معتز بن حميد : ذاكرة النار.. كتاب آخر غير مفيد عن الثورة الليبية…

530716_147183212104184_1418619728_n

على أغلب الظن – وما أنا بعليم – أن مؤلف كتاب “ذاكرة النار” لم يدْرس أهم كتب تأريخ الحروب والثورات، ولا سيما أعظمها فنا وهو كتاب “جون ريد” (عشرة أيام هزت العالم) عن الثورة البلشفية عام 1917.

بيد أن “ريد” لم يسهب في عرض كتابه، فقد عرف تحديدا النقاط التي وجب عليه أن يكتبها عن تلك الأيام التي شهدتها الثورة، إن هذا الأخير قد تمكن من صقل الأحداث بطريقة بالغة النموذجية – على حد قول كروبسكايا – لدرجة تجعل كل المشتركين في الثورة أن يتذكروا المشاهد المماثلة التي كانوا شاهدين عليها، وفي صدق ما كتب “ريد” يقول أيضا عنه (لينين): “أود أن أرى هذا الكتاب منشورا بجميع لغات العالم؛ ذلك لأنه يقدم عرضا صادقا وحيّا إلى درجة خارقة، عن أحداث عاشتها الثورة آنذاك”.
لقد أردتُ أن يكون ما قدمته عن هذا الكتاب نموذجا لقراءتي هذه، فقد استطاع هذا الأمريكي أن يؤرخ لتاريخ ملحمة انتصر فيها العمال بقيادة البلاشفة على الحكومة الروسية المؤقتة، واستطاع أن يحفظ جزءا هاما من هذا التاريخ الذي مضى عليه أكثر من تسعين عاما.

كتاب ذاكرة النار.. “يوميات ثورة فبراير المجيدة” كما أسماه مؤلفه “الدكتور محمد المفتي” الذي جعله يعكس يوميات غير متكاملة لثمانية أشهر متتالية، وما هي بيوميات!! إنني أراها خطوطا عريضة جمعت من هنا وهناك بطريقة خالية من حرفية الكتابة التاريخية، والبلاغة (بعناصرها الثلاثة: المعنى، والصورة، والصياغة)، وأيضا الحياد.

– غياب حرفية الكتابة التاريخية:

ليس هناك سرد تاريخي يدوّن من غير وثائق أو مخطوطات حقيقية، وما فعله مؤلف الكتاب في سرده، هو فقط الاعتماد على شيئين لا غيرهما، أولهما حكايات يسمعها من أناس يعرفهم أو لا يعرفهم، وثانيهما النقل (الحرفي والمختصر جدا) من وسائل الإعلام المختلفة – التي يعلم المختصون وغير المختصين كيف كانت عدم مصداقيتها تغلب مصداقيتها، آنذاك – ولم يستخدم أيـّما تحليل أو ربط للأحداث التي مرت بها ثورة فبراير، ليجعل مجهوداته الكبيرة في جمع ما تداولته وسائل الإعلام عن هذه الثورة تذهب هباء منثورا؛ لأنه لم يبيّن صحتها من عدمها، أو يفصّل مكوناتها ويحللها كيفما تطلبت وجودها، أو يستفد من بعضها في شرح الملابسات التي كانت تتداولها، ولم يضف شيئا ذا أهمية من عنده، بل اكتفى بوضعها كما جاءت، ليضيفها لـ (ثقل كفة الميزان الواحدة فقط).. وأحيانا يضع بعضا من مقالات وأقاويل وتصريحات منقولة؛ ليملأ بها فراغ الموضوع الذي يتحدث عنه، ولا تكون معظمها ذات فائدة توثيقية.

يذكر الناصري في كتابه “فن كتابة التاريخ” بعضا مما أشرتُ إليه، فيقول: “التاريخ هو الوثائق والمخطوطات، وبدونهما لا يمكن كتابته، وأي تاريخ يكتب في غيابهما، تاريخ وهمي يتوجب النظر إليه بعين الشك وهو في نظرنا قمامة التاريخ”.
ولا أعتقد أن كثيرا من وسائل الإعلام لدينا خصوصا المقروؤة (في تلك الفترة)، ووسائل الإعلام المرئية الأخرى (التي تبتعد مسافة سنوات ضوئية عن واقع الأحداث العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لدينا في معظم الأوقات) أو الإلكترونية، لا أعتقد بأنها تعتبر وثائق هامة لسرد تاريخ هذه الثورة.

– مغالطات بالمجان .. وأحداث في طي النسيان:

ونرى الكاتب يقع في خطأ التوثيق التاريخي في عدة مواضع، وأنا أعتقد بأن السبب في ذلك اعتماده المباشر على وسائل الإعلام أو حديث العوام.. ومن المغالطات التي وقع فيها المؤلف، أذكر قولاً أجعله يُنصّب مثالا لمغالطات كُثر من أماكن عديدة في الكتاب، ففي مستهل فصله (الأربعاء 16 فبراير – ص 39) يكتب: “بمفرده وقف شاب.. عادل الحاسي في شارع عمر المختار، يهتف: الشعب يريد إسقاط النظام…إلخ. وسرعان ما جاءت إحدى سيارات الأمن، ونزل منها رجال الأمن الداخلي يريدون اعتقاله. وهنا تقدمت امرأة متقدمة السن كانت مارة..مريم المصراتي.. إلخ”. هذا الحدث الذي رواه بأكثر من عشرة أسطر في الكتاب كان يوم الخميس 17 فبراير، وليس الأربعاء..!! ثم بنى عليه الأحداث الموالية له وانطلق يسرد.

هناك مثال آخر فيما يخص المغالطات، كتبه المؤلف.. وأنا أرى فيما أرى غرابة لم أجد لها تفسيراً .. ففي ختام (مدخل الكتاب ص 28) يقول: “… ولا ننسى أن نسبة عالية من الشباب، خاصة من هم فوق سن العشرين، كانوا على دراية باستعمال السلاح الذي وجدوه في معسكرات النظام.. لأنهم كانوا قد مروا بتجربة التجنيد الإجباري، وما كان يسمى بالشعب المسلح والتدريب في المدارس والجامعات.. وهي تجربة علمتهم استعمال الأسلحة”… !! أولا: التجنيد الإجباري بالمعسكرات الذي كان يراد به إخفاء عملية محاولة النظام لعزل وطمس الجيش الوطني، هذا التجنيد يعرفه جمعينا، لم يكن في ليبيا ذا شأن عظيم بحيث يمكّنك من التعلم الحقيقي لاستعمال السلاح، ثانيا: بخصوص دروس مادة العسكرية (النظرية – والعملية) هي أيضا لم تكن ذات قيمة تذكر؛ لتعطي الطلبة دراية باستعمال السلاح أو بمعرفته أيضا.. ثم أني لم أرَ (على الأقل للشباب في فترة الجيلين الأخيرين الذين قادوا الحملة العسكرية في ثورة فبراير) لم أرَ أية مادة عسكرية درست لهم في الجامعات الليبية سواء نظريا أو عمليا.

هناك أحداث هامة جدا ومفصلية، لم يتم حتى الإشارة إليها من قبل الكاتب، مثلا، وما أعطى مثالا واحدا إلا للإيجاز: طريقة الحصول على السلاح في المناطق المحررة، خصوصا بنغازي التي كان يقف الكاتب على مقربة من أحداثها (على حد قوله) لم يُشر إليها، فهي أهم مرحلة لـ “عسكرة الثورة”،لم يذكر في فصل (الأحد 20 فبراير.. سقوط الكتيبة) حادثة اقتحام أول معسكر في بنغازي (معسكر 7 أبريل) الذي كان سلاحه البسيط وقودا أشعل غضب الشباب؛ لاقتحام باقي معسكرات المدينة والمحيطة بها!!.. التي بعدها تحولت الثورة السلمية إلى مقاومة مسلحة لنظام أبى أن يستجيب لمطالب الشعب.

-زهايمر الفهرسة:

أراد المؤلف أن يجعل كتابه سلسلة متتالية من أبرز أيام الثورة، فوقع في عشوائية الفهرسة.. فنلاحظ أن هناك عدم انتظام في تسلسل السرد، وهنا أذكر مثالا عما أقصده، ففي فصل (عبر بوابات الطاغية ص 299) يقول: “حدثني الشاب أسامة الدالي عن رحلته من طرابلس إلى بنغازي هربا من رعب القذافي: قررنا.. نروحوا.. كانت السيارات شبه معدومة… إلخ”. وقد جاء هذا الفصل بين الفصلين (الإثنين 11 أبريل) و(الثلاثاء 12 أبريل) ولا أدري لما وضعه الكاتب هنا تحديدا، خصوصا أن ما سرده “أسامة” – الذي تربطني به صداقة وثيقة – قد حدث في العشرة أيام الأخيرة من شهر فبراير 2011، وليس له علاقة البتة بما يحتويه الفصلان المشار إليهما سالفا!! وكأنه (المؤلف) قد تناسى أن يراجع تسلسل التواريخ التي وضعها، وكأنه قد رأى أن ما تحصل عليه من هذا الشاب يعد كلاما هاما، فوضعه أينما وضعه وحسب.

وأيضا فيما يخص جهد الكاتب في العمل على المعلومات الإعلامية وترتيبها حسب تقسيمته للكتاب، نراه في أوقات عديدة يضع خبراً منقولاً من وكالة أنباء أو من صحيفة أو غيرهما، يضعه بتاريخ (الأمس) في اليوم الحالي، مما يجعل القارئ هو من يجتهد لتنظيم التواريخ حسب الفصول، فيضيع الترتيب الزمني للأحداث بين (زهايمر فهرسة الكتاب).. مثال ذلك: فصل (الجمعة 25 مارس ص 245).. “رويترز، أ ف ب: أعلن الاتحاد الأفريقي أمس، أنه يعتزم التوسط.. إلخ”.

– فقدان الشك والنقد لدى المؤلف:

بخصوص ما يأتي من أخبار العباد وألفاظهم السردية والتخيلية، وأحيانا المتضخمة ببطولات لا يعلم أحد صحتها، فقد استمد المؤلف بعضا – ممن أراد أن يحكي – من تفاصيل يجعلها خاصة وجديدة لم تصل لأحد من قبل..!! وفي النظر لفصل (طرابلس.. ما لم يرصده الإعلام – ص 561) نرى كثيراً من الروايات المنقولة عن أشخاص من العاصمة، نراها روايات طفيفة ناقصة وغير مفيدة، ومعظمها معلومات مكررة تناقلها الناس في المدن المحررة عند حديثهم عن العاصمة.

الشك والنقد هما إحدى أهم الصفات الواجب توافرهما عند المؤرخ وكاتب المذكرات.. عليه أن يشك في أية رواية تنقل إليه سماعا أو كتابة، فالمعروف أن التاريخ يتأثر بالأهواء الفردية والنزعات الإنسانية، والتوجهات الاجتماعية، والقومية..

-خفة البلاغة .. مقارنة بوزن الكتاب الثقيل:

لما للبلاغة من أصل ثابت مكوّن من ثلاثة عناصر أو (علوم) مرتبطة، فأي نقص في إحداهن يجعل العمل المكتوب غير مكتمل المعنى، والبلاغة – كما هو سائد ومعروف – هي: “الإيجاز في غير إخلال، والإطالة في غير إسراف”.. وكاتبنا قد أخلّ في الإيجاز، وأسرف في الإطالة”.. نراه يسرف بوضع مقالات لا تغني هدف الكتاب بشيء، مثلا: فصل (ثورة بدون ص 605)!! نلاحظه يخل في الإيجاز، ويختصر الأسطر إلى ثلاث كلمات، ويصبح وجودها غير مفهوم، وغير مهم، وغير معلوم السبب، مثلا: فصل (الخميس 7 أبريل ص 287) الذي استهله بـــثلاث كلمات: “زلزال في طوكيو”.. وقس على ذلك أيضا.

الهوامش غابت في أغلب المواضع، فلم يبين جغرافية المدن الليبية، ولم يوضح كلمات اللهجة الليبية الكثيرة في الكتاب، ولم يشرح بعض المكونات (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأهلية) التي تسردها الأخبار داخله.. وغير ذلك.

هناك أيضا بعض الكلمات التي تستخدم في الشارع، كان يجب على المؤلف ألا يضعها، فصياغة الكتابة لا تتقبلها، وإن اضطر ورأى أنها مهمة، فالواجب عليه تبيانها وإيضاحها عبر هوامش الكتاب، فمثال ذلك حين يكتب: “القناة القنفودية” وكفى، والمقصود بها “قناة الجماهيرية” القناة الفضائية الرسمية لليبيا إبان حكم القذافي، العالم

-نقطة ختام:

عندما انتهيتُ من طوي آخر صفحات الكتاب المكوّن من 700 صفحة وأتممت قراءة فصله الأخير (حزن في زمن الثورة ص 700) شعرت بحزن شديد، ليس لتأثري بكلام الكاتب، بل لأن خيبة أمل أصابتني، لصدور كتاب آخر لم يتناول أحداث ثورة 17 فبراير كما يجب تناولها.. فإنه تماما كالكتب التي سبقته، وإني لم أشهد لليوم بأن مؤرخاً معاصراً لها قد أبدع الحديث، وأحسن الفهم، وجمع الوثائق عنها، وأني حين أردت التوقف هنا عن إكمال دراسة الكتاب ونقده، كان لي سبب خاص، هو أنني إذا أردت الكلام عنه بتفصيل، فأني سأكتب من الشبه فيه مثيل، وسأكتب قراءة عنه تساويه بالمثل في عدد صفحاته.. لذا كان عليّ أن أضع نقطة الخاتمة، وأتفرغ في أمر آخر أهم… (نقطة).
 
                                  نشر بصيحفة الكلمة بتاريخ 2012/1/20

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: