأشياء غير دقيقة، أو غير صحيحة، لأن أي عملية غش أو تزوير للحقائق، ولو كانت صغيرة، تطيح بشهادتها.

قالت كل شيء. كانت تصحح ما يقوله والدها عندما يحاول أن يأخذ حريته قليل بالحديث عن التطورات بشكل يناسبه.

أحياناً، وبينما كانت تروي تفاصيل ما تعرضت له، كانت تستخدم عبارات فجة وتقولها كما هي «بالعربي المشبرح»، رغم معرفتها بأنها عبارات غير لائقة. ولكن كيف كان بمقدورها أن تتصرف بشكل مختلف؟! كانت أحياناً تتسلى عندما تشعر أن هناك صعوبة بالترجمة. وكانت تقول لي «أتساءل عن أي كلمة ستستخدمين لقول هذا! أنا لا أسهل عليك المهمة؟»

ولكنها راوية قصة رائعة. كانت ترد على الأسئلة بشجاعة وجرأة أثرتا بي كثيراً.

كنا نلتقي كل يوم منذ بداية عام 2012 في شقتها المؤقتة في طرابلس. ونادراً في غرفتي في الفندق. كانت تروي لي حكايتها مع القذافي بشغف. تحرك يديها. تقلد الشخصيات تنتقل من القذافي إلى مبروكة.

كيف يمكنني أن أنسى مشاعرها وهي تستعيد بذاكرتها اللحظات المصيرية التي جعلت الفظاعات لا تفارقها؟ أحيانا كان الحزن يغلب على فقدانها الأمل؟ القلق في تخيل مستقبلها؟ ولماذا أخفي انفجارنا بالضحك بعد انتهاء حوارنا الطويل، حيث كانت تضع التلفزيون على قناة تبث الكليبات المصرية وتعقد «المنديل» على خصرها وتعلمني الرقص الشرقي: «قفي مستقيمة الظهر، افتحي ذراعيك، صدرك إلى الأمام، ابتسمي بطريقة ليس بمقدور أحد مقاومتها، يلا.. هزّي خصرك!»

رواية الأب

العلاقة بعائلتها لم تنفك عن التدهور.. والعزلة بينهما زادت اتساعا.

وقد سنحت لي فرصة لقاء والدها في يناير 2012 وكانت الهموم تطغى على محياه. جاء لزيارتها فجأة، ولم يكن يعرف بوجودي، ولم يقل لزوجته.

كان ينظر إليها بحنان لا متناه، ويقول: «كانت، ومنذ نعومة أظافرها، تُشيع الفرح في المنزل. وُلدت ومعها حس الفكاهة. ويوم اختفت غادرت السعادة منزلنا. وحل محلها الحزن، الذي لم يغادرنا إطلاقا».

يلوم نفسه لأنه لم يكن في سرت عندما زار العقيد مدرسة ابنته: «لو بمقدورك تخيل كيف عشت قضية باقة الورد تلك التي قدمتها صوريا للعقيد. أعيد تذكرها يوميا مئات المرات. انني واثق أن هناك متواطئين جاؤوا إلى صالون زوجتي للتأكد من أن صوريا موجودة. كما أنني أشك بأن مدير المدرسة كان بدوره متواطئاً مع زمرة القذافي ليضع أمامه فتيات يعجبنه. وكان يكفي بعد ذلك أي حجة لكي تتعرفن عليه».

«بت أعرف الآن، وبكل تأكيد، أنه كان للقذافي عصابات مجرمة في كل المناطق للقيام بهذا العمل القذر».

كان يغلق قبضته بقوة، ويهز رأسه، ويغرق في أفكاره وندمه: «لو كنت موجودا ما كنت تركت صوريا تغادر مع النساء الثلاث بحجة سخيفة حمقاء! عندما أخبرتني زوجتي، من دون أن تتجرأ على قول كل شيء- كل ليبيا تعلم أن هواتفها مراقبة- توجهت إلى سرت مباشرة. الجو كان رهيبا. لم نغمض أعيننا لا في الليلة الأولى ولا في الثانية ولا في الثالثة. كدت أصاب بالجنون. تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني. رفيقات صوريا، أساتذتها، جيراننا وزبونات الصالون يسألون عنها +أين هي؟+ عدت إلى طرابلس وبات بمقدور والدتها القول إنها مع والدها في العاصمة. في لحظة من اللحظات فكرت في رفع دعوى. ولكن عند من؟ وضد من؟ ولماذا؟ صوريا غادرت بسيارة تابعة للبروتوكول تحيط بها حارسات القذافي، أي عملية احتجاج كانت مستحيلة. من يفكر في جهنم أن يرفع دعوى على الشيطان؟».

العار أو الموت

عندما تأكد الأهل بعد فترة أن صوريا فريسة القذافي انهاروا.

«الخيار كان العار أو الموت، لأن الاحتجاج أو الشكوى كان يعني حكم الإعدام علينا. ففضلت أن أختفي في طرابلس ونسيت في يومها طعم السعادة».

كان والد صوريا يتمنى لو أن العدالة تنصف ابنته، وأن تعود مرفوعة الرأس إلى المنزل، وقد غسل العار أمام العائلة ولكن هذا مستحيل «كل الناس الذين يحيطون بنا يشكون بقصة صوريا، ويعتبرونني جبانا ونصف رجل من أشباه الرجال، وفي مجتمعنا لا توجد شتيمة أقسى من هذه. وهي تلطخ ابنائي، حطمتهم، عقدتهم، غير قادرين على تخيل مخرج لكي يظهروا أنهم رجال سوى قتل أختهم. إن هذا رهيب! لم يعد لديها أي فرصة في ليبيا، إن مجتمعنا تقليدي، أحمق وبلا أي شفقة أو رحمة، هل تعلمين كل ما أرغب به هو أن تتبناها عائلة أجنبية، أقول هذا والأسى يحز في قلبي!».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: