أبوبكر فرج الشكري : مكتبة الملك إدريس الأول بمدينة درنة… طموحٌ يعانق السماء.

 

صورة شخصية  ابوبكر فرج الشكري

هي درنة الزاهرة ، مدينة الزهور ، مدينة الصحابة رضي الله عنهم ، المدينة الوديعة التي تستريح بين الجبل الأخضر الأشم والبحر المتوسط الخضم .

درنة التي يجد السائر في أزقتها عبير الورود والرياحين ويري ( عراجين ) الموز وعناقيد العنب تتدلى بين جدران دورها العتيقة ، ويشاهد مياه شلاّلها تجري عبر السواقي إلى بساتينها اليانعة راسمة صورة رائعة للجمال والسحر تأخذ الألباب وتلهم الشعراء والأدباء والكُتاب .

درنة التي يمثل سُكانها سكان ليبيا كلها، جاءوا إلى هذه البلدة الطيبة من كافة إرجاء الوطن ، بل ومن بقاع أخرى من العالم الإسلامي ، وفيها انصهروا في بوتقة واحدة حتى أصبحت لهم عاداتهم وتقاليدهم الموحدة والمميزة وعرف عنهم طيبتهم وكرمهم وحسن عشرتهم .

تصور لشكل المكتبة بعد انتهاء المشروع

تصور للشكل النهائي لمشروع مبنى مكتبة الملك إدريس

هذه هي درنة قبل أن تمتد إليها أيادي الفساد والدمار عقب كارثة زلزال سبتمبر 1969 الذي ضرب ليبيا فأشاع في كل بقاعها الخراب ، ولكن الأنصبة تفاوتت ، فكانت درنة من بين أكثر المدن حظاً وأوفرها نصيباً من ذلك العبث والفساد والدمار والإهمال والتهميش الذي ظل يُكبلها ويقهرها طيلة ذلك العهد البغيض ، عهد الانقلاب المشؤوم ، إلى أن قضى القادر المقتدر بزوال ذلك الكابوس وسقوط ذلك الطاغوت وزوال حكمه الظالم المستبد إلى غير رجعة بإذن الله لتبدأ هذه المدينة العريقة في تلمس أثار ماضيها التليد المجيد لتعود له بفضل الله سبحانه ثم بفضل تضحيات و نضالات و مجهودات أبنائها الغيورين المخلصين .

في درنة مدينة الزهور كان للملك الصالح إدريس السنوسي مؤسس دولة ليبيا الحديثة ومليكها الأول – رحمة الله عليه – بيتٌ يعرف ( بقصر الزهور ) لا يختلف عن غيره مما كان يسمي بالقصور الملكية التي لم يكن لها من القصور غير الاسم فقد كانت – كلها تقريباً – عبارة عن مباني قديمة شيدها المستعمرون الطليان وتم بعد الاستقلال ترميمها وصيانتها ، لتكون قصورا ملكية كما ذكرنا . وقد تنازل ذلك الملك الزاهد – رحمة الله عليه- فيما بعد عن ( قصر الزهور ) لوزارة التربية والتعليم بمدينة درنة .

بعد قيام ثورة 17 فبراير المباركة بادر سكان مدينة درنة بإقامة مشروع ثقافي طموح هو عبارة عن مكتبة لجمع كل ما يتعلق بتراث وتاريخ هذا الوطن – الذي قام الانقلابيون ومن سار في ركبهم بطمسه أو العبث به وتزويره – وفي لمسة وفاء وعرفان من سكان هذه المدينة الرائعة تجاه الملك الراحل محمد إدريس السنوسي رحمة الله عليه اختاروا لهذا المشروع الثقافي اسم (مكتبة الملك إدريس الأول) واختاروا أن يكون مكان هذه المكتبة ( قصر الزهور ).

شعار المكتبة

شعار مكتبة الملك إدريس

لإلقاء مزيد من الضوء على هذا المشروع وأهدافه وطموحات القائمين عليه، كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ الفاضل الباحث والكاتب السيد يوسف عبد الهادي الحبوش أحد سكان مدينة درنة والعضو الناشط باللجنة التأسيسية لمكتبة الملك إدريس الأول .

وبعد الترحيب به تقدمنا له ببعض الأسئلة التي تفضل بالإجابة عنها مشكوراً :

· سيد يوسف : هل لك أن تضعنا في صورة هذا المشروع . وكيف بدأ ؟

ـ أولا كل الشكر لصحيفة الكلمة الرائدة التي أثبتت نجاحها ومصداقيتها في وقت قياسي والشكر موصول للأستاذ محمد المزوغي الذي تفضل وعرض كل مساعدة يحتاجها مشروع مكتبة الملك إدريس ولا يستغرب الشيء من معدنه .

أما عن هذا المشروع فقد انطلق من مبادرة لأهالي منطقة درنة أثناء ثورة فبراير المجيدة وتحديدا في شهر ابريل سنة 2011 م حين تقدموا بعريضة مذيلة بتوقيعاتهم إلى المجلس المحلي مطالبين فيها بتحويل القصر الملكي ( قصر الزهور ) إلى مكتبة تسمى ( مكتبة الملك إدريس الأول ) وتلقف المجلس هذه الفكرة مشكورا وأصدر بدوره قراريه أرقام ( 41 – 58 ) لسنة 2011 م القاضيين بتخصيص مبنى قصر الزهور لإنشاء المكتبة وتشكيل لجنة تأسيسية لها .

· نريد نبذة تاريخية بسيطة عن هذا القصر ( قصر الزهور ) ؟

ـ هذا القصر بني في العشرينيات من القرن الماضي ليكون سكنا للمتصرف الايطالي وبعد الاستقلال تم تخصيصه كقصر من ضمن القصور الملكية وحظي بانعقاد دورة برلمانية فيه , وفي سنة 1966 م استلمته المربية الفاضلة ” فتحية عاشور” مديرة التعليم في منطقة درنة في ذلك الوقت اثر مبادرة ملكية قضت بمنحه إلى مديرية التعليم ، وللعلم فإن الملك الصالح إدريس السنوسي تنازل عن معظم قصوره واستراحاته لينتفع بها الشعب في دولته الوليدة آنذاك فقد خصص قصر المنار في بنغازي ليكون نواة أول جامعة ( الجامعة الليبية ) وقصر الغدير ليكون مقرا للكلية الملكية العسكرية – كلية الضباط – ( الذين انقلبوا عليه فيما بعد ) ومن الجدير بالذكر أن قصر الزهور تضرر أثناء ثورة فبراير بعد هجوم المتظاهرين عليه وحرقه لأنه كان مقرا لما يسمى بالفعاليات الشعبية والحرس الشعبي واعتقل فيه الناس إبان ما يسمى بالتطهير ولكنه سيعود بإذن الله كما أراد له الملك إدريس رحمه الله منارة للعلم والثقافة.

قصر الزهور الآن

· هل ستتخصص هذه المكتبة في تاريخ الملك إدريس السنوسي رحمه الله ؟.

ـ الهدف من إنشاء هذه المكتبة هو ما تضمنته وثيقة التأسيس التي تعاهد عليها المؤسسون ، وتاريخ ليبيا عموماً سيكون عنصراً أساسياً في المكتبة إلى جانب المعارف العامة فمثلا ستكون هناك المكتبة الورقية والمكتبة الرقمية التي ستعوض أي نقص في الكتب يفرضه صغر المساحة وجهزت قاعة للعرض المرئي والمحاضرات والتي ستستقبل المحاضرين وتلاميذ المدارس بشكل دوري وفي المكتبة قاعة مناسبة خصصت للوثائق والمهتمين بها وهذه ستكون من المهام الأساسية للمكتبة ، وسيتم بعون الله تجهيز هذه المكتبة ليتعامل معها ذوي الاحتياجات الخاصة حيث ستزال كل العوائق أمامهم لارتياد هذه المكتبة شأنهم شأن كل شرائح وفئات المجتمع ، وأود التنويه إلى أن هذا العمل يتم بإشراف ومتابعة من المهندس احمد الرضا الشريف الذي تطوع مشكوراً بالوقوف على هذا الجانب وهو يعكف الآن على إعداد التصاميم الخاصة بذلك ، كما سيسُتغل كل جزء في القصر لعرض المقتنيات واللوحات التي ستجسد تاريخ ليبيا العريق ، وأيضا ستنبثق من المكتبة الجمعيات الثقافية كالجمعية التاريخية والجمعية الأدبية وهناك مقترح أن ينشأ فيها بيت خبرة ومركز بحثي ، كما يمكن لأي شخص أن يمارس من خلال هذه المؤسسة الثقافية أي نشاط يهدف إلى الرفع من المستوى الفكري والأخلاقي للأجيال من أبناء هذا الوطن المفدى .

· لماذا اتخذتم شعار المملكة الليبية (التاج ) شعارا لهذه المكتبة ؟ .

ـ هذا الشعار الرائع والنادر كان شعارا للدولة الليبية (دولة الاستقلال) وباعتباره موروث تاريخي جميل يجب علينا المحافظة عليه و الاحتفاظ به ولو على مؤسسة ما ، وقد رأت اللجنة التأسيسية للمكتبة ذلك و قررت بالأغلبية أن يقترن اسم الملك إدريس بشعاره .

· هل المكتبة تابعة لوزارة الثقافة حالياً أم أن ذلك ربما يتم في المستقبل إن شاء الله ؟

ـ المكتبة نشأت برغبة ومبادرة من الأهالي وبقرار من المجلس المحلي لمدينة درنة ويغلب عليها الطابع الأهلي التطوعي الذي هو ضمان ديمومتها وتطورها و لذا فنحن نسعى إلي أن تكون رعايتها في المستقبل تحت جناح سلطة المنطقة (البلدية أو المحافظة .. مثلا ) وأن يديرها الأهالي- وهم بالتجربة لا يريدون لمكتبتهم أن تضع رقبتها في مقصلة الروتين الحكومي .

الملك ادريس يستقبل بعض اعيان درنة في قصر الزهور

الملك الراحل ادريس وهو في استقبال بعض اعيان درنة بقصر الزهور

· أستاذ يوسف ما هي مصادر تمويلكم ؟ .

ـ نحن حرصنا كل الحرص على أن لا نقدم انجازا جاهزا للناس وسعينا إلى أن يشارك الأهالي في إنشاء مكتبتهم ويتفاعلوا مع مشروعهم ، فاستحدثنا – وبدورة مالية دقيقة ومتابعة من المجلس المحلي – شهادات مساهمة بفئات مختلفة صممت من واقع العملة الليبية ( عملة المملكة الليبية ) لإضفاء الطابع التاريخي الجميل على تلك الشهادات . وبالفعل فقد قام الأفراد والأسر بالمساهمة في المشروع عن طريق الحصول على هذه الشهادات ، وقد كان لهذا التمويل أثراً معنويا أكثر من أثره المادي كما ساهم المجلس المحلي لمدينة درنة بشكل فعال في هذا المشروع بالإضافة لقيامه بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي من أجل المساهمة في دعم هذا المشروع الامر الذي سيعيننا على أن نخطو خطوات سريعة بإذن لله تعالى .

· وماذا عن وزارة الثقافة ما دامت المكتبة لا تتبعها ؟

ـ السيد وزير الثقافة “عبد الرحمن هابيل” كان له مواقف طيبة ومشكورة وقدم بعض الدعم , ولكن قد يكون عدم تبعيتنا للوزارة حال دون دعمها للمكتبة بشكل مناسب واعتقد أن العقدة الثانية التي كانت في المنشار – وفي خضم هذا البحر الهائج من الاتهامات – هي حتمية توجيه الاتهام فورا إلى الوزير بالانحياز لمدينته إن أقدم هو على دعم المشروع ونحن نقدر ذلك ونلتمس له العذر ونشكره جزيل الشكر على ما قدم لنا .

متى سنتشرف بحضور حفل افتتاح هذه المكتبة أستاذ يوسف ؟

ـ قريبا إن شاء الله وخطوات وئيدة واثقة خير من قفزات مرتجلة غير مدروسة و نحن حريصون على أن نستعين بالخبرات المناسبة في الموضع المناسب حتى نستكمل المشروع على الشكل المرضي ونؤدي الأمانة التي أنيطت بأعناقنا على أكمل وجه .

· أخيرا في ختام هذا الحوار سيد يوسف ماذا تود أن تضيف ؟

ـ أريد أن أدعوا المسؤولين في الدولة وبعجل أن يحصروا جل اهتمامهم نحو الجيل الصغير ، فالفئات العمرية الواقعة بين 6 و 15 سنة ستكون أعمارهم بعد عشر سنوات فقط من الآن قد وصلت إلى ما بين 16 و 25 سنة ، فهؤلاء إن تلقوا تعليماً وتأهيلاً تربوياً ومعرفياً جيداً ومكثفاً سينتج جيل كامل سوي في فترة وجيزة جدا وهو من سيكون عليه عبء النهوض بالوطن في القريب العاجل وأقول: إن كان لدينا “عشرة دنانير” فلننفق منها “ثمانية” على التعليم والثقافة . وبخصوص مكتبة الملك إدريس الأول أود الإشارة إلى أنه يمكن متابعتنا على صفحتنا على موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك ).

ختاماً نشكر الباحث والكاتب الأستاذ الفاضل السيد يوسف عبد الهادي الحبوش عضو اللجنة التأسيسية لمكتبة الملك إدريس الأول على إتاحته لهذه الفرصة لنا ، للتعرف والتعريف بهذا المشروع الثقافي الحضاري الطموح ونتمنى له ولزملائه التوفيق حتى نري هذا المشروع وقد تجسد على أرض الواقع كما يأملون .

( حاوره – أبوبكر الشكري )

17 / 11 /2012

[ نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم (82) الصادر بتاريخ 2 ديسمبر 2012 م ].

Advertisements

One response to “أبوبكر فرج الشكري : مكتبة الملك إدريس الأول بمدينة درنة… طموحٌ يعانق السماء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: